أميرة
جميل السلحوت
تنويه: جميع الأسماء الواردة في هذه الرّواية
وهميّة باستثناء أسماء القادة، وأيّ تشابه بينها
وبين أسماء حقيقيّة هي مجرّد صدفة.
كانت فرحة عبّاس طاهر المحمود لا توصف عندما أطلّ
عليه وجه الدّاية كاترينا من داخل غرفة زوجته وهي
تطلب منه البشارة، حيث قالت له بصوت تملؤه السعادة
: ربّنا أنعم عليك عروسا مثل البدر....ابتسم لها
وقال:
بشارتك ليرة ذهبية انجليزية مطوّقة مع سلسالها.
- إن شاء الله ستعيش في عزّك.
- لكن طمئنيني...كيف حال سعديّة؟ هل أستطيع رؤيتها
الآن؟
- تريّث قليلا فهي متعبة من الولادة، فهذه بكرها.
- الحمد لله...هذه فاتحة خير علينا، سأسمّيها
أميرة...لأنّها ستكون أميرة قلبي.
عادت كاترينا إلى الغرفة حيث سعديّة ووالدتها
وحماتها تجلسان بقربها، فقالت الحماة أمّ عبّاس:
تمنيتها ولدا، ليكون سندا لوالده.
فردّت الدّاية كاترينا: من تنجب البنات تنجب
الأبناء، ولو سمعك ابنك عبّاس لغضب منك، فعندما
بشّرته بالبنت طار فرحا، ووعدني بذهبة انجليزيّة
مطوّقة مع سلسالها، وقال بأنّه سيسمّيها أميرة
لأنّها ستكون أميرة قلبه.
عبست أمّ عبّاس وقالت: لماذا العجلة بتسميتها؟ على
كلّ نحن في وقت لا ينفع فيه ولد أو بنت...حسبته
سيسمّيها خديجة على اسمي...لكن حسبي الله على
الظلّام واولاد الحرام.
التفتت سعديّة إلى والدتها وتغامزتا....وفي هذه
الأثناء علا صوت عبّاس من شرفة المنزل ينادي سعيدا
العامل في البيّارة ويقول له:
اذبح ثلاثة كباش، واحد تقاسمه أنت وزميلك فايز،
وخذاه لأسرتيكما، والثّاني شقّه نصفين...نصف
للدّاية كاترينا، وواحد ونصف أحضرها إلى المطبخ.
- هل أنجبت سيدّة البيت؟
- نعم، أنعم الله علينا بأميرة.
- مباركة إن شاء الله وعقبى للصّبيان.
- ولا تنسوا من الآن ولمدّة ثلاثة أيّام من يريد
برتقالا من البيّارة أو ليمونا لاستهلاكه المنزلي،
لا تأخذوا منه مقابلا، فهذا شكر لله على نعمته
علينا بأميرة.
- إن شاء الله ستتربّى بعزّك.
وفي هذه الأثناء خرجت الدّاية كاترينا واستأذنت
بالانصراف، فأقسم عبّاس أنّه لن يسمح لها
بالانصراف قبل أن تتناول طعام العشاء في بيتهم،
وسيوصلها بسيّارته الخاصّة إلى بيتها في حيّ
العجمي بيافا، فالمسافة بين بيت دجن ويافا ليست
طويلة، إنّها تسعة كيلو مترات، ولن يستغرق قطعها
أكثر من عشر دقائق....لم يكن خيار لكاترينا سوى
الرّضوخ لربّ البيت، فعادت إلى غرفة سعديّة
باسمة.
لكن خديجة "أمّ عبّاس" لم ترغب بالبقاء معهنّ،
فخرجت دون استئذان، مرّت بابنها عبّاس متلثّمة
بغطاء رأسها وقالت له: مباركة ابنتك.
- الله يبارك فيك يمّه...وين رايحة؟
- رأسي يوجعني...سأذهب إلى غرفتي فمنذ مساء أمس
وأنا مرابطة بجانب سعديّة...صعدت الدّرج إلى
الطّابق الثاني، وجلست على كنبة في شرفة البيت
الذي تتقدّم واجهته الأماميّة أقواس حجرية
مزخرفة...أخرجت سبحتها...شرعت تحرّك خرزاتها
وتبكي...وأطلّت برأسها عندما سمعت هدير سيّارة أبي
عبّاس وهي تصطفّ أمام البيت...وازدادت بكاء عندما
سمعت عبّاس يقول له:
سعديّة أنجبت طفلة يا أبي.
وردّ عليه: ألف مبروك يا بنيّ.
- وسمّيتها أميرة.
- تعيش وتنقل اسمها.
- وقد أمرت الخدم بذبح ثلاثة كباش عقيقة
واحتفالا.
- وعلى الأربعين سأعمل لها حفلا كبيرا سأذبح فيه
عشرة كباش.
جلسا على كرسيّين وسط حديقة الورود أمام
البيت...أحضر عبّاس دلّة القهوة، واحتسيا نخب
المولودة الجديدة، فقال أبو عبّاس:
اذهب يا بنيّ إلى يافا الآن، واحضر كمّية من
البقلاوة، وعدة أصناف من السّكاكر احتفاء بهذه
المناسبة، ولا تنس نصيب الخدم أيضا، اشترِ لهم ما
يكفي حاجة أسرة كلّ منهما، فواجبهما علينا كبير،
وكما قال المثل:"راعي مالك من عيالك"..
كانت الدّاية كاترينا تستمع لحديثهما، فخرجت وطرحت
السّلام على أبي عبّاس وقالت:
مبروكة العروس يا أبا عبّاس.
- الله يبارك بك...وكيف الوالدة والمولودة؟
- الحمد لله بخير والمولودة قمر ما شاء الله.
- الحمد لله.
واستأذنت بالانصراف قائلة: اسمحوا لي بأن أنصرف مع
عبّاس وهو ذاهب لشراء الحلوى.
لن تغادرينا قبل تناول العشاء في بيتنا، فأفضالك
علينا وعلى قريتنا كبيرة. قال أبو عبّاس.
- استغفر الله ردّت عليه بتواضع.
- تعالي اجلسي هنا واشربي القهوة....
