الفصل الثاني
حياتان منفصلتان
من المرعب أن نكون وحيدين حينما نكون اثنين
بول موران
أرسل جوناثان أوّل رسالة نصّية قصيرة...
والتي ردّت عليها مادلين في اللحظة نفسها تقريباً:
هزّ جوناثان رأسه بانزعاج ودسّ الهاتف في الجيب الداخلي لسترته. لقد أسخطته هذه المرأة.
*
سان فرانسيسكو
الساعة التاسعة والنصف مساءً
غادرت سيارة بيجو 4L قديمة، لونها أحمر غامق الطريق العامّ 101 لكي تسلك المخرج الذي يؤدّي إلى داونتاون. سارت السيارة القديمة مثل عجلٍ على طريق أمبيركاديرو للواجهة البحرية في ميناء سان فرانسيسكو، وهي تعطي الانطباع بأنّها تسير ببطء. عبثاً كانت درجة التدفئة في أقصاها، فقد كان زجاج السيارة مغبشاً بالبخار.
قال جوناثان متشكيّاً وهو يتكوّم في المقعد بجانب السائق:
سوف تُخرجنا عن الطريق بكومة الخردة خاصّتك هذه!
دافع ماركوس عن نفسه ، قائلاً:
كلا، كومة الحديد خاصّتي تُصدرِ خريراً. لو تعلم كيف زخرفْتها!
بدا ماركوس بشعره الملتصق والمنفوش وحاجبيه المشعّثين وذقنه التي لم يحلقها منذ ثمانية عشر يوماً وأجفانه السابلة مثل دروبي، وكأنّه قادمٌ من عصرٍ آخر – عصر ما قبل التاريخ – بل، لبعض الأيام، من كوكبٍ آخر. وهو يتماوج في بنطالٍ من ماركة باجي وقميص هاوايّ مفتوحٍ حتى صرّته، بدا شبحه الكسيح وكأنّه قد عوِّج وفُكّك لكي يُحشى في حُجرة السيارة. وهو ينتعل زوجاً قديماً من أحذية تونغز، كان يقود السيارة بقدمٍ واحدة، كان كاحله موضوعاً على دوّاسة الفاصل والواصل بينما يتعاقب مشط قدمه على الضغط على دوّاسة السرعة ودوّاسة المكابح.
قال شارلي بحماسة وهو يهتزّ في المقعد الخلفي:
أمّا أنا، فأحبّ كثيراً سيارة الخال ماركوس!
رد عليه ماركوس وهو يغمزه:
شكراً أيّها الصبيّ العزيز!
أمره جوناثان:
شارلي! اربط حزام الأمان وكفّ عن التأرجح في كلّ الجهات.
ثمّ التفت إلى صديقه:
هل مررت على المطعم بعد ظهيرة اليوم؟
أوه ... مطعمنا مغلق اليوم، أليس كذلك؟
ولكنك استلمت البّطات على الأقلّ، أليس كذلك؟
أيّ بّطات؟
أفخاذ البّطات والجرجير التي يرسلها إلينا بوب وودمارك كلّ يوم جمعة.
آه! كنتُ أقول في نفسي أنني قد نسيتُ أمراً ما!
استشاط جوناثان غضباً:
يا لك من شخصٍ أحمقٍ وعنيد! كيف نسيت الأمر الوحيد الذي طلبت منك أن لا تنساه؟
برطم ماركوس:
هذه ليست كارثة أيضاً...
بل كارثة بالضبط! حتى وإن كان وودمارك شخصاً سمجاً لا يُحتَمَل، فإنّ مزرعته تقدّم لنا خيرة منتوجاتنا. إذا تخلّفت عن موعدٍ حدّدته معه، سوف يكرهنا ولن يرغب في أن نكون زبائنه. اسلك
الطريق نحو المطعم: أراهنك على أنّه قد ترك حمولته في الفناء الخلفي للمطعم.
طمأنه ماركوس:
يمكنني أن ارى ذلك بمفردي. سأصل أوّلاً إلى المنز...
قاطعه جوناثان:
كلا! أنت لست سوى ضنيكٍ لا يمكن الاعتماد عليه، وبالتالي سأتولى الأمور بنفسي.
ولكنّ الصغير منهوك القوى!
قال شارلي بمرح:
كلا، كلا! أنا أيضاً أريد الذهاب إلى المطعم!
