5
حصل ما لم يخطر على بال أحد، فقد اقتحم عدد من
شرطة الانجليز مصنع البلاط في يافا...فتّشوا
المكتب...قيّدوا يدي الحاجّ طاهر المحمود خلف
ظهره...اقتادوه عنوة إلى إحدى سيّاراتهم، ولمّا
حاول الاستفسار عن أسباب ذلك صفعه أحدهم على
وجهه...فسقط عقاله على الأرض...داسه الجنديّ ودفع
بأبي عبّاس إلى السّيّارة...اتجهوا به شمالا...وفي
سجن عكّا أودعوه بعد أن أخبره أحدهم بأنّه موقوف
ستّة أشهر إداريا حسب قانون الطّوارئ...لم يسألوه
شيئا...ولم يعرف هو سبب اعتقاله.
اتصل العمّال بعبّاس وأخبروه عمّا جرى...لم يفهم
هو الآخر سببا لذلك...واحتار في الأمر...راودته
ظنون كثيرة...وتساءل إذا ما كان لوالده نشاطات لا
يعلمها؟ أو أنّ اعتقاله تمثيلية تستمر ساعات
للتّغطية على أمر ما؟ أم أن هناك شكوى معيّنة
ضدّه، ولم يَرْسُ عل ظنّ معين، فقرّر أن ينتظر
يومين كاملين على أمل معرفة الحقيقة....فإن لم
يفرجوا عنه سيتّصل بصديق العائلة المحامي حنّا
أندراوس ليدافع عن والده...وهذا ما حصل... وكان
ردّ المحامي بأنّ الشّرطة قد أخبرته بأنّه تمّ
توقيف موكّله لمدة ستّة أشهر دون أن توجّه له أيّ
تهمة، وأنّ هناك مئات المعتقلين من مختلف المناطق
وبنفس الطّريقة دون أيّ تهمة...وفي اليوم التّالي
التقى المحامي موكّله في سجن عكّا...وجده هو الآخر
حائرا في أسباب ما جرى له...بل إنّه أخبر المحامي
بأنّ علاقته طيّبة مع الضّباط الانجليز في منطقة
يافا.
لم تُبْدِ أمّ عبّاس أيّ انزعاج من اعتقال
زوجها...بل تلقّت الخبر وكأنّ الأمر لا
يعنيها...على عكس كنّته سعديّة، فقد أطلقت سيلا
من الشّتائم على الانجليز، وعلى اليوم الذي دخلوا
فيه هذه البلاد...ممّا اضطرّ عبّاس أن يطلب منها
الهدوء، وأن ترعى طفلتهما أميرة، وأن تحافظ على
جنينها الذي في أحشائها.
وذات مساء سأل عبّاس والدته إن كانت تعلم عن
نشاطات لوالده مناوئة للانتداب البريطانيّ؟ فلوت
فمها استهزاء ولم تجب...ولمّا ألحّ عليها بالسؤال
قالت:
"المكتوب ع الجبين تشوفه العين".
فسألها: وماذا ترى عيناك يا أمّاه؟
ردّت بلا اكتراث: انتبه لنفسك ولبيتك...وحافظ على
البيّارة ومصنع البلاط...واتركك من غيرك.
- لكنّه أبي يا أمّي...وهو زوجك أيضا.
- لا تخف عليه...سيفرجون عنه...والسّجون لا تغلق
أبوابها على نزلائها إلى الأبد. وحرّيّة والدك
ليست أغلى من حرّيّة الآخرين، ولا أغلى من دماء
الشّهداء.
وعندما طلب منها عبّاس أن ترافقه في زيارة أبيه
رفضت وقالت ساخرة:
عندما أشتاقه سأزوره.
اقترب منها عبّاس وسألها: لماذا تتعاملين مع أبي
بهذا الجفاء.
- وكيف تريدني أن أتعامل معه؟
- كبقية الأزواج بالرّحمة والسّكينة.
- لم يعاملني برحمة وسكينة حتى أعامله بالمثل.
- هل هناك أسرار بينك وبينه لا أعرفها.
- دعك من هذا الكلام يا بنيّ واتركني وشأني.
ازدادت حيرة عبّاس في فهم والده...فهل هو جاسوس
للانجليز...ولو كان كذلك لِمَ اعتقلوه...فارتاح
لذلك.