قبل أن يغادر عبّاس أخرج من جيبه ثلاثة جنيهات
ونقدها لكاترينا وهو يقول: هذه أجرتك وثمن الذهبة
الانجليزيّة التي وعدتك بها، فقال أبو عبّاس:
ومنّي جنيه مكافأة لها...انقدها أربع جنيهات يا
بنيّ.
مدّت يدها على استحياء وهي تقول: هذا كثير
والله...وإن شاء الله قبل الحول نبارك لكم
بالصّبيّ.
سلامة خيرك فأنت تستحقين الكثير قال أبو
عبّاس...فأنت من أشرفت على ولادة أمّ عبّاس عندما
أنجبت عبّاس، وها أنت تشرفين على ولادة زوجته،
وتشهدين ولادة ابنته...ربنا يعطيك طول العمر.
- الله يحفظكم ويعمّر بيتكم.
ما أن أشعل عاملا البيّارة سعيد وفايز الموقد
للشّواء في طرف حديقة الورود أمام المنزل، حتى طلب
منهما أبو عبّاس أن يملأ كلّ واحد منهما صحنا
لزوجته، فبيتاهما ليسا بعيدين، فهما يقعان في
الطّرف الشّمالي للبيّارة على بعد حوالي مائتي متر
من بيت أبي عبّاس، وطلب منهما أن يعودا بسرعة
مصطحبين أبناءهما وبناتهما، ليتناولوا العشاء من
على الموقد كيفما يحلو لهم، وليملأوا البيت فرحا
وسرورا احتفالا بالقادمة الجديدة، كما طلب من
عبّاس أن يأخذ صحن شواء لزوجته، وأن يدعو حماته
لمشاركتهما في الجلسة، ولتناول الطّعام بصحبتهم،
أمّا أمّ عبّاس فقد دخلت غرفتها، والتزمت سريرها
باكية متمارضة، فهي تعتقد أن ابنها الوحيد عبّاس
لم يطلق اسمها على ابنته بتحريض من زوجته وحماته.
ولمّا سألت الحاجّة زليخة والدة سعديّة عن خديجة
أم عبّاس، أجاب عبّاس:
دعوها وشأنها فهذه عادتها "ما بتخلّي مركب
ساير".
بينما قالت الدّاية كاترينا: الله يسامحها، فمن
المفترض أن تكون أكثر النّاس سعادة بهذه المناسبة،
فهذه أول مولود لابنها الوحيد.
طبع عبّاس قبلة عميقة على شفتي سعديّة، وهو
يقدّم لها على سريرها صحن الشّواء مع رغيف خبز
طابون ويقول:
حمدا لله على السّلامة يا حبيبتي.
ثم التفت إلى المولودة الجديدة...رفع يدها وقبّلها
وهو يردّد: الحمد لله... إنّها أميرة حقّا.
ازداد قلب سعديّة خفقانا من شدّة الفرح، صحيح
أنّها كانت تتمنّى ولدا ذكرا ليحمل اسم جدّه لأبيه
طاهر المحمود، لكنّها راضية بما أعطاها الله،
فالتّبكير بالبنات فأل حسن...كان الأمل يرقص
أمامها، ويحمل لها مفتاح السّعادة...فقالت بغنج
ودلال:
حبيبي عبّاس، لو أنّك سمّيت البنت خديجة على اسم
والدتك.
- ألا يعجبكِ اسم أميرة؟
- طبعا يعجبني... ولكنّني أحبّذ اسم خديجة وفاء
لوالدتك التي أنجبتك، وكما تعلم فقد تعبتْ عليك
كثيرا...وهي تريد استمراريّة اسمها- بعد عمر طويل-
باسم ابنتك، فغالبيّة أبناء القرية يطلقون على
بناتهم وأولادهم أسماء والديهم.
- كلامك صحيح لكنّه لا ينطبق عليّ....فكما تعلمين
أبناء القرية جميعهم يكنّونني أبا خديجة، ولا أريد
ترسيخ هذه الكنية، وعندما يرزقنا الله بابن ذكر
سأسمّيه "طاهر" على اسم أبي، فوالدي -أطال الله
بقاءه- من خيرة الرّجال خَلْقًا وخُلٌقّا، لكنّ
الحاسدين يكنّونني أبا خديجة نكاية بأبي، ولأنّ
والدتي امرأة قويّة...وعلى والدتي أن تتقبّل رأيي.
- نسأل الله أن يطيل عمر عمّي طاهر حتى يرى حفيده،
بل ويشارك في زفافه، ويرى أبناءه، فعمّي رجل فاضل،
ويستحق الخير كلّه.
استأذن عبّاس من سعديّة كي يعود إلى مجالسة
والده وحماته والدّاية كاترينا...كانت فرحتهم
كبيرة وهم يرون بنات وأبناء عاملي البيّارة سعيد
وفايز يتقافزون بين الورود، ويختبئون خلف أشجار
البرتقال في البيّارة...فهذه هي المرّة الأولى
التي يمارسون شقاوتهم فيها أمام بيت سيّد البيت
والبيّارة، وربّ نعمة والديهما....حاول فايز أن
يزجر الأطفال كي لا يزعجوا ربّ البيت الكبير،
لكنّ أبا عبّاس قال له:
اترك الأطفال يلهون ويلعبون كما يشاؤون يا فايز،
فهذه الّليلة من أسعد ليالي العمر. فالبيوت بدون
أطفال تكون خرابا.
- نسأل الله أن يعمّر بيتك بالصّبايا والبنات يا
أبا عبّاس، والمولودة الجديدة هي فاتحة العقد،
وسيتبعها – باذن الله- عدد من الصّبيان.
- ربّنا كريم...والآن تعال يا سعيد أنت
وفايز....اتركا الموقد والشّواء وتعالا.
وقفا أمامه وكلّ منهما يشبك أصابع يديه، وقالا
بصوت واحد: ماذا تأمرنا؟
- الأمر لله... هذا جنيه لكل واحد من بناتكم
وأبنائكم، وجنيهان لزوجة كلّ واحد منكما...اشتروا
بها ملابس للزّوجات وللأبناء...واعتبارا من مساء
غد سنقيم احتفالات رقص وغناء وطرب احتفالا بأميرة
بنت عبّاس....فحضّروا القدور، وانحروا الجزور،
وغدا سأدعو الأقارب والأصدقاء ليشاركونا فرحتنا.
