4

5 0 00

4

أزيز رصاص يلعلع في محيط مقام الشّيخ محمّد

الزّواوي قبل صلاة الفجر بقليل، جنود بريطانيّون

يطوّقون البلدة، وبصحبتهم كلاب بوليسيّة، نادوا

بمنع التّجوّل بمكبّر صوت من على سيّارة عسكريّة،

استيقظ فايز على صوت الرّصاص...قال لزوجته:

الأولاد وديعة عند الله وعندك يا أمّ

محمّد...تلثّم بكوفيّته وركض إلى زاوية البيّارة،

نبش عن بندقيّته، حملها وغادر مسرعا...ونظرات

زوجته تلاحقه، ودعواتها بالسّلامة تشقّ عنان

السّماء....تمترس خلف شجرة بلّوط على رصيف الطّريق

المؤدّية إلى مقام الشّيخ الزواوي...أطلق رصاصتين

على جنديّين كانا يقفان عند زاوية الطريق

فتجندلا...برشاقة حمل بندقيتيهما وقنبلتين

يدويّتين كانتا مع أحدهما....وعاد مسرعا إلى حظيرة

الخيول في البيّارة...امتطى الفرس السّحوب وقال

لزوجته:

ان لم أعد، بعد ثلاثة أيام أخبري سعيدا أن الأمانة

عند شجرة الجمّيز قرب دير الّلطرون...تسلّل من بين

الحقول، وانطلق شرقا يسابق الرّيح...علّق

البندقيتيّن على شجرة الجمّيز....أطلق الفرس فعادت

تركض غربا إلى حظيرتها، فالأصيلة لا تضلّ طريقها،

ولا تقطع فارسها...انتظر حتى ساعات

الصّباح...أخفى بندقيّته والقنبلتين بين الأعشاب

عند حافة الوادي قرب عرب أبو كشك... وعند الضّحى

توجّه إلى بيت الشّيخ محمد أو كشك...فرحّب به

الشيخ وسأله:

ما الذي يجري في بيت دجن، فقد كان الرّصاص كثيفا؟

- متى.

- منذ ساعات الفجر الأولى.

- ماذا تقول يا رجل؟ فأنا لا أعلم ذلك...لقد نمت

هذه الّليلة في عمواس.

- ربّنا يستر.

وفي بيت دجن وعند ساعات الصّباح نادى الجنود

بمكبّرات الصّوت: على كلّ الرجال من سنّ 14 وما

فوق التجمّع في ساحة مدرسة الذّكور، وكلّ من يخالف

سيعاقب بقسوة.

وبينما كانت سيّارات الاسعاف تنقل جثامين قتلى

العسكر، أطلق الجنود كلابا بوليسيّة تشمّ

الرّجال...لم تتوقّف عند أيّ منهم...التفت الضّابط

إلى جنوده وقال:

ربّما يكون المسلّحون من خارج البلدة....سنأخذ

خمسة من الوجهاء ليتعرّفوا على جثث القتلى السّتة

عند مقام الشّيخ الزّواوي...وهناك مرّوا بجانب

الجثث، وادّعوا بعدم معرفتهم...طاهر المحمود شعر

بغصّة عندما رأى صهره عارف عبد الكريم زوج ابنته

نبيهة مخضّبا بدمائه...لكنّه كتم لوعته وواصل

سيره....سألهم الضابط:

من هؤلاء؟ من منكم يعرف أيّا منهم؟

لم يسمع جوابا من أحد...تنحنح مطلق شتيوي وقال:

ربّما يكونون من خارج البلدة، أو من المتطوّعين

الذين يأتون من مصر والأردن.

قال الضّابط البريطانيّ: هذه عاداتكم!...من علّمكم

أن تنكروا معرفة ابنائكم القتلى؟ ألا تحزنون على

قتلاكم؟ هؤلاء شباب طائش يموتون، ويلحقون الأذى

بنا وبكم...وأمر أحد مساعديه: أثناء تفتيش البيوت

أحضروا عددا من النّساء لعلهنّ يتعرفن على القتلى.

ترك الجنود جثامين الشهداء أمام مقام الشّيخ

الزّواوي...عادوا مع الضّابط إلى ملعب المدرسة...

