3

7 0 00

3

للمرّة الأولى شعر طاهر المحمود بقلق

أرّقه...خرج من غرفة نومه...جلس على كرسيّ في إحدى

شرفات القصر...روحه تجوب البلاد من شمالها إلى

جنوبها، ومن غربها إلى شرقها....استعاد زمن

العثمانيّين وترحّم عليه...صحيح أن عساكرهم طغت

وتجبّرت، لكنّهم لم يأتونا بأغراب لاقتلاعنا من

بلادنا...انتظر ابنه عبّاس حتى عاد في ساعات

الفجر، سأله:

أين أمضيت ليلك يا عبّاس؟

- عند شقيقتى زهرة في الرّملة.

- وكيف حالها وحال أبنائها وزوجها؟

- بخير.

- ألا تلاحظ يا ولدي أنّ الأوضاع غير مستقرّة، وأن

الطّرقات لم تعد آمنة؟

- هكذا هو حال بلادنا دائما.

- أعرف يا ولدي...ولكنّ الحذر مطلوب.

- "المكتوب ع الجبين بتشوفه العين".

- أنا لا أعترض على قدر الله وقضائه...وأضاف بلهجة

حزينة باكية:

لكن لا تنسّ أنّك ابننا الوحيد، وإذا ما حصل لك

مكروه –لا سمح الله- فإنّنا سنضيع، ولن يعود أحد

يذكر أباك وجدّك...فارحمني يا ولدي...وارحم طفلتك

الرّضيعة.

احتجّ عبّاس على ما يقوله والده وتساءل غاضبا:

لماذا تقول ذلك يا أبي؟ ولماذا كلّ هذا الخوف؟

وحياتنا ليست أغلى من حياة الآخرين.

- أقول ذلك يا ولدي لأنّني أرى الشّباب يتساقطون

يوميّا...وأعداد الضّحايا تزداد يوما بعد

يوم...بسبب وبدون سبب....وحرصا منّي عليك فإنّني

أقترح أن نبيع مصنع البلاط في يافا...فعندنا خيرات

تكفينا لجيلين قادمين، والبيّارة تكفينا.

- مصنع البلاط يا أبي ورثتَه عن جدّي- رحمه الله-

وانتاجه من البلاط القاشاني فريد من نوعه ورائج،

والتفريط به ليس في مصلحتنا... وليتنا نستطيع

تطويره، وزيادة الانتاج فيه لتلبية طلبات السّوق.

- لكنّ حياتك يا ولدي أغلى من المصنع، ومن الفلوس.

- وهل حياتي مرتبطة بوجود مصنع البلاط أو عدمه؟

قالها مستنكرا.

- ما قصدته أنّ يافا مستهدفة أكثر من

غيرها...فعساكر الجنود كثيرون فيها بسبب الميناء،

وهي قريبة من التّجمّعات اليهوديّة في حيّ تلّ

الرّبيع.

- لا شأن لي بهم، فأنا أجلس في مكتبي في

المصنع...ولا أتجوّل في شوارع المدينة إلّا لقضاء

حاجات ضروريّة.

كانت خديجة أمّ عبّاس تسترق السمع لحديثهما من

مخدعها، فخرجت تطارد النّعاس من عينيها وقالت:

لا نريد مصنع الطّوب ولا غيره...بِعْهُ غدا يا

طاهر...وعبّاس من الآن يبقى في البيت... يراقب

البيّارة، ويكون تحت عيوننا، وإذا ما احتجنا شيئا

من يافا، فستذهب أنت يا طاهر لاحضاره....وسنبقى

على هذا الحال حتّى يفرجها ربّنا.

ابتسم أبو عبّاس وسأل زوجته مازحا:

هل تحرصين على عبّاس وتفرّطين بي يا خديجة؟

- فردّت عليه ضاحكة: أنت عشت ما فيه

الكفاية...وعبّاس لا يزال في بداية حياته التي هي

أغلى من حياتك وحياتي وحيوات النّاس جميعهم.

فقال عبّاس: ربّنا يحفظكم، وسلامتكما عندي تعادل

سلامتي وأكثر...والآن دعونا ننام ونأخذ قسطا من

الرّاحة...تصبحون على خير.