- نسأل الله أن يزيدك من نعيمه.
سعديّة التي كانت تسترق السّمع، غمرها الفرح بما
تسمع وباسم أميرة لابنتها، التفتت إلى طفلتها،
فرأت شعرها نسيجا من خيوط الشمس الذهبيّة ساعة
الأصيل، وهو المنظر الذي كانت تحبّ مراقبته من على
سطح البيت، عندما كانت الشّمس تتوارى خلف الأفق
البعيد فوق البحر، إلى أن يبتلعها، فتستحمّ به
لتعود مع خيوط الفجر القادم بنشاط جديد، ورأت
وجهها قمرا بدرا يشعّ نورا، فيملأ البيت سعادة
وسرورا، فشكرت ربّها وصلّت على أنبيائه، وقرأت
المعوذّتين لتبعد عيون الحاسدين عن البيت وساكنيه.
عبّاس يحمل صحن شواء ويذهب به ليقدّمه لوالدته
في غرفتها....التقى بها في منتصف الدّرج الموصل
إلى الطّابق الثّاني...طرح عليها تحيّة المساء،
وقال لها:
هذا عشاء لك يا أمّاه.
لم تردّ عليه التّحيّة بمثلها، وقالت: عد من حيث
أتيت يا ولد...لقد ذهب الصّداع وأنا ذاهبة إلى
حفلة السّمر...قالتها باستهزاء بائن....وصلت
المجلس وفمها مغطى بشالها الحريريّ، لم تطرح تحيّة
المساء، جلست بجانب زوجها طاهر عابسة، فقال لها:
مباركة حفيدتك يا خديجة.
- مباركة على أهلها.
- وأنتِ من أهلها.
- لست من أهلها، هذه بنت سعديّة وأمّها.
استأذنت الدّاية كاترينا بالانصراف فحملها عبّاس
في سيّارته ليوصلها بيتها في حيّ العجمي في يافا،
في حين استأذنت الحاجّة زليخة والدة سعديّة،
وانصرفت إلى غرفة ابنتها، وكأنّها لم تسمع كلام
خديجة حماة ابنتها.
ابتعد بها أبو عبّاس كي لا يسمع الخدم كلامهما،
وجلس بصحبتها في البرندة أمام الطابق السفليّ
وسألها:
ما بك يا امرأة؟ هل ينقصك شيء؟ هل أغضبك أحد؟
لماذا لا تتركي مناسبة سعيدة لنا دون تنكيد؟
- وأين المناسبة السّعيدة التي تتكلّم عنها؟
- ألم تسمعي بولادة حفيدتك الجديدة؟
- هذه ليست حفيدتي..هذه حفيدة زليخة.
- نعم إنّها حفيدتك وحفيدة زليخة.
- لا بل هي حفيدة زليخة وحدها.
- وكيف لا تكون حفيدتك؟ أليس عبّاس ابنك؟
- لو كان ابني بحقّ لاختار اسمي لمولودته...لكن
"الله يجازي اولاد الحرام".
- ماذا تقصدين يا امرأة؟ ومن هم اولاد الحرام؟
- أقصد زليخة وابنتها سعديّة...فهما من حرّضتا
عبّاس على عدم تسمية ابنته على اسمي.
- وكيف عرفت أنّهما حرّضتاه؟
- القضيّة لا تحتاج إلى كثير من الذّكاء.
- الذّكاء بينك وبينه بحور لا حدود لها يا امرأة،
فدعيك من هذا الهراء، وعودي إلى رشدك، ففي ذلك
مصلحة لك ولنا، وقد أمرت بإقامة الفرح ثلاث ليال
متتالية، اعتبارا من الّليلة القادمة، احتفاء بهذه
المناسبة السّعيدة، وإذا لم تلتزمي حدودك، ولم
تشاركي في هذا الفرح فلن تبقي لي زوجة...وقد
احتملت شرورك كثيرا، حتى لم تعد بي طاقة للاحتمال
أكثر...هل تفهمين؟
لم تردّ...ولاذا بالصّمت...حتى عاد عبّاس...طرح
السّلام فردّ الأب، ولم تتكلّم الأمّ. سأله أبوه:
كيف اخترت اسم أميرة لابنتك يا عبّاس؟
- إنّه اسم جميل فاخترته لابنتي كونها أميرة قلبي.
- هل استشرت أحدا عند اختيارك لهذا الاسم؟
- من تقصد؟ لم أستشر أحدا...وهل هناك شريك لي
بابنتي؟
- نعم هناك شركاء لك، فزوجتك شريكة لك، وأنا وأمّك
وحماواك وشقيقاتك وأشقّاء وشقيقات زوجتك سعديّة
شركاؤك، و"ما أغلى من الابن إلّا ابن الابن"
وابنتك غالية على قلبي يا بنيّ. فهل استشرت أحدا
منهم؟
- لا لم أستشر أحدا.
- حتى سعديّة لم تستشرها.
- نعم لم أستشرها...فأنا أعرف رأيها مسبقا، وقد
خالفته.
- وماذا كان رأيها؟
- كان رأيها أن أسمّيها خديجة على اسم أمّي!
- وماذا كان رأي والدتها زليخة؟
- لم أسألها ولم أستشرها، ولا أعرف رأيها إن كان
لها رأي في هذا الموضوع.
وهنا قالت والدته غاضبة: أنت كاذب يا ولد، وأنت
أهبل ونذل وجبان، وقد رضخت لرأييهما، فهما لا
تحبّانني، وهما من أطلقتا الاسم على المولودة.
- سامحك الله يا أمّي، ووالله العظيم أنّني لم
أسمع منهما طيلة حياتي كلاما يسيء لك، ولم أشعر
يوما أنّهما تكرهانك، مع أنّك دائمة الإساءة لهما،
ولو سمعتً أيّا منهما تسيء لك، لما قبلتُ ذلك، ولا
سكتُّ عليه.
- لا تقسم بالله كذبا حتى لا يميت أميرتك.
استشاط أبو عبّاس غضبا وقال:
اخرسي يا امرأة، لقد تطاولت كثيرا، وانصرفي من
هنا، ولا تنسي واجباتك غدا...ولولا احترامي لوالدك
في قبره ولأبنائك لما بقيت على ذمّتي.