حيث قيّد الجنود من هم دون الخمسين من أبناء

البلدة، وأيديهم خلف ظهورهم وأشبعوهم ضربا،

ووضعوهم في زاوية الملعب الجنوبيّة، اقترب الضّابط

من المسنّين وصاح بهم والمترجم يترجم لهم بعربية

هادئة:

تزعمون أنّكم عقلاء البلدة ووجهاؤها، وتتركون

أبناءكم ألعوبة بيد الخارجين عن القانون، وتسمحون

للمسلّحين الغرباء أن يدخلوا بلدتكم، بل

تستضيفونهم في بيوتكم، وتقدّمون لهم

الطّعام...وتتركون المساجد مفتوحة ليل نهار، لتكون

وكرا للارهابيّين،

وهذا انكار للجميل، أتنسون أنّنا من بنى لكم

مدرسة الذكور هذه، ومدرسة أخرى للبنات، ونحن لن

نتساهل مع المخلّين بالأمن، ولا مع من يمدّون لهم

يد المساعدة.

Fucken Arabs قالها وانصرف. ولم يترجمها المترجم.

تنهّد أبو عبّاس ونفخ شررا ضاق به صدره، وكتم

غيظه...وخاطب الضابط بالانجليزية: لو سمحت يا

كولونيل.

التفت الضّابط وسأل غاضبا: ماذا تريد؟

- ما ذنب أبنائنا جنودك يضربونهم دون ذنب اقترفوه؟

- أنتم مسؤولون عن الأمن في بلدتكم...وواحد منكم

هو من قتل جنديّين من جنودنا.

- نحن لم نقتل أحدا...وأبناؤنا كانوا نياما عندما

اقتحمتم البلدة....وربما يكون القاتل من الأشخاص

الذين قتلتموهم...ونحن لا نعرفهم.

- لم آتِ هنا للنّقاش...وسنتعرف على القتلة الآن.

دخلت ملعب المدرسة سيّارة عسكريّة ترجّل منها ضابط

برتبة سيرجنت وقال للكولونيل:

سيّدي...لقد أحضرنا عشرين امرأة مسنّة،

وأجبرناهنّ على المرور أمام جثث القتلى، ولم

يتعرّفن عليهم.

- هل شاهدتم الحزن على وجوههنّ؟

- نعم كنّ حزينات ومرتبكات وباكيات وخائفات وهنّ

في بيوتهنّ، وفي الطّريق أيضا.

- أقصد هل ارتبكن أو واحدة منهنّ عندما رأين

جثامين القتلى.

- لم نلاحظ ذلك.

ولم ينتبه الجنود إلى أنّ النّساء لم ينظرن

الشهداء، ولم تحاول واحدة منهنّ الالتفات إلى

جهتهم، وعندما سألهنّ الضّابط عمّن يعرفن منهم

قالت الحاجّة صبحة:

كان الله في عون أمّهاتهم. وعندما ترجموا للضّابط

ما قالت سألها:

ومن هنّ أمّهاتهم؟

ردّت باكية: النّساء الّلواتي أنجبنهم.

فصاح غاضبا: أعرف أنّ نساء أنجبنهنّ أيّتها

الغبيّة...لكنّني أريد معرفة أسماءهن.

فردّت بلا مبالاة: ومن أين لي أن أعرفهنّ؟

فقال: You are a bitch old woman "أنت عاهرة

مسنّة" وأدار ظهره وهو يقول: دعوهن ينصرفن إلى

بيوتهنّ.

تحدّثت النّساء من خلال شبابيك البيوت، وقرّرن

عدم الالتزام بمنع التّجوّل؛ وأن يذهبن جماعة

بصحبة أطفالهنّ إلى ملعب المدرسة، والحاجّة حليمة

تقول لهنّ:

هيّا بنا...لن نتركهم يفتكون برجالنا.

سرن باتّجاه الملعب وهنّ يردّدن بصوت عال: فلسطين

عربيّة. وعملن طوقا على المدرسة، وبعضهنّ رجمن

الجنود بالحجارة...فقالت الحاجّة حليمة لهنّ

تريّثن قليلا، فإن لم يطلقوا سراح الرّجال، عندها

يطيب الموت!

طلب الضّابط أربعة من المسنّين وإمام المسجد

وقال لهم:

تعالوا لتدفنوا جثامين قتلاكم.

فردّ عليه طاهر المحمود:

نريد عشرة شباب ليحفروا القبور.

وقال إمام المسجد بنباهة وهو يتصنّع البراءة:

لماذا لا تتعرّفون على مكان سكناهم وتسلمونهم

لذويهم لدفنهم؟

التفت الضّابط إلى جنوده وقال:

الآن تأكّدت أنّهم ليسوا من هذه البلدة...اصطحبوا

معكم عشرة من شبابهم، واطلقوا سراح

الآخرين...فتصعيد الموقف ليس في مصلحتنا...ومجنون

ذلك السّباح الذي يركب أمواج بحر هائج...هيّا بنا.

استقلّوا سيّاراتهم العسكريّة وغادروا بسرعة.

انطلق الرّجال والنّساء إلى مقام الشّيخ الزّواوي.

