(3)

6 0 00

(3)

روما، في 1/ 5/ 1946

في سنوات الحرب كنت سعيداً، حتى في الأيام التي ركز الموت عينيه داخل عينيّ، فماذا يحدث لي الآن؟ لماذا لا أختلط بالناس في الشوارع وأصبح مثلهم؟ لماذا أحس بأنني مغاير لهم، مختلف عنهم؟ لماذا أظن أنني أقل من كل إنسان؟ في داخلي قوتان تتصارعان فيما بينهما. واحدة منهما هي الحياة، أو بمعنى أصح: القوة التي تريد أن تعيدني إلى الحياة. إن هاتين القوتين لا تتوقفان عن الصراع في داخلي، وصراعهما يهز كل كياني من أساسه. يهدمني ببطء. أخاف. لم أعد أخرج إلى الشوارع ولا أستطيع الحياة مع الناس الذين أحبهم. أبحث عمن يأخذني من يدي ويطوف بي في العالم. تُرى هل يمكن أن أجده؟ ربما. وإذا لم يكن؟! إني بقلبي وبفكري متجه إلى الله خالق كل شيء على وجه الأرض: خالق الحيوانات وخالق الجمادات. لا تتخلّ عنّي يا رب! اللهم احفظني!

يخيم الظلام. أسطح روما تظلم. وأنا بمفردي في غرفة الفندق. لا أستطيع تحمل حياة الوحدة. ينبغي أن أخرج. يجب أن أتخلص من نفسي ومن نفسيتي لأصبح إنساناً عادياً. أخرج وأذهب إلى المنتزه. أفكر في قريتنا وأنا جالس في ناحية خالية. اليوم أول مارس. ما أجمل الحدائق الآن هناك! على كل حال يبدو أنه من الصعب ملاحظة المنازل المدفونة في الخضرة، من بعيد. الظلام يهبط هناك الآن. فالشمس قد غربت منذ قليل؛ خلف الهضاب هناك. وفي الصيف يقوم الفلاحون هناك بتناول طعام عشائهم تحت الأكواخ الخضراء الموجودة أمام منازلهم؛ عيناي مغلقتان لذلك أرى هذه المنازل وتلك الحدائق، بل وأتجول في تلك القرى.

انتقل والدي في صيف 1943 من (آق مسجد) إلى القرية، وقبل أن ينتقل إلى القرية، كنت أنا قد دخلت القرم في إجازة وأنا أرتدي البذلة العسكرية الألمانية، ولم يكن لذلك أي داع. ماذا يفعل الآن هذا المسكين؟ ترى هل ألقى به الروس في غياهب السجون؟ ولو كان في السجن فعلاً فلن يستطيع تحمله وسيموت فما بال أمي المسكينة؟ أين هي يا ترى؟

أريد أن أترك الحياة وأهرب. ولكن إلى أين. إلى أي مكان. لن أقعد هنا وحيداً لا أستطيع الحياة هنا. لم أعد أنا صادق القديم. ماذا حدث لي يا ربي؟!

يعاودني صداع في رأسي ويوجعني!

تمر أمامي فتاتان إيطاليتان، شقراوان تعلو المساحيق وجهيهما، تطلقان القهقهات، وكل منهما في ذراع زنجي أمريكي. تسمع روما الصامتة قهقهاتهما. أستغرق في التفكير. تباً لك يا روما! يا أيتها المدينة الكبيرة، البيضاء الرخامية. أنت وكل الحياة معك، تحت أقدامهما، إذا فقدتا واحدا، تجداًن الآخر، وهما فرحتان. لكنك تعرفين كيف تخبئين في نفسك اضطراب الزمان، دون أن تبكي، وعليّ أنا بدوري ألّا أبكي! لا بد أن أظهر بمظهر المعتز بنفسه مثلك. ذلك لأني لم أخسر، لأني لم أسلم هذا الوطن الأخضر إلى أعدائي إلا بعد أن سكبت من دمي ما سكبت.

