مقدمة

7 0 00

غيوم ميسو

نداء الملاك

رواية

غيوم ميسو

نداء الملاك غيوم ميسو

نداء الملاك

رواية

ترجمة : حسين عمر

الكتاب

نداء الملاك

تأليف

العنوان الأصلي للرواية:

L’Appel de l’ange

By : Guillaume Musso

© XO Editions 2011

All rights reserved

غيوم ميسو

الطبعة

الأولى، 2014

الترقيم الدولي:

ISBN:978-9953-68-735-3

©جميع الحقوق محفوظة

الناشر

المركز الثقافي العربي

الدار البيضاء – المغرب

ص.ب: 4006 (سيدنا)

42 الشارع الملكي (الأحباس)

هاتف: 303339 0522–307651 0522

فاكس: 305726 522 212+

Email: [email protected]

بيروت – لبنان

ص. ب: 5158 – 113 الحمراء

شارع جاندارك – بناية المقدسي

هاتف 750507 01– 352826 01

فاكس: 343701 1 961 +

Email:[email protected]

الشاطئ أكثر أماناً ، ولكنني أهوى مصارعة الأمواج.

إيميلي ديكنسون

مقدّمة

هاتفٌ محمول؟

في البداية، لم تجدي فيه منفعة حقيقية، ولكن لكي لا تبدين متخلّفة، تنصاعين للابتلاء بجهازٍ من طرازٍ بسيطٍ جداً ذي تقنية متواضعة. في الأيام الأولى، تتفاجئين أحياناً بأنّكِ تثرثرين بصوتٍ عالٍ بعض الشيء في المطعم أو القطار أو على رصيف المقاهي. فعلاً إنّها فكرة عملية ومثيرة للاطمئنان أن تكون عائلتك وأصدقائك دائماً في متناول صوتك.

ككلّ الناس، تعلّمتِ أن تكتبي رسائل نصّية قصيرة من خلال النقر على لوحة الأزرار الصغيرة واعتدتِ إرسالها بقوّة وعنف. ككلّ الناس، تخلّيتِ عن مفكّرتكِ الورقية لاستبدالها بنسخته الإلكترونية وخزّنتِ في ذاكرته أرقام هواتف معارفك وعائلتكِ وعشيقكِ وأخفيتِ فيه أرقامك القديمة وكذلك الرمز السرّي لبطاقتكِ الائتمانية التي يحصل لكِ أن تنسيه.

حتى وإن كان يلتقط صوراً ذات نوعية رديئة، فقد استخدمتِ كاميرا هاتفكِ المحمول. فقد كان من الظريف أن تحملي معكِ باستمرار صورة مضحكة يمكنك أن تعرضيها على زملائك

وزميلاتك. زيدي على ذلك أنّ الجميع يفعل هذا الأمر. تعلّق الجهاز بالعصر: تلاشت الحدود والفواصل بين الحياة الشخصية والحياة المهنية والحياة الاجتماعية. لا سيما وأن الحياة اليومية قد أصبحت أكثر إلحاحاً وأكثر ليونةً وتتطلّب باستمرار التلاؤم مع استخدامك للزمن.

*

مؤخّراً، استبدلتِ جهازك القديم بجهازٍ جديدٍ أكثر حداثةً: جهازٌ صغيرٌ مذهل يتيح لكِ الوصول إلى رسائلك الإلكترونية وتصفّح الإنترنت وتخزينه بمئات التطبيقات.

وهنا أصبحتِ مدمنة على استخدامه. وكأنّه مغروسٌ في جسدك، غدا هاتفك المحمول من الآن فصاعداً امتداداً لذاتك يرافقك حتى في حمّامك ومراحيضك. أينما حللت، نادراً ما تدعين الوقت يمرّ لنصف ساعة دون أن تنظري إلى شاشة هاتفك منتظرةً مكالمة لم تأتِ أو رسالة حميمية أو رسالة من صديق. وإذا ما كانت حاوية رسائلك الإلكترونية فارغة، تنقرين على الأزرار لتتأكّدي من أنّ ليس هناك أيّ رسالة على قائمة الانتظار.