تعرّفوا على الشهداء وهم: عبد الرّحمن فادي، سليم

أو شاويش، محمّد صابر، عبد القادر عبد الرّحيم،

سليمان داود، عارف عبد الكريم، وجميعهم من أبناء

البلدة، بدأ الصّراخ والعويل، وكثير من أمّهاتهم

وزوجاتهم، وشقيقاتهم أغمي عليهنّ، نثرن الشّعور،

وقددن الجيوب، ولطمن الخدود، لكنّ حليمة غمست رأس

اصبعها الشّاهد بنقطة دم من كلّ شهيد، ومسحت بها

جبهتها ووجنتيها، وأرنبة أنفها ولحيتها. وهذه دعوة

للثّأر، أبعدهنّ الرّجال عن الجثامين، جمعوا

جثامين الشهداء...أداروا وجوههم إلى

القبلة...غطّوهم بالبطّانيات...تركوا وجوههم

مكشوفة، وقال الإمام: :" بسم الله الرحمن الرحيم،

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ

اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ

رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ

اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ

بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ

خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ

يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ

اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ

أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ"صدق الله العظيم.

الأخوات والاخوة الكرام: المصاب جلل، ووالله إنّ

العين لتدمع، وأنّ القلب ليخشع، ولا حول ولا قوّة

الا بالله، واكرام الميّت دفنه، فلا نعرف ما

تخبّئه لنا السّاعات القادمة، فالقوا النّظرة

الأخيرة على الشّهداء، ودعونا نصلّي عليهم

ونواريهم التّراب بسرعة.

فصاح أحد الشّباب: وأين سنغسلهم ونكفّنهم؟

فردّ الامام بهدوء: الشهداء لا يغسّلون ولا

يكّفنون، لقد اغتسلوا بدمائهم الطّاهرة التي تفوح

منها رائحة المسك، ويدفنون بملابسهم المخضّبة

بدمائهم الزّكيّة.

ظهر فايز فجأة بين الرّجال..ألقى نظرة على

الشّهداء...قبّل جبين كلّ واحد منهم وهو يبكي

بصمت....سأله طاهر المحمود:

أين كنت يا فايز؟

فردّ متصنّعا الّلامبالاة: عندما نادوا بمنع

التّجوّل وتجميع الرّجال في ملعب المدرسة، تسلقت

شجرة الخرّوب التي أمام القصر، واختبأت بين

أغصانها الكثيفة.

فقال عبّاس متصنّعا البراءة:

والله إنّك أكثر نباهة منّي...على الأقلّ نجوت من

الضّرب المبرح.

وهنا حضرت ثلاث نساء من جمعيّة زهرة الأقحوان في

يافا، تتقدّمهن مهيبة خورشيد، كانت ترتدي بنطالا

وقميصا، وشعرها مربوط خلف رأسها، طرحن السّلام...

سألن عمّا جرى، وعانقن أمّهات الشّهداء

وزوجاتهم...واتجهن إلى قبور الشّهداء، وضعن وردة

على كلّ قبر، وقرأن الفاتحة...ومهيبة تقول:

هذه الدّماء لن تذهب هدرا.

تشاور ذوو الشّهداء ووجهاؤها حول المكان الذي

سيتقبّلون فيه العزاء بالشّهداء...فتقدّمت الحاجة

حليمة وقالت: لا عزاء فيمن قُتِل غيلة! وإذا عدمنا

الرّجال، فالنّساء جاهزات... نظرت إليها مهيبة،

وابتسمت رغم جلال الموقف، فقال إمام المسجد:

"قطعت جهينة قول كلّ خطيب".

قلب الرّجال كوفيّاتهم، وعادوا جميعهم إلى

بيوتهم...ارتدت النّساء الملابس السّوداء، واصطحب

الحاجّ طاهر المحمود ابنته نبيهة، أرملة الشّهيد

عارف عبد الكريم وأطفالها، بعد أن استأذن من حميها

وأسلافها، فألقى حموها عباءته عليها وهو يبكي؛

وهذه إشارة بأنّه يطلب يدها لشقيق زوجها الشّهيد

بعد انتهاء فترة العدّة الشرعيّة.