يرخي الظلام سدوله. الشوارع تظلم. تصدح أصوات الموسيقى من النوافذ المفتوحة في المطاعم. تتجمع أصوات الموسيقى لتفيض على جوانب المكان. أنهض لكي أعود إلى الفندق وعندما وصلت إلى تمثال إيمانويل الخامس، أتت كتلة بشرية قادمة تموج، كأنها نهر قد فاض. أرتعش. السبب في هذا على ما يبدو هو أنني ذهبت منذ يومين إلى السينما، فعرضوا قبل عرضهم فيلم جاري كوبر، عرضوا فيلماً؛ فرش أمام العيون، معسكرات (بلسن) الجماعية بمآسيها الفظيعة، كنت مضطراً لأن أخفي رأسي في الكرسي، من عظم خوفي، عندما رأيت على الشاشة آلافاً من الناس يرقدون في حالة موت وقد برزت عظامهم وظهرت. تمتم إيطالي سمين، يجلس على الكرسي الذي بجانبي، ببعض أشياء. ربما كان يشتمني. وها أنذا الآن أرى الناس الذين يتجهون نحوي كأنهم آلاف الهياكل العظمية النحيلة النحيفة. وقد تخلصت فجأة من لفائف السلك المحيط بمعسكرات (بلسن).

ومن شدة فزعي صعدت على درجات التمثال الحجرية كأن سيلاً من الناس، يفيض أمامي ويصيح قائلاً: يحيا السوفييت، يحيا ستالين! ثم مضى السيل البشري فنزلت الدرجات الحجرية. رأسي متعب. نفسي فارغة. عدت إلى الفندق؟

لا أستطيع هذا المساء أن أكتب مذكراتي. ماذا لو فعلت هذا غداً؟!

جريشة كالاتشوف: صياد من (آلوتشا). متوسط الطول. عريض الكتفين أحمر الوجه أزرق العينين، أشقر الأهداب والحاجبين والشعر، فيبدو كأنه المحصول. كان يفخر باسمه وكان يقول لي من أدراك أن دماء تتارية لا تسري في دمي؟! أمن الممكن أن يسمّونا (كالاتش) هكذا هباء وبلا سبب؟!

أحسستُ، خاصة بعد أن انصرفت من عند سليمان والشباب القرميين الآخرين، بأحاسيس رقيقة في قلبي - لا أدري مصدرها - تجاه هذا الروسي الأشقر. وعندما نظرت في عينيه الزرقاويين اللتين لا توحيان بأي معنى بدأت أشعر بأنَّ حبي له حب خالص. لم يكن يتحدث عن نفسه أبداً. كان إنساناً بسيطاً. عندما اتجهت إليه نهض سريعاً؛ ووقف على قدميه وأخذ وجهه الأحمر يزداد حمرة. كان يريد بكل قلبه أن يصبح صديقاً لي. كنت أقول له:

- اجلس يا جريشة! اجلس! كلانا قرمي، وسنكون صديقين.

كان يجلس ليأخذ رأسه بين كفيه ويقول:

- إيه! يا آلوشتا! آلوشتا! لصالح مَنْ هذه الحرب.. لو لم تكن هذه الحرب، لكنت الآن في بلدتي آلوشتا، أصيد السمك وتكون أنت أيضاً في القرم. فما ضرورة الحرب لك، ولي، يا صديقي القائد؟!

كنت أرد عليه قائلاً:

- صحيح. صحيح، يا جريشة. لكننا سندافع عن الوطن.

- وطنك ووطني إنما هو القرم. على كل حال سأذهب أنا إلى آلوشتا.

- وماذا تفعل يا جريشة لو استولى الألمان على القرم.

- لا فرق، يا صديقي القائد، الألمان أيضاً ديُّوثون، وكذلك إخواننا الروس.

- لا تقل هذا لأحد غيري يا جريشة! احذر! وإلّا يخفوك في السجون.

- لا تخف! أنا لا أقول لأحد غيرك. أنا أعرفك. لكن لماذا أخاف؟ أنا أيضاً.. ألست قرميا؟

وبلغته التتارية التي يكثر فيها اللحن يأخذ جريشة مكانه أكثر فأكثر في قلبي.

