(1)
((غادرت بلادي آخر مرة في خريف عام 1942. كان فراق وطني أمرًا صعبًا ومرًّا. كنت أحس بأنني لن أستطيع العودة إليه مرّة أخرى. في المحطة، كانت أمي، وكان أبي والأقارب قد حضروا لوداعي. وكنت أنظر إليهم من مقصورتي بالقطار، وأفكر في أيامي الحلوة، والمرّة أيضًا. كانت هذه هي المرّة الأخيرة التي أراهم فيها. رفعت أمي يدها اليمنى نحوي، وكان على كتفها شالٌ طويلٌ أطرافه متدلية. تناولت أمي طرفًا من هذا الشال، وأخذت تمسح به دموعها المنهمرة من عينيها. أطلق القطار آخر صفاراته. ثم أخذ دخان أسود يخرج من مقدمة القطار ليحجب الرؤية بيننا. ومن نافذتي بالقطار ألقيت نظرة على أرض الأجداد، التي سلبوها منا. أمعنت النظر إلى الأرض طويلًا. كانت هذه الأرض السليبة - وهي تحت عجلات القطار- تشدو بأنشودة السنين الدامية، استمعت إلى هذه الأنشودة ساعات وساعات. كنت أتضرع إلى الله، داعيًا، قائلًا:
- يا رب! لا تحرمنا من هذي الأرض، نريد أن نبقى فيها، ونعيش فيها، حتى لو نحيا فيها جياعًا عراة، حتى إذا متنا أيضًا، فلنمت في هذه الأرض. إنها وطني يا ربنا. إن هذه الأرض هي أرضنا، وهي بلادي، مهما اغتربت في أي بقعة كانت في هذه الدنيا، يا رب! كن معنا طالما أننا نعيش.
* * *
كنا -وقت حلول المساء- نلعب لعبة القباطنة، نرفع عمودًا فوق ربوة صخرية كانت بجوار القرية، ونفتح شراعًا، فإذا بصوت أمي من بعيد ينادي، فقلت لأخي الصغير:
- هيا يا بكر، فأمنا مقبلة نحونا، والليل أقبل!
لكن بكرًا لم يكن عادةً يستمع إلى كلامي، بأذن صاغية، وكان معروفًا بأنه أكثرنا عنادًا. استمرّ بكر في اللعب دون أن يأبه بشيء. وبعد فترة تتراوح ما بين عشر دقائق وربع ساعة، ظهرت أمي على الربوة المقابلة، كانت تهمهم، وكانت تقول بصوتٍ عال:
- يا لكما من ولدين! لا حول ولا قوة إلا بالله، سأضربكما الليلة ضربًا مبرحًا بديلًا عن طعام العشاء. هيّا إلى البيت!
لم يكن بكر يشتهي وليمة العلقة والضرب بالعصا. وسريعًا كان ينطلق من على الربوة جاريًا، وكنت بدوري أتبعه جاريًا أيضًا. كانت أمنا تصيح من خلفنا قائلة:
- واحد منكما يدخل الأغنام إلى الحظيرة، ويأتي الآخر بالماء إلى أبيكما. وكان بكر يأخذ اتجاهه نحو مجموعة البيوت المقابلة ليأخذ الأغنام، كان يتجه إلى الرعاة. أما أنا فكنت آخذ الإبريق من بيتنا، وأعبر المقابر؛ لكي أذهب إلى عين ماء تسمى ((عين محرم الخباز)) . كنت اقتربت من العين فإذا بي أرى على بعد مائتي عربة نقل مغلقة سوداء واقفة أمام ((التعاونية)). صادفت في الطريق عساكر مسلحين بالسونكي، وقد تسبب منظرهم في إدخال فزع غريب في نفسي. ملأت الإبريق سريعًا من عين الماء. وكان لا بد أن أكون في البيت قبل أن يعود أبي من الحقل. كان من عادتنا أن يكون الماء البارد موضوعًا على مائدة الطعام كل مساء في وجبة العشاء. أدخل أخي بكر الأغنام والماعز إلى الحظيرة، وقامت أمي بكنس البيت وتنظيفه. طبخت أمي الطعام وأعدت المائدة. نحن الآن في انتظار والدنا. يوزع ليل الصيف، من خلال النوافذ المفتوحة، هدوءًا يمزق القلوب، على حجرات البيت. تبدو أمي مهمومة تنظر بيم الفينة والفينة إلى الباب. الملاعق في أيدي الصغار، وكلنا ننتظر الأب. أذكر جيدًا أنني كنت قد جعت جوعًا شديدًا فمددت يدي نحو طبق الخبز. قضمت لقمة ولكنها في فمي، فإذا بأمي تنظر إليَّ في حدّة، ولكنها لم تنطق بكلمة. وفي نفس هذه اللحظة بالذات، إذا بشخص ينطق بصوت مهموس كأنه يخاف أن يعكر صفو سكون الغرفة، ويقول:
- يا خالة! ... يا خالة!
ردت عليه أمي قائلة:
- مَن أنت؟! ماذا حدث؟! وماذا تريد؟!
- لا أستطيع أن أقول لك كل هذا من بعيد يا خالة! تعالي! نهضت أمي وسارت نحو النافذة. وبعد دقيقة أو اثنتين اختفى الرجل الذي كان يتحدث من خلف النافذة؟ أما أمي فقد تجمدت في مكانها وكأنها قطعة من حجر لا تستطيع قولًا ولا حراكًا. اقتربت نحوها بخوف مرير، أحسسته لأول مرة في قلبي الطفل، وقلت لها:
- ماذا حدث يا أمي؟ أين أبي؟ لماذا تأخر؟
- أبوك لن يأتي؟ اقتادوه إلى السجن، إنه لن يأ ...
- لم تكمل أمي كلامها، ذلك لأنها اختنقت بالدموع التي ملأت ما بين أهدابها، ثم انهمرت هذه الدموع فجأة، ومرة واحدة، من فوق خديها، إلى أسفلهما.
تحولت اللقمة الوحيدة التي أخذت في مضغها منذ هنيهة، إلى سمٍّ زعاف في أمعائي.
مستحيل أن تغيب من أمامي صورة أمي بشفتيها المرتعشتين وخدّيها اللذين كانت تجري عليهما الدموع. لم تستطع أمي فعل شيء غير ترديد عبارة: ((لن يأتي!)) وأخذت تجثم على الأرض رويدًا رويدًا. أما نحن فقد احتضن أحدنا رقبتها، وأخذ الآخر بطرف ردائها. وأخذنا ننظر إلى عينيها الدامعتين. كانوا قد قبضوا على رَجل البيت وأودعوه السجن ... ولرجل البيت، أولاد وأطفال بالإضافة إلى أمهم المتمزقة القلب.
* * *
أذكر جيدًا مبنى المدرسة، وكان مبنى لطيفًا مسوّرًا بأسوار من حجر، وله سقف من صفيحٍ أحمر، وهو يأخذ مكانه بين بيوت صغيرة تغطيها أسقف ترابية، وكنا نحن الأطفال نفرح ونلعب ونضحك مثل الطيور التي تزقزق بين أغصان الأشجار وبين الأوراق الخضراء في الربيع. كنا ننسى قسوة الحياة الموجودة في بيوتنا منذ الدقيقة التي ننطلق فيها نحو المدرسة لنعبر عتبتها. كانت معلمتنا صفية: امرأة طويلة القامة ذات وجه أبيض دقيق الملامح، وكانت طيبة القلب، وهذه الطيبة كانت تعكس على وجهها جمالًا روحانيًّا. وكنت أكنّ لمعلمتي صفية حبًّا خالصًا. لكن، حدث ذات صباح، أن كانت معلمتنا صفية مختلفة معي تمامًا. عندما أقبلت علينا في ذلك اليوم ودخلت علينا الفصل قمنا نحن الأطفال بتحيتها كالعادة في كل مرة، قمنا، وقفنا، ثم جلسنا. لكنها لم تنظر لأحد ولم يكن وجهها يبتسم. اقتربت مني، وبعد أن وقَفَت لحظات لم تتكلم فيها نادتني قائلة:
- يا صادق!