وهنا تدخّل عبّاس وقال:
صلّوا على النّبي يا جماعة، لقد اعتقدت أنّ قدوم
هذه الطفلة سيكون سببا في سعادة هذا البيت، لكن
يبدو أنّ العكس هو الصحيح.
فقال أبوه: لا تغضب يا ولدي، فابنتك أدخلت
الفرحة إلى قلبي، وسعادتي بها كبيرة جدّا، وغدا من
الًصّباح أريدك أن تدعو عمّاتك وشقيقاتك وأسرهنّ،
وأنسباءك أهل سعديّة، وأصدقاءك وعائلاتهم، وسأدعو
عددا من أصدقائي، لنحتفل ونقيم"الأفراح والّليالي
الملاح" احتفالا بأميرة الأميرة، والآن افتح لي
طريقا على غرفة زوجتك، لأهنّئها بالسّلامة وأبارك
لها بالأميرة.
- لا تحتاج إلى إذن يا أبي فسعديّة مثل ابنتك.
- صحيح يا ولدي، لكنّ والدتها موجودة في الغرفة
معها.
دخل أبو عبّاس الغرفة باسما...واستقبلته سعديّة
بابتسامة عريضة، حاولت الجلوس، لكنّه منعها وطلب
منها أن تبقى ممدّدة على سريرها، قبّل جبينها،
وقبّلت يده اليمنى وهو يردّد: الحمد لله على
سلامتك يا ابنتي، ومباركة ابنتك الأميرة، وهديّتي
لك قلادة ذهب، والآن، أعطوني الأميرة كي أؤذّن في
أذنها...حملتها جدّتها زليخة وهي تبسمل وتصلّي
على النّبيّ، ووضعتها في حجر جدّها، نظر إليها
وقبّل جبينها وهو يبسمل ويحمد الله ويصلّي على
نبيّه، وانحدرت دمعة فرح من عينيه، ولمّا انتهى من
الأذان بصوت منخفض ومسموع رأى أميرة تبتسم له، أو
هكذا خُيّل إليه، لكنه يؤكّد بأنّه رآها تبتسم له.
خيوط السّعادة تطوّق سعديّة، فعادت ذاكرتها إلى
سنوات خلت، عندما كانت تمرّ من جانب بيّارة وقصر
أبي عبّاس، وتمنّت مرّات كثيرة أن تدخل هذا القصر،
وتكتشف دواخله، صحيح أنّها ابنة أسرة ثريّة، وولدت
وعاشت في بيت واسع جميل، إلّا أنّ قصر أبي عبّاس
له ميّزاته عن بقيّة البيوت، فهو بيت توارثه أبو
عبّاس عن أبيه وأجداده، بني في أواخر القرن الثامن
عشر، وسط بيّارة مساحتها ثمانون دونما، مكتوب فوق
مدخله الرئيس"هذا من فضل ربّي 1778م" القصر عبارة
عن طابقين، مساحة كل طابق حوالي أربعمائة متر
مربع، واجهته الشرقيّة وفيها مدخله الرئيس،
يتقدّمها برندة على طول الواجهة بعرض ثلاثة أمتار،
تقوم على أعمدة حجريّة ورديّة اللون، أحضروها من
منطقة الصليّب في رأس بيت جالا، وتعلوها أقواس
حجريّة مزيّنة بطلّاقات خماسيّة الأضلاع
الدائريّة، وحجارته من سفوح جبل الكرمل الغربيّة،
وفي زوايا البيت الخارجيّة عند عقد الطّابق الأوّل
وأخرى عند الثّاني هناك أقنان حجريّة صمّمت لتكون
أعشاشا للحمام وللعصافير، وفي الجانب الغربيّ
للبيت برندة بطول أربعة وعرض ثلاثة أمتار، في
منتصف البيت لكلّ طابق، محاذية لغرفة النّوم
الرّئيسة، لتكون متنفسّا لسيّدة البيت. وفي كلّ
طابق صالونان للضّيافة، واحد بمساحة 60 مترا،
مفروشا فراشا عربيّا فاخرا، تعلوه البسط الصوفيّة
المنسوجة يدويّا، والمحلّاة بدلّات القهوة،
ورسومات الخيول الأصيلة، وركواته من رِحال
البُعران. والثّاني مساحته 40 مترا فيه أرائك
خشبها مزيّن برسومات حفر يدويّ، الموجودة في
الطّابق الأوّل من صناعة الشّام، وفي الطّابق
الثّاني من صناعة القاهرة، وعمرها يزيد على المائة
عام، ولا تزال كأنّها صنعت هذا اليوم، وتحت
الأرائك سجّاد عجميّ، من نسيج بلاد فارس، أمّا
البلاط فمن القيشان القديم المزيّن برسومات وورود
مختلفة، ومع أنّ عمره يزيد على المائتي عام، إلّا
أنّه لا يزال يبهر ناظريه بجماله وندرته.
استحضرت سعديّة شكل البيت الخارجيّ عندما كانت
تنظره من بعد، أو تمرّ من جانبه، وكانت تتمنّى
دخوله لاستكشاف ما فيه، ومنظره في الّليل كان
لافتا لمن يمرّ في القرية، أو يراه عن بعد،
فإضاءته مهندسة بطريق تظهر البيت وكأنّه جوهرة
كبيرة متلألئة، فثريّات الكريستال القاهريّة
والمذهّبة قواعدها تبدو شموسا تضيء ظلمة
الّليل...وها هي تعيش في هذا البيت منذ عام ونصف،
من يوم زفافها لعبّاس...وهي ترى أنّها ستكون ذات
يوم سيّدة البيت الأولى...خصوصا بعد ولادتها
لأميرة، التي سيكون لها أشقّاء وشقيقات آخرون.