وبعد أسبوع منذ تحركنا من آق قرمان نزلنا من القطارات في قرية بأوكرانيا الغربية. كانت هناك بعض أمور فهمنا منها أننا اشتركنا في اللواء الذي يحتل الجبهة في الغرب.

الجنود المتعبون يعلوهم الغبار وقد طالت لحاهم، يرقدون تحت غطاءات أسقف البيوت التبنية. سيارات الصليب الأحمر في الحدائق، الفرسان يسوقون جيادهم في غير انتظام. الجرحى من الجنود يرقدون في عربات الفلاحين. والضباط غارقون في العرق يهرولون من مقر قيادة إلى مقر قيادة أخرى.

وبينما كان الجنود يقومون بإنزال دباباتنا من القطار، كنت أنا قد توجهت إلى القيادة التي نصبت خيمتها في الجانب الآخر من القرية. كل مكان ممتلئ بالجنود. المنازل والطرق، والحدائق، بحثت عن سليمان لكني لم أجده. تبدو خيمة القائد وكأن الضباط من أصحاب الرتب الكبيرة قد احتلوها. قال لي ضابط خرج الآن من الخيمة:

- هل أنت صادق طوران؟

- نعم أنا.

- إذن فلقد جئت في الوقت المناسب فقائد الكتيبة يبحث عنك.

دخلت الخيمة ووقفت أمام قائد الكتيبة وقلت:

- الملازم صادق طوران قائد فصيلة الدبابات! وأنا تحت أمر سيادتك أيها الصديق القائد!

كان قائد الكتيبة روسيّاً طويل القامة، ذا شارب أبيض مبروم مثل قرني الثور، سليماً مثل شجرة السرو، يبدو خشناً لكنه ليس بقدر ما يقول به مظهره، كان يُسَرّ، عندما يصافح الضباط الأصغر منه رتبة من الذين يعملون تحت إمرته. ولم تنسه الحرب، عادته هذه، كما كان لا بد أن يحدث، فقد صافحني أيضاً يداً بيد، وقال:

- كم دبابة في الفصيلة يا طوران؟

- ثمانية يا صديقي القائد.

- هل كلهم ب 27؟

- إنها لا تغني كثيراً في الحرب. أليس كذلك؟

- نعم أيها الصديق القائد.

- أعلم أنها لا تغني شيئاً كثيراً ولكن ليس لنا من حل آخر.

جال القائد بنظراته الكدرة بين الضباط الآخرين من ذوي الرتب الكبيرة ثم تبادلوا جميعاً النظرات فيما بينهم.

- لا أستطيع إمداد الجنرال ماكسمينكو، بغير هذا، وفي رأيي أن الذهاب بكل الكتيبة إلى جبهة (كوتوفكس - بالكا) لنجدة ماكسمينكو معناه ترك كرانسوي، مفتوحة أمام الجناح الأيمن للفرق الألمانية المتقدمة نحو الجنوب. إن هذه المسؤولية ضخمة.

- إن ماكسيمنكو يصارع العدو الآن بالبنادق والسلاح الأبيض، لأنه منذ يومين لا يملك دبابة واحدة، ولا حتى مدفع.

- لو استطاع الصمود، لا لثلاثة أيام، ولكني أقول أسبوعاً، ولو انطلقنا بكل قواتنا لنجدته، فإني واثق من أننا لن نستطيع كسر السلسة الفقرية للقوات الألمانية المرابطة بين يالطا وكوفوتسك.

- أتنكسر هذه القوات في خطّ (بوك) ؟

- ربما لا تنكسر أيضاً في خط بوك، لكن عمودها الفقري قد ينحني ولا يستطيع خط دفاعنا الطبيعي في كرانسوي أن يوقف الهجوم الألماني لكنه قد يستطيع أن ينقذ ماكسيمنكو عند مفترق كوفوتسك - يالطا. فِرَق العدو تركت كرانسوي وستتجه نحو فوزنس نسك.. يعني إلى ماكسيمنكو ...