قمت واقفًا، أما هي فقد استمرت في حديثها إليّ وهي تنظر إلى حديقة المدرسة من خلال النافذة المفتوحة، قالت:
- يا صادق، أنت ممنوع من دخول المدرسة بعد اليوم، ذلك لأن ... هل فهمت يا صادق؟
قلت لها:
- فهمت.
أحسست لحظتها أن معلمتنا صفية أيضًا مثل مدرستي، قد انتزعت من قلبي انتزاعًا. جمعت كتبي، وخرجت من الفصل، وأصبحت المدرسة في نظري مكانًا يثير الخوف في نفسي.
وعندما كنت بعد ذلك أريد الذهاب إلى بيت عمتي، كنت آخذ طريقي لفًّا من عند جداول الماء ومن بين الحدائق بدلًا من الطريق الذي يمر بالمدرسة. وبعد أسبوعين من طردي من المدرسة، كنت عائدًا من طريق عين ماء محرم الخباز، وإذا بي أسمع صوتًا من خلفي يناديني ويقول:
- صادق! قف! قف يا أخي!
وقفت. كانت معلمتنا صفية هي التي تكلمني. أخذتني رعشة. خطر ببالي أن أرمي الإبريق من يدي وأجري هاربًا. ولكن! كان بعضنا يقرب من بعض لدرجة أني كنت أحس بها وبتنفّسها الدافئ في وجهي.
- دقيقة واحدة يا صادق! دع الإبريق على الأرض.
نفذتُ ما أمرتني به معلمتي. قامت بدس مجموعة من الأوراق النقدية في يدي، ثم قالت:
- أعط هذه لأمك يا صادق، ولكن إيّاك أن تضيعها.
ثم تركتني ومشت. ولم أرَ معلمتنا صفية بعد ذلك. وبعد شهرين حلّ بالقرية بعض القازاقيين. وقد أخذوا عند مغادرتهم القرية، نصف أهلها، وكانت معلمتنا صفية من بين
هؤلاء.
حلّ الشتاء فجأة في ذلك العام، كان البرد شديدًا مثل السم. نزل البرد وغطّى الجليد الأرض. كانت المنازل تقبع في هدوء عجيب مستمر، وكان الجليد يتدلى من سقيفتها الخارجة عن مستوى المباني، لكن البحر كان يضرب كالمجنون بموجاته على الصخور. أما النسوة فكنّ يجلسن أمام المدافئ المنطفئة في البيوت الموحشة، وزوجات أبنائهن يشاركهن البكاء، والجميع في انتظار الصباح.
جاء إلى القرية مَنْ يحمل الخبر الآتي: ((سيُنقل المسجونون من يالطا إلى آق مسجد)) نمت في ذلك المساء، متأخرًا. والعاصفة الثلجية في الخارج تعوي بلا توقف. كان إخوتي
الصغار يغطون في نوم عميق. تبكي أمي أمام المدفأة، وعلى عينيها منديل أبيض كنت أنا في السرير أتوسل إلى الله قائلًا: ((يا رب! هات لي أبي)) .
سكنت الريح في الصباح. وقامت أمي من أمام المدفأة، التفعت بشالها القديم وخرجت تمشي في اتجاه شارع آق مسجد وهو شارع يمر بجانب منازلنا. وتبعناها أنا وأخي. النساء يتلفعن بالشالات، الأطفال يرتدون ملابسهم القديمة المرقعة أذرعهم نحيفة كالعصي. كان لون الأطفال بنفسجيًّا في هذه الليلة المقمرة الندية. والجميع ينتظرون سيارات النقل الكبيرة على الطريق المرصوف! انتظرنا طوال اليوم في جو صعب شديد البرودة. وقبيل المساء، جاء شخص من وسط الطريق متجهًا نحونا وهو يجري ويصيح قائلًا:
- إنهم قادمون!
وإذا بكلمة ((قادمون)) هذه، تأخذ شكل موجة صوتية انتقلت من شفة إلى شفة ومن فم إلى فم ومن قلب إلى قلب. وأعقب ذلك أدعية وبكاء وعويل وصراخ. زوجة الحاج مصطفى كانت تقف صامتة منذ برهة، وفجأة إذا بها تتمدد على قارعة الطريق المرصوف وأخذت تشد شعرها وهي تصيح وتضرب رأسها بالأرض قائلة:
- يا حبيبي يا حاج مصطفى! يا زوجي الطيب! ماذا اقترفنا من ذنب؟! ما هي جريمتنا؟! ماذا فعلنا؟! يا رب! يا رب!
اندفعت النساء الشابات نحوها. سحبنها من على قارعة الطريق. ظهرت سيارات النقل من بعيد. عجلات بسلاسلها قد غطاها الجليد. كانت السيارات تقترب وهي ترسل إلينا أصوات احتكاك عجلاتها بالطريق. أصوات أخرى اختلطت بصوت زوجة الحاج مصطفى. وصرخات أخرى تداخلت مع صرخاتها ...
- يا زوجي حسين. يا حبيبي أحمد. يا ابني. أيّ ذنبٍ جنيناه ... النجدة!
أما أنا فكنت أبحث عن أبي وسط المسجونين المصفوفين داخل العربات التي تمر من أمامنا لكني لم أره. كانوا كلهم يشبه بعضهم بعضًا. كلهم ملتح. كلهم نحيل ضعيف كما كانوا كلهم مخيفين ... لكني سمعت صوت أحدهم يظهر من بين الأصوات -عندما كانوا يمرون أمامنا- ينادي هذا الصوت باسم أمي ويقول:
- لا تبكِ يا فاطمة! لا تبكِ! ادعي لي! دعواتك يا فاطمة!
كان هذا الصوت - غالبًا - صوت أبي، أما أمي التي سمعت هذا الصوت، فقد اختنقت في بكاء متحشرج مختنق وهي تضرب قبضات من يدها على صدرها.
وذهب المسجونون. أما أهاليهم -وقد تركوهم من خلفهم- فقد عادوا إلى منازلهم. هذه المنازل التي أصبحت الآن ولا عائل لها. هؤلاء الأهل يعودون إلى منازلهم يتامى وهم يكنسون جليد الشوارع بأقدامهم الملفوفة بقطع من القماش القديم. عادوا، عادوا بأثوابهم البالية المرقعة. عادوا إلى مدافئهم ومواقدهم المنطفئة.
* * *
سمعنا من السائقين أن أبي قد أخلي سبيله. لكنه لم يعد للقرية. أما نحن فقد خرجنا بدورنا من القرية بعد شهرين ورحلنا إلى آق مسجد. مررت فيما بعد وكان ذلك في شتاء عام 1939 بقريتنا، قبل ذهابي إلى الخدمة العسكرية. فوجدت بيتنا في القرية تسكنه عائلة روسية فرونجلية. وقد سقطت أشجار البلوط التي كانت شامخة أمام بيتنا، والسلم الخشبي قد انكسر. وكانت هذه العائلة الروسية تستخدم عتبة بابنا بديلًا لخشب الوقود.
أخذ والدي بعد خروجه من السجن يطوف عاطلًا عن العمل بالشوارع مدة أسبوعين، وبدأ الجوع يؤثر فيه. رآه أحد المسلمين ذات مرة وهو ينام فوق الحصى والتراب في السوق، فرقَّ لحاله، وأخذه إلى داره، وقدّم له الطعام وأعطاه ملابس. وكانت أسرة هذا الرجل المسلم كثيرة العدد، ولا يكاد منزله يسعهم، لذلك أعطى أبي كوخًا ملاصقًا لداره. فقام أبي بمساعدة هذا الرجل الطيب بتغطية سقف الكوخ بالصفيح، وقاما بفتح نوافذ ونظفاه من الداخل. ثم أرسلا إلينا خطابًا يقولان لنا فيه ((أن احضروا)) فذهبنا. وقبل أن ندخل منزلنا هذا، جلس أبي وأمي على عتبته وأمسك كل منهما بيد الآخر، وأخذا في بكاء طويل.