كان زواجها من عبّاس حلما يراودها هي وكلّ بنات
القرية، فعبّاس شابّ خلوق متعلم، أنهى المترك سنة
زواجهما، وهو يجيد الانجليزيّة بطلاقة، ووالده
طاهر المحمود من وجاهات المنطقة، رجل طيّب الخلق،
كريم النفس، شهم ومعطاء، وهو وحيد والديه تماما
مثلما كأن أبوه وجدّه وحيدي والديهما أيضا من
الأبناء الذكور، وقد ورث القصر والبيّارة عن
والده، في حين تقاسمت شقيقاته الأربعة بقيّة
الأراضي، وسعديّة تحلم بأن تكسر قاعدة وحدانيّة
الأبناء الذّكور التي توارثتها الأسرة، وتتمنّى أن
تنجب خمسة أبناء ذكور، ليكونوا سندا لها ولوالدهم
ولجدّهم، وهذه أميرة فاتحة خير عليهم، وستكون اسما
على مسمّى إذا ما كانت الأنثى الوحيدة بين خمسة
أشقّاء ذكور....ورأت سعديّة نفسها ملكة زمانها وهي
أمّ لخمسة أبناء ذكور، وشقيقتهم الأميرة أميرة،
وهذا حلم ليس بعيدا عن الله تحقيقه، وهو أمنية كلّ
انسان. وهي تقطع منذ الآن عهدا على نفسها بأنّها
ستكون حماة طيّبة مع زوجات أبنائها، وستكون الأمّ
الرؤوم لكلّ واحدة منهنّ، ولن تكرّر شخصيّة حماتها
خديجة.
كان زواج سعديّة من عبّاس محض صدفة، عندما جاء
والده طاهر المحمود إلى بيت والديها لتقديم واجب
العزاء بوفاة جدّها المرحوم محمود عيّاش، ورأى
سعديّة وهي تملأ الأواني بماء البئر الواقع بجانب
البيت، وبعد أسبوع رأتها خديجة أمّ عبّاس وهي
بصحبة والدتها، يوزعن التّمور والحلوى عن روح
الفقيد في مقام الشيخ محمّد الزّواوي، فأعجبت
بجمالها وخلقها، أمّا عبّاس فكان يراها وهو يجوب
شوارع القرية على ظهر حصانه الأصيل...وهو يعرفها
منذ كانا طفلين، فهو يكبرها بأربع سنوات، وعرفها
أثناء دراستها في المدرسة، وعندما كان يمرّ على
ظهر حصانه، كانت تتوقف وصويحباتها؛ وينظرن الحصان
وفارسه ببراءة طفوليّة، وتذكّر عندما مرّ بمجموعة
من الصّبايا وهي في العاشرة من عمرها عندما
استوقفته، وطلبت منه أن يردفها خلفه على الحصان،
فابتسم وقال لها:
عندما تكبرين سأعلّمك الفروسية وسأعطيك الحصان.
تذكرّ ذلك عندما قال له والده: حان وقت زواجك يا
عبّاس، فعمرك الآن ثماني عشرة سنة...اختر الفتاة
التي تريد، وأنا سأطلبها لك.
فكّر عبّاس قليلا وقال: ما رأيكم بسعديّة بنت
عمر محمود عيّاش؟
ابتسم أبو عبّاس وقال: لقد رأيتها يوم العزاء
بجدّها...ووضعت عينيّ عليها؛ لتكون زوجة لك، بعد
مرور 40 يوما على وفاة جدّها سأطلبها لك، فهي
سليلة عائلة كريمة، ويتشرّف المرء بمصاهرتهم.
وقالت أمّ عبّاس: سبحان الله" القلوب عند بعضها"
وأنا رأيتها مع والدتها في مقام الشّيخ الزّواوي،
وما شاء الله جمال وأدب وأخلاق ونسب رفيع.
يوم زفاف عبّاس وسعديّة كان يوما مشهودا...عندما
حضر المأذون لكتابة عقد الزّواج في بيت والدي
سعديّة، سأل كم عمر العروس؟
فأجاب والدها: عندما أعدم الانجليز الشهداء
الثلاثة محمد جمجوم، عطا الزّير وفؤاد حجازي كان
عمرها ثلاثة أيّام.
فقال الشيخ رحمهم الله فقد لاقوا وجه ربّهم في 17
حزيران-يونيو- 1930 ، واليوم 20 حزيران 1944 هذا
يعني أنّ عمرها الآن أربعة عشر عاما وستّة أيّام.
سعديّة تسبح بذكرياتها الجميلة، وتستذكر غيرة
بنات جيلها منها لفوزها بعبّاس زوجا...وينشرح
صدرها وهي تعود بذاكرتها عندما ألبسوها ثوبا
حريريّا طرّزته لها عمّتها فاطمة بيديها، وغنّت
النّساء لها:
خيتا يا سعديّة يا ذهب روباصي
طِلْعِت من الدار مَنوِة راسي
نومِس يا ابوها وارفع لها الرّاسِ
خيتا يا سعديّة يا ذهب عتيقِ
وطلعت من الدار مَنوِة كلّ صديقِ
خيتا يا سعديّة يا ذهب عثملي
طلعت من الدار مَنوِة الكلِّ
****
قومي اركبي يا بنت ابو بلّوطه
والشيخ واقف والفرس مربوطه
قومي اركبي قومي اركبي من يمّك
واحنا جينا ع صيت ابوك وعمّك
قومي اركبي قومي اركبي من حالك
واحنا جينا ع صيت ابوك وخالك
قومي اركبي يا سعديّة والخيل تنقّط عَرَقْ
خلعة بيّك جبناها ذهب ما هي ورق
قومي اركبي يا سعديّة والخيل توكل عدس
خلعة خالك جبناها محمله ع فرس
جبنا الفرس يا مدلله من شانك
قومي اركبي بحياة ابوك وخالك
*************
قومي اركبي يا سعديّه
والحنتور اجا من بعيدْ
بيك ابن عيله مش ع ظنّي يزيدْ
قومي اركبي يا سعديّه والحنتور اجا يلمعْ
بيّك ابن عيله مش ع ظنّي يطمعْ
قومي اركبي يا بيضا يا مربوعهْ
شعرك رطايب شكر لربّي ع هالصورهْ
****
وهاهت والدة سعديّة:
وهاي يا ناس صلّوا ع النّبي
وهاي بدل الصّلاة صلاتين
وهاي وللي ما فرحت لسعديّة
وهاي ربنا يعمي عينيها الثنتين
وانطلقت عدّة زغريد، لكن أمّ عبّاس أعادت
المهاهاة، واستبدلت اسم سعديّة باسم عبّاس، فزغردت
النّساء وهنّ يضحكن.