*****
عصر اليوم الأخير من عام 1946 شعرت سعديّة بآلام
المخاض...لم يكن عبّاس في البيت، فقد ذهب منذ
الصّباح برفقة صديقين له للاستحمام في حمّام
الوزير في الّلد، ولم يعودا...ركضت أمّ عبّاس إلى
فايز، وطلبت منه أن يحضر الدّاية كاترينا من يافا
بالسّرعة الممكنة، وطلبت من زوجته أن تركض إلى
بيت زليخة والدة سعدية لاحضارها هي الأخرى لمساعدة
ابنتها في الولادة...وعادت مسرعة إلى
البيت...هدّأت من روع سعديّة...امتطى فايز الفرس
السّحوب...سابق الرّيح إلى بيت الدّاية كاترينا في
يافا...طلب منها أن تستأجر سيّارة، وأن تحضر
بسرعة فائقة إلى بيت طاهر المحمود في بيت دجن
لتوليد سعديّة...مرّ على شاطئ البحر، فلا يُعقل
لزائر يافا أن لا يرى بحرها ويتمشّى على رمال
شاطئها، تبخترت السّحوب على رمال الشّاطئ كما
العروس...لفتت انتباه المستجمّين...تقدّمت منها
حسناء يافعة...مدّت يدها على جبين السّحوب وقالت:
ما شاء الله...هل تبيع هذه الأصيلة؟
- الأصايل لسن للبيع ولا للشّراء.
- سأعطيك الثمن الذي تطلبه.
- قلت لك ليست للبيع.
ثنى رأس الأصيلة...التفت إلى سفينة تجارية تحمل
على ظهرها أطنان الحمضيات...عاد من حيث أتى...وصل
البيت قبل الدّاية...أخبر أمّ عبّاس أنّ الدّاية
في الطّريق...وإذا بالدّاية تصل...حملت صندوقها
"الطّبيّ" الصّغير...أسرعت إلى غرفة
سعديّة...فحصتها وقالت بعد أن أعطتها حقنة مهدئة:
تحتاجين إلى ساعات قليلة حتى يفرجها ربّنا...وينزل
المولود...فلا تقلقي يا بنيّتي... احتضنت
أميرة...قبّلتها وهي تردّد:
ما شاء الله.
وضعتها في حضنها وأخذت تتسامر مع الحاجّة خديجة
والحاجة زليخة، وزوجتي عاملي البيّارة فايز
وسعيد...وسعديّة تطلق صيحات الألم...فتقفز والدتها
تمسح العرق عن جبينها... تحوقل وتطلب الفرج العاجل
من الله...فتضحك أمّ عبّاس وتقول:
وحّدن الله يا بنات النّاس، فقد جرّبتما الولادة.
مرّت ساعات...سعديّة تصرخ ألما، ولمّا اشتدّ
الطّلق عليها...اقتربت منها الدّاية...كشفت
عليها...مسّدت على بطنها وقالت:
دقائق وسينزل المولود...وصراخ سعديّة
يزداد...ارتعبت أميرة من صراخ والدتها وواصلت
صراخها هي الأخرى...فحملتها زوجة فايز وأخذت
تهدهدها وتهدئ من روعها...وإذا بصراخ المولود
الجديد الذّكر يملأ الغرفة...تلقفته
الدّاية...نظرت إلى ساعتها وأطلقت زغرودة مدوّية
وهي تقول:
الساعة الثانية عشرة ودقيقة واحدة بعد منتصف
الليل...الآن بداية العام 1947 وهذه ذكرى مولد
السّيّد المسيح - عليه وعلى والدته صلوات الله
وسلامه-...سيكون هذا المولود مباركا باذن
الله...يا إلهي هذه المرّة الأولى في حياتي التي
أشاهد فيها ولادة مولود جديد في هذه السّاعة وهذا
اليوم! قطعت سرّته... مسحت جسده...لفّته
بمنشفة...وقبّلته وقالت:
اعتنوا بهذا الطفل جيّدا وبإذن الله سيكون ذا شأن.
ماذا ستسمّونه؟
فقالت جدّته لأبيه: اسألي أمّه....الحكم هذه
الأيّام للنّساء.
فقالت سعديّة مستاءة: عندما يعود والده سيختار له
اسما.