وجد أبي عملًا، وقمت أنا طوال الصيف ببيع الماء في السوق، عند مجيء الصيف كنت أبيع اللب. كانت الحياة صعبة، لكنا لم نكن نريد شيئًا كثيرًا. لقمة في الصباح ولقمة في المساء مع كوب من الماء. وأحيانًا حساء البقسماط الجاف كان يكفينا. لم نكن نشكو. وعلى فرض أننا أردنا الشكوى: فمن من؟ ولمن؟
هل نحن فقط الذين كنا جياعًا لا نملك الخبز، ولا نملك بيتنا؟! الحمد لله لقد انقضى الصيف. لكن شتاء هذا العام كان بالنسبة لنا مصيبة! الرياح جامحة تأخذ بأغطية سطح الكوخ الصفيحية لتلقي بها. نفد الوقود: لا خشب، لا حطب، لا فحم. أحضر جارنا محمد آغا آخر ما كان عنده من الروث الناشف. أوقدناه طول اليوم. نفد. بل وحتى لم يكف، لأننا لم نستطع أن نسخن عليه كوبًا من الماء، للطفل الصغير. لكنه لم يكن يستطيع عمل شيء غير الدعاء لنا. كان يدعو الله لنا فيقول:
- ساعدكم الله وكان في عونكم.
ذهبت ذات يوم مع أخي بكر لنسرق فحمًا لنستخدمه وقودًا للتدفئة، وبينما نحن نستل قطع فحم من عربة، أمسكوا ببكر، أما أنا فجريت، هربت. قام حوالي ثلاثة أو أربعة أشخاص وكانوا سائقين بضرب بكر. احمر وجهه احمرارًا شديدًا. ما أظلم الإنسان يا ربي! في سبيل بعض قطع من الفحم، يضربون طفلًا صغيرًا في العاشرة من عمره هذا الضرب الفظيع! دفن بكر رأسه الجريح بين ذراعي أمه. أما والدنا فقد أدار رأسه نحو الحائط، وأخذ كلاهما في البكاء: أبي وأمي. أما الصغار فقد لووا رقابهم واتجهت أنظارهم: مرة نحو أبي، وأخرى نحو أمي.
ليست لدينا القدرة على محاربة عدونا المسلح الذي أسرنا وقذف بنا من بيتنا ووطننا وديارنا، ونحن على هذه الحالة من البرد والجوع. وماذا في أيدينا غير المعاناة والدعاء أن يكون الله في عوننا؟!
في أوائل شهر إبريل، مرض اثنان من إخوتي الصغار، مرة واحدة. ودَفَنَّا (أسماء) المسكينة العزيزة على قلوبنا، وكان ذلك في نهاية إبريل. بعد ذلك بأسبوعين بالضبط، أخذنا (صبري) ذا الوجه الملائكي الصغير، والشعر المجعد لنضعه بجوار أخته (أسماء). وبذلك لم يبقَ في العائلة من الأولاد إلا بكر وأنا.كنت في السادسة عشرة من عمري. وأمي تريد أن تبعث بي إلى بلدة آي واصل. كان لعمدة هذه البلدة واسمه صبري ابنة في الرابعة عشرة من عمرها. كانت أسرتها تريدني أن أتزوجها، لكن كنت والفتاة، ما زلنا صغيرين، وأمي تريد أن تتعجل هذه المسألة وكان أبي يعارضها في ذلك فقد كان أبي يعقد عليَّ آمالًا كبارًا. كان يريدني أن أدرس وأتعلم. أخذني النعاس ذات مساء فجلس أبي يتحدث مع أمي قائلًا:
- لن أرسل صادقًا إلى القرية ... إنه لم يولد ليعمل في الكولخوز.
غيّرت أمي رأيها بعد ذلك عندما جاء الربيع. وقد حصلت على عمل في المدينة، واستطاع أبي الحصول على عمل. وفي أول شهر مايو، أحضر لنا خالي منصور، من القرية، كيسًا من الدقيق. فصلح بذلك حالنا.
وذات ليلة من ليالي الصيف الحارّة، كنت عائدًا من عملي متجهًا إلى البيت وكنت أشعر بسعادة. قابلت والدي عند أول شارع القنطار، فقال لي والدي:
- تعال يا صادق! تعال ولنبعد من هنا إلى الناحية الأخرى من الشارع، فهي أكثر هدوءًا وخالية من الناس، ولأقول لك شيئًا. وضع يده على كتفي وأخذنا نسير نحو مقهى ((جارداق)) ، توقف أبي لحظة أمام المقهى ونظر إلى عينيّ، كان والدي في هذه الليلة يبدو وكأنه ازداد حَدَبًا قليلًا في ظهره. لكن عينيه كانت تلمعان بالفرحة والفخر.
قلت له:
- ماذا يا والدي؟!
- شيءٌ هام، لكني أريد موافقتك أوّلًا قبل أن أحدثك فيه. موافقتك شرط لكي أتحدث.
واستمر والدي في حديثه مبتسمًا.
- هل توافق؟!
قلت له وأنا أضحك:
- أوافق يا والدي.
- كيف حال عملك؟
- لا بأس به يا والدي. قال لي المعلم فاضل إنه سيطلب من صاحب المطعم، رفع مرتبي الشهري من خمسي روبل إلى ستين. باع بالأمس نصف كيس دقيق، فأعطاني نصف المبلغ.
- أنا لا أريد نقودًا بهذا الشكل.
- وأنا أيضًا لم أكن أريد قبولها، لكنه وضعها لي بالقوة في يدي. يقول إن هذا مال الحكومة. إن له فلسفة خاصة يا أبي، إنه يقول ما دامت الحكومة حكومة عمال وفلاحين، إذن فالمال والبضائع لا بد أن تكون للعمال والفلاحين.
- على كل حال، والمهم، أنني أريدك أن تترك هذا العمل.
- أصحيحٌ ما تقوله يا أبي؟!
- نعم صحيح.
- ولكن ماذا عن الستين روبل في الشهر؟! أتمزح يا أبي؟!
- أريدك بالفعل أن تترك عملك هذا.
- يعني لو كانت النقود ... أقصد إذا كان ثمن القمح هو ...
- لا يا صادق، فهناك شيء آخر.
- وماذا بيدي أن أفعله. أليس عملي هذا أفضل من رمي الفحم بالمقذاف إلى العربات في مخازن الفحم؟
- أفضل طبعًا، لكن هناك أعمالًا أفضل.
سكت والدي، نظر إلى وجهي. دمعت عيناه ولمعتا بابتسامة ظهرت على طرفي شفتيه، وقال:
- أريدك أن تتعلم يا صادق. أريدك أن تدرس وتصبح رجلًا. أنت تعلم أنني في حاجة إليك، ولكن لست أنا فقط المحتاج إليك. كل الناس ينظرون إلى الشباب مثلك وكلهم أمل. كل الناس في حاجة إليكم.
سكت والدي مرة أخرى، نظر إلى وجهي ثانية.كنت أدرك أن مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقي. سرنا واستمر أبي في التحدث معي قائلًا:
- المصائب التي حلت بنا، عانى الآخرون منها بدورنا. قاسينا كلنا ألم المحنة شعبًا وأمة يا صادق. إذا لم يحرر الأمة شبابها فمن يحررها؟! كل آمالنا معقودة عليكم. إني أدرك أنك متيّمٌ جدًّا بالتعلم. كنت الأول في كتاب القرية قالت لي السيدة صفية، كثيرًا: ((اهتم بتعليم صادق)) ولكن ماذا كان بيدي، فما أفدح ما مرّ بنا من مصائب في السنتين الأخيرتين. لكن الوضع قد تغير الآن ولله الحمد. أحس بأنني قوي.
- حسنًا يا والدي، وهل يقبلونني في المدرسة؟
- نعم. إني ذهبت إلى المدرسة الإعدادية في (قياباش) وتكلمت هناك مع نيازي أفندي البالطاوي ناظر المدرسة. وهو من الجيل القديم، كلمته بصراحة، قلت له إنني كنت محبوسًا. نبّه عليَّ بألّا أتحدّث مع أحد في ذلك، وقال لي أن أرسلك إليه في بداية العام الدراسي. سيعقد لك امتحانًا، فإذا نجحت فيه، فسيدخلك الصف السابع، إياك أن ترفض يا صادق، حذار من هذا. نيازي أفندي وافقني كذلك في أن الأمة في حاجة إلى شبابها المثقف. وافق على صحة رأيي.
توقف والدي عن الكلام، ثم قال:
- إيه! ماذا تقول؟!