كما لعبة طفولتك، يشعرك هاتفك المحمول بالاطمئنان والسكينة. شاشته مريحة ومهدّئة ومنوّمة. يمنحكِ الهدوء في كلّ الظروف ويوفّر لك سهولة الاتصال المباشر الذي يترك كلّ الاحتمالات مفتوحة...

*

ولكن، ذات مساء، وأنتِ تعودين إلى البيت، تفتّشين في جيوبكِ ثمّ حقيبتكِ وتكتشفين بأنّ هاتفك المحمول قد اختفى. هل ضاع؟ هل سُرِق؟ ترفضين أن تصدّقي ذلك، فتعاودين

البحث عنه ولكن دون أن يحالفك النجاح، فتحاولين إقناع ذاتكِ بأنّكِ قد نسيتهِ في المكتب، ولكن... هيهات: تتذكّرين بأنّك قد نظرتِ فيه في المصعد عند مغادرتك العمل – ومما لا شكّ فيه – في المترو وفي الحافلة.

اللعنة!

في البداية، تغضبين بسبب فقدانك لجهاز الهاتف نفسه، ثمّ تهنّئين نفسكِ بكونكِ قد أمّنتِ على الجهاز ضدّ "السرقة \ الضياع \ الكسر" وأنتِ تحسبين نقاط الوفاء التي سوف تسمح لكِ، منذ الغد، أن يُقدّم لكِ جهازٌ جديد فائق التقنية ويعمل بواسطة اللمس.

مع ذلك، حتى الساعة الثالثة صباحاً، يجافيكِ النوم ولا تنجحين في إغماض عينيكِ ...

*

تنهضين خلسة ودون ضجيج لئلا توقظي الرجل النائم إلى جانبكِ .

في المطبخ، فوق خزانة، ستبحثين عن العلبة القديمة والمتآكلة لأعقاب السجائر التي أخفيتها هناك تحسّباً للحالات العصيبة. تشعلين سيجارة منها وترفقينها حيث أنتِ بكأسٍ من الفودكا.

تبّاً ...

تكونين جالسة، مقوّسة الظهر على كرسيكِ. تشعرين بالبرد لأنّكِ قد تركتِ النافذة مفتوحةً بسبب رائحة السيجارة.

تقومين بجرد كلّ ما يحتويه هاتفك المحمول: بعض مقاطع الفيديو، ما يقارب الخمسين صورة، تواريخ تصفّحك لشبكة الإنترنت، عنوانكِ (بما فيه الرقم السرّي لباب مدخل العمارة)،

وعنوان والديكِ وأرقام هواتف أناسٍ لا ينبغي أن توجد فيه في الحالة الطبيعية، ورسائل قد تترك الاعتقاد بأنّ ...

لا تكوني ذهانية!

تأخذين نفساً جديداً من السيجارة وتتجرّعين جرعةً أخرى من الكحول.

ظاهرياً، لا يوجد ما يسيء إلى سمعتكِ على نحوٍ حقيقي ولكنّكِ تدركين جيّداً بأنّ المظاهر تكون خادعة.

ما يُقلقكِ هو أن يكون هاتفك المحمول قد وقع بين أيدٍ غير أمينة لشخصٍ سيء النوايا. هنا، تشعرين بالحسرة والندم على بعض الصور والرسائل الإلكترونية وبعض المكالمات والأحاديث التي تتعلّق بالماضي والعائلة وبالأموال وبالجنس ... وذلك حينما تدقّق في البحث عنها، حيث يمكن لشخصٍ ما يريد أن يسيء إليك ويلحق الأذى بك أن يجد ما يمكنه أن يحطّم من خلاله حياتكِ. حينها تندمين ولكن الندم عندها لا يُجدي في شيء.

ولأنّكِ ترتعشين من البرد، تنهضين لكي تغلقي النافذة، فتلصقين جبينكِ بزجاج النافذة وتنظرين إلى الأضواء القليلة التي لا تزال تشعّ بأنوارها في الليل وأنتِ تقولين في نفسكِ بأنّه قد يكون هناك في الطرف الآخر من الشارع رجلٌ يرنو بعينيه إلى شاشة هاتفكِ المحمول وهو يكتشف ببهجةٍ المناطق الظليلة من حياتكِ الخاصّة ويفتّش بتأنٍّ ودقة في أحشاء الجهاز بحثاً عن أسراركِ الصغيرة المشينة.