وخرجت سعديّة وهي ترتدي ثوبها الحريريّ المطرّز،
وتغطّي وجهها بالطّرحة الحريريّة الشّفّافة، لتركب
حنتورا يجرّه حصانان أصيلان، وعبّاس يجلس على
جانبها الأيمن، ووالدتها على جانبها الأيسر، بينما
يمتطي والدها حصانا على يمين الحنتور، وطاهر والد
عبّاس يمتطي فرسا أصيلا على الجانب
الأيسر...والرجال يغنّون ويدبكون ويهزجون في
مقدّمة الفاردة، والنّساء خلف العروسين، طافوا
طرقات البلدة وسط الأهازيج والغناء والرّقص، ولم
يطلقوا الرّصاص لأن الانجليز ما كانوا يسمحون
للعرب باقتناء الأسلحة، فبقي مسدّسا والدي
العروسين في مخبئهما.
وغنّت لها النّساء:
مَشّي رجالك قدّامك يا امّ السّبعه
هاي رجالي قدّامي ع الضّيعه
مَشّي رجالك قدّامك يا امّ الحطّة
هاي رجالي قدّامي على عكا
مشي رجالك قدّامك يا امّ الكبوت
هاي رجالي قدّامي ع بيروت
مشي رجالك قدّامك يا امّ المنديل
هاي رجالي قدّامي على الخليل
مشي رجالك قدّامك يا امّ اسواره
هاي رجالي قدّامي باب الحاره
سعديّة فرحتها تملأ الفضاء، فهي الفتاة الأولى من
بنات البلدة التي تركب الحنتور يوم زفافها، بينما
الأخريات كنّ يركبن فرسا أو جملا، وعندما وصلوا
ساحة بيت أبي عبّاس، نزلت من الحنتور بدلال واضح
وهي تتمايل بغنج على كتف عبّاس الذي أمسك بيدها
اليمنى، نزل والدها عن ظهر حصانه، وأمسك بيدها
اليسرى، وعند مدخل القصر قال لعبّاس ووالده:
هذه أمانة كانت بين أيدينا ونحن الآن ننقلها لكم،
و"النّساء وديعة الأجاويد".
فردّ عليه أبو عبّاس: ونحن أهل للأمانة، وستكون
مثل بناتي بإذن الله.
فقال والدها: بارك الله لكم بها، وإن شاء الله
ستنجب لكم ذرّيّة صالحة، وتركهم يأخذونها إلى
الطّابق الثّاني، وجلس مع الرّجال في ساحة القصر،
فرحة سعديّة حلّقت نسيما عليلا في الفضاء،
فأحلامها صارت حقيقة مؤكّدة، فها هي تدوس جنبات
القصر الّذي كانت ترهق نفسها وهي تتخيّل ما
بداخله. وتحت أشجار البرتقال....وفي السّاحة نُصبت
حلقات الدّبكة والضّرب على الدّفوف.
وغنّت قريبات عبّاس:
صارت لينا صارت من عيالنا
صار الحمام يدرج عَ بوابنا
صارت لينا صارت من أهل السّاحل
صار الحمام يدرج عَ المكاحل
صارت لينا صارت من اهل الدَيره
صار الحمام يدرج ع الحصيره
صارت لينا صارت من اهل الحاره
صار الحمام يدرج ع السّيّاره
التفتت الحاجّة زليخة إلى ابنتها سعديّة وسألت:
أراك وكأنّك تتحدّثين مع نفسك يا سعديّة، مرّة
تبتسمين وأخرى تشيرين بيديك...لماذا لا تنامين يا
بنيّتي؟
أستعيد ذكريات جميلة يا أمّي...ففرحتي كبيرة
بابنتي.
- هنيئا لك بابنتك...وعقبى للصّبيان يا ربّ...لكن
عليك أن تستريحي؛ لتستعدّي ليوم غد.
طلبت من والدتها أن تطفئ الضّوء وقالت: تصبحين على
خير.
غفت قليلا ورأت في نومها ليلة دخلتها...فاستيقظت
ضاحكة على صراخ طفلتها...أرضعتها وعادت إلى
أحلامها الجميلة.
بدأت الاحتفالات بقدوم أميرة منذ ساعات عصر
اليوم الثّاني لميلادها، المدعوّون من أبناء
القرية يجلسون على كراسي خشبيّة في محيط ساحة
القصر الخارجيّة المحاطة بالورود، وبعضهم يستظلّ
بأشجار البرتقال، بينما وجاهات القرية والمدعوّون
من خارجها يجلس الرّجال منهم على كنبات في برندة
الطّابق الأوّل، والنّساء جميعهنّ يجلسن ويرقصن
ويغنّين في برندة الطّابق الثّاني، كلّ منهنّ تلبس
أفخر ثيابها، وتتزيّن بما تيسّر لها من مصاغات
ذهبيّة، وبنات الميسورين لا يُفَوِّتن الفرصة بعمل
مكياج عند صالون خاشو الأرمنيّ على شاطئ بحر يافا
قريبا من الميناء، خشخشة أساور الذّهب لافتة
للانتباه، عندما ترفع إحداهن يدها وهي ترقص،
فينحسر ردنها وكأنّها تعرض ما لديها من جواهر؛
لتغيظ بها الأخريات، في حين تضع يدها الأخرى على
خاصرتها بدلال. هكذا مناسبات فرصة للشّباب
والشّابات لرؤية بعضهم البعض، تماما مثلما يحصل في
المواسم الدينيّة وهي كثيرة، مثل مواسم النّبيّ
موسى، النّبيّ صالح، النّبيّ أيّوب، النّبيّ شعيب
وغيرها، فتكون مبارزة غير معلن عنها؛ لتتسابق
الشّابّات لعرض مهاراتهنّ في الرّقص والدّبكة،
وكأنّ كلّ واحدة منهنّ تقول أنا الأجمل، وأنا
جاهزة للزّواج، وتتنقّل عيون أمّهات من هم في سنّ
الزّواج بين الفتيات، لتختار من ترغب بها لتكون
عروس المستقبل لابنها. وكذا الشّباب يحاولون لفت
انتباه الفتيات لهم؛ لذا فإنّهم يرهقون أنفسهم في
الدّبكات الشعبيّة وهم يقفزون بخطوات وحركات
محسوبة؛ مشكّلين لوحات تعبيريّة ساحرة، وقائد
الدّبكة الذي يتغيّر بين وصلة وأخرى يلوّح بسيف،
وكأنّه في ساحة الوغى...الفتيات يسترقن النّظر
على الدّبّيكة من خلف النّساء المسنّات....
