2

7 0 00

2

صباح اليوم التّالي أذاع القسم العربيّ في هيئة

الإذاعة البريطانيّة أنّ منشورين وزّعا في المدن

الفلسطينيّة، واحد باسم الهيئة العربيّة العليا في

فلسطين، والثّاني باسم عصبة التحرّر الوطني في

فلسطين، وهذا اسم لم يسمع به أحد من قبل، وركّزت

الإذاعة على أنّ منشور عصبة التّحرّر يحمل أفكارا

جديدة غير مألوفة في منشورات وبيانات الهيئة

العربيّة العليا، حتّى أنّ صياغته جاءت بلغة

سليمة، وذات دلالات، ويعتقد المراقبون بأنّ من يقف

خلف هذا البيان هم مجموعة من الشّباب الذين أنهوا

تعليمهم الجامعيّ في بيروت، والقاهرة، وعدد من

العواصم الأوروبيّة، وواضح أنّهم يعرفون ما

يريدون، حيث ركّزوا على دور المنتدبين

البريطانيّين في العمل على تنفيذ وعد بلفور؛

لإقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين، وحذّروا

الاقطاعيّين العرب من مغبّة بيع أراضيهم للمهاجرين

اليهود.

وقع منشور عصبة التّحرّر كما الصّاعقة على رؤوس

قيادة الهيئة العربيّة العليا، وتحسّبوا من بروز

قيادة بديلة لقيادة كفاح الشّعب الفلسطينيّ، خصوصا

وأنّ توقيع البيان يحمل توقيع"عصبة التّحرّر" أيّ

أنّ هناك حزبا قد تشكّل، وهنا مكمن الخطورة، فبثّت

عيونها للتحرّي عن الأشخاص الذين صاغوا ووزّعوا

هذا البيان اللافت، في حين بدأ البوليس والمخابرات

البريطانيّة بمراقبة خرّيجي الجامعات، ومباغتتهم

وتفتيش بيوتهم بدقّة، واعتقالهم للتّحقيق معهم.

عندما وصل حنّا اندراوس وزوجته بيتهما، وجد

استدعاء له لمقابلة البوليس البريطانيّ فورا، وذلك

بعد أن فتّشوا بيته وبيت والديه ومكتبه بدقّة

أثناء غيابه، وفي مركز التّحقيق قدّموا له نسخة من

بيان عصبة التّحرّر، واتّهموه بالمشاركة في

صياغته، فأنكر ذلك، موضحا أنّه كان في اليومين

الماضيين في بيت دجن، للمشاركة في احتفالات أسرة

طاهر المحمود الصّديقة بمولودتهم الجديدة"أميرة".

فهزّ المحقّق رأسه وقال:

هذا يعني أنّك شاركت في جنازة حمدان الكريم...نحن

نعلم ذلك...ونعلم أنّك قد ألقيت كلمة تحريضيّة في

الجنازة...وهذا اخلال بالأمن، وتحريض على التّعايش

المشترك في هذه البلاد.

فردّ حنّا: طبعا شاركت في جنازة الشّهيد، وألقيت

كلمة تأبينيّة، ليس فيها تحريض كما تدّعون، وإنّما

كشْف لحقائق تقومون بها أنتم لتخريب الحياة في هذه

البلاد.

المحقّق: ألم تحرّض على اليهود؟

لا لم أحرّض... بل على العكس كان يهوديّان

فلسطينيّان في سهرتنا قبل المجزرة التي ارتكبتموها

في يافا بساعات، ومشكلتنا ليست مع اليهود ولا مع

اليهوديّة، وإنّما مع الصّهيونيّة التي تهجّر

اليهود بمساعدتكم إلى بلادنا لاقتلاعنا منها.

- اليهود ضحايا للنّازيّة ويجب أن تتعاطف معهم

الشّعوب.

- نحن نتعاطف مع الضّحايا كلّهم، ولسنا مسؤولين عن

النّازيّة، ولم نضطهد اليهود يوما، وإذا كنتم

ترغبون عن التّكفير عن مذابح النّازية فاعطوا

اليهود وطنا في بلدانكم.

- أنت تعلم أنّ المملكة المتحدّة كانت رأس الحربة

في محاربة النازيّة.

- وأعلم أنّها قد أعطت لليهود وعدا باقامة دولة

لهم في فلسطين قبل أن تولد النازيّة.

- ماذا تقصد؟

- اقصد أنّكم البريطانيّون متآمرون على شعبنا وعلى

وطننا.

- ما تقوله ورد في بيان ما يسمّى عصبة التحرّر

التحريضيّ.

- قلت لك بأن لا علاقة لي بالبيان.