القسم الأوّل

القطّ والفأر

الفصل الأوّل

تبادل الهاتفين المحمولين

هناك أناسٌ قدرهم أن يلتقوا. أينما كانوا وأينما حلّوا يلتقون ببعضهم ذات يوم.

كلوديا غالاي

نيويورك، مطار جون إف كينيدي

قبل أسبوعٍ من عيد الميلاد

هي

وبعد ذلك؟

وبعد ذلك، قدّم لي رافائيل قرطاً من الألماس هديّة من متاجر تيفاني وطلب إليّ أن أكون زوجته.

كانت مادلين، وهي تُلصِق الهاتف على أذنها، تتجوّل أمام الكوّات المزجّجة العالية التي تطلّ على مدرج المطار. وعلى بعد خمسة آلاف ميل منها، كانت صديقتها المقرّبة، في شقّتها الصغيرة الواقعة في شمال لندن تستمع بكامل اللهفة إلى تفاصيل مغامرتها الرومانسية في مدينة التفاحة الكبيرة.

قالت جوليان:

حقّاً لقد منحكِ الجائزة الكبرى! عطلة نهاية الأسبوع في مانهاتن وغرفة في فندق والدورف (Waldorf) ورحلة تنزّه في عربة حنطور وطلبٌ للزواج على الطريقة التقليدية ...

قالت مادلين مبتهجةً:

نعم. كان كلّ شيء رائعاً، كما في الأفلام السينمائية.

هل يمكنك أن تشرحي لي كيف يكون أمرٌ ما (فائق) الروعة، أيّتها السيّدة المتخمة؟

حاولت جوليان بطريقة خرقاء أن تتدارك الموقف، قائلة:

أقصد: ربّما كان هذا يفتقر للمفاجأة. نيويورك، متاجر تيفاني، التنزّه تحت الثلج وحلبة التزلّج في سانترال بارك... هذا أمرٌ غير منتظَر، أمرٌ تقليدي!

ردّت مادلين بخبث وشنّت هجوماً مضاداً:

إن لم تخنّي الذاكرة، حينما طلبكِ واين للزواج، كان ذلك أثناء العودة من حانة، في ليلةٍ من ليالي الشرب. كان متخماً بالشراب كما لو أنّه عربة مترو مكتظّة بالركاب في ساعة الذروة وذهب إلى المغاسل لكي يتقيّأ بعد أن طلب يدكِ مباشرةً، أهذا صحيح؟

ردّت جوليان مستسلمةً:

حسناً، لقد كسبتِ هذه الجولة.

ابتسمت جوليان وهي تقترب من منطقة الصعود إلى الطائرة في محاولة منها للعثور على رافائيل وسط الحشد الغفير. في بداية عطلة عيد الميلاد تلك، كان الآلاف من المسافرين يستعجلون الخطى إلى

بهو المطار الذي كان يطنّ كما لو أنّه خلية نحل. بعضهم كانوا يذهبون للانضمام إلى عائلاتهم بينما كان آخرون يغادرون إلى آخر الدنيا قاصدين أماكن فردوسية، بعيداً عن جو نيويورك الخانق والكئيب.

قالت جوليان:

في الحقيقة لم تقولي لي ماذا كان جوابك؟

هل تمزحين؟ قلتُ له نعم طبعاً!

ألم تعذّبيه بعض الشيء؟

أعذّبه؟ جولي، لقد قاربت الرابعة والثلاثين من عمري! ألا تعتقدين بأنني قد انتظرت كثيراً هكذا؟ أنا أحبّ رافائيل وأنا أخرج معه منذ سنتين ونسعى لأن يكون لدينا طفل. خلال بضعة أسابيع، سوف ننتقل إلى المنزل الذي اخترناه معاً. جوليان، هذه هي المرّة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بأنني محمية وسعيدة.

أنتِ تقولين هذا لأنّه بجانبكِ الآن، أليس كذلك؟

انفجرت مادلين ضاحكةً:

كلا! لقد ذهب لكي يسجّل أمتعتنا. أقول هذا لأنّ هذا ما أعتقده!

توقّفت أمام كشكٍ لبيع الصحف. كانت عناوين الصفحات الأولى للصحف المصفوفة إلى جانب بعضها ترسم صورة عالمٍ سائرٍ على غير هدى يربط مستقبلها: أزمة اقتصادية، بطالة، فضائح سياسية، سخط اجتماعي، كوارث بيئية...