جزم جوناثان وأمر ماركوس وهو يمسح بكمّ قميصه البخار المتكثّف على الزجاج:
هكذا، سوي الأمر. اسلك الشارع الفرعي على مستوى الشارع الثالث.
ولكنّ السيارة القديمة من طراز 4L لا تستطيع أن تندفع في خطّ سيرها. فعجلاتها الضيّقة تفتقر إلى التشبّث المحكم بالأرض وقساوة المقود أثناء تغيير الاتجاه كادت أن تتسبّب بحادثٍ.
صرخ جوناثان:
هل ترى جيّداً أنّك لا تتحكّم بكتلة الطين هذه؟ اللعنة، سوف تقتلنا!
أكّد ماركوس وهو يعدّل اتجاه المقود وسط جوقة من الزمامير المبالغة:
أنا أفعل ما بوسعي القيام به!
وهو يصعد شارع كيرني ستريت، استعادت المركبة القديمة شيئاً من التوازن والاستقرار.
سأل ماركوس بعد صمتٍ طويل:
هل لأنّك قابلت أختي أنت في هذه الحالة؟
صحّح له جوناثان:
فرانسيسكا ليست سوى أخت غير شقيقة لك.
كيف حالها؟
رمقه جوناثان بنظرة عدائية:
إذا كنت تعتقد بأننا قد أجرينا مكالمة ودّية...
كان ماركوس يدرك بأنّ الموضوع حسّاس ولذلك لم يُلحّ. ركّز على قيادة السيارة ليصل إلى جادة كولومبوس ويركن (شبه سيارته) أمام حانة تحمل لوحة مكتوب عليها فرينش تاتش، في زاوية شارع أونيون ستريت وستوكتون ستريت.
كما توقّع جوناثان، كان بوب وودمارك قد ترك حمولته خلف المطعم. أمسك الرجلان بالسلال المصنوعة من القصب ليوْدِعاها في الغرفة الباردة قبل أن يتأكّد من أنّ كلّ شيء على ما يُرام في الصالة الرئيسية.
كانت حانة فرينش تاتش عبارة عن صالة صغيرة مسدّسة الأضلاع في قلب حي نورث بيش، الحيّ الإيطالي في سان فرانسيسكو. كانت صغيرة ولكنّها حميمية ودافئة وكان المحلّ من الداخل يتمثّل بهيئة حانة فرنسية من طراز ثلاثينيات القرن العشرين: ديكور خشبي، زينة ناتئة ونافرة، أرضية من الموزاييك، مرايا شاسعة من طراز "العصر الجميل" وصور قديمة لكلّ من جوزفين باكر وموريس شوفاليه وميستينغيت. كانت المنشأة تقدّم وجبات فرنسية
تقليدية بلا غرور وبلا بهرجة ومظاهر خادعة. على اللوح المعلّق على الجدار، يمكن للزبائن أن يقرأوا العبارة التالية: "مرقّقات الحلزون بالعسل، شرائل البّط بالبرتقال، معجنات تروبيزيه...".
وقف شارلي أمام المشرب اللامع الذي يمتدّ على طول الصالة وسأل والده:
بابا، هل يمكنني أن أتناول قطعة من المثلجات؟
كلا يا عزيزي. لقد تناولت منه كيلوغرامات في الطائرة. ثمّ أنّ الوقت متأخرٌ جداً، كان عليك أن تكون في سريرك منذ وقت طويل.
ولكنّنا في عطلة...
تدخل ماركوس:
هيا يا جون، كن راقياً!
آه، كلا، لن تتدخّل في الأمر أنت أيضاً!
ولكن هذا عيد الميلاد!
لم يستطع جوناثان أن يمتنع عن الضحك وهو يقول:
صبيّان!
أخذ مكانه في نهاية المطعم، خلف طاولة المطبخ المفتوح الذي كان يتيح للزبائن أن يتابعوا جزئياً تحضير الأطباق.
سأله ابنه:
ما الذي يطيب لك؟
تحمسّ الصبّي:
مثلّجة من ماركة "السيّدة البيضاء"!
بخفّة ومهارة، كسر "الطاهي المحترف" بضعة ألواح من الشوكولا السوداء في قصعةٍ صغيرة لكي يذيبها في وعاء التذويب.
سأل ماركوس:
وأنت ماذا ستأخذ؟
يمكننا أن نفتح قارورة نبيذ ...
إن شئت ذلك.
