الفصل الخامس

8 0 00

الفصل الخامس

لديك بريد إلكتروني

الرغبة في معرفة شخصٍ ما معرفة تامّة هي وسيلة امتلاكه، وسيلة لاستغلاله. هذه رغبة مخزية ينبغي التخلّي عنها

جويس كارول اوتيس

سان فرانسيسكو، منتصف الليل

وجّه جوناثان ضربة عنيفة لغطاء النيون المعلّق فوق المرآة في الحمّام. كان من المستحيل أن يغمض له جفن. وكان عنفه هذا نابعٌ من حالة التوتّر والحرائق المشتعلة في معدته والتي لم تكفّ عن تعذيبه منذ أن شرب ذلك النبيذ اللعين. محاطاً بهالة من الضوء الشاحب، نبش في أدراج الصيدلية المنزلية بحثاً عن مضاد للقلق ودواءٍ مهدّئٍ للمعدة. بعد أن وضع يده على هذين القرصين، انتقل إلى المطبخ لكي يبتلعهما مع جرعةٍ من المياه المعدنية.

خيّم الصمت على المنزل فقد كان ماركوس وشارلي وحتى بوريس نفسه قد أصبحوا منذ زمنِ طويل بين ذراعي إله الأحلام مورفيوس. بقيت النافذة الشبيهة بالمقصلة مواربة ولكن الطقس لم يكن مع ذلك بارداً. هبّت ريحٌ جاعلة الستارة الخشبية ترتعش

بلطف بينما كان بصيصٌ من ضوء القمر يعبر زجاج النافذة لكي ينير شاشة الهاتف المحمول الذي كان جوناثان قد وضعه على طاولة الشراب لشحن بطاريته. لم يستطع جوناثان أن يتمالك نفسه: بكبسةٍ على الزرّ الوحيد، فعّل الجهاز الذي أصبح في الحال مضاءً وبرّاقاً. أضاء القرص الصغير الأحمر اللون، الأمر الذي يشير إلى أنّ مادلين قد تلقّت رسالة إلكترونية. دفعه نوعٌ من الحاسة السادسة المشفوعة بفضولٍ جامح إلى أن يضغط على الأيقونة لكي يقرأ الرسالة الواردة. كانت الرسالة قد أُرسِلت منذ عشر دقائق، وقد بدا الأمر له في غاية الغرابة، إذ كانت الرسالة موجّهة إليه هو ...

*

عزيزي جوناثان (فلنتجنّب منذ البداية عبارات السيّد لامبيرور والآنسة غرين، هل تمانع في ذلك؟ في المحصّلة، أتصور أنّه إذا كانت الجرأة قد أتتك لكي تقرأ رسالتي، فلا بدّ أنّك أيضاً قد ألقيت نظرةً على صوري وكحّلت عينيك برؤية الصورتين أو الثلاث صور "الفنية" الموجودة في ألبوم صوري. إذاً، أنت رجلٌ شاذّ ومنحرف وهذه مشكلتك أنت ولكن تجنّب قد المستطاع أن تنشرها على صفحات الفيسبوك، لأنني لستٌ متأكّدة من أنّ زوجي المستقبلي سيرتضي هذا الأمر...).

عزيزي جوناثان (مكرّر)، أنا أستغلّ الآن فرصة استراحة الغداء (آه بالمناسبة، الآن الساعة تجاوزت منتصف الظهيرة في باريس) لكي أكتب إليك وأنا أتلذّذ في الوقت ذاته بشطيرة ريليت من اللحم محضّرة على طريقة مانس وبعناية خاصّة من بيير وبول العضوين الدائمين في أخوية فرسان ريليت السارتيين والخبّازين المحترفين الذين يقع متجرهم قبالة

متجري. أنا جالسة الآن تحت الشمس وإلى طاولتهم العامرة بما لذّ وطاب من المأكولات. وبالتالي فمي مليءٌ بالطعام الشهي ويتناثر فتات الخبز على كلّ أنحاء بلوزتي وبقعٌ من الدهون تلطّخ شاشة هاتفك الجميل: أتّفق معك أنّ هذه ليست وجبة فاخرة ولكنّها لذيذة للغاية. أخيراً، ليس أنت مَنْ سأقنعه بضرورة أن يجيد تقدير ملذات الطعام الفاخر والشهيّ...

