الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

فارق التوقيت

قلب المرأة هو متاهة الأفكار الدقيقة التي تتحدّى العقل الفظّ للذكر المتربّص. إذا أردت فعلاً أن تحظى بامرأة، يجب أوّلاً التفكير مثلها وأوّل ما ينبغي فعله هو غزو روحها.

كارلوس رويز زافون

خلال هذه اللحظة، في باريس...

-تاكومي، يجب أن تسدي إليّ خدمةً.

كان رقّاص الساعة الجدارية في المتجر قد رنّ لتوّه ليعلن أنّ الساعة هي الحادية عشرة صباحاً.

جاثمةً على كرسيّ، وهي ترفع شعرها بمثبّت للأزهار وقد انخدشت يداها، أنهت مادلين تعليق باقة كبيرة من أزهار النهشية.

أجاب الفتى الأجير:

-طبعاً، يا سيّدتي.

استشاطت مادلين غضباً وهي تنزل عدّة سلالم، وصرخت:

-كفّ عن مناداتي بلقب "سيّدتي"!

استدرك الفتى الآسيوي خطأه وقد احمرّ خجلاً:

-حسناً، مادلين.

كانت مناداة معلمته باسمها دون كلفة يخلق نوعاً من الحميمية التي تعكّر مزاجه.

-أريدك أن تذهب لكي ترسل طرداً بالبريد.

قالت ذلك وهي تمدّ نحوه مغلفاً صغيراً مختوماً كانت قد دسّت فيه الهاتف المحمول لجوناثان.

ارتبك الصبيّ:

-طبعاً، يا سيّد... أوه عفواً، يا مادلين.

أعطته ورقة نقدية من فئة 20 دولاراً وأوضحت له:

-سوف ترسله على عنوانٍ في الولايات المتحدة الأميركية.

تمعّن تاكومي في العنوان:

جوناثان لامبيرور

فرانش توش

1606 ستوكتون ستريت

سان فرانسيسكو، سي ايه 94133

USA

سأل تاكومي وهو يمتطي دراجته الكهربائية التي يستخدمها لتوصيل طلبات الزبائن:

-جوناثان لامبيرور... مثل الشيف؟

سألته، بائعة الزهور التي خرجت معه إلى الرصيف، مندهشةً:

-هل تعرفه؟

علّق دون أن ينتبه لتصرّفه الأخرق:

-يعرفه جميع الناس.

ردّت عليه مادلين:

-هل هذا يعني أنني ملكة المغفّلات؟

غمغم الصبي:

-كلا، اوه... ليس تماماً، أنا ...

في الوقت الحالي، أصبح لون وجه تاكومي قرمزياً. كانت قطراتٌ ناعمة من العرق تلتمع على جبينه وكانت عيناه لا تبارح الأرض.

حجزته مادلين وقالت:

-حسناً، سوف تمارس طريقة الهراكيري في يومٍ آخر، وبانتظار ذلك اليوم، هيا اشرح لي من يكون هذا الرجل.

ازدرد الفتى الياباني ريقه:

-منذ بضع سنوات، استأجر جوناثان لامبيرور أفضل مطعم في نيويورك. كان والداي قد دعواني إلى هذا المطعم للاحتفال بنيلي لشهادتي الجامعية. كان مكاناً أسطورياً: الانتظار لعامٍ كامل ليصلك الدور على قائمة الحجز ونكهات أصيلة لا يمكن العثور عليها في أيّ مكانٍ آخر.

قالت وهي تشير إلى المغلّف:

-لا أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بالشخص نفسه. العنوان الذي زوّدني به هو بالتأكيد لمطعم، ولكنّه عنوان مطعم حقير وليس مطعماً من فئة الخمس نجوم.

وضع تاكومي الطرد في حقيبته الظهرية وضغط على دوّاسة الدراجة دون أن يسعى إلى معرفة المزيد.

-في الحال.

أشارت له مادلين بإشارة صغيرة من يدها وهي تعود إلى داخل المتجر.

أثارت أقوال صانعها فضولها ولكنّها حاولت أن تستأنف عملها وكأنّ شيئاً لم يكن.