لاحت ابتسامة عريضة على وجه ماركوس. غادر مقعده بمرحٍ وحيوية ليذهب إلى مكانه المفضّل: جوف المطعم.
أعدّ جوناثان في الأثناء، وتحت الأنظار الشرهة لشارلي، في كوبِ كرتين من البوظة بالفانيليا ومعها قطعة مرنغ. ما أن ذابت ألواح الشوكولا، مزج معها ملعقة مليئة من قشدة الزُهيرة. سكب الشوكولا الساخنة فوق القشدة المجمّدة وغطّى كلّ المزيج بكريما الشانتيه واللوز المحمّص.
قال باللغة الإنجليزية، وهو يغرز مجسّم مظلّة صغيرة فوق قبّة الكريما:
استمتع!
استقرّ الأب والابن على طاولة وجلسا جنباً إلى جنب على مقعدٍ ناعم الملمس. التمعت النجوم في عيني شارلي فرحاً، فتسلّح بملعقة طويلة وبدأ يتلذّذ بكوب "السيّدة البيضاء".
حينما عاد ماركوس من جوف المطعم، قال مهتاجاً:
انظر قليلاً إلى هذه القارورة العجيبة!
قارورة سكريمينغ إيغل 1997! هل تهذي أم ماذا؟ هذا النوع من القوارير مخصّص للزبائن!
ألحّ ماركوس في الطلب:
هيّا! ستكون هذه هديتي في عيد الميلاد.
بعد مقاومة شكلية تماماً، وافق جوناثان على أن يفتح قارورة
النبيذ الكبيرة. في كلّ الأحوال، كان من الأفضل أن يشرب ماركوس بضعة أكواب من الخمر في المطعم حيث سيبقى على الأقلّ تحت أنظار جوناثان أمّا بخلاف ذلك فسوف يجازف الكندي بالتطواف على الحانات والإفراط في الشراب وتتتالى كوارثه وهو تحت تأثير الكحول. لمرّات عديدة، استغلّ بعض أصحابه في الحانات طيبته وسذاجته لابتزازه في لعبة البوكر وجعله يوقّع على سندات إقرار بديون خيالية اضطرّ جوناثان لتحمّل مشاق كبيرة لتسديدها لاحقاً.
أبدى ماركوس إعجابه الشديد بالنبيذ وهو يسكبه في كوبٍ لكي يشربه:
يا لبهاء لون هذا النبيذ العابق بالرحيق!
كان ماركوس الطفل غير الشرعي من والد فرانسيسكا ومغنيّة من بلاد الكيبيك والذي لم يرث فلساً واحداً من والده الذي كان رجل أعمالٍ من أثرياء نيويورك. وكانت والدته قد توفّت منذ فترة قصيرة ولم يكن يحتفظ مع أخته غير الشقيقة سوى بعلاقات ضعيفة. مفلساً ومعدماً، كان يعيش في قوقعة من الإهمال، لا مبالياً بمظهره الجسدي وجاهلاً بأصول اللباقة في الطبقة المرفّهة وأصول العيش في الحياة الاجتماعية. كان ينام لاثنتي عشرة ساعة يومياً ويقدّم يد العون للمطعم أحياناً ولكنّ ضغوط الحياة ومواعيد العمل كانت تبدو من غير تأثير عليه. كان ساذجاً إلى حدّ البلاهة وبسيطاً إلى حدّ يبدو معه مغفّلاً، لديه ما يثير الشفقة حتى وأن كانت نتائج عدم إحساسه بالمسؤولية مضنية لتدبير شؤون الحياة اليومية.
طيلة المدّة التي استغرقها زواج جوناثان مع فرانسيسكا، لم يرَ في ماركوس سوى معتوهٍ ليس هناك أيّ شيءٍ يجمعه به.
ومع ذلك، حينما هجرته فرانسيسكا، كان أخوها غير الشقيق
الوحيد الذي سانده ووقف إلى جانبه. حينذاك، رغم وجود شارلي، استسلم جوناثان للانزلاق إلى مهاوي اليأس والاكتئاب.
مستسلماً للخمول والعجز، استغرق في أحزانه وبات يتردّد عن قربٍ على السيّدين جاك دانييل وجوني ووكر.