أمّا الدّاية فقد اقترحت أن يسمّوه عيسى تيمّنا
بالرّسول عيسى بن مريم -عليهما السّلام-.
فقالت سعديّة: إذا سمع منّي أبوه، سنسمّيه "طاهر"
على اسم جدّه...قالتها وغفت فقد كانت مرهقة.
خيّم الصّمت حتّى الصّباح...فقامت زليخة والدة
سعديّة وغلت ابريقَ البابونج...فانتبهت أمّ عبّاس
وخرجت من الغرفة...نادت فايز بصوت عالٍ، ولمّا
وصلها طلبت منه أن يذهب إلى دكّان البلدة، وأن
يحضر ما تيسّر من السّكاكر احتفالا بالمولود
الجديد، حتى يحضر عبّاس ويأتي بالحلويّات الفاخرة
من يافا.
التقى عبّاس عند ساعات الضّحى، وهو في طريقه إلى
الدّكان بفايز...أوقف عبّاس سيّارته بجانبه...وقبل
أن يفتح فمه قال له فايز:
أين كنت يا رجل؟ مبارك وليّ العهد يا عبّاس.
دهش عبّاس وسأل:
هل أنجبت سعديّة؟
- نعم... أنعم الله عليكما بمولود ذكر...وأنا ذاهب
إلى الدّكان لأشتري الحلوى...ضحك عبّاس وطلب من
فايز أن يركب معه في السيّارة، بعد أن نزل منها
زميلاه وهما يباركان بالمولود الجديد... وقال:
لقد نمنا ليلتنا عند أحد الأصدقاء في
الّلد...وسبحان علّام الغيوب...لو علمت بأنّ
سعديّة ستلد لما خرجت من البيت...لكن لا حول ولا
قوّة إلّا بالله.
ذهبا إلى حلويّات طنّوس في يافا...مرّا بين
أهرامات البقلاوة، الغريبة، الهريسة، الزلابية،
المشبّك، المعمول والمعجّنات، واشترى عشرين كغم
بقلاوة، ومثلها غريّبة وكلغم هريسة خصيصا لأميرة؛
لأنّها تحبّها دون غيرها، وطلب من صاحب المحلّ أن
يعدّ له ثلاث صواني كنافة كبيرة، سيعود لأخذها
عندما تجهز بعد الظّهر. ثمّ انتقل إلى محلات أبو
العافية واشترى الكثير من السّكاكر كالملبّس على
لوز والحامض حلو والشوكولاتة.
عندما نزل عبّاس من السّيارة أمام القصر قالت له
حماته زليخة باسمة:
مبارك العريس يا أبا طاهر!
- الله يبارك فيك...كيف سعديّة؟
- الحمد لله سعديّة والمولود بخير.
الجوّ عاصف والأمطار تتساقط...وقف عبّاس باب
الغرفة...شقشقت عينا سعديّة وابتسمت عندما رأت
عبّاس، ثمّ غفت بدلال. باركت له النّسوة، فطلب
منهنّ أن يتركنها تستريح، وأن يتبعنه إلى الصّالون
المجاور....وضع أمامهنّ مختلف أنواع الحلويات.
التفتت إليه الدّاية كاترينا وقالت له:
وليّ عهدك وُلِد مع ولادة السّيد المسيح عليه
السّلام، واقترح عليكم أن تسمّوه عيسى تيمّنا
بالمسيح.
ضحك عبّاس وقال: سأسمّيه "محمّد عيسى"، فسألت
حماته زليخة:
ولماذا لا تسمّيه طاهر على اسم أبيك؟
فردّت أمّ عباس: أسماء الأنبياء أفضل من اسم أبيه
وأسماء أجداده، والتفتت إلى ابنها باسمة وهي
تردّد:
ألف مبروك.