انحنى القواد على الخريطة الموجودة فوق صناديق الذخيرة. وبعد أن شاهدوا على الخريطة، المواقع التي يتحدث عنها قائد الكتيبة؛ اعتدل القائد واستدعاني إلى جانبه.

- اذهب يا طوران إلى الدبابات. كونوا بجانبها، يجب ألا يبعد أحد عن الدبابات وانتظر أمري.

خرجت من الخيمة وعدت إلى حيث تقف الدبابات.

علمت في اليوم التالي، أن كل المدفعيين الذين مع سليمان قد خرجوا مع إيفان الكساندروفيتش شيشكوف الموجه السياسي للفرقة، خرجوا من فرونسنسكي ويتقدمون نحو كرانسوي. وتلقيت صباح أول سبتمبر أمراً بالتقدم نحو جبهة كوفتسك - يالطا، بثماني دبابات. تحركنا فوراً، وسرنا طوال اليوم وسط سكون تام، القرى فارغة وصامتة وكأن الحياة قد اختبات تحت الأرض، حتى الحيوانات لم يكن لها وجود. وقبيل الغروب فقد بدأت من على اليمين ومن على اليسار سيارات نقل الجنود تسير بسرعة كبيرة. الجنود والضباط في هذه السيارات يلوحون لنا بأيديهم بغية إخبارنا بشيء. كان بعضهم يريد أن يقول لنا بإشارات يديه أن ارجعوا! أما نحن فكنا نواصل تقدمنا. كنت بمفردي في برج الدبابة كلما نتقدم في الطريق نجد أن الطريق قد زاد ازدحاماً. كانت عربات المدافع ثم الجنود المشاة يتقدمون ومن بعد تأتي سيارات النقل. الضباط يركبون عربات الفلاحين. والجرحى والضعفاء كانوا بلا أسلحة، ورؤوسهم بيضاء يلتحفون بالقماش الدامي. كان الفرسان من ضمن الذين يمرون في هذا الازدحام. كان بعضهم يسخر منا فكانوا يصيحون بنا قائلين: ((أإلى برلين تذهبون!!".

بعد نصف ساعة، أصبح الطريق مزدحماً إلى درجة أن لو ألقيت إبرة من فوق، لم تكن تسقط على الأرض. زحام من الناس والجياد والعربات تتدفق وسط صيحات نحو الخلف إلى كرانسوي. أخرجنا الدبابات من الطريق إلى السهول وتقدمنا. كانت أصوات المدافع تأتي من بعيد، وكأنها أصوات طبل يدف في منازل أغلقت أبوابها. توقفنا. كانت أمامنا غابة ضخمة سوداء. كنا أحياناً نسمع قصف المدافع يأتي من اليمين. وأحياناً من الشمال. تتصادم طلقات المدافع مع الأصداء المقتطعة من صدر الغابة ثم كانت تختنق في أعماق الغابة مرة أخرى. كان الجنود في أبراج الدبابات السبعة التي تتعقب دبابتي ينظرون نحوي في دهشة.

- الجاويش واسيليف! بجانبي!

- الجاويش ما سيليف! إلى جانب القائد!

- الجاويش واسيليف! إلى جانب القائد!

صوت ضجة الدبابة التي في المؤخرة. وبعد دقيقتين اقتربت دبابة الجاويش واسيليف بجانب دبابتي.

- واسيليف!

- أوامرك أيها الرفيق القائد!

يزأر مدفع خلف الغابة، على اليسار صوت مجموعة من الأوزّ في حقل قصب بجوار منزل مسقوف بالتبن، يضرب الأوز أجنحته ثم يطير خلف رابية. قال لي واسيليف:

- إن هذه قد سقطت قريباً بعض الشيء.

- على مسافة كم بالتقريب؟

- خمسة أو أربعة أيها الرفيق القائد. يبدو أننا نندفع نحو فوهة العدو. ماذا لو لحقنا بالفصائل المنسحبة؟!

- أنا لم أستدعك بجواري لكي آخذ رأيك.

- نعم أيها الرفيق القائد.