قالت جوليان بطريقة لاذعة:

ألا تخشين أن تكون حياتكِ مع رافائيل متوقّعة النتائج؟

ردّت مادلين:

هذه ليست نقيصة! أنا أحتاج إلى شخصٍ قويّ وموثوقٍ ومخلص. كلّ شيء من حولنا هشّ وضعيف ومهزوز. لا أريد لحياتي الزوجية أن تكون هكذا. أريد أن أعود إلى بيتي في المساء وأنا متأكّدة من أنني سأجد الهدوء والصفاء في منزلي. أفهمتِ ما أقول؟

قالت جوليان:

هممم....

ليس هناك ما يستحقّ "هممم" يا جولي. ابدئي إذاً جولتكِ على المتاجر لشراء فستانك لتكوني إشبينتي!

هممم.

مرّة أخرى، ردّدت الفتاة الإنجليزية هذه الكلمة ولكن هذه المرّة لتخفي انفعالها أكثر منه لتعبّر عن شكّها وارتيابها.

نظرت مادلين إلى ساعة يدها. خلفها، على مدارج الإقلاع، كانت طائرات مائلة للبياض تنتظر في أرتالٍ قبل أن تهمّ بالإقلاع والتحليق.

حسناً، سأترككِ الآن، طائرتي تُقلِع في الساعة الخامسة والنصف مساءً ولم أعثر بعد على ... على زوجي!

صحّحت لها جوليان وهي تضحك:

زوجكِ المستقبلي ... متى ستأتين إليّ في زيارةٍ قصيرة إلى لندن؟ لماذا لا تأتين في عطلة نهاية الأسبوع هذه؟

أرغب كثيراً في ذلك، ولكن هذا مستحيل: سوف تحطّ طائرتنا في رويسي في ساعة مبكّرة جدّاً. بالكاد سيكون لدي الوقت لكي أمرّ على البيت وأستحمّ قبل فتح المتجر.

حسناً قولي إذاً إنّكِ لا تكفّين عن العمل!

أنا بائعة زهور يا جولي! وفترة عيد الميلاد هي واحدة من أكثر فترات عملي!

حاولي على الأقلّ أن تنامي خلال الرحلة.

وعدتها مادلين قبل أن تغلق الهاتف:

حسناً! سوف أتّصل بكِ غداً.

*

هو

لا تلحّي عليّ يا فرانسيسكا: من غير الوارد أن نلتقي!

ولكنني لا أبعد عنك إلا عشرين متراً تحت السلّم الآلي بالضبط...

قطّب جوناثان حاجبيه والهاتف المحمول ملتصقٌ بأذنه واقترب من الدرابزين الذي يُشرف على السلّم الكهربائي. تحت السلالم، كانت امرأة شابة سمراء على هيئة السيّدة العذراء تتحدّث بالهاتف وهي تمسك بيدِ طفلٍ يرتدي معطفاً رياضياً فضفاضاً بعض الشيء. كان شعرها طويلٌ وترتدي بنطال جينز واطئ الخصر وسترةً ذات زغبٍ وكذلك نظارة شمسية ذات هيكلٍ واسعٍ تخفي مثل قناعٍ جزءاً كبيراً من وجهها.

لوّح جوناثان بيده نحو ابنها الذي ردّ التحية باستحياء.

أمر، غاضباً:

أرسلي إليّ شارلي وانصرفي!

كلّما يرى زوجته السابقة كان يجتاحه غضبٌ مشوبٌ بالألم. شعورٌ قويٌ لم يكن يستطيع السيطرة عليه ويجعله عنيفاً ومحبطاً في آنٍ واحد.

احتجّت بصوتٍ فيه نبرة إيطالية خفيفة قائلةً:

لا يمكنك الاستمرار في التحدّث معي بهذه الطريقة!

انفجر غاضباً:

لا تتجرّئي على إعطاء الدروس! لقد اتّخذتِ خياراً عليكِ أن تتحمّلي نتائجه. أنتِ خُنتِ عائلتكِ يا فرانسيسكا! لقد خُنتِنا، شارلي وأنا.

دع شارلي خارج هذا الموضوع!