لحسن الحظ، وبمعجزة غريبة، وضع ماركوس كسله بين قوسين وللمرّة الأولى في حياته، أخذ مصيره بيديه. فقد لفت نظره مطعمٌ إيطالي متهالك كان قد امتلكه مالكٌ جديد وكافح ليقنع المستثمرين لكي يحوّلوا المكان إلى حانة فرنسية وتسليم أفرانها إلى صهره. أتاحت هذه المبادرة لجوناثان أن يقف على قدميه من جديد. ما كاد ماركوس أن يشعر بأنّ صديقه قد نجا حتى وقع من جديد في كسله الحاد.
قال ماركوس وهو يمدّ نحو جوناثان كأساً من النبيذ:
بصحّتك!
خلص الفرنسي وهو يُدير جهاز راديو آرت ديكو الذي كان قد اقتناه من سوقٍ للسلع المستهلكة القديمة الرخيصة في باسادينا إلى القول:
إذاً، هذا عيد ميلاد سابق لأوانه.
ضبط جهاز الراديو على محطّة لأغاني الروك كانت تبثّ بثّاً حيّاً Light My Fire.
انتشى ماركوس وهو يفترش مقعداً في عمق الحانّة ودون أن يُعرَف إن كان يقصد النبيذ الفرنسي أم موسيقى الدورز، قال:
آه! كم رائعٌ هذا!
حاول جوناثان من جهته أن يرتاح. حلّ أزرار ياقة قميصه وخلع سترته، ولكن أغاظه أن يرى هادف مادلين المحمول موضوعاً على
الطاولة. فتنهّد قائلاً في نفسه: حكاية الهاتف المحمول هذه ستُفقدني حجوزاتي.
من بين زبائنه المنتظمين، كان بعضهم يملك في الحقيقة رقمه الشخصي: وهو امتيازٌ أتاح لهم الحصول على طاولة حتى في الأماسي التي يدفّق فيها الزبائن على الحانة.
بينما كان ماركوس يمسك بالجهاز، نظر جوناثان إلى ابنه الذي كان يغفو بهدوء على المقعد. ربّما رغب لو أنّه أخذ ما يقارب عشرة أيام من العطلة لكي يعتني على نحوٍ أفضل بأمر شارلي ولكنّه لم يستطع أن يسمح لنفسه بذلك.
وقد خرج مباشرة من المأزق المالي الخانق الذي عانى منه لسنواتٍ عديدة خلت وكانت هذه الحلحلة جديرة بأن تحصّنه ضدّ القروض والاستدانة من البنوك وعدم سداد الأقساط وسواها من حالات التخلّف عن التسديد.
منهكاً من التعب، أغمض عينيه وتراءت له فرانسيسكا، كما التقى بها مصادفة في المطار. بعد انقضاء عامين على ذلك اللقاء، كان الألم لا يزال حادّاً كما كان. لم يحتمل عذاب تلك اللحظة ففتح عينيه وغبّ شفّة من النبيذ على أمل أن يطرد صورتها من ذهنه. لم يكن قد حظي بالحياة التي كان قد تمنّاها لنفسه، ولكنّها كان هذه هذ حياته. بينما كانت أصابعه الدبقة بالدسم تنزلق على الشاشة الملساء ليستعرض الصور المخزّنة في ذاكرة الهاتف المحمول، هتف ماركوس متعجّباً:
إيه! صاحبة لا بأس بها!
أثار ذلك اهتمام جوناثان فمرّر رأسه من فوق شاشة الهاتف المحمول وقال:
دعني أرى.
كان من بين الصور المعروضة للمرأة الشابّة بعض الصور المثيرة واللطيفة. كانت في وضعيات إيحائية مخلّدة بالأبيض والأسود: كانت ترتدي فستاناً من الدانتيلا الرقيقة بحمالتين من الساتان وهي ترفع إحدى يديه لتخفي باحتشام أحد نهديها أو تلامس برقّة منحنى وركها. ليس هناك ما هو أكثر خبثاً وشرّانية من أن يضع البعض مقاطع من أشرطتهم الجنسية على مواقع الإنترنت...
سأل شارلي وقد صحا من غفوته:
بابا، هل يمكنني أن أرى؟
كلا، كلا، عُد إلى نومك، هذا لا يصلح للأطفال.
في نهاية المطاف، تفاجأ من أنّ فتاة المطار المزعجة، بهيئتها المتصنّعة كامرأة سليطة ووقحة، أنيقة ورشيقة، قد أقامت هي الأخرى حفلتها الصغيرة من الوضعيات الخبيثة.