إذاً يا عزيزي جوناثان، أترك لك هذه الرسالة القصيرة لكي أخبرك بخبرين: خبرٌ سار وآخرٌ سيء: ربّما أنّك تعرف هذا الأمر، ففي بداية هذه العطلة المدرسية، شلّ إضرابٌ هذا البلد الرائع والذي هو فرنسا. المطارات، الطرق السيّارة، وسائط النقل العامّة ومكاتب البريد، كلّها تعطّلت عن العمل. منذ قليل وجد صانعي الشاب، تاكومي أبواب مكتب البريد في جادة مونبارناس مغلقاً وبالتالي من غير الممكن أن أرسل إليك حالياً هاتفك المحمول.

أتمنى لك الخير.

مادلين.

لم يكن ردّ فعل جوناثان متوقّعاّ. بعد اثنتي عشرة دقيقة من ذلك، راودته إجابته على رسالة مادلين:

هل تسخرين مني أم ماذا؟ ما حكاية الإضراب هذه؟

إن لم ترسل إليه هاتفه، لم يكن من الوارد أن يرسل إليها هاتفها!

وبعد ثلاثين ثانية، عاجلته مادلين برسالة:

ألا زلت يقظاً إلى هذه الساعة المتأخرة يا جوناثان؟ أنت لا

تنام أبداً، إذاً؟ ألا تكون قلّة النوم هذه سبباً لهذا الخليط من النزق وانحراف المزاج الذي يبدو أنّك تتّسم به؟

أطلق جوناثان تنهيدة طويلة وبعث رسالة جديدة إلى المرأة الشابّة:

في الحقيقة، كنتِ قد وعدتني بخبرٍ سار لتعديل مزاجي...

جاثمة على كرسيّها الصغير، ازدردت مادلين آخر لقمة من شطيرتها قبل أن تجيب سريعاً بالمثل:

هذا صحيحٌ تماماً، ها هو الخبر السعيد: رغم برودة الطقس والإضرابات، الجوّ جميلٌ جدّاً هنا في باريس.

بالكاد كانت قد أرسلت رسالتها الإلكترونية حينما لاحظت ورود ردٍّ لم يتأخّر في الوصول إليها.

حسناً، هذه المرّة على الأقلّ، لم يعد هناك أدنى شكّ: أنّك تسخرين منّي.

لم تستطع أن تكتم ابتسامة على الرغم من قلقها. بمنعها من إرسال جهاز الهاتف إلى صاحبه، وضعها هذا الإضراب في قطّاع الخدمات العامّة في مأزقٍ. لقد جعلها هذا الإضراب تتحمّل عبء مسؤولية لم تكن تريد أن تتحمّله. تُرى هل كان عليها أن تخبر جوناثان عن أمر الرسالة التي تركتها زوجته السابقة التي اتّصلت به من نيويورك لكي تتوسّل إليه أن يعود ويعيش معها من جديد؟ دون قصدٍ منها، كانت مادلين تمتلك معلومة مهمّة لكي تجعله زوجاً ولم يكن هذا يروق لها.

طلبت المرأة الشابّة كأساً ثانياً من النبيذ الذي تشربه وهي تراقب

حركة المارّة والمركبات من خلال زجاج النافذة. كان شارع ديلامبر، القريب من عدّة لافتات ضخمة، يضجّ بالحيوية وفي عطلة نهاية الأسبوع تلك وينتعش بشراء لوازم عيد الميلاد. على الأرصفة المعرّضة لأشعة الشمس، كانت المعاطف الثمينة للسيّدات الباريسيات والسترات الجلدية الفضفاضة للمراهقين والأوشحة المزركشة وقبّعات الأطفال والكعاب التي كانت تنقر على الأرض والبخار الذي كان يخرج من كلّ الأفواه تختلط وتتمازج في حركةٍ تبعث على الثمالة من الألوان الزاهية والوجوه.