عند المساء جلس الحاجّ طاهر المحمود مع أسرته،

وليصرفهم عن أحزانهم؛ شرع يحدّثهم عن اضراب العام

1936 الشّهير، وكيف لجأ الفلسطينيّون إلى اضراب

طويل استمرّ ستة شهور، كان أشبه ما يكون بالعصيان

المدنيّ، بل كان عصيانا حيث أنهم امتنعوا عن دفع

الضرائب، شارك فيه أبناء الشعب كافّة، ولمّا كان

الفلّاحون مستهدفين من القوّات البريطانيّة،

ويعتقلون من يدخل منهم المدن؛ لأنّ القرى كانت حصن

الثّوّار، والفلّاحون وقودها، فقد اتفق أعيان

المدن، وقرّروا خلع الطّرابيش، واعتمار الكوفيّات،

كي لا يميّز العسكر ابن القرية من ابن المدينة،

وكان عبد القادر الحسيني قائد الجهاد المقدّس،

أوّل من اعتمر الكوفيّة، ويتنقل بين القرى على ظهر

بغلة أسماها " الدّبّابة " لسرعتها، وقدرتها على

حمل الأثقال، ومن طرائف الثّوّار أنّهم ألبسوا

طربوشا لحمار في مدينة عكّا، وطافوا به شوارع

المدينة وهم يهتفون :

"حطّة وعقال بخمس قروش

والحمار لابس طربوش".

وهنا سألت سعديّة: وهل كان الطّربوش حكرا على

أبناء المدن؟

فردّ أبو عبّاس بهدوء العارف ببواطن الأمور:

وَضْع الطّربوش على الرّأس دخيل على بلاد الشام،

ودخلها مع حملة ابراهيم باشا، فالطّربوش من تراث

أشقائنا المصريّين. أمّا نحن في بلاد الشّام،

فغطاء الرأس للرّجال عندنا هو الكوفيّة والعقال.

الحاجّة خديجة "أمّ عبّاس" بانفعال: ومتى كان ذلك؟

أبو عبّاس: منذ أكثر من مائة عام، وتحديدا في

العام 1831، وجّه والي مصر محمّد علي باشا، حملة

إلى بلاد الشام بقيادة ابنه ابراهيم، فاكتسح

المنطقة وأخضعها لسلطانه، ومنذ ذلك التّاريخ قلّد

الاقطاعيّون والتّجار وكبار الموظفين في فلسطين

المصريّين، وصاروا يضعون الطّرابيش على رؤوسهم بدل

الكوفيّات.

وهنا سألت سعديّة: وماذا فعل ابراهيم باشا في بلاد

الشّام؟

لقد أخضعها لسلطان والده، وكان حاكما نبيها، لم

يقبل بمظالم العثمانيّين، ولولا أنّ والده كبح

جماحه لسيطر على الآستانة أيضا، ومن الفرمانات

التي أصدرها في فلسطين واحد أعفى فيه الكنائس

والأديرة في القدس ونابلس من الضرائب مهما كانت

تسمياتها، وأصدر فرمانا آخر سمح بموجبه للمواطنين

المسيحيّين بترميم كنائسهم وأديرتهم، وبناء

الكنائس التي يريدونها. وهذا ما فعله مع أقباط

مصر عندما استلم الحكم بعد أبيه في العام 1849.

سعديّة: وماذا كان يقصد من وراء ذلك؟

أبو عبّاس: قصده كان العدل بين المواطنين،

فمسيحيّو البلاد مواطنون كاملو الحقوق مثل غيرهم

من المواطنين، ومظالم العثمانيّين عمّت البلاد،

ولم تقتصر على المسيحيّين العرب وحدهم، بل تعدّتهم

إلى المسلمين أيضا. خصوصا بعد أن خطّط العثمانيون

لتطبيق سياسة التّتريك. وهذا خروج عن مبادئ دولة

الخلافة.

عبّاس: يبدو أنّ بعض المقرّبين من الخلفاء

العثمانيّين، قد تأثرّوا بالمدّ القومي الذي اجتاح

أوروبا في تلك المرحلة.

أبو عبّاس: هذه مرحلة مضت، ودعونا نعود إلى

موضوعنا، وإلى مظالم الانجليز علينا وعلى بلادنا،

فقد اعتقلوا الآلاف من شعبنا في ثورة العام 1936

بدون تهمة أو محاكمة. "وسرعان ما انطلقت العمليّات

المسلّحة مترافقة مع الإضراب، ومن أبرز عمليات

الثّوار في القدس، في المرحلة الأولى من الثورة

معركة باب الواد على طريق القدس- يافا، والهجوم

على سينما أديسون في القدس، والهجوم على سيّارة

مفتش البوليس البريطانيّ في المدينة، وعلى اثنين

من ضباط الطيران البريطانيّين".

وكادت الأمور تفلت من أيدي الانجليز، فاستعانوا

بالملوك العرب، وما خاب ظنّهم، فقد استجابوا لطلب

الانجليز، ووجّهوا نداء للشّعب الفلسطينيّ دعوه

فيه إلى انهاء الاضراب، معتمدين على حسن نوايا "

الصّديقة " بريطانيا، بانهاء الانتداب على فلسطين،

ووقف الهجرات اليهوديّة.