ثمّ تناولت حفيدتها أميرة من جدّتها
لأمّها...ضمّتها إلى صدرها بحنان زائد، وقبّلت
وجنتيها ورأسها ورقبتها ويديها وحتى
قدميها...قبّلتها بطريقة لافتة كأنّها تراها
للمرّة الأولى...وما كان الحضور يعلمون أنّه لو
سمّى عبّاس ابنه طاهرا على اسم أبيه، لما انفجر
نبع حنان والدته لابنته، لأنّه لم يسمّها على
اسمها كما جرت العادة...فقد اقتنعت أنّ عبّاس ليس
منحازا لأبيه ضدّها، وهو لا يريد تكرار أسماء
الآباء والأجداد في أبنائه...خرجت من الغرفة إلى
البرندة تحتضن حفيدتها أميرة رغم الأجواء الباردة،
وأخذت تهاهي بأعلى صوتها:
هاي يا مرحبا يا اعزازي
هاي يا مية حمرا تزازي
هاي وللي ما فرحت لابن عبّاس
هاي تنكسر كسر الكزاز
ثمّ أطلقت زغرودتين متتاليتين....حتى كاد نفسها
ينقطع...وسط صراخ أميرة التي ارتعبت من صوت
جدّتها، لحقت بها زليخة والدة سعديّة...أمسكت
أميرة وضمّتها إلى صدرها...وسألتها مستنكرة فرحها
الزّائد وزوجها سجين.
فقال عبّاس سنقيم احتفالا لـ "محمّد عيسى" كما
فعلنا عندما رزقنا الله بشقيقته أميرة...وعلا صوت
سعديّة تنادي عبّاسا...ذهب إليها وقبّلها بعمق
مهنّئا بالسّلامة وبالمولود الجديد وهو يردّد:
حمدا لله على سلامتك يا حبيبتي.
- الله يسلمك حبيبي، لكن لا داعي للأغاني
والزغاريد...فالفرح في القلوب، وعمّي طاهر في
السّجن...والأحداث تتزايد يوما بعد يوم...
والشّهداء يتساقطون.
- الحياة يجب أن تستمر يا سعديّة...ناس يولدون،
وناس يستشهدون ويموتون...وآخرون يعتقلون. وهذه
طبيعة الحياة في بلادنا.
- هل وافقت على تسمية الولد على اسم أبيك؟
- لقد استقرّيت على اسم " محمّد عيسى" ولن
أغيّره...ومن يغضب الآن سيرضى لاحقا...وليس من حقّ
أحد أن يشاركني في تسمية ابني..
توافد المهنّئون لأكثر من أسبوع...وعبّاس ينحر
يوميّا عدّة خراف اكراما لهم، النّساء يغنّين
ويرقصن في الطّابق الثاني، بعد أن أخلين الطّابق
الأوّل للرّجال، حتى سعديّة أغلقت غرفة نومها،
وانتقلت معهنّ، فالسمّاء مطّارة، ولا تسمح باقامة
حلقات الدّبكات الشعبيّة، كما حصل في الاحتفالات
بمولد أميرة. فقط رابعة عمّة عبّاس قاطعت
الاحتفالات، مع أنّها كانت فرحة بالمولود الجديد،
إلّا أنها ترى أن اقامة احتفالات بالحفيد والجدّ
مغيب في السّجون لا يليق بالعائلة. لكنّ هذا لم
يؤثّر على موقف عبّاس الذي قرّر أن يؤجّل ختان
المولود حتى يخرج والده من السّجن، إلّا أن أمّ
عبّاس رفضت ذلك بشدّة، وقالت:
ختان المواليد الذّكور مبّكرا أفضل.
وبقيت تلحّ على عبّاس حتى أحضر حلّاق البلد الذي
يختن أطفال البلدة الذّكور...توسّطت أمّ عبّاس
النّساء...رقصت وهي تلوّح بمنديل أبيض وتغنّي،
وهنّ يردّدن خلفها:
في القنّيه يا زارعات الورد في القنيه يا ميمتي
يمّه
في العليّه يا مطهّر الصّبيان في العليّه يا
ميمتي يمّه
في القناني يا زارعات الورد في القناني يا ميمتي
يمّه
في العلالي يا مطهّر الصّبيان في العلالي يا
ميمتي يمّه
ثمّ رقصت زليخة جدّته لأمّه، وغنّت وهنّ يردّدن
خلفها:
لا تطهروا ها الولد لما يجين خالاته
يِجِبْن الذّهب والّلولو وِيْقَطبن على جيباته
* * *
غيره ما بريد، طهروا لي الولد غيره ما بريد
يا دمعة عيونه، يا نخل الجريد، يا دمعة عيونه
غيره ما بدّي، طهروا لي الولد غيره ما بدّي
يا نخل الورد، يا دمعة عينه، يا نخل الـــــــورد
* * *
ع المينا وعلى المينا يا مراكب ودّينا
ع المينا وعلى المينا يا مراكب القدس
لولا طهورك يا ولد ما لبسنا هالّلبس
ع المينا وعلى المينا يا مراكب عمّان
لولا طهورك يا ولد ما لبسنا هالذّهبان
ع المينا وعلى المينا يا مراكب الكويت
لولا طهورك يا ولد ما لبسنا هالجاكيت.