في غرفة نومهما كانت سعديّة تجلس على

سريرها...قلبها يشتعل حسرة، وعيناها نبع ماء

يتساقط دررا تنساب على وجنتيها...ارتبك عبّاس

عندما رآها جالسة تبكي فسألها: لماذا أنت مستيقظة

وتبكين؟

تحشرجت حنجرتها ولم تتكلّم....اقترب منها ومدّ

يديه ليحضنها يريد تقبيلها...مدّت يدها اليمنى

وأبعدته عنها....تمدّدت على الفراش وتدثّرت وقد

أدارت ظهرها له...التصق بها ووضع يده على شعرها

وهو يسأل:

ماذا جرى لك يا حبيبتي؟ هل أغضبك أحد؟

فردّت باكية: خروجك مساء بهذه الطّريقة أغضبني،

وعدم اخبارك لي عن المكان الذي ذهبت اليه زادني

غضبا.

- ولو عرفت المكان فماذا سيفيدك ذلك؟

- إذا كانت معرفتي بمكان حبيبي وزوجي لا يفيدني،

فما الذي سيفيدني؟ قالتها غانجة...ضمّها إلى صدره

وأشبعها تقبيلا...حلّقا في عالم النشوة...وضعت

رأسها على صدره...وقالت له بدلال:

كيف ترى الأوضاع في هذه البلاد يا حبيبي؟

- على كفّ عفريت.

- وهل سنبقى متفرّجين؟

- وما الذي نستطيع فعله؟

- الرّجال يبيعون مصاغات نسائهم؛ ليشتري كلّ منهم

بندقية؛ ليدافعوا بها عن وطنهم وشعبهم...ونحن

الحمد لله بألف خير...فلماذا لا نشتري بندقيّة؟

- أنت تعلمين أنّ الانجليز يعدمون الفلسطينيّ على

رصاصة فارغة، فما بالك إذا ما أمسكوا به مع

بندقية؟

- الانجليز يا حبيبي أساس مصائبنا...وإذا ما

اشترينا بندقيّة فلن تكون للزّينة والاستعراض، بل

سنقاتلهم بها.

- ومن سيقاتلهم؟

- أنا وأنت.

نزلت كلماتها على عبّاس كما الصّاعقة، فانخرس

مشدوها ممّا سمع....وقالت له وهي تعبث بالشّعر

النّامي على صدره:

هل أغضبك كلامي يا حبيبي؟

- لا...لم يغضبني، لكنّه فاجأني....فنحن لا نعرف

من أين سنشتري السّلاح، ولا نجيد استعماله.

- هل للسّرّ عندك مكان؟ قالتها همسا.

- وهل ترينني ثرثارا يا امرأة؟

- أنا أعرف من يأتينا بالسّلاح ويدرّبنا عليه إذا

قرّرنا شراءه.

- أنتِ؟ وكيف يكون ذلك وأنتِ لا تخرجين من البيت؟

- إذا وافقتَ سأخبرك بكلّ شيء.

- أنا موافق من هذه الّلحظة.

- عندما أخذت ابنتنا أميرة لمباركتها في مقام

سيدنا سعد الأنصاريّ، اختلت بي سيّدة يافاويّة بعد

أن عرفت من أنا، وشرحت لي عن الأحوال السّيّئة في

البلاد، وقالت بأنّنا على أبواب حرب طاحنة، وإذا

لم نستعدّ لها فسنهلك بسهولة. وقالت بأنّها تستطيع

تأمين السّلاح لمن يريده ويدفع ثمنه، كما أنّها

تجمع تبرعات لشراء السّلاح لمن لا يملك ثمنه من

الثّوار، وقد أعطيتها خمسة جنيهات تبرّعا.

- وما يدريك أنّ هذه المرأة جاسوسة للانجليز،

وأنّها مدسوسة عليك لتخريب بيوتنا؟

- يستحيل ذلك، فهي على علاقة بجماعة الجهاد

المقدّس التي يرأسها عبد القادر الحسيني، كما

أنّها رئيسة "جمعيّة زهرة الأقحوان" في يافا.

- هل تقصدين مهيبة خورشيد؟

- نعم...وكيف عرفتها؟

- سبق وأن جاءتني في مصنع الطّوب وطلبت تبرعات

لدعم الثّورة....وهي فتاة متعلّمة، وزميلاتها

متعلّمات أيضا.