أنهت مادلين كأسها من النبيذ وكانت على شيءٍ من الثمالة حينما أمسكت بالريشة – نوعٌ من الكلام – لتكتب الرسالة الأخيرة:

عزيزي جوناثان،

بلغت الساعة الواحدة بعد منتصف الظهيرة. وصلت استراحة غدائي إلى نهايتها ومن الأفضل لي أن أغادر لأنّني إذا بقيتُ لدقيقة إضافية في هذا المحلّ، أشعر بأنني سوف أنهال على التارت المحشي بالتفاح الكندي مع كريّة من البوظة مع كلّ ما تبقّى من مأكولات. "مجزرة" حقيقية كما يقولون في بلادكم، ولكنّها فعلاً سوف لن تكون نزعة معقولة حقّاً، خاصّة قبل أقلّ من أسبوعٍ على رأس السنة. لا بدّ أنّك ستوافقني على ذلك.

يسرّني أن أتحدّث معك ولو بإيجاز وهذا على الرغم من مزاجك السيّئ وفظاظتك وجفائك والتي أدرك تماماً بأنّها تشكّل نوعاً من "علامة المصنع" التي لا بدّ أنّ بعض النساء يجدنها جذّابة. قبل أن أتركك، اسمح لي أن أشبع فضولي وذلك بأن أطرح عليك ثلاثة أسئلة:

1)لماذا يقدّم اليوم مَنْ يُزعَم بأنّه "الشيف الأفضل في العالم" شرحات مشوية في مشربٍ ومطعم بسيط في الحيّ؟

2)لماذا مازلت يقظاً إلى الساعة الرابعة فجراً؟

3)هل لا تزال تحبّ زوجتك السابقة؟

*

ما كادت مادلين تضغط على زرّ الإرسال حتى أدركت أنّها قد ارتكبت حماقة. ولكن بعد أن فات الأوان...

خرجت من مطعم بيير وبول وعبرت الشارع، متثاقلة تحت تأثير النبيذ.

صرخ فيها بورجوازيّ بوهيمي، هبطت غرّة شعره على عينيه، وقد كاد أن يصدمها بدراجته:

-هيه أنتِ! انظري إلى أين تذهبين، أيّتها الحمقاء!

لكي تهرب من الدرّاجة، قفزت مادلين خطوةً إلى الوراء ولكنّها "أوقِفتْ" بفعل زعيق زمّور سيارة رباعية الدفع حاولت أن تتجاوز الدرّاجة من جهة اليمين. تملّكها الخوف وتهرّبت بأعجوبة من الدراجة الرياضية لكي تنتقل إلى الرصيف المقابل وقد انكسر عند مرورها أحد كعبي حذائها الطويل.

اللعنة! تنهّدت وهي تهمّ بفتح باب متجرها لكي تلوذ بأمان حديقتها الاستثنائيه. كانت تعشق باريس ولكنّها كانت تكره الباريسيين.

حينما شاهدها تاكومي تحت تأثير الصدمة، سألها:

-هل أنتِ على ما يُرام، سيّدتي؟

عاتبته لكي تحافظ على رباطة جأشها:

-أنت بطيءُ الفهم يا تاكومي!

استدرك الفتى الآسيوي خطأه:

-عفواً، هل كلّ شيء على ما يُرام يا مادلين؟

نعم، نعم، إنّه فقط هذا الكعب اللعين الذي ...

تركت جملتها غير مكتملة ورشّت بعض الماء على وجهها قبل أن تخلع حذاءها وبلوزتها أمام العينين اليابانيتين لمستخدمها.

-من العبث أنّ تمعن النظر إليّ بهذه الطريقة الشهوانية، سوف لن أذهب بعيداً في حلفة خلع الثياب هذه.

حينما شاهدت أنّ وجه تاكومي قد احمرّ مثل زهرة عود الصليب، ندمت مادلين على تصرّفها بهذه الطريقة ولم تشأ أن يحلّ الجفاء بينهما، فأرادت أن تلطّف الأجواء.

-يمكنك أن تذهب لتناول الغداء. خذ وقتك الكافي، سوف أهتم بنفسي بكلّ شيء.