سكتُّ ولم أنطق بحرف. أما هو فكان دائب النظر في عيني. مسكين والدي! كان واضحًا أنه يرضى بتحمّل كل أثقال الدنيا وآلامها ومصاعبها على كتفيه. لكنه كان ينتظر موافقتي. وكان عليه بعد ذلك تحمل كل شيء: العمل من الصباح حتى منتصف الليل، يجوع ليؤكلني، يكدّ ليريحني، وذلك في سبيل هدف واحد: أن أكون رجلًا. في تلك الليلة كنت أقرأ هذا في عينيه.
* * *
انتقلت مدرسة قياباش، في صيف عام 1937 إلى شارع قراييم في مبنى مكوّن من من ثلاثة طوابق، كان المبنى أبيض اللون، نظيفًا ممتازًا. ومن نافذة الفصل كنا نرى مئذنة مسجد طوقال، وهي مئذنة دقيقة رقيقة ترتفع إلى السماء كما لو كانت تخبئ في داخلها أسرار كل الأسطح المجاورة. لا أدري لذلك سببًا. لكنني كنت أدرك أنني كنت الوحيد تقريبًا من بين زملائي في الفصل، الذي يسعد جدًّا بهذه المئذنة. وأحيانًا كنت أثناء الدروس أنظر
إلى المئذنة وأستغرق في التفكير. وأحيانًا كنت لا أسمع حتى سؤال معلمنا الذي يسألنيه. في ذلك الوقت كان سليمان -زميلي في نفس المقعد- يلكزني برسغه أن أنتبه. كنت كلما أنظر إلى المئذنة أحس بالإيمان يغمرني، وكانت الحياة تملأ المنازل المجاورة لها. لقد كنت جزءًا من تلك المئذنة، جزءًا منها بروحي، رغم أن دروسنا كانت كلها ضد الدين، ورغم أنهم كانوا يعلموننا في المدرسة الإلحاد والفكر الشيوعي. كان هناك رباط موجود في كل بيت وفي كل سطح وفي كل عتبة منزل، يربط كل الناس والحياة، بل وكل الوجود بتلك المئذنة. هذا ما كان يخيّل إليَّ. كان ذلك في العام الأخير في المدرسة والامتحانات تقترب. وكنت اتفقت مع زميلي سليمان على أن ندخل معهد الطب في مدينة آق مسجد، إذا نجحنا في الامتحان وبمعنى أصح إنني ضغطت على سليمان ليوافق على هذا القرار، لأنه كان يودّ دخول مدرسة الضباط لكن صداقتي المخلصة لسليمان انتصرت على رغبته هذه. أذكر جيّدًا أننا كنا ذات يوم دراسي وبالذات في حصة الجبر أن دق الجرس فإذا بمقاعد التلاميذ تطقطق، وكذلك أدراجها. خرج التلاميذ واتجهوا إلى الممر، ورويدًا رويدًا أخذ الفصل يخلو من التلاميذ، ولم يبقَ أحدٌ في داخله إلا أنا. وبجانب النافذة، وفي هدوء عميق كنت أنظر إلى مئذنة جامع طوقال، وإذا بصوت بجانبي يقول:
- صادق! صادق!
فالتفتُّ، فإذا بسليمان.
- ماذا هناك؟ وإلى من تنظر في الخارج؟!
- لا أحد. الشمس محرقة لدرجة أن الشوارع خلت من الناس.
- لا، إن أحدهم هناك.
- أين؟!
- على مئذنة مسجد طوقال.
- إن المسجد ((مشمع)) بالشمع الأحمر منذ أشهر، كما أن أبواب المسجد مغلقة بالمسامير.
قال:
- انظر جيدًا.
نظرتُ هناك بعيدًا ... نحو مئذنة مسجد طوقال، وهو بين خضرة الحديقة حيث تمتد المئذنة نحو السماء كإبرة دقيقة الصنع.كان سليمان محقًّا. كان في المئذنة شخصان. وبعد ثلاث دقائق تقريبًا، اختفيا عن الأنظار. التفتُّ إلى سليمان، وقلت له:
- هذه أول مرة أرى إنسانًا في مآذن قرية آق مسجد. إن الأذان ما زال يتردد في القرى حتى الآن، لكن في آق مسجد ...
قال سليمان بصوت غليظ، وقبل أن أتمّ كلامي:
- لا عليك! ... إنهما لم يصعدا المئذنة ليؤذنا!
- إذن فلم؟!
- إنهم سيهدمون المسجد.
انغرست كلمة ((سيهدمون)) هذه، في قلبي كالسكين. أخذ جسمي كله يرتعد، فأدرت ظهري إلى النافذة كما لو كنت أود التخلص من هذا الخوف الذي سيطر على قلبي فجأة.
- كفاك هراء. هل هدموا مسجدًا من قبل حتى يهدموا مسجدنا هذا؟
- نعم يهدمونه، ولم لا؟ عندما كنت قادمًا إلى المدرسة صباح اليوم، رأيتهم يربطون المئذنة بسلاسل حديدية، وكانت هناك آلة ضخمة ترابط في حديقة المسجد.
- من هم الذين تتحدث عنهم؟
- الروس.
كان سليمان معلقًا نظره بالمسجد. أما أنا، فلسبب غير معروف، كنت أعاود تصوري للمساجين وهم يمرون أمام منزلنا في شتاء عام 1932. كنت وكأنني أسمع كلمات أبي صادرة من عربة النقل التي كانت تقل المساجين. كلماته ترن في أذني قائلة: ((ادع لي! ادع لي)) .
أيقظني من استغراقي هذا، سليمان. قال لي وهو بجانبي:
- انظر يا صادق! إن هذه المئذنة تتهاوى!
نظرت إلى المئذنة فوجدتها تهتز. هذا الشيء الذي كان يتزلزل أمامي، كان شيئًا يحييني! يبعث فيَّ الإحساس بالحياة .. أمسكت سليمان بيديَّ المرتعشتين .. لم يكن سليمان يفهمني، بل حتى لم يكن ينظر إليّ. كانت عيناه معلقتين بالمئذنة. كان يصيح بانفعال طفل وجد شيئًا غريبًا.
- إنها تسقط! تسقط!
ألقيت نظرة أخرى فإذا بمئذنة مسجد طوقال تختفي من أمام ناظري. ومع اختفاء المئذنة، انطفأ بالتالي جمال الحديقة، وارتفع من بين الخضرة دخان عديم اللون نحو السماء كنت بكل كياني ما زلت أسير ذلك الشيء الذي كان يهتز -منذ حين- في نفسي. انهارت المئذنة، وانتهت، أما أنا فلم أكن أستطيع أن أنهار ولا حتى أن أقف على قدَميَّ. كنت أفر، كنت أهرب. إلى أين؟ ولماذا؟ لا أدري. كانت الحياة بالنسبة إليّ، كلمة لا معنى لها: أصبح كل شيء في نظري عدمًا. الفصل في المدرسة، سليمان، المنازل في الخارج، الناس، وكل شيء. انهارت المئذنة، ومع انهيارها وانهيار الشيء الذي يحييني، خرجتُ من الفصل ولا أدري كيف خرجت ولا أستطيع أن أتذكر كيف نزلت من على السلم. أكثر ما أذكره هو أنني كنت أجري في شوارع المدينة هلعًا وباندفاع والعرق يتصبب من جبهتي، ومن خدي. وبمجرد أن دخلت منزلي انكفأت على قدمَيْ أمي المسكينة. لم تكن تدري ماذا حدث. كانت تبكي وهي تقبل جبهتي دون توقف قائلة:
- تكلم يا بني! ماذا حدث؟!
أما أنا فلم أكن أستطيع قول شيء ... لم أكن أستطيع حتى أن أبكي. وفي اليوم التالي أخذني أبي إلى الطبيب، ولم أكن مريضًا. أمسك الطبيب بصدري وبكتفي، وقال وهو يضحك:
- اذهب إلى المدرسة يا صادق. لست مريضًا. أنت سليم كالحديد.
ولم أذهب إلى المدرسة. ولم يجبرني أبي أيضًا على الذهاب. كان هذا الرجل يعيش في روحي وفي قلبي. كان عالمًا مليئًا بالحياة. كان في الليل يحكي لنا سيرة قوزي قوربيج وجورا باطور.