تململ قليلا وقال: "خلّينا نخوض الميّة بغيرنا"؟

- كيف؟

- سعيد وفايز الّلذان يعملان عندنا في البيّارة

شخصان رائعان ومؤتمنان، ويحفظان الأسرار...سأرسل

واحدا منهما لشراء بندقيّة والتدرّب عليها.

- وأنا من سيدرّبني؟ هل أذهب إلى مهيبة؟

- تريّثي...بعد أن أتدرّب أنا سأدرّبك. والآن

دعينا ننام قليلا.

- تصبح على خير...قالتها وهي تتوسّد ذراعه الأيسر،

وعقلها يناجي قلبه.

*****

طاهر المحمود يقضي يومه في مصنع البلاط، وابنه

عبّاس يشارك العمّال عملهم في البيّارة، يستقلّ

سيّارته ويزور شقيقاته وعمّاته، ويسامر أصدقاءه من

أبناء البلدة...طلب من فايز العامل في البيّارة أن

يرافقه لزيارة القدس، وتأدية صلاة الجمعة في

المسجد الأقصى، فسبقتهم قلوبهم تهفو إلى المدينة

المقدّسة، تجوّلوا في حاراتها وأزقّتها

وأسواقها...دخلوا كنيسة القيامة وزاروا كنيسة

العذراء...أدهشهم البلاط الذي في الكنيسة، فهو

رخام كما المرآة المصقولة، تمعّن فيه عبّاس، وتمنى

لو أنّه يستطيع تصنيع مثله في مصنع البلاط في

يافا...مرّوا بباب النبيّ داود في الجهة الجنوبيّة

من سور المدينة التّاريخيّ، وواصلوا مسيرهم باتجاه

باب المغاربة؛ ليدخلوا المسجد الأقصى من

هناك...هلّلوا وكبّروا وحمدوا وشكروا الله كثيرا

عندما اكتحلت عيونهم بمنظر الأقصى المهيب، وزخرفة

مسجد الصّخرة المشرّفة، وصلّوا على خاتم النّبيّين

وهم يتذكّرون عروجه إلى السماوات العليا من هذه

البقعة المقدّسة...صلّوا ركعتي تحيّة المسجد في

رواق قبّة الصّخرة، ثم استظلّوا بأحدى القباب،

ودخلوا المسجد القبليّ ليؤدّوا الصّلاة، وهناك

استمعوا لخطبة الصّلاة من الشّيخ ياسين البكري،

والذي أكّد فيها على أنّ الأقصى جزء من العقيدة،

فهو قبلة المسلمين الأولى، ومعراج الرّسول صلّى

الله عليه وسلّم، وأحد المساجد الثلاث التي تشدّ

اليها الرّحال، وأنّ ثواب الصّلاة فيه بخمسمائة

صلاة، وأنّ حائط البراق جزء لا يتجزّأ من هذا

المسجد، وحذّر من ازدياد خطورة الهجرات اليهوديّة

إلى البلاد، برعاية البريطانيّين، الذين يعملون

على تنفيذ وعد بلفور، باقامة دولة لليهود في

فلسطين، وقال بأنّ ساعة الحسم قد اقتربت، وأنّ

الدّفاع عن الأرض ومقدّساتها فرض عين على كل

مواطن.

استمع عبّاس وفايز للخطبة بانتباه شديد، أدّيا

صلاة الجمعة، وبعدها أخذ بعض المصلّين ينصرفون، في

حين بقي البعض انتظارا لصلاة العصر، وحينما خرج

الشّيخ ياسين من المبنى القديم، لحق به فايز،

وصافحه بحرارة، وانتحيا جانبا لبضع

دقائق...وافترقا ليعود فايز ويجلس بجانب عبّاس،

الذي سأله بدوره:

من أين تعرف هذا الشّيخ؟

- عرفته من خلال صلاتي في المسجد الأقصى أيّام

العطلة القليلة التي نأخذها من عملنا في البيّارة،

كما أنّه زارنا عدّة مرّات في البلدة في بيت دجن،

وأمّ بنا الصّلاة أكثر من مرّة في مقامي سعد

الأنصاريّ والشيخ محمد الزّواوي...كما أنّ له عدّة

أصدقاء في البلدة.

- يبدو أنّ هذا الرّجل مسلم حقيقيّ تقيّ نقيّ

ويكره الانتداب...ويخاف كثيرا على المسجد الأقصى.