أدعه خارج هذا الموضوع؟ بينما هو الذي يدفع ثمن خيانتك؟ بسبب طيشكِ ومجونكِ لا يرى والده سوى لبضعة أسابيع في العام!

أنا متأسّ...

قاطعها:

والطائرة؟

ثم سأل وهو يرفع صوته:

هل تريدين أن أذكّركِ لماذا يخاف شارلي من ركوب الطائرة لوحده، الأمر الذي يرغمني على أن أعبر البلاد في كلّ عطلةٍ مدرسية؟

ما حصل لنا، إنّها الحياة... إنّها الحياة يا جوناثان. نحن بالغون وليس هناك طرفٌ لطيف وطرفٌ آخر شرّير.

شعر فجأةً بالتعب وهو يلمّح إلى الطلاق الذي وقع بسبب أخطاء زوجته السابقة وقال:

ليس هذا ما قدّره القاضي.

مطرقاً في التفكير، ألقى جوناثان نظرة على مدرج المطار. كانت الساعة الرابعة والنصف عصراً ولكن الليل لم يكن ليتأخر عن الحلول. على المدارج المضاءة، كان صفٌّ طويلٌ من الطائرات

العملاقة تنتظر الإشارة من برج المراقبة قبل أن تقلع نحو برشلونة وهونغ كونغ وسيدني وباريس ...

أردف:

حسناً، كفّي عن الكلام. سيبدأ الدوام المدرسي في الثالث من كانون الثاني \ يناير، سوف أعيد إليكِ شارلي عشيّة بدء الدوام المدرسي.

وافقت فرانسيسكا على عرضه:

حسناً. مسألة أخيرة. لقد اشتريتُ له هاتفاً محمولاً. أودّ الاتصال به في أيّ وقت أشاء.

انفجر جوناثان غاضباً:

أنتِ تمزحين! هذا غير معقول! لا يقتني طفلٌ في السابعة من عمره هاتفاً محمولاً.

اعترضت قائلةً:

سنتناقش في هذا الأمر.

إذا كنا سنتناقش في هذا الأمر، لا يحقّ لكِ أن تتّخذي بمفردكِ هذا القرار. ربّما سنعاود الحديث في هذا الأمر، أمّا الآن، فاحزمي أغراضكِ ودعي شارلي ينضمّ إليّ!

انصاعت بهدوء:

حسناً.

انحنى جونثان على الدرابزين وغضّن عينيه ليتأكّد من أنّ شارلي أعاد إلى فرانسيسكا هاتفاً ملوّناً صغيراً. ثمّ عانق الصبيّ والدته وبخطوة متردّدة اعتلى الدرج الكهربائي.

دفع جونثان بعض المسافرين ليكون في استقبال ابنه.

مرحباً بابا.

ارتمى عليه جوناثان واحتضنه بين ذراعيه:

مرحباً يا بنيّ.

*

هما

كانت أصابع مادلين تمرّ منزلقة بأقصى سرعة على لوحة أزرار الهاتف المحمول. كانت تجول، والهاتف بين يديها، أمام الواجهات الزجاجية لمتاجر السوق الحرّة وهي تكتب دون تركيزٍ الرسالة النصية القصيرة لتردّ بها على رافائيل. كان صديقها قد أحسن تسجيل أمتعتهما ولكنّه كان يقف في الدور الآن لكي يعبُر نقاط التفتيش الأمنية. في رسالتها الهاتفية، اقترحت عليه مادلين أن ينضمّ إليها في الكافتيريا.

سأل شارلي بتهذيبِ:

بابا، أشعر بالجوع قليلاً. هل يمكنني أن أتناول شطيرة بانينو من فضلك؟

عبرَ جوناثان، وهو يضع يده على كتف ابنه، المتاهة الزجاجية والفولاذية التي تؤدّي إلى بوابات الصعود. كان يكره المطارات، خاصّة في هذه الفترة من السنة – فترة أعياد الميلاد وكانت صالات المطار تذكّره بالظروف المشؤومة التي علِمَ فيها بخيانة زوجته له، قبل عامين - ، ولكن لشدّة فرحته بلقاء شارلي، أمسك به من خصره ورفعه عن الأرض.

قال بنشاطٍ وحميّة وهو يتحوّل يميناً ويساراً لكي يدخل إلى المطعم:

شطيرة بانينو لهذا الفتى، شطيرة واحدة!