- قُدْ دبابتك. تقدم إلى مسافة حوالي خمسمائة متر أمامنا. وأبلغني بما ترى.

- سمعاً وطاعة أيها الرفيق القائد.

ومرة أخرى أثارت دبابة واسيليف البسيطة البريئة المرتسمة في عينيه الشابتين، أثّرت كثيراً في أحاسيسي الداخلية.

- يا واسيليف! أتخاف الموت؟!

لم يصل صوتي إلى واسيليف بفعل الضجة التي أثارتها دبابته.

- م أسمع أيها الرفيق القائد.

- قلت لك أتخاف الموت؟!

- الموت؟

- تخاف؟

- ياه! الإنسان يولد مرة واحدة في العمر، ويموت مرة واحدة. إما الآن وإما فيما بعد. ما الفرق؟

- خذ مني سيجارة قبل أن تموت. وحذار أن تظنّ أنني إنسان سيء!

قذفت بعلبة سجائر إلى برج الدبابة تلقفها واسيليف ودفعها إلى جيبه.

- أشكرك.

- قلت لك سيجارة واحدة فقط!

- انطلق جريشة والمدفعي الذي بجانبي، في القهقهة.

- شكرا لهذا أيضاً.

أخذ سيجارة من العلبة ثم قذف بالعلبة إليّ.

- مع السلامة.

ظلام خفيف يجثو على المكان، توقفت أصوات المدافع فجأة. الدبابات التي في الخلف تأخذ طريقها بتثاقل، مع مسافة فيما بين بعضها والبعض الآخر، يبلغ حوالي خمسة عشر متراً. كنت في برج الدبابة. تقدمنا في هذا الوضع حوالي نصف ساعة. كان على اليمين وعلى الشمال وكذلك أمامنا: دخان أسود مختلط باحمرار الأفق، يأخذ طريقه إلى السماء. وكأن الحرب كانت تأتي -بكل فظائعها- من هناك ثم تقدم إلينا.

سمعت صوت جريشة يأتي من أسفل.

- أيها القائد.

- ماذا هناك، يا جريشة؟

ونزلت من البرج إلى أسفل. قال المقاتل وهو يمد لي سماعتيه:

- الجاويش واسيليف.

وضعت السماعتين على أذني، فسمعت صوت واسيليف، دقيقاً غير متواصل.

- آلو. آلو! قوات العدو ترابط في الغابة المقابلة. أسرعوا. أسرعوا.

- آلو! الجاويش واسيليف، أتسمع يا واسيليف؟

- نعم أسمع، أنا.

وفجأة انقطع صوت واسيليف.

- واسيليف، واسيليف!

صوت واسيليف لا يصلني عبر السماعتين، أصوات ضجة مستمرة لكنها لا تنبئ عن شيء قط.

- جريشة! خذ الدبابة إلى اليمين. بسرعة خذها إلى التل الذي خلف أرض القصب.

وقبل أن أكمل كلامي إذا بصوت ينفجر كأنه بركان، الشيء الذي لا أستطيع أن أنساه هو: عينا جريشة الخضراوين مثل النار تنظران إليّ بينما رأس جريشة بين ركبتي. وعندما عدت إلى وعيي كان الجزء الخاص بالموتور في الدبابة ينفث في وجهي ريحاً فيها النيران مخلوطة بالدخان. فتح جريشة غطاء الدبابة ونصف جسده خارجاً وأخذ يصيح قائلاً:

- اهرب يا حضرة الملازم، لا تبقَ هنا! اهرب.

خرجت من الدبابة وبينما أنسحب إلى مائة متر نظرت نحو دباباتنا الأخرى من داخل الزرع الأصفر، فإذا برجال المدفعية الألمان وقد أخذوا يصبون نيرانهم متواصلاً على الدبابات السبع لمدة نصف ساعة، ورويداً رويداً أخذت النيران تهدأ. وبين الحين والحين كانت الشظايا تنفجر فوق رؤوسنا.

وصل جريشة زاحفاً وقال، بلغتنا، التي لا يحسنها تماماً:

- أنت أُصبت، يا حضرة الملازم؟ أُصبت كثيراً؟

- لا يا جريشة.