- بل يخاف على البلاد كلّها....ولماذا أنت مهتمّ

به؟

- لأنّني أيضا خائف على مصير هذه البلاد...وأحبّ

من يخافون عليها، ويدافعون عنها.

- لكنّك مشغول بالبيّارة وبمصنع البلاط...ولا

ينقصك أيّ شيء.

- وهل في ذلك عيب؟

- أعوذ بالله...بل هو واجب، لكن يجب الانتباه بأنّ

هذه الخيرات لن تدوم لأحد إذا لم نحمِ البلاد من

الطّامعين بها.

نزلت كلماته عاصفة هزّت كيان عبّاس، فتنهّد وسأل:

وكيف نحمي البلاد؟

- بالدّفاع عنها....وأنت تعلم بأنّ هناك ثوّارا

يهاجمون القوّات البريطانيّة المستعمرة، وتجمّعات

المهاجرين اليهود، والشّهداء يسقطون

يوميّا...ويلحقون الخسائر بالبريطانيّين الذين

يخطّطون للرّحيل عن البلاد بعد تسليمها لليهود.

- وأين يتواجد هؤلاء الثّوّار؟

- إنّهم من أبناء البلاد، ومنهم من جاء من مناطق

بعيدة...أمثال الشيخ الشّهيد عزّ الدّين القسّام

رحمه الله...فقد جاء من سوريا للدّفاع عن فلسطين،

واستشهد فيها...وغيره جاؤوا من شرق الأردنّ، ومن

مصر ولبنان وحتى من المغرب العربيّ.

- ومن أين لك هذه المعلومات؟

- من النّاس.

- ولماذا لم أسمع بها أنا؟

- لأنّك مشغول بحياة الّلهو والتّرف...ووالدك

ربّاك على هذه الحياة...صحيح أنّه رجل طيّب وكريم،

لكنّه مشغول بالدّنيا عن الآخرة.

- وأنت ما الذي يشغلك؟

- تشغلني الدّنيا والآخرة معا...قالها ضاحكا.

خرجا من بناء المسجد القبليّ...جلسا تحت شجرة

زيتون في ساحات المسجد يزيد عمرها على الألفي عام،

تحسّس عبّاس ساق الشجرة الضّخم وقال في نفسه:

لن أكون إلّا شجرة زيتون في هذا الوطن...والتفت

إلى فايز وسأل:

كيف نستطيع الوصول إلى الثّوّار؟

- لماذا؟

- لأشتري سلاحا وأقاتل معهم.

- لن يقبلوك...قالها فايز وهو يضحك قهقهة.

- ويحك....ولماذا؟ قالها عبّاس والشّرر يقدح من

عينيه.

- لا تغضب يا عبّاس...في الثّورة قانون لا يسمح

لوحيد والديه بالمشاركة في الأعمال

الفدائية....لأنّ الثّورة رحيمة بأبناء شعبها،

ولا تريد أن تترك مآسي لا تمحى.

- لكنّني لست وحيدا، فلي أربع شقيقات.

- لكنّك الابن الذّكر الوحيد.

- وما أدراك بقانون الثّورة هذا؟

- اسمعني جيّدا يا عبّاس...هل أنت على قناعة تامّة

بضرورة المشاركة في الثّورة؟

- وهل تشكّ في ذلك؟

- أكثر ما أخشاه أن يكون قرارك عاطفيّا بعد سماعك

خطبة الجمعة؟

- قراري ليس عاطفيّا، وليس ابن هذا اليوم...وأنت

هل لك علاقة بالثّورة؟

- نعم أنا عضو في الجهاد المقدس.

- منذ متى؟

- منذ سنوات.

- أريد أن أكون معكم.

- لن تستطيع ...فأنت وحيد والديك...والثّورة لا

ينقصها رجال، وإنّما ينقصها المال

والسّلاح...وبامكانك أن تتبرّع لهم بالمال

ليشتروا به سلاحا لمن لا يملك ثمن سلاحه، ولمساعدة

عائلات الشهداء.

أخرج عبّاس من جيبه عشرة جنيهات وقال لفايز:

خذ هذه للثّورة، وسأدفع مبالغ أخرى لاحقا.

ابتسم فايز وقال: ردّها إلى جيبك، فأنا لست

العنوان لجمع التبرّعات.