والمسنّون والمسنّات لهم شأنهم هم الآخرون، فكلّ
منهم ينظر إلى قرينة كان يتمنّاها في شبابه، أو
كانت عشيقة له، ولم يظفر بالزّواج منها لسبب ما،
وهنّ يفعلن الشيء نفسه، يتحسرّون ويتحسّرن على ماض
تستحيل عودته، وكلّ منهم ومنهنّ يبلع حسرته
ويتظاهر بالعفّة والورع، والزّهد في الحياة.
عندما وصل حنّا اندراوس صديق أبي عبّاس من وادي
النّسناس في حيفا، لفت انتباه الحاضرين ببدلته
الأنيقة، ولباس زوجته الأوروبّيّ الفاخر، وتسريحة
شعرها، وسيّارته المارسيدس السّوداء الحديثة،
والعود الذي يحمله بيده اليسرى، وقفوا لاستقباله،
وصافح هو وزوجته المتواجدين في البرندة...أوسعوا
له مكانا للجلوس، وعندما جلست زوجته بجانبه، اقترب
منها أبو عبّاس وهمس بأذنها:
تفضّلي عند النّساء لو سمحتِ يا ابنتي.
فقامت باسمة دون نقاش، وعند مدخل الطّابق الثّاني
كانت أمّ عبّاس، وبناتها، وسعديّة في استقبالها،
وأجلسنها في مكان يطلّ على السّاحة حيث الرّجال.
عرّف طاهر المحمود الحاضرين على ضيفه بقوله:
الأستاذ حنّا أندراوس، من واد النّسناس في حيفا،
صديق للعائلة أبا عن جدّ، ووالده كان من كبار
التّجار في حيفا، وهو الآن من كبار المحامين في
البلاد.
أمّا اسحاق مردخاي، ويعقوب عوباديا فقد جاءا في
سيّارة واحدة، وهما تاجرا حليب من سكّان حيّ
المونتوفيوري قريبا من باب الخليل في القدس. وهما
طيلة حياتهما يرتديان القمباز المخطّط بالّلونين
الأبيض والأزرق، وتحته سروال طويل، ويضع كلّ منهما
طربوشا على رأسه.
بعد وجبة العشاء حمل حنّا اندراوس عوده وشرع يعزف،
ولمّا نطق العود ترك الشّباب الدّبكة والتفّوا
حوله، وحتى النّساء من الطّابق الثّاني أوقفن
الغناء وأنصتن للعزف، وبذكاء منه؛ ولكي يرضي
الجميع، فقد حمل عوده وجلس على كرسيّ خشبيّ وسط
السّاحة، فأصبح مرئيّا للنّساء أيضا، وعندما شرع
بغناء قصيدة أحمد شوقي التي لحّنها وغنّاها
الموسيقار محمد عبد الوهّاب " يا جارة الوادي"
يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلامَ من
ذكراكِ
مثّلتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى والذكرياتُ صدى
السنين الحاكي
ولقد مررتُ على الرياضِ بربوةٍ غنّاءَ كنتُ
حيالها ألقاكِ
لم أدرِ ما طيبُ العناقِ على الهوى حتى ترفق
ساعدي فطواكِ
وتأوّدت أعطافُ بانِكِ في يدي واحمرّ من خضريهما
خدّاكِ
ودخلتُ في ليلينِ فرعَكِ والدجى ولثمتُ كالصبحِ
المنوّر فاكِ
وتعطّلت لغة الكلامِ وخاطبت عينيّ في لغةِ الهوى
عيناكِ
لا أمس من عمر الزمانِ ولا غدٌ جُمِعَ الزمانُ
فكانَ يومَ لقاكِ
صمت الحضور طربا و"كأنّ على رؤوسهم الطّير" وأخذت
النّساء يتمايلن طربا، في حين شعرت زوجته جورجيت
بأنّها سيّدة الموقف، حتّى الأطفال التفّوا حوله
أيضا مستمتعين بعزفه وبغنائه، وعندما أنهى الأغنية
حمل عوده، وعاد إلى الجلوس في البرندة حيث كان،
والشّباب يصفّقون ويصفّرون ويهتفون يريدون حنّا
أن يتحفهم بالمزيد من العزف والغناء. وانضمّت
النّساء إليهم أيضا.
ابتسمت جورجيت زوجة حنّا اندراوس للنساء وقالت
لزينب شقيقة عبّاس:
إذا كنتن راغبات في الاستماع للعزف على العود،
أحضرنه لي من حنّا، فأسرعت نادية وهبطت الدّرج
مسرعة، وأشارت إلى شقيقها عبّاس، فأحضر لها العود،
احتضنت جورجيت العود، وشرعت تداعب أوتاره بأصابع
يدها اليمنى، وقالت سأغنّي لكنّ واحدة من أغنيات
اسمهان، فقد تعلقت بها منذ أن زارت فلسطين هي
والفنّانة أمينة البردي قبل سنوات في العام 1938،
وغنّت في القدس ويافا... وانطلقت تغنّي لأسمهان:
عليك صلاة الله وسلامه .. شفاعة يا جد الحسنين
ده محملك رجعت أيامه .. هنية واتملت به العين
***
كرامة لله يا قاصد مكة ونيتك بالكعبة تطوف
تبوسلي فيها تراب السكة أمانة من مؤمن ملهوف
سالت دموعه وطال دعاه في يوم خشوعه ينول مناه
دي قبلتك يا نبي قدامه.. عليك صلاة الله وسلامه
ضاع صوت جورجيت أمام زغاريد النّساء، وارتفاع
أصواتهن طربا، وهن يتدافعن راقصات...استمرّت في
العزف لهنّ دون غناء، وعلا صراخ الشّباب وصفيرهم
مطالبين بتكملة الأغنية...فلبّت جورجيت طلبهم
وواصلت الغناء:
وإمتى عيني تشوف منظركم يا مدنتين فوق الحرمين
واطول مقام الحجاج اتباركم وشربوا من زمزم بقين
وفي المدينة نالوا القبول بنور نبينا طه الرسول
يا بخت زواره بإكرامه.. عليك صلاة الله وسلامه
***
يا مسعد اللي يقف ويكبر على منى وعرفات لله
ويحدف الجمرات ويعبر سايب له متمني هداه
غفر ذنوبه مدى الحياة وعاش ينوبه سواه بتقاه
في جاه نبي الهدى ومقامه.. عليك صلاة الله وسلامه
غنّت بصوت منخفض؛ سحرت النّساء بصوتها العذب،
وتطاولت رقاب الشّباب من السّاحة؛ يحاولون أن
يروها وأن يسمعوها، فاقترب منهم عبّاس وقال:
عيب يا شباب.