أخذني في جولة، فوصلنا قرب مسجد طوقال. وعندما اقتربنا من الحديقة بسورها الحديدي حيث كان المسجد -قبل هدمه- يقع في وسطها، بدأت جبهتي تتصبب عرقًا باردًا. لم أكن أود الذهاب إلى هناك. لكني لم أفصح لوالدي عن هذا. كان والدي أحيانًا يمسك بيدي عنوة ويمشي ثم يشير إلى بقايا المسجد التي أمام الحديقة ويقول:
- انظر يا صادق. أماكن عبادتنا التي بذل فيها أجدادنا العرق والمال، تراها الآن تحت نعال أحذية أعدائنا!
ولم أنظر إلى حيث أشار، فالعرق البارد ما زال يتصبب من جبهتي. وقلبي في صدري يدق كما لو أنه مطرقة! كنت أريد أن أهرب. كان أبي يفهم هذا غالبًا ويدرك كل الأسرار التي تعتلج في نفسي. ولكن لا أدري لماذا لم يكن يترك يدي؟ كان يقول:
- انظر! انظر إلى هذه الأطلال التي تخلفت من هدم المسجد.
أجل لقد منحني القوة والشجاعة عندما قال:
- ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا ولا نخاف، أعداؤنا هم الذين عليهم أن يخافوا، أما كيف؟! إن ظلمهم دليل خوفهم منا. لو لم يخافوا منا لما ظلمونا. إنهم يعملون منذ مائة وخمسين سنة للقضاء علينا. مائة وخمسين سنة، ولهذا فنحن اليوم حفنة قليلة من التتار في هذا الوطن، في القرم. ولأنهم لم يقضوا علينا تمامًا فستظل نفوسهم غير هادئة. لكنهم حتى إذا قضوا علينا، فإنهم لا بد سيقفون أمام أرواحنا يرتعشون. انظر جيدًا يا صادق إلى هذه الأطلال! أنت قطعة من هذه الأطلال ... إن هذه الأرض هي التي ولدتك، هذه الأرض غذّتك، ربّتك، واعلم أنك لا تقف وحدك، فمعك تاريخٌ غنيّ لأمّة عظيمة، ومعك أيضًا مستقبلها اللامع، إن مآذننا ترتفع في السماء من مدينة بغجة سراي وحتى مدينة كاشغر. إنهم يسمون بعضنا بالتتار، ويطلقون على البعض الآخر منا: الجراكسة. يسمون بعضنا بالتركمان والبعض الآخر بالقوزاق، بل وبأسماء أخرى: الأوزبك والآذريين والقراقالباق والششن والأويغور والقاباردي والباشقير والقيرغيز. كل هذا كذب يا صادق. إن البحر لا يتجزأ. نحن أتراك - تتار. وكما يعرف قلبك هذا، فقلوب جميع الباشقورد والقيرغيز والقوزاق تعرف هذا. تحرّك يا صادق بحركة قلبك. ولا تنكب على أطماع الدنيا الفارغة.
وبعد أن قال أبي كلماته هذه، ارتاح قلبي وشعرت بالسعادة وتغيّر موقفي . وعدنا إلى منزلي والسعادة العظيمة تغمرني، وأشعر بالفخر غير المتناهي. إذن فأبي ليس أبي فقط، لكنه شيء عظيم أكثر مما هو عظيم، وعزيز أكثر مما هو عزيز.
كان المساء يرخي سدوله عندما كنا ندخل مدينة بغجة سراي. اضطراب لا نهائي يهبط مع المساء على أسطح المنازل الواطئة. كنا نسمع أحيانًا أصواتًا من هنا ومن هناك، متقطعة، مبحوحة، مهمومة. كان الضوء في بعض المنازل يحترق وينطفئ، وفي بعضها الآخر كانت المصابيح موقدة وتبدو كأنها تريد أن تفرح ولو قليلًا، وفي ساعات المساء الحزينة. كان هنالك أمام بعض المنازل بعض كبار السن يرتدون السراويل الواسعة الفضفاضة، وعلى رؤوسهم القلانس، وفي أيديهم العصي، وبهدوء يغوصون في الظلام وهم يضربون على الأرض بعصيّهم ورؤوسهم منحنية نحو الأمام. حياة المساء في بغجة سراي كانت تبدو لي في البداية ساكنة منكسرة. لكنها في الواقع لم تكن كذلك. لم يكن الإنسان فقط، بل حتى الطقس والسماء والمياه والمنازل، تبدو كأنها تسمع في صمت تلك السعادة التي كانت موجودة على هذه الأرض قديمًا. هذه الأرض التي تحتوي مقابر خاناتنا على مياه جوروك صو.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها بغجة سراي التي لم أقف على سرها إلا في اليوم التالي حين بدت بغجة سراي أمام ناظري كأنها البانوراما الساكنة الحيّة. عندما كنت أنظر إليها في أحلك أيامي سوادًا، أحس بأن النيران المشتعلة في نفسي قد تحولت إلى دخان ثم تهدأ. بتنا في تلك الليلة في منزل خالتي، وفي اليوم التالي، تركت والدي، وأخذت أتجول في بغجة سراي بمفردي. تجولت في القلاع المحيطة. أخذت في مشاهدة إحساسات قلبي في أطراف قلعة (جوفوط). لم أشعر في لحظة قط من لحظات حياتي أنني سعيد مثلما كنت سعيدًا في تلك اللحظة.
كانت مدينة بغجة سراي تمنحني الأمل وتمنحني القوة، ترفع روحي المعنوية وتقوي إيماني، كان الوقت، وقت ميل إلى الغروب، وأخذت آخر إشعاعات ترسلها الشمس، في النزول من على مآذن جوامع السلاطين الكبيرة؛ لتمشط أبراج الحريم وحدائق قصر الخان وتلاله. ثم تأخذ الأشعة في التراجع نحو الغرب. تفرجت على الأطفال الذين استندوا إلى درابزين الجسر الخشبي ليلعبوا لعبة الحرب ... كنت أنظر إليهم وأفكر في جميع بغجة سراي ثم وبهدوء، أخذت طريقي إلى قصر الخان. وعندما اقتربت من باب القنطرة، أحسست في نفسي بفرحة يشوبها الحزن، ترى كم كيراي (حاكم) وكم آغا (سيد وأمير) مرّ من هنا. دلفتُ إلى فناء القصر: النوافذ الزجاجية الملونة، الشادروانات وقد جفت منها المياه، عيون الماء، أبراج الحريم ... كل هذا بدا وكأنه اختلط بسعادة الماضي ثم غط في سبات عميق. اتجهت في جولتي نحو مقبرة الخان الحاكم، وكانت في مواجهتي. ها هم أولاء حكامنا يرقدون تحت نصب حجرية تعلوها عمائم منحوتة من الحجر! ... هؤلاء الحكام كانوا حتى الأمس القريب حجر عثرة أمام أعداء الوطن وأعداء الشعب والشرف ... دافعوا عنه، من منطقة الإيديل وحتى سواحل نهر الطونة (الدانوب). منعوا من تقدم العدو من على الطرق والمراعي وكل المنطقة. أما الآن فلم يبقَ في قصورهم غير أشباحهم وغيري. سرت نحو الباب الخلفي من القصر فإذا بحديقة واسعة حيث كانت الحمامات المرمرية تأخذ مكانها هنا أما الآن فالحديقة مهملة. وكل جناح في القصر قد تحول إلى خراب. سقط جسمي إعياءً من التعب، وكذلك حدث لذهني تمددت في ظل شجرة السنط، واستغرقت في التفكير في تاريخي المجيد وتاريخ أجدادي العظام أخرجت قلمي، وفتحت كراستي، وأردت أن أكتب قصيدة بعنوان: ((انطقي أيتها الجدران)) لكن الجدران لم تنطق بشيء. وسرعان ما أغلقت عيني واستغرقت في ذلك الهدوء الروحي الذي يسود المكان.