كانت كافتيريا لا بورت دو سييل، الكفتيريا الرئيسة في الضاحية تمتدّ حول فناءٍ تتوسّطه طاولات مختلفة تُعرَضُ عليها تشكيلة واسعة من الأطعمة المحلّية الخاصّة بالمنطقة.

تساءلت مادلين وهي تتفحّص المأكولات المعروضة على المائدة:

هل أتناول قطعة من الكاتو بالشوكولا أم قطعة من البيتزا؟

طبعاً ستكون قطعة من الفاكهة أنسب ولكنّها كانت تتضوّر جوعاً. وضعت قطعة الكاتو على طبقها ثمّ أعادتها إلى مكانها فوراً حالما وشوش لها جيميني كريكيت خاصّتها في أذنها بعدد السعرات الحرارية التي تحتويها هذه القطعة من الحلوى. شعرت بشيءٍ من الإحباط ووضعت تفّاحةً في السلّة المصنوعة من أغصان الصفصاف وطلبت كوباً من الشاي ثمّ ذهبت لتسدّد حسابها عند صندوق المحاسبة.

خبز سياباتا الإيطالي، بيستو، بندورة مخلّلة وجانبون بارما وجبنة الموزاريلا: سال لعاب شارلي أمام شطيرته الإيطالية. منذ نعومة أظافره، كان يرافق والده إلى مطابخ المطاعم، الأمر الذي منحه نكهة الأطعمة اللذيذة ونمّى فضوله نحو كلّ صنوف النكهات.

حذّره جوناثان بعد أن دفع قيمة وجبيتهما الخفيفة:

انتبه لئلا تقلِب طبقك، اتّفقنا؟

وافق الصبيّ بإشارةٍ من رأسه، حريصاً على أن يحافظ على التوازن الهشّ بين شطيرة بانينو وقارورة المياه خاصّته.

كان المطعم مكتّظاً بالزبائن. كانت الصالة البيضوية الشكل تمتدّ على طولِ جدارٍ زجاجيّ يطلّ مباشرة على المدارج.

سأل شارلي التائه وسط جموع المسافرين:

أين نجلس ، بابا؟

نظر جوناثان بعينٍ قلقة إلى الحشد الكثيف المتلاطم بين المقاعد. بدا واضحاً أنّ هناك من الزبائن ما يزيد على الأماكن المتوفّرة. ثمّ. وكأنّه بفعل السحر، شغرت طاولة قرب الكوّة الزجاجية.

قال جوناثان وهو يغمز لابنه:

تقدّم إلى الشرق، أيّها النوتيّ الصغير!

بينما كان يُسرع الخطى، دوّى رنين هاتفه المحمول وسط الضوضاء. تردّد جوناثان في تلقّي المكالمة. على الرغم من أنّ يديه كانتا مشغولتين – كانت حقيبته ذات

العجلات في يد وطبقه في اليد الأخرى – حاول أن يسحب جهاز هاتفه من جيب سترته، ولكن ...

يا لهذا التجمهر! تأسّفت مادلين وهي ترى العدد الهائل من المسافرين الذين يجتاحون المطعم. وهي التي كانت قد أمِلَت في أن ترتاح لبعض الوقت قبل رحلتها، لم تجد حتى طاولةً لتجلس إليها! آخ! صرخت حينما داست مراهقة متحرّرة على قدمها وواصلت سيرها حتى دون كلمة اعتذارٍ.

فتاة مزعجة قذرة! قالت في نفسها وهي ترمقها بنظرة قاسية، ردّت عليها الفتاة باحتشامٍ بالغٍ لم يترك مدلوله أيّ شكّ.

لم تحظَ مادلين حتى بفرصة الانزعاج من هذا الاعتداء. فقد لمحت طاولة شاغرة ملاصقة للكوّة الزجاجية. حثّت خطاها خشية أن تخسر المحلّ الثمين. لم يكن قد تبقى بينها وبين هدفها سوى ثلاثة أمتار حينما رنّ هاتفها في حقيبتها.

هذه ليست اللحظة المناسبة!