منذ أن فتحت المتجر، لم يكن قد فرغ من الزبائن. بالدرجة نفسها لعيد القديس فالانتين، كان عيد الميلاد يوقظ المشاعر: الحب، الكراهية، العزلة، الكآبة. فقط هذا الصباح، كانت قد شاهدت في متجرها عدداً شحيحاً من الشخصيات غريبة الأطوار: أرسل رجلٌ عجوز غاوٍ اثنتي عشرة باقة من الزهور إلى اثنتي عشرة معجبة في اثنتي عشرة مدينة مختلفة؛ امرأة متوسطة العمر أرسلت باقة من زهور السحلبية إلى نفسها لتظهر بمظهرٍ حسنٍ وتتباهى أمام زملائها في المكتب؛ فتاة أميركية أجهشت بالبكاء وذرفت الدمع الغزير لكي توصل إلى عشيقها الباريسي مجموعة منوّعة من الزهور الذابلة لتخبره بهذه الطريقة عن انفصالهما. أمّا بالنسبة إلى خبّاز الحي، فقد طلب على سبيل الهدية لحماته الهائمة شجرة صبّار مكسيكية ضخمة ذات أشواكٍ طويلة وقاطعة...

كانت مادلين قد اكتسبت من والدها حبّها لفنّ تنسيق الزهور. مدفوعة بحماسها، تدرّبت في البداية معتمدة على ذاتها قبل أن تلتحق بدروسٍ في مدرسة بيفيرديير لفنون الأزهار، وهي مدرسة شهيرة وعريقة في مجال الأزهار في مدينة آنجر. كانت سعيدة بممارستها لنشاطٍ يترك بصمة متميزة على الأحداث الهامّة في حياة كلّ شخص. ولادة، تعميد، أوّل موعد غرامي، زواج، مصالحة، ترقية في الوظيفة، الإحالة إلى التقاعد، دفن: فالأزهار ترافق الناس من مهدهم إلى لحدهم.

انشغلت المرأة الشابة بتجهيز ترتيبٍ جديد ولكنّها تركت ذلك بعد خمس دقائق. لم تستطع أن تُخرج من ذهنها تلك الحكاية التي رواها لها تاكومي. انتقلت خلف طاولة متجرها وانكبّت على محرّك البحث في حاسوبها. كتبت في حقل البحث في محرّك الغوغل "جوناثان لامبيرور"، فحصلت على أكثر من ستمائة ألف نتيجة للبحث! انتقلت إلى البحث في موقع ويكيبيديا. الموسوعة تضمّ مادة طويلة حول الشيف، مرفقة بصورة كانت دون أدنى شكّ تخصّ الرجل الذي كانت قد صادفته بالأمس في المطار، حتى وإن بدا جوناثان في الصورة أكثر شباباً وأكثر فتنةً وجاذبيةً. حائرةً ومرتبكة، وضعت مادلين نظارتها الرقيقة وانكبّت، وهي تمضغ طرف قلم رصاصٍ، على قراءة ما هو ظاهرٌ على شاشة حاسوبها:

جوناثان لامبيرور، ولِد في الرابع من أيلول \ 1970، وهو طاهٍ ورجل أعمال فرنسي مارس جلّ أعماله في الولايات المتحدة الأميركية.

التعليم:

يتحدّر جوناثان، وهو في الأصل من غاسكون، من أسرة عملت في مطاعم شعبية متواضعة وسرعان ما بدأ بالعمل في سنّ مبكّرة جدّاً في منشأة والده، المسمّاة لا شوفاليير، وهي عبارة عن مطعمٍ في ساحة التحرير في بلدة أوش. منذ سنّ السادسة عشرة، دخل في مجال تلقّي المعارف المهنية وضاعف من مستوى خبراته: بدأ بالعمل كنادل مطبخ في مطاعم دوكاس وروبيشون ولونوتر، قبل أن يصبح مساعداً للشيف المحلي الذائع الصيت جاك لارو جدران مطعم باستيد في سان – بول – دو – فانس.

الخبرات:

الانتحار المفاجئ لمعلّم لامبيرور دفعه إلى أن يتولّى دفّة قيادة الباستيد. وبخلاف كلّ التوقععات، نجح في الحفاظ على المستوى الرفيع للمنشأة وقد أصبح، وهو لا يزال في سنّ الخامسة والعشرين، الشيف الفرنسي الأصغر سنّاً على رأس منشأة من فئة الثلاث نجوم في دليل المطاعم غيد ميشلان.