أرى هناك بعيدًا، منزلًا صغيرًا يتوسط الخضرة والأشجار، وثلاثة من كبار السن يجلسون أمام المنزل. البياض الناصع يغطي شعر رؤوسهم ولحاهم. خدودهم حمراء. الثلاثة طوال القامة، سليمو البنية. أما أعمارهم فيعلمها الله ذلك لأنهم يعطون تصوّرًا أنهم خُلقوا يوم خلقت الدنيا، يوحي حالهم بأنهم سيعيشون أبد الدهر. وأمام هؤلاء الثلاثة: صَبِيّان صغيران في حوالي الثانية عشرة من عمرهما، يتصارعان. جسمان نحيلان يتصارعان يمسك بعضهما بعضًا. شفاهما مزبدة، والعرق يتصبب من خدودهما يعمل أحدهما على أن يطرح الآخر أرضًا نهضت من مكاني واتجهت إلى هذا الجمع. الكهول الثلاثة رأوني، لكن لم تبدر منهم حركة تشعر باهتمامهم بمقدمي. كل واحد منهم يحمل عصا يلوّح بها كانوا يصيحون بالصبيّين، يشجعون أحدهما على الآخر بقولهم:
- خذه ركبة!
- اطرحه أرضًا!
- اضربه كعبًا!
وأخيرًا انهزم واحد من الصبيّين. عاد المنتصر منهما ليجلس مع الكهول الثلاثة يقول:
- هيّا يا جدّي نفّذ وعدك.
أما الجد فقد كان يبدو في غاية السرور بنتيجة هذه المصارعة، كما يبدو وكأنه وعد الصبيَّ ليحكي له حكاية، لأن الكهل بدأ كلامه قائلًا: ((كان يا ما كان. كان في أول الزمان)) . تدخلت أنا في الكلام مازحًا بقولي: ((ولا يحلو الكلام إلا ...)) .
أدار العجوز رأسه نحوي ونظر إليَّ بجفاف، لكنه لم ينطق بكلمة، ثم انحنى على زميليه وهمس لهما بشيء. واقترب الثلاثة بعضهم من بعض وأخذوا في التحدث في أمرٍ ما همسًا. ثم بدأ العجوز الأول في الكلام وهو الذي كان سيقص القصة على الصبيّ.
- أحب أرسلان بن عَظَمَتْ، فتاة حبًّا ملك عليه شغاف قلبه، فأرسل مَن يطلبها له من أبيها. فقال والد الفتاة لأرسلان:
- أيها الفارس إنّ شعر ابنتي حرير، وعيونها تفاح وجسمها غصن. وأنت شاب يافع لم تنضج تجربتك بعد. سيفك لم يخرج من غمده بعد، فكيف أزوجك من ابنتي؟!
اهتز فتانا الشجاع من هذا الكلام الذي تفوّه به والد الفتاة. التاعت نفسه يا ويلاه! فترك البلاد في نفس اليوم، وساح. مضت أربع سنوات لم يعد فيها إلى بلاده، كما لم يرسل لأحد عنه خبرًا.
في ذلك الزمان، كان في (بوجاق) مصارع رهيب طبقت شهرته الآفاق يسمى أرسلان. ترى أكان هذا المصارع المشهور هو فتانا الفارس الشجاع أم غيره؟ لا أحد يعرف هذا لأن كثيرًا من هؤلاء المصارعين كان يحمل اسم أرسلان وهم أيضًا كانوا في شهرة واسعة سواء في (جان بولاط) أو في (يداسان) أو في غيرها.
وأخيرًا، وفي ذات مساء، دخل المدينة من ناحية القصر فارس وكان كالصاعقة. اقترب من القصر، كان مصارعًا تبدو عليه سمات العظمة والأبهة: قلنسوته كانت كقلنسوة السلطان محلاة بالماس. كان حزامه ومهمازا حصانه وركاب سرجه من الذهب الخالص. توقف هذا الفارس أمام المقهى التي كنا نجلس فيها. نظرنا بتفرس إلى هذا المصارع الغريب، نظرنا إليه من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. ترى من يكون؟ لم يكن هنا أحد يعرف سرّه.
صاح الفارس المصارع بنا قائلًا:
- ألم تعرفوني!
صاح واحد من بيننا وقال:
- سبحان الله! إن هذا الفارس المصارع إنما هو أرسلان الذي نعرفه.
نعم، كان هو أرسلان بن عظمت، الفارس المقدام، الذي أبدى من ضروب الإقدام والشجاعة الشيء الكثير في جيش بوجاق! كما أغار على قرى ومدن بولندا. لا يستطيع أحد أن يحصي عدد الأسرى الذين وقعوا بين يديه من كثرتهم. إن الجواهر التي يملكها، لا يقوى الحساب عليها. أصبح اسم أرسلان رعبًا في قلوب الذين يعيشون في أرض الخان الحاكم. واسمه كان يتردد في كل مكان حتى في القصر، كنا ذات يوم نجلس في المقهى نذكر حروبه، وكان أرسلاننا هذا أيضًا في المقهى. ثم دخل مصارع غريب أكثر طولًا من أرسلان، على رأسه قلنسوة مشغولة من الحديد، يحمل سيفًا في يده وكانت يده مغطاة بقفاز من حديد. توقف هذا المصارع المدجج بالسلاح من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، توقف عند الباب تتقد عيناه شرارًا، ركز نظراته على أرسلان المقدام، ثم قال:
- أيها الفارس أرسلان بن عظمت! ما أظلمك!
وقفنا، ووقف كل من في المقهى، ننظر إلى المصارع الأجنبي الذي استمر في حديثه قائلًا:
- لقد أحرقت بلادنا، وقتلت أبي، وبعت فتياتنا في مدينة (كفه) أسيراتٍ في سوق الحريم.
ثم أخرج قفازه وألقاه تحت قدمي أرسلان وصاح به قائلًا:
- أيها المصارع! هل تخلو الدنيا من فاقد لروحه في سبيل وطنه؟! إما الأسر أو الموت! لك أن تختار بينهما، فاخرج أمامي، يا أرسلان!
استطاع مقدامنا أرسلان أن يعرف هذا الأجنبي. إنه مصارع بولندا، صاح أرسلان قائلًا بعد أن دفع القفاز الحديدي بسيفه:
- لقد أعملت في بلادكم القتل والحرق، هذا هو ما حدث أيها المصارع البولندي، ولقد أسرت ثلاثة آلاف بعتها إلى حريم السلطان في مدينة (كفه) لكن فعلت كل هذا بشرف. قابلت الفارس بفروسية، وأشهرت السيف أمام السيف، ورفعت السهم أمام السهم. والمصارع الذي يموت في سبيل وطنه مصارع، أيها المصارع. أما الأسر فيعني الإساءة إلى شرفي وإلى عائلتي لذا فإني أفضل الموت!
وبمجرد أن قال هذا، استلَّ سيفه واندفع إلى الأمام.
سررنا نحن كثيرًا أملًا في مشاهدة معركة بين مصارعين، إلا أن أحد موظفي القصر كان في المقهى، ولما عرف الأجنبي، انطلق فجأة نحو الأمام وصاح قائلًا:
- إني أعرف هذا البولندي، إنه سفير! إنه سفير! اقبضوا على أرسلان! اقبضوا على أرسلان! قام المصارعون وغيرهم ممن في المقهى بالإمساك بأرسلان.
قال الأمير أرسلان متوسلًا:
دعوني! أستحلفكم بالله أن تتركوني!
قال أحد المصارعين الموجودين بالمقهى وكان الشيب يملأ شعر رأسه ولحيته:
- قف يا أرسلان! ماذا دهاك؟! هل يستل أحد سيفه في وجه سفير فوق أرض الخان، حاكمنا؟
قال أرسلان وهو يقاوم:
- أيها السادة، ألم يدعني هذا المصارع لقتاله؟ لا تعترضوا طريقي! الشريف لا يتحمل هذا يا أيها السادة!
قال المصارعون القدامى:
- نعم أيها المقدام أرسلان. إن الحق معك؟ هذا المصارع هو الذي دعاك للقتال. لكن خبر استلالك للسلاح ضد السفير، إذا انتشر، ألا يأمر خاننا المعظم بالقبض عليك وفصل رأسك عن جسدك، ثم يأمر بتعليقك على "خازوق" أسوة بالكفار؟!