تململ عبّاس على كنبته وسأل والده على استحياء: هل

لك علاقة بالثّورة يا أبي؟

فردّ أبو عبّاس بلهجة غاضبة: لماذا تسأل يا ولد؟

- لا لشيء، فقط من باب حبّ الاستطلاع.

- اسمع يا بنيّ...لم أكن يوما ضدّ الثّورة...لكن

مصالحنا تقتضي أن نداري زماننا...فجدّك - رحمه

الله – كان يؤمن بالمثل القائل" اطعم الفم تستحي

العين" وهذا ما قرّبه من "القمندار" و"الخازندار"

العثمانيّين، فبنى معهما علاقة طيّبة، وهذه

العلاقة هي سبب ارسالي مبعوثا إلى الآستانة، حيث

أنهيت المدرسة فيها، وهذا أمر ما كان يحظى به سوى

المقرّبين من كبار الموظّفين العثمانيّين،

وبالطّبع لم يكن بلا مقابل، فقد كان جدّك سخيّا

معهم، فكان يكرمهم ويقدّم لهم الهدايا الثّمينة،

وبالتّالي كانوا يتهاونون معنا في الضّرائب،

وقدّموا لنا اعفاءات كبيرة، وطوّبوا لنا مساحات

شاسعة من الأراضي. وعندما هُزموا في الحرب

العالميّة الأولى، لم نأسف عليهم لأنّ ظلمهم بلغ

حدودا يصعب احتمالها...وبعد دخول الانجليز قلنا:

"اللي يتزوج أمّي هو عمّي" وكنت أشارك في استقبال

المندوب السّامي البريطانيّ، وأقمت الحفلات

الصّاخبة للضّبّاط الانجليز، في بيتي وفي مطاعم

وحانات يافا أيضا. واتّسعت أعمالنا، ولم تقتصر على

الزّراعة فقط، بل بنينا مصنع البلاط في يافا، لكن

الانجليز يساعدون في هجرة اليهود إلى بلادنا،

ويخطّطون لاقتلاعنا من أرضنا، واقامة دولة لليهود

عليها.

- وهل كان العثمانيّون يسهّلون هجرة اليهود إلى

فلسطين؟

- لم أسمع بذلك.

- لكنّك لم تقل لي هل لك علاقة بالثّورة؟

- يا بنيّ، مصلحتنا تتطلّب أن نكون مع الواقف.

- لم أفهم عليك يا أبي.

- أنا لست ثائرا، ولا أحبّ الثّورات، لكنّني ومن

باب الاحتياط أتبرّع ببعض المال للثّوّار، وما

يدريك؟ فإذا ما انتصروا فسيكون لنا موطئ قدم

عندهم، ومن يموت منهم يموت شهيدا، ونحن نعيش بعده

سعداء!

شعر عبّاس بالضّيق من حديث والده، فسأل بلهجة

ساخرة: وإذا لم ينتصروا يا أبي؟

- سيموتون شهداء، وسنترحّم عليهم.

- لكنّنا سنخسر كلّ شيء، وسنتمنّى الموت كثيرا إذا

لم ينتصروا يا أبي، لأنّ الموت سيكون وقتئذٍ أرحم

بكثير من حياة الذّلّ التي سنعيشها.

- ماذا تعني يا ولد؟ ومن أدخل هذا الكلام في رأسك؟

تساءل أبو عبّاس غاضبا.

- لا أعني شيئا يا أبي...لكنّني على يقين بأنّ

مستقبلنا سيكون حالك السّواد، إذا تمكنّ اليهود

بمساعدة الانجليز من اقامة دولتهم على أرضنا.

وأسأل الله النّصر لثورتنا.

- اسمع يا ولد: "عند مخالفة الدّول الشّاطر اللي

يخبّي راسه" فهل تعتقد أنّ من يحمل بندقية ويملك

عشر رصاصات سيستطيع هزيمة بريطانيا العظمى؟ هذا

جنون، وأنت ترى وتسمع عن شباب يتساقطون كورق الشجر

في الخريف، وآلاف الأشخاص يودعون في السّجون، دون

مقابل، فإيّاك أن تنجرّ معهم.

انتفض عبّاس وقال وهو يهمّ بالنّهوض مغادرا

الجلسة:

والله إنّهم أشرف منّا في الحياة الدّنيا وفي

الآخرة....فهم يعيشون شرفاء ويموتون شرفاء، ولا

يراؤون أحدا...فصاح أبو عبّاس: على مهلك يا ولد.

إلى أين أنت ذاهب؟

- أنا مرهق وأريد أن أنام.