مندهشاً أكثر منه مبتهجاً، ركّز جوناثان نظره على وجه الموديل. ظاهرياً، كانت تتلهّى، متأقلمة مع لعبة الرضا، ولكن خلف ابتسامة وجهها هناك مسحة من الضيق والضجر. لا شكّ أنّ هذا النوع من الصور كان بالأحرى من هلوسات رجلها الذي اعتبر نفسه للحظة هلموت نيوتن . تُرى مَن كان يقف خلف آلة التصوير؟ أهو زوجها؟ أهو عشيقها؟ تذكّر جوناثان بأنّه قد لمح رجلاً في المطار ولكنّه لم يستطع أن يتذكّر ملامح وجهه.
قال بلهجة حاسمة وهو يضع الهاتف المحمول تحت أنظار ماركوس الخائبة:
حسناً، هيا، هذا يكفي!
حينما شعر فجأةً بأنّه متلصّص، تساءل بأيّ حقّ ينبش في الحياة الخاصّة لتلك المرأة؟!
لفت الكندي نظره، قائلاً:
كما لو أنّها فعلت هي الأخرى الشيء نفسه!
قال وهو يملأ لنفسه كأساً من النبيذ من قارورة سكريمينغ إيغل:
أنا لا أبالي: ليس هناك أيّ خطر في أنّها تجد هذا النوع من الصور في هاتفي المحمول. إذا كنتَ تعتقد بأنّني قد التهيتُ بالإمساك ببوبول في الصورة...
كان لقارورة النبيذ ملحقات شهيّة من فاكهة حمراء وخبزٍ مدهونٍ بالتوابل. وهو يتلذّذ بمذاق المشروب،استعرض جوناثان في ذهنه ما كان يحتويه هاتفه المحمول. في الحقيقة، لم يتذكّر كلّ ما فيه. طمأن نفسه:
في كلّ الأحوال، ليس هناك ما هو حميمي ولا ما هو مشبوه.
الأمر الذي انخدع به خداعاً تامّاً.
*
باريس
الساعة السابعة والنصف صباحاً
كان الغطاء المعرّق لسيارة من نوع جاكوار XF أحدث طراز يسير في الزرقة الباردة والمعدنية للمتحلّق الباريسي. كانت حجرة القيادة، المزيّنة بالمواد النفيسة – الجلد الأبيض والخشب الجوزي والألمنيوم الصقيل – تُظهر البذخ والراحة والحماية. وفي المقعد
الخلفي، كانت أمتعة من نسيج مونوغرام تتواجد بجانب حقيبة غولف وعددٍ من صحيفة لوفيغارو.
سألها رافائيل من جديد:
هل أنتِ متأكّدة من أنّكِ ستفتحين متجركِ اليوم؟
صرخت مادلين:
يا عزيزي! لقد سبق لنا وأن تحدثنا كثيراً عن هذا الأمر.
ألحّ عليها:
يمكنك أن نمدّد عطلتنا. سأقود السيارة حتى دوفيل، سنمضي الليلة في نورماندي وسنتناول الغداء غداً مع والدي.
هذا عرضٌ مغرٍ، ولكن ... كلا. فضلاً عن ذلك، لديك موعدٌ مع زبون لزيارة موقع البناء.
قال المهندس المعماري وهو ينعطف نحو جادة جوردان:
-أنتِ من تقرّرين.
مرّت السيارة بكلّ من دافير – روشيرو، مونتبارناس، راسباي: وبذلك قطعت جزءاً كبيراً من الدائرة الرابعة عشرة قبل أن تتوقّف في دائرة المنطقة الثالثة عشرة، شارع كامباني- يروميير أمام بابٍ أخضر غامق.
-هل آتي هذا المساء لأصحبكِ من المتجر؟
-كلا، سوف أنضمّ إليك بالدراجة النارية.
-سوف تتجمّدين من البرد!
ردّت وهي تقبّله:
-ربّما ولكنني أعشق دراجتي النارية من طراز تريونف!
طال عناقهما إلى أن أخرجهما زموّرُ سائق تاكسي مستعجل من شرنقتهما بعنف. صفقت مادلين باب السيارة البرلينية قبل أنّ توجّه
قبلة وداعٍ لعشيقها. أدخلت الرقم السرّي لكي تفتح باب رواقٍ يطلّ على باحةٍ مسوّرة بالأشجار. هناك، بمحاذاة الحديقة، كان يقع المبنى الذي استأجرته منذ أن أقامت في باريس.