قال أرسلان:
- لكن المسألة الآن وصلت إلى الشرف لذلك يبدو تعليقي على الخازوق أمرًا هيّنًا. ولم يتركوا أرسلان بن عظمت. ولما عرف السفير أن أمره انفضح لم يره أحد مرة أخرى في بغجة سراي.
اصفرّ لون الفارس أرسلان وامتقع. لم يعد يستطيع النظر إلى وجه أحد، بحجة أن شرفه قد خدش. أراد أصدقاؤه أن ينسوه مصارع بولندا، بقولهم:
- اصبر يا أرسلان. اصبر، الصبر مرٌّ لكن ثمرته حلوة. إلا أن أرسلان المقدام لم يستطع النسيان. نسي فتاته، لكنه لم يستطع نسيان المصارع البولندي. كان يبكي ويقول: شرفي! شرفي! ولما وجدوا أن هذا الحال لا ينتهي. قام الموجودون في المقهى في تلك الليلة بالذهاب إلى (كالكاي) ووصفوا له حالة المقدام أرسلان. فقال (كالكاي) :
نعم. نعم. إن أرسلان مقدام لا يعرف الخوف ولكن إذا مسّ أحد سفيرًا في بلاد الخان فمعنى هذا أن يطير رأس، ويعلق على خازوق عقابًا كعقاب الكافر. لكن (كالكاي) وعد بأنه سيعرض الأمر على الخان المعظم في أول فرصة تسنح. وعندما علم الخان من كالكاي بأن أرسلان شهر سلاحه في وجه سفير بولندا، اشتدّ غضبه فأصدر الأمر بقطع رقبة أرسلان على الفور، إلا أن كالكاي انكفأ على قدمي الخان وتوسل إليه قائلًا:
- مولاي الخان العظيم! إن المقدام أرسلان لم يرتكب ذنبًا، فالسفير هو الذي بدأ. إن المقدام أرسلان بن عظمت، صنديد لا مثيل له في (بوجاق) كلها.
وعندما فطن السادة في المقهى أن المصارع الأجنبي سفير، اختفى السفير من بغجة سراي. ولا أحد يعرف الآن أهو في أراضي بلادكم أم في بلاده لكن أرسلان المقدام يموت من الهم. وربنا العظيم؛ شديد الرحمة.
قال الخان:
- إذن ائذن له ليذهب ليبحث عنه وليتصارع معه ويعمل ما بدا له، لكن إذا رفع يده على السفير في أراضي مملكتي فإني آمر بقطع رأسه ورميه إلى الكلاب وألعن أجداده.
وعندما سمع الأمير أرسلان بن عظمت هذا، سرَّ سرورًا عظيمًا. وغادر البلاد ساعة صدور الإذن له، وظلَّ عامين يجوب بلاد الأعداء، بحثًا عن غريمه، لم يترك مدينة ولا قرية إلا وسأل فيها، لكنه لم يجد مصارع بولندا في أي مكان. وذات يوم سمع أن المصارع البولندي قد وقع أسيرًا في قوزاق الدنيبر، فذهب إلى الدنيبر. وكانت المعلومات التي سمعها أرسلان صحيحة. وعندما علم القوزاق بأن أرسلان الفتى المشهور يبحث عن المصارع، طلبوا ذهبًا في مقابل تسليمه البولندي، لكن ما قيمة الذهب عند المقدام أرسلان الذي يريد المصارعة في سبيل شرفه! دفع المقدام أرسلان المال المطلوب وتسلّم الأسير، وقال له في نفس اليوم الذي تسلمه فيه:
- انظر أيها الشجاع! لقد اشتريتك، لكنك الآن لست أسيراً. أعتقتك. لكن لك أن تختار مكانًا شرط أن يكون بعيدًا عن أراضي الخان حاكمنا. وهناك نتصارع. ذلك لأنك ما دمت دعوتني للمصارعة فلا بد أن نتصارع؟
أجابه المصارع البولندي:
- أيها الأمير أرسلان الذي لا نظير له في جيش (بوجاق) ! لقد أنقذتني من يد القوزاق عديمي الحياء. فلتسمح لي أن أكون ذراعك التي تبطش بها فإذا رأيتني أستحق هذا الشرف، فدعني لكي أحارب في سبيلك وليس ضدك، لكي أحارب حتى أموت من أجلك.
وبعد أن أجابه البولندي بهذا المنطق، عاد الاثنان إلى بلاد القرم وقد تصادقا وتزوج الأمير أرسلان من الفتاة التي كان يحبها، وبعد قليل أسلم المصارع البولندي وانضم إلى جيش الخان جنديًّا مخلصًا صادقًا)) .
ولما انتهى الجد من حكايته، قام والتفت إليَّ قائلًا:
- من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟
قلت:
- جئت إلى بغجة سراي، أريد مشاهدة قصر الخان.
- هل أنت تتاري؟
اكتفيت بهز الرأس بالموافقة.
قال الجد:
- أنا من هنا. ومن الصعب وجود أحد يعرف بغجة سراي أكثر مني! تعال وسأصطحبك في جولة لترى بغجة سراي.
قال لي الجد هذا وسار، وتبعته أنا. وكلما سرنا قلّت أشجار اللوز وأشجار السنط، كنا ندخل غابة مظلمة موحشة. كان الطريق الضيق الذي نسير فيه يبدو وكأن أحدًا لم يطأه بقدمه منذ مئات السنين. كانت الأشجار الشوكية تعترض طريقنا كما كانت الزهور السامة تتواجد حولنا. الأشواك تنغرس في قدمي، والنباتات المتسلقة تبدو كأنها تريد أن تأسرني. كانت تتسلق على وجهي وعيني. توقفت لحظة. تلفتُّ حولي. فإذا بالجد يختفي ليس له أي أثر في المكان. كنت أسمع ضربات قلبي في هدوء المكان.
صحت بأعلى صوتي مناديًا:
- يا جدّي!
وإذا بصدى صوتي يأتي إلى مسامعي قائلًا:
- سر يا بني، سر!
جريت وناديت:
- أين أنت يا جدي؟!
وقفت لأستمع. ولا جواب. يغرد طائر بين الأشجار وفوق رأسي مباشرة يدي وساقي ترتعشان. كنت أظن أن الوحوش من نمور وصقور تستعد لتفترسني.
- يا جدي! أين أنت يا جدي؟!
- وإذا بالصوت الذي سمعته منذ حين يأتي بطيئًا إلى مسامعي، ليقول:
- سر! تقدم!
وسريعًا تقدمت إلى الأمام. كنت وأنا أسير، أحطم في طريقي النباتات الشوكية المتسلقة التي تعلقت بقدمي، وبيدي. وبعد أن تقدمت قليلًا، رأيت جدولًا مائيًّا يترقرق في مسيره بين الأشجار في أرض مستوية جريت نحو الجدول والعرض يتصبّب مني والتعب قد نال مني.
وعلى الضفة الأخرى من الجدول، رأيت الجد العجوز وقد وقف كتمثال من حجر. أدرت رأسي نحو الغابة الرهيبة التي كنت أعبرها منذ حين، خُيّل إليّ أن الفهود ما زالت تطاردني. اندفعت من شدة هلعي نحو الجدول. أدْمَت الأحجار ركبتي. وعندما عبرت إلى الضفة الأخرة التي بها الجد صرت أضحك على خوفي الذي كان يتولاني منذ لحظة. كل المخاوف الآن، أصبحت وراء ظهري. أصبحت الآن في اطمئنان. لم أعد خائفًا مثلما كنت. ولكن أين بغجة سراي؟!
أين قصر الخان؟ بل أين أنا؟ المكان محاطٌ بالجبال العالية والوهاد، قلت للجد العجوز متسائلًا وكان يقف أمامي بلا حراك:
- إلى أين تذهب يا جدي؟
لم يجب العجوز. رفع عصاه بعد قليل وأشار إلى قمة الجبل الذي أمامنا، ثم تقدم دون نظر إلى وجهي.