بعد أن بقيت وحيدة في المتجر، شغّلت المرأة الشابة بإثارةٍ هاتف جوناثان المحمول. كان قد ردّ على رسالتها:

عزيزتي مادلين،

إذا كان يمكن لهذا أن يرضي فضولك، ها هو الردّ على أسئلتكِ:

1)بينما كنتُ كذلك ذات يوم، الآن ومنذ زمنٍ طويل، لم أعد "أفضل شيفٍ في العالم". لنقل بأّنه وبأسلوب كاتبٍ قد فقدتُ إلهامي والشغف الضروري لإنجاز إبداعات خلاّقة. ومع ذلك، إذا ما مررتِ بمدينة سان فرانسيسكو مع صديقكِ العزيز رافائيل، لا تحرموا نفسيكما من المجيء إليّ لكي تتذوّقا "الشرحات المشوية" في مطعمنا. شرحاتنا المتميّزة طرية على نحوٍ مدهشٍ وذات مذاقٍ مذهل، أمّا بالنسبة إلى مالينا،

فهي في الواقع، عبارة عن بطاطا مقلية بالثوم والريحان والبقدونس. "تشكيلة واسعة من البطاطا الفرنسية"، يزرعها بكميات صغيرة منتجٌ محلّي يجده كلّ زبائننا يستوي ويتقمّر في موعده.

2)صحيحٌ أن الساعة قد بلغت الرابعة صباحاً وأنا لا أزال يقظاً. هل تريدين أن تعرفي ما هو السبب؟ ثمّة سؤالان يشغلان ذهني ويجعلانني لا أستطيع النوم.

3) اذهبي واسخري من نفسكِ.

*

شارع أوديسا، دخل تاكومي إلى المطعم الصغير الذي اعتاد أن يتناول غداؤه فيه. ألقى التحية على صاحب المطعم ومن ثمّ جلس بعيداً بعض الشيء في القاعة الثانية وهو أكثر هدوءً وأقلّ تفاعلاً مع صاحب المطعم. طلب طبقاً من ميل – فوي البندورة مع جبن الماعز الطازج: وهو الطبق الخاصّ الذي اكتشفته له معلّمته مادلين. منتظراً وصول طبق المشهيّات، أخرج من حقيبته قاموس جيب لكي يبحث فيه عن معنى كلمة "شهواني" التي اكتشفها بحيرة وارتباك. ولكونه كان يقع في الخطأ، راوده فجأةً شعورٌ لا عقلاني بأنّ جميع زبائن المطعم يلقون عليه نظرات اتّهامية. كانت مادلين تسرّ وتسعد على نحوٍ خبيث باستفزازه وجعله يرتاب في يقينياته ومعالمه. كان يتحسّر لكونها لا تعامله بجدّية وتعتبره مراهقاً أكثر مما تعامله كرجل. كانت هذه المرأة تُسحره كما تُسحره زهرة أسطورية. في غالب الأحيان، كانت تبدو له كما لو أنّها "شمسٌ هائلة" وشقراء مثل زهرة عبّاد الشمس، تنشر من حولها نورها وثقتها وحماستها. ولكن، في لحظات معيّنة، كان يمكنها أن تتحوّل إلى سرّ غامضٍ ومحيّر، على

صورة زهرة السحلبية السوداء: وهي زهرة نادرة يسعى إليها هواة جمع الأزهار والتي تنمو خلال فصل الشتاء على أشجار النخيل في مدغشقر.

*

دخل الزبون في اللحظة غير المناسبة. لكي تخدمه، توقّفت مادلين عن كتابة رسالتها الإلكترونية ودسّت جهاز الهاتف في الجيب الصغير لصدريتها. كان مراهقاً عمره بين خمسة عشر وسبعة عشر عاماً له هيئة بيبي روكور مثلما نصادف البعض منهم لدى خروجهم من المدارس الثانوية في الأحياء الراقية: ينتعل خفّاً من طراز كونفيرس ويرتدي بنطال جينز ضيّقاً وقميصاً أبيض اللون وسترةً مقوّسة من ماركة فاخرة وقد شذّب شعره بمهارة من دون أن يمشّطه.

-هل يمكنني أن أساعدك؟

شرح لها الفتى وهو يضح الحقيبة الجلدية لغيتاره على كرسيّ:

-أنا ... أوه... نعم، أريد أن أشتري زهوراً من فضلكِ.

-آه ممتاز. لو أنّك طلبت مني فطائر الكرواسان، لتعذّبت أكثر بكثير.