غادر عبّاس الجلسة...تمشّى في البيّارة...أسند

ظهره على ساق شجرة الخرّوب العظيم....تحسّس لسعات

كرابيج العسكر التي ارتسمت على جسده خيوطا

حمراء...بكى الشّهداء وترحّم عليهم...لفحته رائحة

البرتقال فانتعش قليلا...نظر إلى السّماء يستجدي

الفرج...عادت به الذّاكرة إلى شريط حياته، وكيف

عاش مرفّها على عكس الكثيرين من أبناء بلدته

وأبناء شعبه...وتساءل عن الأسباب التي تدعو

الفقراء إلى الموت في سبيل الوطن، بينما

الاقطاعيّون وكبار التّجار والموظفين يرتضون

القعود، ويبحثون عن الملذّات؟ جلس فوق الحشائش

ساندا ظهره إلى ساق شجرة ليمون...بحث عن الأسباب

التي تجعل شخصين مثل عاملي البيّارة سعيد وفايز

دائمي الابتسامة، راضيين بما تيسّر لهما من

رزق...ويشاركان في الثّورة بصمت، وهما وأمثالهما

لم يتذيّلا لحاكم أو لمسؤول، بينما والده يفتخر

بعلاقته مع الضّباط الانجليز، وعلاقة أبيه وجدّه

مع المسؤولين الأتراك...وفكّر بما قاله والده بأن

الثّوّار إذا ما قُتلوا سيموتون شهداء، وسنعيش

بعدهم سعداء...فهل سعادتنا على حساب دماء

الآخرين؟

صدمه السؤال ولم يجد له جوابا. تمنّى لو أنّ بحر

يافا يبتلعه ليرتاح من هذه الحياة التي فرضت عليه

القعود...فالمال فتنة والثّراء ملهاة لا

تدوم...والعدوّ لا يفرّق بين قاعد وثائر، والكرامة

لا تباع ولا تشترى، فالفلّاحون يقاتلون دفاعا عن

كرامتهم وحرّيتهم، بينما بعض الاقطاعيّين يرون في

الوطن منجما لجمع المال، وإذا ما تعرّضوا لهزّة

بسيطة يبيعون الأرض ويهاجرون، وكأنّ الوطن محطّة

عبور، فما هذه الحياة يا ربّ؟

سالت دموعه على وجنتيه تغسل مرارة مخزونة

متراكمة، اتكأ على كوعه الأيمن والنّعاس يهرب من

عينيه...رأى والده يخرج من القصر بكامل

أناقته...اختبأ خلف الشجرة كي لا يراه الوالد وأخذ

يراقب...مشى الحاجّ طاهر بخفّة، وكأنه لا يريد

الاثقال على تراب الأرض...اتّجه شرقا...تسلق سور

البيّارة وخرج وهو يتلفّت خلفه، وكأنّه يراقب

أحدا، أو يخشى من مراقبة أحد له! هوى على ركبتيه

وكفّي يديه...نفض غبار التّراب العالق بكفّيه، ثم

نفض الغبار عن جزء بنطاله السفليّ ومشى...وعبّاس

يتبعه برشاقة وحذر...انتشى عبّاس عندما راودته

فكرة بأنّ والده على علاقة سرّيّة بالثّوار، وحسب

بأنّ والده يخفي عنه وعن غيره هذا الأمر، وهو لا

يريد أن يكون ابنه مثله، فامتداد الأسرة يجب أن

يستمر، وتساءل عن مدى مشاركة والده في الثّورة وهو

في هذا العمر؟ فهل يعقل أنّه قادر على المشاركة في

القتال، ويجيد الكرّ والفرّ؟ أم أنّه يلتقي

الثّوّار ويشاركهم الرأي، ويتبرع لهم بالمال

لشراء الأسلحة؟ وليقطع الشّكّ باليقين تبع والده

ليعرف سبب خروجه في هذه السّاعة المتأخّرة من

الّليل...لفت انتباهه أنّ الوالد يبتعد عن طُرق

القرية ودروبها، ويحني ظهره عندما يمرّ بمحاذاة

بيت أحدهم...إلى أن وصل بيت الشّهيد أبي منير الذي

استشهد في العام 1939، تاركا أرملة شابة حاملا

بطفل ذكر، وعندما رأى الحياة أطلقوا عليه اسم منير

على اسم والده الرّاحل...وقف بجانب شبّاك الغرفة

الذي يبعد مترا ونصف المتر عن باب البيت، فُتح

الباب بهدوء تام...دخل البيت كما المتسلّلين وهو

يتلفت خلفه...لم يُضأ البيت....تقدّم عبّاس وهو

يمشي على رؤوس قدميه حتى لا يشعر به أحد...اقترب

عبّاس من الشّباك يسترق السّمع، وهو يحدّث نفسه

بأن والده يساعد أسر الشهداء سرّا، وهو بذلك يحصد