- وما العمل معك يا فايز؟ هل تمازحني أم تكذب

عليّ؟

- لا أمازحك ولا أكذب عليك...انتظر حتى صلاة

العصر...وإن كنت على عجلة من أمرك...تعال معي.

- هيّا بنا.

خرجا معا وسارا باتّجاه باب العامود عبر طريق

الواد...طلب فايز من عبّاس أن ينتظره في

المقهى...وعاد إلى سوق "خان الزّيت" غاب حوالي عشر

دقائق، ورجع بصحبة الشيخ ياسين...جلسا بجانب

عبّاس، احتسوا القهوة...ودفع عبّاس عشر جنيهات

للشيخ ياسين..وانفضّت الجلسة.

في طريق عودتهما إلى بيت دجن، شعر عبّاس أنّ

القدس تحتضنه بحنان الأمّ الرؤوم، تملأ جسده دفئا،

وتشحنه بالقوّة، ولمّا أطلّ على السّاحل رأى يافا

تصفّق له باسمة، وتمدّ ذراعيها لتطوّق بلدته بيت

دجن بجناحيها، فهي ثغر البلاد الذي تنطلق منه

السفن المحمّلة بالحمضيات، لتحطّ في البلدان

الأوربيّة، وتعود محمّلة بمنتوجات صناعيّة من تلك

البلدان...التفت إلى فايز وقال:

- اسمعني جيّدا يا فايز...أريد أن أتدرّب على

استعمال السّلاح، وسأشتري بندقيّة، فقد يأتي يوم

أحتاجها فيه.

- قلت لك بأنّك وحيد والديك.

فقال فايز مستنكرا: وهل وحيد والديه محروم من

العدالة؟ يبدو أنّ الثّورة تفكّر مثل أبي، فهو

دائما يقول لي: أنت وحيدي، ولا أتخيّل يوما أنّني

سأفقدك... وان حصل ذلك –لا سمح الله- فسألحق بك في

نفس السّاعة.

ردّ عليه فايز بهدوء: ومن عدالة الثّورة أنّها

حريصة على أبناء شعبها، تماما مثل والديهم، وهي

حريصة على حياتك وحياة والديك أيضا.

سأل عبّاس بأسى: وما المانع بأن يكون عندي بندقيّة

للدّفاع عن النّفس...فإذا وقعت الواقعة فإنّ

العدوّ لن يرحم أحدا.

فايز: السّلاح ليس للغواية يا عبّاس.

- لا أريد بندقيّة للغواية، بل للدّفاع عن النّفس

عند الضّرورة...وإذا ما اشتريت بندقيّة فلن يراها

أحد.

- سأنقل وجهة نظرك لمسؤولي الثّورة.

عبّاس: قل لي يا فايز...هل لديك بندقيّة؟

- وماذا يفيدك إن كانت لديّ بندقيّة أو لم تكن؟

- لأنّني سأدفع لك لتشتري واحدة، إن لم تكن عندك.

- نعم عندي بندقيّة...منذ أكثر من خمس سنوات بعت

مصاغ زوجتي بعشرين جنيها واشتريت بندقيّة.

- وهل وافقت زوجتك على بيع مصاغها؟

- نعم وعن طيب خاطر.

بكى عبّاس متأثّرا بما سمع وقال:

لا امرأة تستحق مصاغا أكثر من زوجتك... وعند

وصولنا إلى البيت سأعطيك عشرين جنيها لتشتري لها

مصاغا...لكن قل لي أين تخبّئ بندقيّتك؟

- لها مخبأ آمن في باطن الأرض في

البيّارة...أخرجها عند الاستعمال...وأعيدها إلى

مكانها بعد ذلك.

- ومتى تستعملها؟

- عند تكليفي بمهمّة في الّليل.

- وهل يملك زميلك سعيد بندقيّة؟

- كلّا... فهو لا يملك ثمنها...وزوجته لا مصاغ

لها...لكنّنا نحن الاثنين نستعمل نفس البندقيّة.

- اذن سأتبرع له بثمن واحدة.