بعد هذه الشهرة، استعان الفندق الفاره هوتيل دي كاب – دانتيب بخدماته لكي يُطلق مطعمه، لا تراتوريا. بعد أقلّ من عامٍ على افتتاحه، حصل مطعم القصر هو الآخر على تصنيف من درجة الثلاث نجوم، جاعلاً بذلك من جوناثان لامبيرور أحد الطهاة الأربعة الوحيدين الذين جمعوا ستّ نجوم في الدليل الشهير.

التكريس:

في عام 2001 التقى مع فرانسيسكا، ابنة رجل الأعمال الأميركي فرانك ديليلو، التي جاءت إلى فندق أوتيل دي كاب لكي تقضي فيه شهر عسلها مع المصرفي مارك شادويك. تولّدت علاقة غرامية بين الوريثة والطاهي الشابّ وقامت فرانسيسكا بإجراءات الطلاق بعد أقلّ من أسبوعٍ على زواجها، مختلفة بذلك مع أسرتها في حين سرّح الفندق اللازوردي كبير طهاتها من العمل لكي يحافظ على سمعته.

غادر الزوجان الجديدان لكي يستقرا في نيويورك وتزوّجها هناك بمساعدةٍ من زوجته، افتتح جوناثان لامبيرور مطعمه الخاصّ والذي سمّاه لا مبراتور، وشيّده في قمّة روكفيلر سنتر. بالنسبة إلى لامبيرور، كان ذلك بداية مرحلة خلاّقة ومبدعة على نحوٍ خاصّ. باستخدام تقنيات ومعدات جديدة مع الاحتفاظ في

الوقت ذاته بنكهات المطبخ المتوسّطي، أصبح أحد مبشّري "المطبخ الجُزيئي". كان نجاحه فورياً ومباشراً. خلال بضعة أشهرٍ فقط، أصبح كبير الطهاة المفضّل لدى نجوم الفنّ ورجال السياسة ونقّاد وخبراء التغذية. في سنّ الخامسة والثلاثين بالضبط، اختير كأفضل طبّاخ في العالم من قبل هيئة خبراء دولية مكوّنة من أربعمائه متخصّص والذين أثنوا على "طبخه المتميّز" وقدرته على أن يقدّم لضيوفه "رحلة ذوقية مدهشة". في تلك الفترة، كان مطعمه يتلقّى في كل عام عشرات الآلاف من الطلبات الواردة من أركان الدنيا الأربعة وكان غالباً يضطرّ الزبون لأن ينتظر لأكثر من عامٍ كاملٍ لكي يحصل على حجز طاولة في مطعمه.

الأيقونة الإعلامية:

بالتوازي مع عمله ككبير طهاة، أصبح جوناثان لامبيرور ذائع الشهرة في الكثير من البرامج التلفزيونية الخاصّة بالطبخ، ولا سيما في برنامج ساعة مع جوناثان على قناة بي بي سي الأميركية ومن ثمّ برنامج أسرار كبار الطهاة على قناة فوكس، البرامج التي كانت تستقطب في كلّ أسبوع الملايين من المشاهدين والتي سُجّلت فيما بعد في كُتب وأسطوانات مدمجة.

في عام 2006 وبدعمٍ ومساندة من السيّدة هيلاري كلينتون، السيناتور عن مدينة نيويورك، شنّ لامبيرور حرباً مقدّسة ضدّ وجبات المطاعم السفرية في التفّاحة الكبيرة. أسفرت لقاءاته مع التلاميذ والآباء والمعلّمين عن التوصّل إلى اختيار مطاعم الوجبات الأكثر توازناً.

بفضل ابتسامته الساحرة، وبلوزته الجلدية ولهجته الفرنسية التي لا تُقاوم، فرض الطاهي الشاب نفسه كأيقونة للمطبخ الحديث وانضمّ إلى قائمة مجلة تايم ماغازين للشخصيات الأكثر تأثيراً في العالم. وقد منحته المجلة الأسبوعية بهذه المناسبة لقب "توم كروز الأفران".

-هل تبيعين إكسسوارات الزينة خاصّتك؟

-عفواً؟

رفعت مادلين رأسها عن شاشة حاسوبها. مأخوذة بحياة لامبيرور، لم تكن قد أحسّت بأنّ زبونةً قد جاءت ودخلت للتوّ إلى المتجر.

-إكسسوارات الزينة خاصّتك، هل تبيعينها؟

كرّرت المرأة ما قالته وهي تشير بيدها إلى رفوف أعشاب الزينة الخشبية المصقولة التي تحتوي على إكسسوارات الزينة: موازين حرارة، قياقب قديمة، أقفاص عصافير، مرايا مبقّعة، قناديل، شموع معطّرة.