-ماذا؟

-لا أبداً، لا شيء، لا تبالي بالأمر. هل تريد باقة دائرية أم أزهاراً كبيرة؟

-حسناً، في الحقيقة لا أعرف شيئاً عن هذه الأمور.

-هل تريدها أعشاب زينة أم أزهاراً ملوّنة؟

رد المراهق وكأنّ مادلين كانت تخاطبه باللغة العبرية:

-ماذا؟

بالتأكيد، ليس الأكثر مهارة من جيله، قالت مادلين لنفسها وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها وابتسامتها.

-حسناً، هل يمكننا الحصول على شيءٍ ما بثلاثمئة يورو؟

هذه المرّة، لم تستطع أن تتمالك تنهيدة: كانت تكره الناس الذين ليس لديهم أيّ إدراك لقيمة المال. في جزءٍ من ثانية، طفت بعض ذكريات طفولتها على السطح: السنوات التي كان والدها فيها عاطلاً عن العمل، تضحيات عائلتها لكي تتاح لها فرصة إكمال دراستها... كيف يمكن أن توجد هذه الهوّة الكبيرة بين هذا الصبي الذي ولِد وفي فمه ملعقة من ذهب وبينها هي حينما كانت صبيّة؟

-حسناً، اسمع أيّها الصبيّ الصغير، أنت لا تحتاج إلى ثلاثمائة يورو لكي تشتري باقة من الزهور. في كلّ الأحوال، ليس في متجري، هل فهمت؟

ردّ الصبي باسترخاء:

-نعم، فهمت.

-إذا، لمن ستكون هذه الزهور؟

-لامرأة.

رفعت مادلين عينيها إلى السماء.

-أهي لأمّكَ أم لصاحبتك الصغيرة؟

ردّ الصبي وهو أكثر ارتباكاً:

-في الحقيقة، هي لإحدى صديقات أمي.

-حسناً، وما هي الرسالة التي تودّ أن توصلها من خلال هذه الباقة؟

-رسالة؟

-بأيّ هدفٍ ستقدّم لها هذه الأزهار؟ هل لكي تشكرها على أنّها قد أهدتك بلوزة بمناسبة عيد ميلادك أم لتقول لها شيئاً آخر؟

-أوه... بل الحلّ الثاني.

سألته وهي تهزّ رأسها:

-اللعنة، هل الحبّ ما جعلك مغفّلاً أم أنّك دائماً هكذا؟

لم ير المراهق بأنّه من المفيد أن يجيب على سؤالها. ابتعدت مادلين عن طاولة المحاسبة وشرعت بإعداد باقة من الزهور.

-ما اسمك؟

-جيريمي.

-وصديقة أمّك، كم تبلغ من العمر؟

-أوه... هي أكبر سنّاً منك في كلّ الأحوال.

-وبرأيك، كم أبلغ من العمر؟

هنا أيضاً، آثر الصبي أن لا يردّ على سؤالها، ربّما لكي يبرهن لها بأنّه ليس بدرجة البلاهة التي كان مظهره يوحي بها.

شرحت مادلين وهي تقدّم له باقة من الزهور:

-حسناً، مع أنّك لا تستحقّها، ولكن ها هي أفضل الأزهار. هذه أزهاري المفضّلة: أزهار البنفسج من تولوز، إنّها بسيطة وظريفة وأنيقة في آنٍ واحد.

أبدى الصبيّ إعجابه بالباقة:

-إنّها جميلة للغاية، ولكن بلغة الزهور، على ماذا تدلّ هذه الباقة؟

هزّت مادلين كتفيها:

-دعك من لغة الزهور، قدّم ما تراه جميلاً، وهذا كلّ ما في الأمر.

ألحّ عليها جيريمي بالسؤال:

-ومع ذلك، ليتكِ تخبريني.

تظاهرت مادلين بأنّها تفكّر بالأمر.

-في ما أسميته أنت "لغة الزهور"، أزهار البنفسج تمثّل التواضع والخجل ولكنّها ترمز أيضاً إلى الحبّ السريّ، وبالتالي إذا كنت تخشى أن يبدو هذا الأمر غامضاً، يمكنني أن أجهّز لك باقة من الورد الجوري بدل هذه الأزهار.