افترقا عندما وصلا البيّارة، كلّ منهما ذهب إلى

مخدعه، فايز مشى مختالا، وفي جيبه حبّات "حامض

حلو" وزّعها على أطفاله، وأعطى زوجته قالب حلاوة

يزن كيلو غرام. كانت تقف أمام بيتها شامخة...ناهدة

الصدر وهي تهمّ بحمل صحن العجين؛ لتخبز في

الطّابون...طرح عليها السّلام وسألها:

خير يا أمّ محمّد هل من جديد؟

ردّت عليه باسمة: لا جديد لكنّني وقفت لاستقبالك

بعد أن رأيتك تنزل من سيّارة عبّاس.

- إن شاء الله ربّنا ما يحرمني من هذه الطّلّة

البهيّة.

- استأذنته لتخبز العجين، كي تعدّ العشاء قبل

الغروب.

عند باب القصر مشى عبّاس متكاسلا عابسا كمن يحمل

هموم الدنيا كلّها على كتفيه...جلس على كرسيّ في

البرندة...وهواجس كثيرة ترهق دماغة...تمنّى لو أنه

وُلد في أسرة فقيرة؛ ليكسب راحة البال والطمأنينة،

فيبدو أنّ المال يجلب التّعاسة لصاحبه...وما

الحياة الا رحلة قصيرة شاقّة وممتعة في نفس

الوقت...ومحظوظ من يترك ذكرى طيّبة بعد رحيله

عنها...تحامل على نفسه وذهب إلى غرفة نومه...صدرت

"مناغاة" من طفلته أميرة عندما رأته يدخل

الباب...حرّكت يديها ورجليها وتململت في سريرها،

وكأنّها تريد أن تقفز منه لاستقبال

والدها...حملها على صدره وقبّل وجنتيها...التفت

إلى سعديّة التي كانت تتمدّد على سرير النوم وهي

ترتدي ثوب نوم ناعم وشفّاف...مسحوب بغير انتظام

إلى منتصف فخذيها...تسند كتفيها بوسادتين...شعرها

متناثر على الجانبين...تتشابك أصابع يديها على

صدرها بين ثدييها، وقال لها: سلامتك يا

سعديّة...يبدو أنّك مريضة.

ردّت بصوت هادئ غنوج: لست مريضة ولكنّني تعبانة.

- وما الذي أتعبك؟

- تقيّأت كثيرا...ولا شهيّة لي للطّعام...وهذه

بوادر الوحام، فأنا حامل.

- حامل...حامل! فالأميرة عمرها الآن ثلاثة

أشهر...قالها مندهشا وهو يقفز فرحا..فسماع هذا

الخبر أشعل في قلبه نار الفرح...ودبّ النّشاط في

جسده...أعاد أميرة إلى سريرها..وقفز إلى جانبها

على السّرير، ثنى ساقه على ساقها وقبّلها وهو

يردّد:

الحمد لله...سيأتينا طاهر الصّغير.

فردّت عليه بدلال: وما يدريك أن ينعم الله علينا

بسعديّة الصّغيرة؟

- ما يرزقنا الله به سنفرح به كثيرا...وان كان

بنتا فيكفينا الله شرّ تسميتها بسعديّة.

- وما لها سعديّة؟ هل هي لا تعجبك؟ أم أنّ اسمها

لا يعجبك؟

فردّ عليها غاضبا: ماذا جرى لك يا سعديّة؟ هل

جُننتِ؟ فالنّاس لا يسمّون البنات على أسماء

أمّهاتهن إلّا إذا ماتت الأمّ ساعة المخاض، وهذا

ما لا أريده ولا أتمنّاه...ولا يسمّون الأبناء

الذّكور على أسماء آبائهم إلا إذا مات الأب في

فترة الحمل.

علت بسمة عريضة وجهها وقالت: أعرف ذلك يا

حبيبي...ولم أقصده...وأتمنى أن يكون الجنين ذكرا،

وإذا ما كان أنثى فهي ستكون شبيهتي...و"طبّ الجرّة

على ثمها بتطلع البنت لأمّها" وسنختار لها اسما

جميلا.

فقال عبّاس: عندنا أميرة وإذا كان الجنين أنثى

فسنسمّيها مليكة.

قالها وانفرطا ضاحكين...ثمّ استدرك عبّاس:

ما رأيك أن أحضر لك طبيبا، أو الدّاية كاترينا

لنطمئن عليكِ؟

- لا داعي يا حبيبي...فأعراض الوحام معروفة

للنّساء.