كذبت مادلين وهي تستعجل رؤيتها تغادر المتجر لكي تستغرق على نحوٍ أفضل في السيرة الذاتية لجوناثان:

-أوه... كلا، آسفة، إنّها بمثابة جزء من ديكور المتجر.

رجل الأعمال: تأسيس مجموعة امبراتور

أسّس لامبيرور، معتمداً على هذه الشهرة الجديدة، مع زوجته مجموعة امبراتور المكلّفة بذكر ماركتها على شكل منتوجات مشتقّة. فافتتح الزوجان بعد ذلك منشأة بعد منشأة: حانات،

مطاعم ومشارب، بارات نبيذ، فنادق فخمة... وامتدت إمبراطوريتهم في مجال المطاعم إلى أركان العالم الأربعة، من لاس فيغال إلى ميامي مروراً ببكين ولندن ودبي. وفي عام 2008، ضمّت مجموعة امبراتور أكثر من ألفي موظّف وعامل في أكثر من خمسة عشر بلداً وحقّقت رقماً للأعمال يُقدّر بعشرات الملايين من الدولارات.

صعوبات مالية وانحسار عالم التذوّق:

في حين واصل الزبائن بالتدفّق على مطعمه النيويوركي، بات الطاهي الفرنسي هدفاً لهجمات ازدادت شدّة وعنفاً يوماً بعد آخر. اولئك النقاد نفسهم الذين أثنوا قبل بضع سنوات على إبداعه المتميّز وموهبته الفذّة باتوا الآن يلومونه ويأخذون عليه بأنّه قد تشتّت بين منشآته وبأنّه قد أصبح "مجرّد آلة لعدّ النقود".

على الرغم من ذلك، ظلّت الموجودات المتعددة لتجمّع مشاريعه عاجزة عن تغطية نفقاتهما المالية فانهارت مجموعة امبراتور تحت الديون ووجدت نفسها على حافة الإفلاس في شهر كانون الأول \ ديسمبر من عام 2009. بعد ذلك بعدّة أسابيع، بعد الانفصال عن زوجته، رمى جوناثان القفّاز وصرّح بأنّه "مرهقٌ من الانتقادات"، "فاقدٌ للإلهام" "متقزّزٌ من عالم التذوّق". في سنّ التاسعة والثلاثين، اضطرّ لامبيرور للتخلّي عن رخصة الاستثمار باسمه، وانسحب نهائياً من المشاريع والأعمال بعد أن طبع المطبخ المعاصر ببصمته.

كشفت قراءة نهاية السيرة لمادلين بأنّ الشيف كان قد نشر كتاباً في عام 2005 بعنوان اعترافات طاهٍ مغرم. قادتها عملية بحثٍ

جديدة، متبوعة بنقرتين أو ثلاث إلى موقع مشرب ومطعم فرينش تاتش الذي يستثمره حالياً جوناثان في سان فرانسيسكو. لم يكن الموقع فعّالاً على نحوٍ ملحوظ. كان يوجد فيه بعض الأمثلة عن وجبات قيمتها 24 دولاراً: شوبة بصل، نقانق خنزير سوداء بالتفاح، تارت بالتين. لم يكن هناك أيّ شيء فاخر يليق بشخصٍ كان قبل بضع سنوات على رأس أفضل مائدة في العالم.

كيف وصلت به الأمور إلى هذه الحال؟ تساءلت مادلين وهي تتجوّل بين شجيرات التنوب والسحلبية. وصلت إلى عمق المتجر، المرتّب مثل حديقة، وجلست، وهي تحدّق في الفراغ، على أرجوحة معلّقة بغصنٍ ضخمٍ مثبّتٍ إلى السقف. انتزعها رنين هاتف المتجر من الاستغراق في التفكير.

نهضت متوثبة عن الطاولة الصغيرة ورفعت سمّاعة الهاتف. كان المتّصل هو تاكومي.

-هل ما زلتَ في مركز البريد؟

-كلاّ يا سيّد... أوه مادلين. بسبب الإضراب، كلّ مكاتب البريد مغلقة.

-حسناً، قبل أن تعود، قم بجولة على مكتبةٍ واشترِ لي كتاباً. هل لديك ما تكتب به؟ ها هو العنوان: اعترافات طاهٍ مغرم للمؤلف...