قرّرت في البداية ألا تردّ على المكالمة ثمّ عدلت عن رأيها: لا شكّ أنّ رافائيل هو ما كان يتّصل بها. أمسكت على نحوٍ مُرتبكٍ بإحدى يديها بالصينية فقالت:

اللعنة، كم ثقيلٌ إبريق الشاي هذا!

قالت ذلك بينما تفتّش في حقيبتها لتُخرج هاتفها الغارق بين حلقة مفاتيحها الضخمة ودفتر ملاحظاتها

والرواية التي كانت بصدد قراءتها. كانت تتلوّى لكي تضغط على زرّ الجهاز وتضعه على أذنها حينما...

*

اصطدم جوناثان ومادلين وجهاً لوجه. تطاير كلّ ما على الصينيتين من إبريق الشاي والتفاحة والشطيرة وقارورة النبيذ في الهواء قبل أن يتهاوى ويتناثر على الأرض.

فوجِئ شارلي بالصدمة فترك طبقه يسقط من يديه على الأرض وأخذ يبكي.

يا للحمقاء! استشاط جوناثان غضباً وهو ينهض بصعوبة.

صرخ:

ألا يمكنكِ أن تري أن تدسّين قدميكِ!

يا للمعتوه! استشاطت مادلين غضباً وهي تلتقط أنفاسها.

احتجّت عليه قبل أن تلتقط هاتفها وحقيبتها ومفاتيحها من على الأرض وقالت:

آه! لأنّ هذا خطأي علاوة على ذلك؟ لا ينبغي تبديل الأدوار، يا عجوزي!

انحنى جوناثان على ابنه ليطمئنه ويهدّئه وهو يلتقط الشطيرة المحفوظة بغلافٍ بلاستيكي وكذلك قارورة المياه وهاتفه المحمول.

قال حانقاً:

أنا رأيتُ هذه الطاولة قبلكِ ! كنا قد جلسنا تقريباً حينما نزلتِ بسرعة مثل انهيارٍ جليديّ حتى من دون ...

هل تمزح؟ لقد وجدت هذه الطاولة قبلك بكثير!

كشف غضب المرأة الشابّة عن لكنة إنجليزية لم تكن ظاهرة إلى تلك اللحظة.

مهما يكن من أمر، أنتِ لوحدكِ بينما أنا معي طفل.

قالت غاضبة وهي تكتشف بقعة من النبيذ وقد لوّثت قميصها:

يا له من عذرٍ جميل! لا أرى كيف يمنحك وجود طفلٍ شقي الحقّ في أن تعيدني إلى الداخل وتلطّخ قميصي!

هزّ جوناثان، فزِعاً، رأسه ورفع عينيه إلى السماء. فتح فمه لكي يحتجّ، لكنّ مادلين باغتته بسرعة:

ثمّ أنني لستُ لوحدي!

أكّدت مادلين ذلك حينما لمحت رافائيل، فهز جوناثان كتفيه وأمسك بيد شارلي، قائلاً:

تعالَ، سنذهب إلى مكانٍ آخر.

همهم وهو يغادر المطعم:

بلهاءٌ مسكينة ...

*

أقلعت رحلة طائرة شركة الخطوط الجوية دلتا من نيويورك إلى سان فرانسيسكو في الساعة الخامسة مساءً. مبتهجاً بلقاء ابنه، لم يشعر جوناثان كيف مضى الوقت. منذ انفصال والديه، كان جوناثان يعاني من خوفٍ شديدٍ من الطائرة. كان من المستحيل بالنسبة إليه أن يسافر بمفرده أو أن ينام خلال رحلة الطيران. فكانت الساعات السبع التي تستغرقها المسافة مخصّصة لتبادل النكات وسرد الحكايات الغريبة والمضحكة ومشاهدة فيلم الحسناء والشارد للمرّة العشرين على شاشة حاسوبٍ محمول مع التلذّذ بعلبٍ صغيرةٍ من المثلجات من مارجة هاجن داز. كان هذا النوع من المثلجات مخصّص لركّاب درجة رجال

الأعمال، ولكن مضيفة متفهّمة، استسلمت أمام عذوبة شارلي والسحر الأخرق لوالده، استمتعت بخرق القواعد.