ثوابا عظيما، ويحمي نفسه أمنيّا من الانجليز...سمع

كلاما خافتا لم يفهم كنهه...انتبه لنفسه عندما سمع

صوت والده يطلب من أرملة الشّهيد أن تتأكّد بأنّ

طفلها نائم، وأن تغلق باب الغرفة عليه

بهدوء...كما طلب منها أن تضيء لامبة الكاز؛ لأنّه

لا يقوى على عدم رؤية جسدها الجميل كما

وصفه....ولمّا تقدّمت منه بعد أن أشعلت الّلامبة،

رأى عبّاس والده يركع على ركبتيه أمامها، يحيط

ساقيها بيديه....يشرع بتقبيل ساقيها وهي ترفع

ثوبها قليلا قليلا بناء على طلبه وبتدرّج...كان

وجهها عابسا يبدو عليه التقزّز، ولأوّل مرّة في

حياته رأى عبّاس والده كلبا يلهث تحت ساقي

امرأة....كانت صدمته كبيرة...ولم يستوعب فعلة

والده، عاد إلى بيته باكيا تتصارع في رأسه أفكار

كثيرة...ويملأ قلبه حقد على والده...بل إنّ وساوس

راودته حول ما إذا كان والده عميلا للانجليز؟ وأنّ

كلّ هذه الثّروة المتوارثة حرام في حرام!

استلقى على سريره بجانب سعديّة دون أن يضيء

الغرفة، ودون أن يستبدل ملابسه بمنامته كما

اعتاد...مدّت سعدية يدها على صدره وسألته:

ما بك يا حبيبي؟

لا شيء أجابها بلهجة باكية.

- هل أنت حزين إلى هذه الدرجة؟ الشهداء أحياء عند

ربّهم يرزقون، وهذا قدر شعبنا...وطبيعة الحياة

يموت ناس ويولد آخرون، وعجلة الحياة تدور، والسعيد

من يفوز بالآخرة.

فردّ بلهجة غاضبة: والتعيس من يفوز بالدّنيا وينسى

الآخرة.

فسألت محتارة: ماذا تقصد يا عبّاس؟

- لا أقصد شيئا...واتركيني أنام.

أمضى عبّاس ليلته يتقلّب على

الفراش...يبكي...يتنهّد...زفيره لهيب نار، وسعديّة

تحاول معرفة ما به، لكنّه لا يجيبها.

في ساعات الصّباح الأولى خرج يتمشّى في

البيّارة...شاهد فايز يعلف الخيل...طرح عليه تحيّة

الصّباح ومشى بجانبه...دعاه فايز لشرب قهوة

الصّباح...جلسا تحت شجرة قرب مسكن فايز...تنحنح

فايز وسأل على استحياء وهو يبتسم:

ما بك يا عبّاس؟

- أريد أن أسألك: ماذا تعرف عن والدي؟

- ماذا تعني؟

- أعني، هل له علاقة بالثّوّار؟

تنهّد فايز ولم يجب...فسأل عبّاس: هل يتبرّع أبي

للثّورة؟

- لا أعتقد ذلك؟

- حسب ما تسمع، هل أهالي البلدة يحترمون والدي أم

يخافونه؟

- لا هذه ولا تلك، وإنّما يدارونه كثريّ من أبناء

البلدة!

- وماذا يقولون عنه؟

- يقولون أنّه يحاول التّظاهر بالطّيبة داخل

البلدة، بينما خارجها يدور على ملذّاته؟

- ماذا تقصد بالملذّات؟

- يقولون عنه بأنّه على علاقة طيّبة

بالانجليز...وأنّه كثيرا ما يشارك الضّباط

الانجليز في حفلات حمراء...يعاقرون الخمور

ويجالسون الغانيات.

- لكنّ أبي في البيت وفي البلدة يبدو تقيّا يصلّي

في المسجد، ويصوم ويكرم ضيوفه ويساعد الفقراء.

- هكذا يبدو ولكنّ حقيقته مختلفة جدّا...والمال

يغطّي على سيئاته.

- كيف؟

- ألا تلاحظ أنّ علاقته بأمّك ليست على ما يرام؟

- ألاحظ ذلك واعتقد أنّه بسبب طول العشرة.

- هناك ما هو أبعد من العشرة.

- ماذا تقصد؟

- اسأل والدتك؟

- أنا أسألك أنت؟

- هل تحتفظ بالأسرار؟

- طبعا ولك عهد عليّ بأن لا أبوح بكلمة واحدة مما

تقول، لكنّني أريد معرفة الحقيقة؟

تململ فايز وقال بحياء زائد:

اسمع يا عبّاس، قبل أكثر من خمسة عشر

عاما...فاجأت أمّك أباك وهو يعاشر احدى نساء

البلدة في الغرفة التي تنام وزوجتك فيها...وهجمت

عليهما وهما عاريان، وفزعنا لصراخها...وأنا وسعيد

من فرّقنا بينهم...ومنذ ذلك التاريخ وعلاقتهما

ليست سويّة.