بعد شهرين من ولادة "محمّد عيسى" اصطحب عبّاس
زوجته سعديّة، وطفليه وشقيقته نبيهة لزيارة والده
في سجن عكّا...مرّوا بيافا...سافروا شمالا عبر
الطّريق السّاحليّ...بيارات البرتقال على يمينهم
والبحر على يسارهم...سعديّة ونبيهة مأخوذتان بجمال
الطّبيعة، بينما عبّاس يشغله التّفكير بأسباب
اعتقال والده...لم يقلقه الاعتقال بمقدار ما يقلقه
معرفة حقيقة والده، فهناك أسئلة لم يجد لها جوابا
شافيا...هل له ارتباطات بالانجليز؟ أم ماذا؟
وصلوا عكّا حوالي العاشرة صباحا...نزل من السيّارة
متثاقلا...في غرفة الزّيارة سلّموا عليه
جميعهم...قبّلوا يده اليمنى وقبّل وجناتهم...احتضن
أبو عبّاس حفيده وهو يسأل:
ولد أم بنت؟
فقال عبّاس: ولد وأسميناه "محمّد عيسى" لأنه ولد
في الساعة نفسها التي ولد فيها السّيّد المسيح
–عليه السّلام- كما أخبرتنا الدّاية كاترينا.
لم يبد أبو عبّاس اعتراضا على الاسم وان كان في
داخله يرغب بأن يحمل حفيده اسمه...وقال:
مبارك لنا جميعنا هذا المولود، وأسأل الله أن تكون
حياته حياة فرح وسعادة، وأفضل ممّا نحن فيه. وأضاف
تسمية المولود بهذا الاسم مباركة باذن الله، فهذه
البلاد لأتباع محمّد وعيسى عليهما الصّلاة
والسّلام.
ابتسم عبّاس وقال: وهذا ما قصدته بهذا الاسم.
احتضن أبو عبّاس حفيدته أميرة وقال: اسمعوا يا
أبنائي، وتحديدا أنت يا عبّاس: أوصيكم بأن تقيموا
احتفالا كبيرا، تنحرون فيه الجزور، وتدقّون
الطّبول، وتوزّعون الحلويات، وتحسنون ضيافة من
يأتيكم مباركا بالمولود الجديد، أريده احتفالا كما
الاحتفال الذي عملناه يوم ولدت شقيقته أميرة، أو
يزيد. كما أريدك يا عبّاس أن تحافظ على الأرض،
وعلى مصنع البلاط، فهي مستهدفة وهي سبب وجودي هنا
في السّجن، وهذا ما اكتشفته قبل ثلاثة أيّام.
فقاطع عبّاس ونبيهة حديثه سائلين:
وكيف اكتشفته؟
- قبل اعتقالي بشهر كنت في احتفال دعاني إليه
الكولونيل البريطانيّ روبرت، قائد شرطة يافا، وكان
الحضور خليطا من العرب ومن اليهود ومن الانجليز،
كانوا رجالا ونساء، بعضهم أعرفه وبعضهم رأيته
للمرّة الأولى، قدّموا أطايب الطّعام، ورفعوا
الكؤوس...رقصوا بصخب، أجلسوني على طاولة
الكولونيل...مع عربيّ لهجته بيروتية قالوا لي بأنّ
اسمه محمود، ويهودي اسمه حاييم، لم أره من
قبل...رجل في الأربعينات من عمره، يرتدي بدلة
سوداء وربطة عنق حمراء جلس قبالتي، دخل قاعة الحفل
بصحبة ثلاث نساء جميلات، جلست واحدة منهنّ على
يميني والثانية على يساري...والثالثة على يمين
حاييم، في حين جلس الكولونيل على رأس
الطّاولة...طلبن منّي أن أراقصهنّ لكنّني رفضت،
فقد شعرت أنّ الأمر ليس طبيعيّا...فعندما عرّفني
الكولونيل على حاييم قال وهو يشير إليه:
الخواجا حاييم...رجل ثريّ يريد استثمار أمواله
في البلاد لصالح العرب واليهود.وأشار إليّ قائلا:
هذا الحاج طاهر المحمود رجل أعمال، وملّاك أراض
زراعيّة، وصاحب معمل بلاط فاخر في يافا.