ردّ الفتى وقد أفرج عن ابتسامة عريضة:

-كلا، كلا، أزهار البنفسج تناسبني تماماً.

دفع قيمة باقة الزهور وفي اللحظة التي غادر فيها المتجر، شكر مادلين على نصائحها.

وبعد أن أصبحت أخيراً لوحدها في المتجر، أخرجت هاتفها المحمول واستعجلت في إتمام كتابة رسالتها:

أعتذر منك ألف اعتذار يا جوناثان على هذا التطفّل على حياتك الخاصّة بهذه الطريقة التي تفتقر إلى اللطافة. العتب على الكأس الإضافي من النبيذ الذي شربته والذي جعلني أكتب بطريقة أسرع من ظلّي (نبيذٌ أبيض ذو طلاوة من طراز فوفراي بنكهات العسل، والورد والمشمش. لا شكّ أنّك تعرف هذا النبيذ، وفي هذه الحالة، سوف تعذرني ؛-)

أعتقد أنّ إضراب مكتب البريد سوف لن يستمرّ إلى الأبد، ولكن تجنّباً للتعرّض لأي مخاطر، سوف أتّصل بشركة نقل خاصّة. لقد اتّصلت بساعٍ للبريد سوف يأتي بعد ظهيرة اليوم

ليأخذ هاتفك. حتى مع حساب عطلة نهاية الأسبوع وأيام الأعياد، أكّد لي بأنّك سوف تستلم هاتفك قبل يوم الأربعاء.

اسمح لي أن أتمنّى لك أعياداً سعيدة وكذلك لابنك.

مادلين.

ملاحظة: أنا فضولية، أرجو المعذرة. لقد كتبت لي في آخر رسالة بأنّك إذا كنت لا تزال يقظاً حتى منتصف الليل فذلك لأنّ ثمّة سؤالان يشغلان ذهنك ويمنعانك من النوم. هل من التطفّل إن سألتك ما هما؟

*

عزيزتي مادلين،

تريدين أن تعرفي ما هما اللغزان اللذان منعاني من النوم.

حسناً، ها هما:

1-أتساءل مَنْ يكون إيستيبان.

2-أتساءل لماذا تشيعين الاعتقاد عند المحيطين بكِ بأنّكِ تسعين إلى أن يكون لديكِ طفل في حين أنّكِ تتّخذين كلّ الاحتياطات والتدابير بالضبط لكي لا يكون لديك طفل...

*

اجتاحت مادلين موجة من الرعب، فأطفأت الهاتف وابتعدت عنه كما لو أنّها تهرب من خطرٍ داهم.

لقد علِم بالأمر! هذا الرجل قد نبش في هاتفها النقّال وأصبح يتكهّن حول إيستيبان وحول الطفل!

سالت قطرة عرق على طول عمودها الفقري. سمعت قلبها وهو يدقّ في صدرها. ارتعشت يداها وأحسّت أنّها تترنّح على ساقيها.

كيف أمكن ذلك؟ مفكّرتها وبريدها الإلكتروني، بكل تأكيد...

انحفر فراغٌ هائل غير منتظر في جوفها وكان عليها أن تقاوم لكي لا تنهار وتخرّ أرضاً. كان عليها أن تهدّئ من روعها: بهذه العناصر وحدها، لم يكن بوسع جوناثان لامبيرور أن ينال منها. طالما لم يضع يده على أمورٍ أخرى، لم يكن هذا بالتهديد الحقيقي.

ولكن كان يوجد في أحشاء هاتفها النقّال وثيقة كان يجب ألا تُكتَشف بشكلٍ خاصّ. أمرٌ لم يكن من حقّ مادلين أن تحتفظ به. أمرٌ سبق له أن قوّض حياتها وقادها إلى حافة الجنون والموت.

من الناحية النظرية، كان سرّها محفوظاً جيّداً. كان لامبيرور منقّباً سيّئاً، لم يكن بارعاً في المعلوماتية، ولا مبتزّاً ونصّاباً. كان يلعب معها ويتسلّى بها ولكن ولو أنّها لم تحذف تلك الوثيقة فسوف تعييه الحيلة ولن يعثر عليها.

على الأقلّ، هاذا ما كانت تأمله.