- هل يعني هذا أنّ والدتي لم تكن شرّيرة وعدوانيّة

قبل تلك الحادثة؟

- نعم...كانت زوجة مطيعة بشوشة.

- ما اسم تلك المرأة التي اختلى بها أبي؟

- ربّنا طلب السّتر يا رجل...وهذه قضيّة انتهت.

- وهل لديك معلومات بعلاقات نسويّة أخرى لوالدي؟

- هنا أم في يافا؟

- هنا وفي يافا.

- الله أعلم...هناك اشاعات كثيرة حوله، ولا أعلم

إن كانت حقيقة أم اشاعات، فأنا كما ترى لا أغادر

البيّارة إلّا قليلا.

- ولماذا لا يواجهه الآخرون بحقيقته؟

- ألم تسمع بالمثل القائل:"موت الفقير وتعريس

الغني ما حدا يتكلم فيهن"؟

- أشهد أن لا إله إلّا الله.

- محمّد رسول الله.

- هل تعتقد أنّ أبي جاسوس للانجليز؟

- ليس إلى هذه الدّرجة...ولكنّه وأمثاله دائما مع

الواقف...ويزعمون أنّ مصالحهم الماليّة تتطلب ذلك.

فقد كان جدّك عبّاس الّذي تحمل اسمه متذيّلا

للأتراك، ووالدك عمل نفس الشّيء مع

الانجليز...لكنّني لا اعتقد أن علاقته بهم وصلت

إلى درجة العمالة.

ازداد عبّاس ألما على آلامه، فأن تُصدم بأقرب

النّاس إليك ليس بالأمر الهيّن...فما بالك إذا

كانت الصّدمة بأبيك؟ عاد عبّاس إلى غرفة نومه

يجرجر ذيول خيبته...قرّر أن يكون له موقف...لكنّه

لا يعرف كنه هذا الموقف، فمعاناته كبيرة، وحيرته

أكبر...لكنّه سرعان ما قرّر أن يكون موقفه من

والده سلبيا....ففي البداية سيبتعد عنه، وسيعمل ما

وسعه لعدم الالتقاء به، فهو لم يعد قادرا حتى على

رؤية وجهه، أو سماع صوته.

وقفت ابنته أميرة على حافة سريرها وهشّت وبشّت

له...التفت إليها وابتسم...لكنّه لم يحضنها كما هي

العادة...ناغته بصوت عصافيري ملائكي، فأرغمته على

النّهوض من سريره...حملها على صدره...قبّل وجنتيها

وهو يقول: نعم يا روح بابا....رفعت يدها اليمنى

وبابهامها وسبّابتها حاولت الامساك بشاربيه، وهي

تصدر أصواتا كتغريد كنّار أليف... فقال لها

مبتسما:

هل أميرتي فرحة بشاربيّ أم تريد نتفهما؟

ازدادت حركة أميرة ومناغاتها فقالت سعديّة ضاحكة:

الحمد لله أنّ أميرة استطاعت أن تعيد إليك البسمة.

فردّ ضاحكا: الأبناء زينة الحياة الدّنيا وليس

المال.

فسألته: مالك غاضب من المال؟

فأجاب: المال وسيلة للحياة الرّغيدة. ثمّ تنهّد

وقال: وقد يكون سببا للتّعاسة في الدّنيا والآخرة

إن لم نحسن استعماله.

ابتسمت سعديّة وقالت: حبيبي عبّاس...الفقر ذلّ في

النّهار ومسكنة في الليل...ونسأل الله أن لا يكون

في بلادنا فقير واحد...والغنى هو غنى

النّفس...وإذا ما اجتمع غنى المال وغنى النّفس

فهذه هي السّعادة...وأضافت وهي تتحسّس بطنها:

وعندما سيأتي طاهر الصّغير سيكون سعيدا لأنّه سيجد

المال الوفير وسنربّيه على عزّة النّفس.

فردّ عبّاس متباطئا: لن أسميه طاهرا...سأختار له

اسما يليق به.

دُهشت سعديّة وتساءلت: ماذا جرى لك يا عبّاس؟ وهل

سنجد اسما أفضل من اسم عمّي طاهر؟

- كلّ الأسماء أفضل من اسم طاهر واسم عبّاس.

- وحّد الله يا رجل؟ ماذا تقول؟

- لا أريد هذين الاسمين.