دخلت إلى الشقّة المؤلّفة من طابقين، المثالية للورشات الفنية التي بنيت في الحيّ في نهاية القرن التاسع عشر وقالت وهي ترتجف برداً:
-أوووو! درجة الحرارة 15 تحت الصفر هنا داخل البيت!
رفعت قاطع سخّان المياه وهي تشعل عود ثقابٍ ووصلت شريط إبريقها لكي تعدّ لنفسها كوباً من الشاي.
كانت ورشة الرسم الأصلية قد أخلت مكانها منذ زمنٍ طويل لشقة جميلة مكوّنة من غرفتين مع صالون ومطبخٍ وغرفة نصفيه. ولكنّ ارتفاع السقف وسعَة الكوّات التي كانت تخترق الجدار الرئيس والأرضية الخشبية المدهونة كانت تذكّر بالنزعة الفنية البدائية وتساهم في سحر المكان وصبغته.
أدارت جهاز الراديو المخصص لبثّ موسيقى الجاز وتأكّدت من أنّ أجهزة التدفئة تعمل بأقصى درجاتها وبدأت ترتشف الشاي وهي تدندن على إيقاع ترومبيت لويس آرمسترونغ بانتظار أن تتدفّأ الشقّة.
استحمّت على عجلٍ وخرجت من الحمّام وهي ترتعش وأخرجت من خزانة ملابسها قميصاً من ماركة تيرمولاكتيل وبنطال جينز وبلوزة فضفاضة منسوجة من الصوف الإنجليزي. حينما أصبحت جاهزة للخروج، قضمت قطعة شوكولاته من كيندر بوينو وهي ترتدي بلوزة رياضية من الجلد وعقدت حول عنقها شالها الأكثر دفئاً.
كانت الساعة بالكاد قد بلغت الثامنة صباحاً حينما ركبت مقعد دراجتها النارية الصفراء البرّاقة. كان مخزنها قريباً جدّاً ولكنّها
أرادت أن تتجنّب المرور بالمرسم وهي تذهب إلى رافائيل. تطاير شعرها في الهواء وهي تقطع تلك المسافة القصيرة البالغة ما يقارب مائة متر من الطريق التي كانت تعشقها. هنا، كتب رامبو وفيرلين قصائد شعرية، وأحبّ أراغون وإلزا بعضهما وخلّد غودار نهاية فيلمه الأوّل: ذاك المشهد الحزين والمؤثّر للغاية والذي يتهاوى في جان – بول بيلموندو، "وهو يلهث تعباً"، وقد تلقّى طلقاً ناريّاً في ظهره، تحت أنظار خطيبته الأمريكية.
لفّت مادلين جادة راسباي وسلكت شارع ديلامبر حتى بلغت متجرها المسمّى "الحديقة العجيبة" والذي تتفاخر به وقد افتتحته قبل سنتين.
رفعت الستارة الحديد بشيءٍ من التخوّف. لم تكن قد غابت أبداً مدّة طويلة جدّاً. خلال عطلتها في نيويورك، كانت قد فوّضت مقاليد المخزن إلى تاكومي، تلميذها الياباني الذي أنهى تدريبه في مدرسة بائعي الزهور في باريس.
حينما دخلت إلى المحلّ، تنهّدت وتنفّست الصعداء. كان تاكومي قد اتّبع نصائحها حرفياً. كان الفتى الآسيوي قد تزوّد بالبضاعة من سوق رونجيس وكان المتجر مليئاً بالأزهار الطازجة: السحلبية، الخزامى البيضاء، الزنبق، أزهار بنت القنصل، الخَرْبَق، الصُفّير، الميموزا، النرجس الأَسَلي، النبفسج، الأمارلسي. كانت شجرة الميلاد الكبيرة التي زيّناها سويّاً تُضيء بكلّ أضوائها وأحزمة النباتات الطفيلية والحرجية المتدلّية من السقف.
بعد أن اطمأنّت، تخلّصت من بلوزتها الصوفية لترتدي صدريتها، جمعت أدوات عملها – مقصّ البستاني، مرشّ السقاية، المعزق اليدوي – وانكبّت بسعادة على المهام الأكثر إلحاحاً وهي تنظّف أوراق شجرة تين وتنقل أصيصاً للسحلبية وتشذّب شُجيرة بونزاي.