ابتسم حاييم ومدّ يده مصافحا مرّة أخرى، وهو
يقدم النّساء الحسناوات اللواتي برفقته...وبعد
تناول الطعام، عرضت النّساء عليّ أن
أراقصهنّ...لكنّني اعتذرت بحجة أنّني مرهق...وبعد
حوالي ساعتين سألني محمود إن كنت أملك أراضي
للبيع، أو أعرف من يريد أن يبيع أرضه؟ وأشار إلى
حاييم قائلا:
الخواجا حاييم مليونير، ويريد شراء أراض ليقيم
عليها مصانع، ومشاريع اسكانية للعرب ولليهود.
فأجبته بأنّه لا يوجد عندي أرض للبيع، ولا أعرف من
يريد بيع أرضه.
فقال حاييم: إن كنت ترغب ببيع معمل البلاط سأدفع
لك مبلغا ترضى به؟
ولمّا أجبته بالنّفي، قال:
وإن أردت شريكا فأنا جاهز أيضا وبالمبلغ الذي
تطلبه، فأجبته بالنّفي أيضا. وبعد يومين من ذلك
الحفل المشؤوم زارني الكولونيل روبرت وبصحبته
محمود وحاييم...تجوّلوا في معمل البلاط...وأعاد
حاييم عرضه بشراء المعمل أو الشّراكة فيه، ولمّا
رأوا اصراري على الرّفض، شربوا قهوتهم وانصرفوا.
ثمّ حاولوا نفس المحاولة أكثر من مرّة في مكتب
الكولونيل روبرت. وحسبت أنّ موضوعهم قد
انتهى...لكن قبل ثلاثة أيّام استدعاني مدير
السّجن، وكان في مكتبه شابّ بلباس مدنيّ...رحّب بي
وسألني:
هل أنت مرتاح في السّجن يا حاج طاهر؟
فأجبته مستنكرا: وهل في السّجن راحة؟
ثمّ سأل: هل تعرف لماذا أنت هنا في السّجن؟
فأجبته: ليتني أعرف، فقد أودعوني السّجن دون سؤال
أو جواب.
أشعل سيجارة وقال: أنت خطير يا حاج طاهر...فأنت
ترفض التعايش بين العرب واليهود في هذه البلاد،
ورفضك هذا يعني أنّك تحرّض على العنف.
فقلت له: هذا كلام غير صحيح...فأنا لا تعنيني
السّياسة، ولي أصدقاء يهود أعرفهم منذ سنوات
طويلة. ولا خلافات بيني وبينهم.
فقال الرجل ممتعضا: كلامك غير صحيح، وأنت تكره
اليهود وتكره الانجليز أيضا، ولديّ معلومات حول
ذلك.
فسألته غاضبا: وما هي معلوماتك؟
ابتسم الرّجل وقال: هذا لا يهمّ، وأنا جئت هنا
لأساعدك، طبعا إذا ساعدتَ نفسك.
فسألته: وكيف سأساعد نفسي؟
- بابداء حسن النّوايا... والقيام بعمل يثبت لي
أنّك مواطن صالح!
فأجبته بأنّني لا أفهمه. فقال:
إذا وافقتني على ما سأقوله لك، ستخرج من السّجن
الآن، وسأوصلك بسيّارتي إلى بيتك معزّزا مكرّما.
- وماذا ستقول لي؟
- لإثبات أنك مواطن صالح، عليك أن تبيع معمل
البلاط للخواجا حاييم، وسيدفع لك المبلغ الذي
ستطلبه، والخواجا حاييم مستثمر يخدم العرب قبل
اليهود، وإذا ما بعته المعمل فانّه سيطوّره،
وسيبقى العمّال العرب العاملون فيه هم أنفسهم، بل
سيزيد عددهم وسيزيد أجورهم أيضا، وأنا أضمن لك
ذلك.
- فقلت له: أنا لا أبيع أرضا أو عقارا ورثته عن
آبائي وأجدادي.