غادرة طائرة شركة الخطوط الجوية الفرنسية رقم 29 مطار جون إف كينيدي عند الساعة الخامسة والنصف مساءً. في المقعد الوثير والمريح في جناح رجل الأعمال، - لا شكّ أنّ رافائيل كان قد أحسن تدبير الأمور - ، أدارت مادلين آلة التصوير خاصّتها وبدأت تستعرض صور مغامرتهما النيويوركية. ملتصقين ببعضهما، عاش العاشقان مجدّداً أجمل لحظات رحلة أوّل أيام شهر العسل بابتهاج وسرور. ثمّ غفى رافائيل في حين أنّ مادلين شاهدت بابتهاج، للمرّة الألف، الفيلم الكوميدي القديم، الموعد، للمخرج لوبيتش المعروض على جهاز الفيديو الخاصّ بالمقعد.

بفضل الفارق في التوقيت، بالكاد كانت الساعة قد بلغت التاسعة حينما حطّت طائرة جوناثان في سان فرانسيسكو.

ما أن خرجا من الطائرة، تخلّص شارلي من قلقه، فنام بين ذراعي والده.

في قاعة القادمين، جال جوناثان ببصره بحثاً عن صديقه ماركوس الذي كان يدير معه حانة فرنسية صغيرة في قلب حيّ نورث بيش والذي كان من المفترض أن يأتي لاصطحابهما بالسيارة. وقف على أطراف أصابع قدميه لكي يتبيّنه وسط الحشد.

عبّر عن سخطه قائلاً:

كنتُ لأتعجّب لو أنّ هذا الرجل جاء في الوقت المحدّد!

بعد أن أعيته الحيلة، قرّر أن يتفقّد هاتفه ليتحقّق إن كان قد تلقّى رسالة. حالما غيّر من وضعية "الطيران" حتى ظهر نصٌّ إضافي على الشاشة:

فكّر وهو يعيد قراءة الرسالة القصيرة:

ما هذه الخديعة؟ أيكون مقلباً من ماركوس؟ اعتقد ذلك خلال بضع ثوانٍ، إلى أن فتّش جهاز هاتفه: الطراز نفسه، اللون نفسه، ولكن ... لم يكن هذا جهازه! أتاحت له نظره سريعة على تطبيق البريد الإلكتروني أن يكتشف هوية صاحبة الجهاز. امرأة اسمها مادلين غرين تعيش في باريس.

أرغى وأزبد:

اللعنة! إنّه هاتف حبيبة القلب التي صادفناها في مطار جون إف كينيدي!

نظرت مادلين إلى ساعة يدها وهي تتثاءب. إنّها السادسة والنصف صباحاً. لم تستغرق الرحلة سوى أكثر من سبع ساعات بقليل ولكن بسبب الفارق في التوقيت، حطت الطائرة في باريس يوم السبت صباحاً. كانت رويسي تستيقظ بسرعة. كما هو الحال في نيويورك، كانت أجواء عطلة عيد الميلاد قد خيّمت على المطار على الرغم من أن الوقت كان مبكراً.

سأل رافائيل وهو يقف أمام الأمتعة:

هل أنت متأكّدة من أنّكِ تريدين الذهاب إلى العمل اليوم؟

قالت وهي تشغّل هاتفها لتتحقّق من بريدها:

طبعاً يا عزيزي! لقد أخبرتك بأنّ لدّي العديد من الطلبيات في الانتظار.

استمعت في البداية إلى مجيبها حيث كان صوتٌ فاتر وناعس، مجهول تماماً بالنسبة إليها، قد ترك رسالة:

"مرحبا جون؛ أنا ماركوس. اوه... لدي مشكلة صغيرة مع سيارتي من طراز L4 : تهريبٌ للزيت والذي ... حسناً، سوف أشرح لك الأمر لاحقاً. أخيراً، كلّ هذا لأخبرك بأنني قد أصل متأخراً بعض الشيء. المعذرة...".

تساءلت وهي تغلق الهاتف:

من هو هذا الطائش إذاً؟ أيمكن أن يكون شخصٌ اتّصل برقمٍ خاطئ؟ هممم...

خامرها الشكّ، فتفحّصت هاتفها بانتباه وتركيز: كان من الماركة نفسها، من الطراز نفسه... ولكنّه لم يكن هاتفها.

صرخت بأعلى صوتها:

اللعنة إذاً! هذا هاتف الأبله الذي صادفته في المطار!