كانت مادلين تعتبر معرض زهورها بمثابة مكان ساحرٍ وشاعري، فقاعة مناسبة للحلم، ملاذ سلامٍ واطمئنان بعيداً عن صخب المدينة وعنفها. مهما كانت درجة الحزن في حياتهم اليومية، كانت تريد أن يضع زبائنها مشاغلهم جانباً لحظة يتجاوزون عتبة متجرها. كان جوّ متجرها "الحديقة العجيبة"، في يوم الميلاد، فاتناً وساحراً على نحوّ خاصّ، يعيد الزبائن إلى روائح الطفولة وتقاليد الماضي الغابر.
ما أن فرغت من "الاهتمامات الأولّية" بالزهور، أخرجت المرأة الشابّة أشجار الميلاد لكي تضعها أمام الواجهة وفتحت متجرها في تمام الساعة التاسعة. ابتسمت حينما شاهدت أوّل زبونٍ لها – في مهنة بيع الزهور، كان قولٌ مأثورٌ قديم يقول: إن كان الزبون الأوّل رجلاً هذا يعني أنّ النهار سيكون سعيداً -، ثمّ عبست أمام طلب زبونها: كان يريد أن يرسل باقة من الزهور إلى زوجته دون أن يترك لها بطاقة تعريفٍ. كانت الاستراتيجية الجديدة الدارجة عند الأزواج الغيورين: إرسال زهور بطريقة مجهولة لرصد ردّ فعل زوجاتهم. إذا عادت الزوجة ولم تتحدّث عن باقة الزهور، فيستنتجون أنّ لديها عشيق... دفع الرجل حسابه وغادر المتجر غير مكترثٍ بترتيب باقة الزهور.
كانت مادلين قد شرعت لوحدها بتجهيز باقة الزهور التي
سيسلّمها تاكومي عند الساعة العاشرة إلى مصرفٍ في شارع بولار – حينما دوّت أنغام موسيقى أغنية Jumpin’ Jack Flash في المتجر. قطّبت بائعة الزهور حاجبيها. كانت أنغام هذه المقطوعة الموسيقية الشهيرة لفرقة رولينغ ستونز تصدر من جيب حقيبتها الظهرية الذي كان يوجد فيه الهاتف المحمول لذاك المدعو جوناثان. تردّدت في الردّ على المكالمة ولكن إلى حين أن حسمت أمرها انقطع الرنين. استمرّ الصمت لدقيقة إلى أن أشار صوتٌ قصير وخفيض إلى أنّ المتّصل قد ترك رسالة قصيرة.
هزّت مادلين كتفيها. سوف لن ترّد على مكالمة لم تكن تخصّها ... كان لديها أمرٌ آخر لتقوم به! ثمّ إنّها لا تبالي كثيراً بذلك النكرة المدعو جوناثان السمج والكريه للغاية. ومن ثمّ ... منقادة بفضولٍ لا يمكن مقاومته، ضغطت على الشاشة الملساء وألصقت الهاتف المحمول على أذنها. ارتفع صوتٌ خشنٌ ومتردّد من الجهاز: كانت أميركية، تتحدّث بلكنة إيطالية خفيفة، تجهد لكي تغالب دموعها.
جوناثان، هذه أنا، فرانسيسكا. اتّصل بي من فضلك. يجب أن نتحدّث مع بعضنا، يجب أن... أنا أعرف بأنني قد خنتك، أنا أعرف أنّك لا تدرك لماذا نسفتُ كلّ شيء. جوناثان، من فضلك، افعل ذلك من أجل شارلي وافعل ذلك من أجلنا. أنا أحبّك... سوف لن تنسى ولكنّك سوف تسامحني. ليس لدينا سوى حياة واحدة، يا جوناثان، وقد خُلقنا لكي نقضيها معاً وننجب أطفالاً آخرين. لنستعيد مشاريعنا وخططنا، ولنتابع حياتنا كما كنّا سابقاً. من دونك، لا حياة لي...
اختنق صوت المرأة الإيطالية في حزنٍ لا متناهٍ وانتهت الرسالة.
خلال عدّة ثوانٍ، ظلّت مادلين ساكنة في محلّها، متأثرةً بما سمعته للتوّ ومأخوذة بالشعور بالذنب. سرت في ذراعيها صرخة الرعب. ارتعشت ثمّ وضعت على الطاولة الهاتف الذي كان لا يزال مشحوناً بالدموع وهي تتساءل عمّا كان يفترض بها أن تفعل.