ولمّا انتهت من أغنيتها، قالت لها أمّ عبّاس:
ليتك تغنّين لنا أغنية أخرى. فردّت بصوت ناعس:
أنا لست مطربة ولا مغنيّة، وكذلك زوجي، فزوجي
محام، وأنا طبيبة، لكنّنا نحبّ الغناء والموسيقى،
والآن سأعزف لكنّ معزوفات راقصة بدون غناء، فارقصن
كما تردن...فألهبت حماسهن وتسابقن إلى الرّقص.
وفي الطّابق الأوّل من القصر طلب عارف الكريم
زوج نبيهة بنت الحاج طاهر المحمود من الشباب أن
يتوقّفوا عن الغناء قليلا، وقال للحضور صلّوا على
النّبيّ يا اخوان، ووجّه حديثه إلى صهره أبي عبّاس
قائلا:
بعد الاتّكال على الله فإنّنا نطلب يد ابنتكم
أميرة لابني خالد!
- حيّاك الله يا أبا خالد...هذا طلب يجيب عليه
والدها عبّاس.
فقال عبّاس: لا جواب عندي يا أبي وأنت موجود،
فأنت أبو الجميع.
- الله يرضى عليك...والتفت إلى صهره عبّاس وقال:
"البنت أجتكم هديّه ما من وراها جزيّه فالعريس
ابننا والعروس ابنتنا". ولنقرأ الفاتحة...وبدأت
التّبريكات لذوي العروسين. لم يهضم حنّا اندراوس
ما سمع فسأل مذهولا: كم عمر العريس؟
ثلاث سنوات أجاب والده.
- وكيف تتمّ خطبة عروسين طفلين لا يعرفان ما يدور
حولهما، ولا يعني لهما الزّواج شيئا؟
فأجاب أبو عبّاس: هذه عادات توارثناها.
- وإذا لم يقبل أحد العروسين بالآخر عندما يكبران؟
- هذا مستحيل فهما يتربيّان على قبول ذلك، وقد
سبقهما كثيرون إلى ذلك.
تنهّد حنّا وقال: أستغفر الله العظيم...مبارك إن
شاء الله. والتمام على خير.
استمرّت السّهرة حتى السّاعات الأولى من الفجر،
وانصرف المدعوّون إلى بيوتهم، بينما بقيت بنات
وشقيقات أبي عبّاس، وكذلك أصرّ أبو عبّاس على بقاء
صديقه حنّا اندراوس وزوجته، فحيفا بعيدة، وجهّزوا
لهما غرفة في الطّابق الثّاني بجانب غرفة نومه هو
وزوجته.
أثناء التّحضير لسهرة الّليلة الثّانية حصل ما
لم يكن بالحسبان، فقد تواردت الأنباء عن أنّ
البوليس البريطاني قد أطلق النّار على المصليّن
العرب ظهر هذا اليوم 2-11-1945 قرب جامع حسن بيك
في يافا، عندما خرجوا يتظاهرون بعد صلاة الظّهر،
وانضمّ اليهم آخرون في ذكرى وعد بلفور، واحتجاجا
على استمرار تسهيل الهجرات اليهوديّة إلى فلسطين،
وسقط من بينهم ستّة شهداء، وأصيب العشرات، وكان من
بين الشّهداء حمدان عبد الكريم ابن بيت دجن، وشقيق
عارف زوج نبيهة بنت أبي عبّاس، فقرّروا الغاء
الاحتفال، وتوجّهوا جميعهم إلى بيت عائلة الشّهيد،
ومن هناك صلّوا عليه في مقام سعد الأنصاري، وواروه
التّراب وسط غضب الجموع الحاشدة والغاضبة. وشارك
حنّا اندراوس في تشييع الجثمان، وألقى كلمة مؤثّرة
عند قبر الشّهيد محذّرا من مغبّة التّهاون مع
الهجرات اليهودية، وكاشفا بأنّ بوليس الانتداب
البريطانيّ شريك في عمليّات تهريب المهاجرين
اليهود، وجزء من المهاجرين اليهود ممّن حاربوا مع
جيوش الحلفاء في الحرب الكونيّة الثّانية، أيّ
أنّهم مدرّبون على استعمال السّلاح، ممّا يؤكد
أنّنا مقدمون على حرب طاحنة، وأكّد بأنه قد رأى
بعينيه قوارب بريطانيّة تنقل المهاجرين من بواخر
تتوقف في عرض البحر قبالة شواطئ حيفا، وتنزلهم
قوارب صغيرة على الشّاطئ بعيدا عن الميناء، ومن
هناك تنقلهم سيّارات إلى الكيبوتسات اليهوديّة تحت
حماية البوليس البريطانيّ الذي يغلق الشّوارع التي
يعبرونها أمام المواطنين العرب. ودعا المواطنين
إلى التمسّك بأرضهم، وإلى اليقظة من المخطّطات
البريطانيّة التي تحاك ضدّهم، من أجل تنفيذ وعد
بلفور، واقامة وطن قوميّ لليهود على الأرض
الفلسطينيّة.
وبعد الانتهاء من الدّفن أقسم الحاج عبّاس على
غداء الحضور جميعهم في بيته، فلبّت عائلة عبد
الكريم الدّعوة، وحضر معهم عدد من وجاهات العائلات
الأخرى، وهكذا كانت الّليلة الثّالثة لميلاد
أميرة، فأصبح المكان للبكاء والعزاء بدل الرّقص
والغناء...فالتزمت سعديّة غرفتها تعتني بطفلتها،
وتسأل الله أن لا يكون حظّها عاثرا.