فقال: ألم أقل لك بأنّك تحرّض على القلاقل بين
العرب واليهود؟
فحسمت الأمر معه عندما قلت له بأنّ معمل البلاط
ليس للبيع لا لليهود ولا للعرب.
فخرج من الغرفة وهو يقول: عندما ستغيّر رأيك
وتنفّذ ما قلته لك، أخبِرْ مدير السّجن، وسأحرّرك
في نفس اليوم.
وهذا ما حصل معي يا أبنائي...يعني أنا موجود في
السّجن للضغط عليّ كي أبيع الأرض لليهود، لكنّني
لو بقيت هنا حتى آخر يوم في حياتي، فلن أبيع لهم
شبرا واحدا من الأرض، وهذا ما أوصيكم به...حافظوا
على الأرض مهما كان الثّمن، واعتنوا جيّدا
بالبيّارة، وأريدك يا عبّاس أن تقف للمصنع، وتشرف
على العمل فيه، وإن انشغلت في أمر ما فارسل "فايز"
نيابة عنك، فهو رجل ثقة ومؤتمن، ووالده من قبله
كان كذلك.
ذهل عبّاس ممّا سمع، وغمره فرح كبير بموقف
والده...فسقطت دمعات فرح من عينيه وهو يقبل يدي
والده شكرا وامتنانا...وانتهت الزّيارة.
قادهم عبّاس للتّجوال على شاطئ عكّا...رأى
الأطفال يتقافزون في مياه البحر كطيور
النّورس...ضحكاتهم تتساوق مع خرير مياه الأمواج
النّاعمة التي تتكسّر على شاطئ البحر...أميرة
تحاول الافلات من حضن والدها لتشاركهم
الّلعب...تمشي قليلا فتتعثر بالرّمال...ولا تلبث
أن تعود إلى حضن والدتها...بعدها انتقلوا إلى مطعم
وأكلوا السّمك البحريّ الطّازج.
في طريق عودتهم...مرّوا بحيفا...صعدوا جبل
الكرمل...توقفوا فوق معبد البهائيين...حيفا تمدّد
ساقيها على شاطئ البحر...تمتدّ عبر السّاحل في
بيوت متناثرة لتصل عكّا...واصلوا صعود
الجبل...مرّوا بشركة "كرمان" لصناعة
السّجائر...انحدروا على السّفوح الغربيّة
للكرمل...الأشجار الحرجيّة تكسو الجبل...البحر
تحتهم يمتدّ جنوبا إلى يافا...عند كعب الجبل تربض
قرية الفريديس...ساروا على الشّارع بمحإذاة
البحر...النّسيم العليل يعبث بشعر
أميرة...فيتطاير خيوطا ذهبيّة على وجه والدتها.
*****
لم يعد الاهتمام بأميرة كما كان قبل ولادة
شقيقها "محمّد عيسى" ممّا أثار غيرتها، وكانت
كلّما اقتربت من أمّهما وهي ترضعه، تبعدها عنه
بالّلين وبكلمات جميلة، وقلب رؤوف يخفق لها...أمّا
جدّتاها فكانتا تقولان للمولود الصّغير:
إن شاء الله ستكبر وستقبرها بيديك!
لم يكن الشقيقان الصّغيران يفهمان ما يدور حولهما،
لكنّ أميرة كانت تفهم أن الّلغة زاجرة، فتتراجع
إلى الخلف خائبة مكسورة الجناح.
وامعانا في حبّ الابن الذّكر فقد كانت الأمّ
سعديّة والجدّتان زليخة وخديجة يهدهدن "محمّد
عيسى" معتدّات بذكورته، فيغنّين له وهنّ يكشفن عن
عضوه:
والزّبرة زبرة عطــــــــــا نايمة تحت الغطـــــا
ولا تحسدي يا حاســـــــده وهذا ربّي اللي عطـى
والزّبرة زباريــــــــــــــها والرّحمن
امباريهــــا
والدّار الّلي هي فيها بتطبّ البركة فيهـا
ويبالغن في المفاخرة بذكورته، ويقلّلن من شأن
الأنوثة فيغنّين له خصوصا عندما تمتلئ مثانته
بالبول وتضغط على عضوه الصغير فينتصب:
والزّبرة زبرة قنفد
بتخزق الحيط وبتنفد
والزّنبور لا شاف سرور
يطلع صاغ ويرجع مقعور