- اسمعني جيّدا...لم آتِ بك هنا للنّقاش، ولكنّني

أحذّرك من مغبّة المشاركة في اصدار البيانات

التحريضيّة، كما أحذّرك من الانجرار خلف الأفكار

الشّيوعيّة التي يحاول الاتحاد السوفييتي نشرها في

المنطقة...واعلم أنّك مراقب، ونحن لسنا غافلين

عمّا يجري على السّاحة المحليّة...وإذا ما أمسكنا

بك متلبسا فسيكون عقابك شديدا...ولا وقت لديّ

لأقضيه معك...انصرف الآن وآمل أن لا ألتقيك ثانية

في هذا المكان.

وفي يافا كان طاهر المحمود وابنه عبّاس في

التحقيق أيضا...تفاجأ طاهر المحمود بأن المحقّق

البريطانيّ كان من معارفه، وممّن زاروه في بيته،

وتناولوا فيه الطّعام أكثر من مرّة...أحضر له

المحقّق فنجان قهوة وقال:

أنت انسان طيّب يا أبا عبّاس، ولست بحاجة إلى

الآخرين، ويجب أن لا تنفق الأموال التي رزقك بها

الله على تكريم أناس مشاغبين، أو ممّن يعتدون على

قوّاتنا، ويلقون حتفهم....فكيف تقيم وليمة فاخرة

لذوي المغدور حمدان عبد الكريم؟ وكيف تشارك في

جنازة انسان يعادينا؟ وكيف تجمع المشاغبين في

قصرك؟

- الشهيد حمدان عبد الكريم قريبي وابن بلدتي، وهو

انسان مسالم لم يعتد على أحد، والعادات والواجب

تلزمني بالمشاركة في جنازته، وعمل وليمة لذويه.

- لكن في ذلك تشجيع للمناوئين لنا.

- ألا تعلم أن الشّعب كلّه يعادي وجودكم في

بلادنا، ويستعجل الخلاص منكم.

- نحن لسنا قوّة استعماريّة، وإنّما ناشرو حضارة

وتقدّم، ولا أطماع لنا في بلادكم، ووجودنا عندكم

هو لمساعدتكم...ألم نحارب من أجل تخليصكم من

العثمانيّين وظلمهم، وفتحنا لكم مدارس ومستشفيات،

وقمنا بتشغيلكم، وأخرجناكم من مجاعة عشتموها في

أواخر عهد العثمانيّين.

- لكنّ العثمانيّين لم يأتونا بالمهاجرين اليهود

لاقتلاعنا من وطننا، واحلالهم مكاننا.

- أنا لست مهتما بالسّياسة وما يهمّني هو الأمن.

- وأنا لا أهدّد أمن أحد.

- ولا أريدك مساعدة من يهدّدون أمننا، وحنّا

اندراوس الذي كان في بيتك يحمل أفكارا هدّامة لنا

ولكم، فأريدكم أن تتجنّبوه.

- حنّا اندراوس شابّ متعلّم ومحام معروف، وابن

تاجر ثريّ ومعروف.

- صحيح... لكنّ المتعلّمين من أبنائكم يحملون

أفكارا غريبة.

- على العكس فهم قمّة في الأخلاق والتّهذيب.

- أريدك أن تحافظ على ابنك وأسرتك، فالأوضاع لا

تنذر بخير في هذه البلاد.

- وهل أنا بحاجة إلى نصائح للحفاظ على أسرتي؟

- أقصد أن تبعد ابنك عن المخلّين بالأمن....والآن

بامكانك أن تنصرف أنت وابنك، وأتمنّى لكما

السّلامة.

عاد طاهر المحمود إلى بيته وهو "يضرب أخماسا في

أسداس" فالأوضاع غير مستقرّة، وهي في توتّر

متصاعد، ولا بوادر للانفراج...ومع أنّ السّياسة لا

تعنيه، إلّا أنّه غير مطمئن لما يجري، فالقلاقل

تسود معظم المدن والقرى، والانجليز يدّعون الحياد

وهم منحازون لصالح اليهود في تصرّفاتهم جميعها،

ويسمحون لهم باقتناء السّلاح والتّدرّب عليه،

بينما يشنقون العربيّ إذا ما وجدوا بحوزته سكّينا،

أو رصاصة فارغة...فالتفت إلى ابنه عبّاس وسأله:

كيف ترى الأمور يا عبّاس؟

- لا أدري ماذا سأقول لك.

- ألا تتابع الأخبار والأحداث؟

- أتابعها...والواقع لا يبشّر بخير.

- وما العمل؟

- الله أعلم.

- نسأل الله أن تكون العاقبة خيرا.

- آمين....قالها وخرج إلى غرفة نومه....احتضن

طفلته أميرة...قبّلها على وجنتيها...أعادها إلى

سريرها وخرج...سألته زوجته:

إلى أين يا عبّاس؟ فلم يلتفت إليها ولم

يجبها...استقل سيّارته وسار على غير هدى يبحث عن

شمس رآها غزالة تطاردها الوحوش.