أدركت وإن كان متأخرًا أن العجوز رجل لا يوثق فيه. وأنني أصبحت في موقف حرج عسير التخلص منه. ولكن ماذا بيدي أن أفعل! أمامي نهر واسع وغابة مظلمة ... الجبل ... العجوز الصامت ... ولا طريق ولا أثر من حولنا. كان العجوز يتلفّت إليَّ ونحوي، ثم وبدون اهتمام بي يأخذ طريقه في مواصلة السير. جلست على حجر وأخذت أبكي بكاءً حارًّا ... ثم وببطء أخذت في النهوض من مكاني وسرت خلف العجوز، كرهًا أو طوعًا، أردت أم لم أرد.
عبر العجوز أرضًا صغيرة منبسطة، تسلق الآن التلال. كنت أسير تحت الشمس الحارقة، وفوق الأرض الشوكية، وقدماي تصدمان بالحجارة الحادة الأطراف زاحفًا على أشجار قصيرة جافة، كما تزحف الثعابين، كنت أقوم وأقعد، لكني كنت أواصل المسير. كان حلقي يجف. ومع كل هذا، كان العجوز هو أملي الأخير، تحت هذه الشمس الجهنمية، وعلى هذه التلال الجافة التي ينقطع فيها أثر الحياة لكني كنت أحيانًا أفقد أثر العجوز، وساعتها كنت أصيح بقدر ما ملكني الجهد:
- يا جدي! يا جدي!
كان العجوز يظهر أمامي أحيانًا، وأحيانًا يختفي. فهمت أن نهايتي اقتربت، إذن فالعجوز قد أتى بي إلى هذا المكان لكي ألقى حتفي. أريد السير لكني لا أقوى على النهوض. إني أنهار ولم تعد بي رغبة في النهوض. يا ربي! أمتني يا ربي! اللهمّ اقبضني إليك. رفعت رأسي. رفعت رأسي ثانية. ألقيت نظرة حولي، لعلها آخر نظرة لي إلى الدنيا، وحتى لو كانت هي الأخيرة على الحياة، إلا أني كنت أريد أن أموت ناظرًا إلى الدنيا. انتصب العجوز أمامي كأنه تمثال حي. كنت أموت، ومع ذلك فلم يفتح العجوز فمه. لم يكن لدى هذا الرجل أدنى إحساس فقد كان مجردًا من الشعور. أما أنا فلن أطلب منه نجدة ولا أن يمد لي يد رحمة. صحت وأنا أعتدل والدم ينزف من ركبتي، قائلًا:
- اقتلني أيها الظالم! اقتلني حتى أستريح.
اقترب العجوز مني. رفع عصاه ودفعها في صدري، وقال:
- اذهب لتموت. لتموت يا ابن العاهرة! أنت لم تولد لتعيش. أنت ولدت لتموت. اذهب ومت، وسيموت الآلاف بسببك. إن الأرض التي تسير عليها ستبتل بدموع آلاف الأمهات وآلاف الأطفال. ستئن هذه الأرض بصرخاتهم ... اذهب لتموت وليتك مت قبل أن تولد. فاذهب ومت.
قال العجوز هذا وهو يشير إلى هاوية على جانبي الأيمن. نظرت إلى الهاوية، فوجدت في قاعها عظام وجماجم آلاف من الناس وقد اختلط بعضها ببعض، وبين العظام رأيت ثعابين سامة قد لفت حول نفسها واستدارت. كانت تتدفأ في الشمس. الموت قد ظهر بكل ما يثيره من فزع أمام عيني. انكفأت على قدمي العجوز وأخذت في التوسل إليه وأنا أقبّل -وبلا توقف- يديه وقدميه، وأقول:
- سامحني يا جدي! سامحني... أريد أن أعيش. اعف عني يا جدي.
قال العجوز بصوت خفيض:
- انهض يا بني، وسر!
سرت، وقد أغلقتُ عيني اللتين انتفختا واحمرتا من البكاء وأنا أقول:
- لقد ولدت لأعيش. ولدت لأعيش.
تماسكت. لم أبك. ولم أنتظر نجدة، بل ولم أسأل العجوز مرة أخرى إلى أين نذهب، لكن سرت في قلبي - بالتدريج - فرحة: الفرحة بالحياة، حب الحياة. لم أكن أدري إلى أين كنا نذهب. لكن المكان لا يهمني. كل ما كنت أريده هو الحياة والسرور. رفعت رأسي ونظرت نحو الأمام. كنا في تلك اللحظة في هضبة مفروشة بالخضرة. وكان الهواء عليلًا رقيقًا يهب. توقفت ولم يعد في نفسي أدنى خوف. جاء العجوز وجلس بجانبي، أشار إلى مكان لأجلس عليه، وبجانبه جلست. انحنى على أذني وهمس قائلًا:
- لقد وصلنا يا بني. اُنظر إلى أسفل. إن بغجة سراي تستيقظ الآن من النوم!
انحنيت من على الجبل الذي نحن عليه، ونظرت إلى أسفل: صباح يشوبه الضباب. مدينة تأخذ في الظهور رويدًا رويدًا بفعل أشعة الشمس. المآذن الدقيقة ترتفع إلى السماء. المنازل. زجاج القصر يضوي كالمرايا. كانت تتناثر أمام عيني مدينة أسطورية.
سألت العجوز عن اسم هذه المدينة الجميلة، فقال وكأنه يهمس:
- إنها بغجة سراي.
حسبت المدينة بشكلها هذا، الجنة بعينها. الزهور المتعددة قد تفتحت في الحدائق. أقفاص العصافير في نوافذ المنازل. الشادروانات الفستقيات. الحمامات المرمرية. ورويدًا رويدًا أخذ الناس يسيرون في الشوارع بملابسهم الحريرية النظيفة، كما بدأت القوافل تدخل المدينة. أخذت مدينة بغجة سراي تبدأ حياة يوم جديد من حياتها الهانئة السعيدة. وفجأة ظهر في الأفق البعيد ثمانية فرسان تقريبًا وأخذوا في الاقتراب من المدينة وهم يثيرون عاصفة من الغبار حولهم.
- يا جدي! هل ترى هؤلاء الفرسان؟
- أراهم يا بني. هؤلاء قادمون من (قازان) وسيدخلون القصر.
- ولماذا يا جدي؟
قال لي العجوز بصوت خفيض:
- اعتدى الروس على (قازان) فأرسل خان قازان خبرًا بذلك، يطلب النجدة.
الفرسان يدخلون القصر بسرعة البرق. وكأن الحياة توقفت تمامًا لوقت ما. ثم سريعًا بدأت استعدادت في القصر، بل وفي كل المدينة، وأخيرًا فتحت أبواب المدينة ودقت الطبول والمزامير، ثم خرج شخص يحمل سيفًا ويرتدي لباسًا براقًا. أعقبه الأمراء المسلحون ثم خرج الجنود صفوفًا من المنازل ومن القرى ومن السهول ومن الغابات. كلهم يخرجون خلف الخان المعظم الذي ترك قصره. كانوا يسيرون وكأنهم أنهر تصب في البحر. كلهم تجمعوا في مكان فتكوّن منهم الآن بحر زاخر من الجنود. وقف الخان المعظم ليلقي خطابًا وهو شاهرٌ سيفه. الحناجر كلها تردد كلمتي: الانتقام! الثأر. تخرج الكلمتان من الحناجر لتهز الأرض، لتصل إلى عنان السماء. خرج الجميع دفعة واحدة، ساروا في الطريق المؤدي إلى الشمال.
غيمت السحب الرصاصية اللون، الثقيلة، على سماء الشمال. كان لون هذه السحب آخذًا في السواد. وكان الجو يوحي بأن عاصفة ستهب. سألت العجوز وكان يجلس بجانبي غارقًا في التفكير:
- إلى أين يسير هؤلاء الجنود الكواسر؟
أجابني بقوله:
- نحو الشمال.
سألته ثانية:
- وهل سيعودون؟
أغلق عينيه برموشها البيضاء بياض لحيته وقال:
- لن يعودوا.
وسالت دموعه على خديه. دموعه التي تجمعت بين أهدابه ثم أخذت تتساقط.
فتحت عيني ورفعت رأسي الذي ثقل علي. ماذا الذي كنت أرى؟ أكان حلمًا ذلك الذي رأيت؟! نعم. كانت رؤيا. ولقد أيقظني من حلمي هذا صوت وقع حذاء ذي نعل حديدي من تلك التي يرتديها الجنود الروس.