- انظر! يوجد دم هنا.

- أمسكت بخدي. كان به جرح لا أدري كيف حدث ولا أحس بوجع منه. فكرت قائلاً إن هذا أول قبلة من قبلات الحرب، مسحت يدي في بنطلوني. قال جريشة وهو ما زال ينظر إلى وجهي نظرات غريبة:

- أنت انجرحت! أنت كدت تموت.

- لم يحدث شيء هام يا جريشة. لا يموت الإنسان من جروح صغيرة مثل هذا الجرح، هل نجا أحد غيرنا؟

- نعم. اثنان هناك. ثلاثة هناك. لا أدري هل ثمة جرحى أم لا؟ مات كل من لم يخرج من دبابته. كلهم ماتوا.

وبعد نصف ساعة وصل الجاويش واسيليف. احترقا حاجباه وأهداب عينيه، كان يضحك رغم أن وجهه وعينيه يبدو فيهما الجهد والإعياء. حتى هو، لا يدري كيف خرج من الدبابة المحترقة وكيف نجا. كان يقول لقد أنقذني الله يا سيدي القائد؟ هل ينجو الإنسان وهو وسط النار! ها أنذا قد نجوت. بعد ذلك سأكسر دماغ من يقول إن الله ليس موجودا. وبعد ساعة، تركنا دباباتنا التي أصبحت خردة، ولحقنا بأفرع الجيش المنسحب بسبعة مدفعيين، بقوا على قيد الحياة، من سبعة وعشرين مدفعيّاً.

لماذا ألقوا بي بهذه الثماني دبابات إلى نيران مدافع العدو؟ كنا حسب الأمر الذي تلقيته، سنلحق بقوات ماكسيمنكو التي تتخذ وضعها في الكيلو الأربعين من كوتوفسك - يالطا. دمّرتنا المدفعية الألمانية في الكيلو السادس. ماذا حدث لقوات ماكسيمنكو؟ أين كانوا؟ لا أدري.

شمس حارقة رغم الصباح. نتوجه إلى كرانسوي. كانت هذه المنطقة قبل عدة أيام تموج بالحياة أما الآن فالمساكن خالية من سكانها وصامتة. المحاريث الصدئة وأحراش البيوت. عجلات العربات. أبواب الحدائق نصف المغلقة لعدم دخول أو خروج أحد منها.

هناك عند جداًر حديقة، كلب أبيض لكنه قذر، أخذ ينظر إلينا بهدوء، وقد رفع أذنيه وهز ذيله، كما لو كان يعرف أصحابه القدامى. كان للكلب نظرة غريبة. الجاويش واسيليف على يميني وكان يعض على شفتيه النحيلتين بين شعر لحيته السوداء وشاربه الكث، يضحك ويقول:

- لو لم نكن فقدنا الدبابات لأخذت ذلك الكلب معي. ها نحن ذا نتحول إلى جنود مشاة. لا يستطيع الكلب تحمل ما يتحمله المشاة.

أما جريشة الأشقر فلم يكن يائساً وكان يقول:

وما أدراك، لعل القوة ذات السبعين طنّاً قد وصلت!

- افتح فمك في الهواء جيداً. لو تركنا الألمان أحياء حتى وصول ذلك فاشكر الله على سميط المشاة.

جريشة على يساري. لا يظهر في وجهه الغارق في الوحل والتراب غير عينيه الخضراوين وشفتيه الحمراوين. لا يفارقني. كان يجري أحياناً حتى لا يتخلف عنا. في فمه سيجارة لم تشتعل بعد. ليس مع أحد منا كبريت وسيجارته في شفتيه؛ منذ أكثر من ساعة، قضم نصفها بأسنانه وتفلها. وأخذ نصفها الثاني في فمه ينقلها بين جانبي فمه، ويقول:

- طالما أنني لم أجد نارا لأشعل سيجارتي، طالما أنني لم أسحب نَفَس دخان؛ فلن تعرف الراحة إلى نفسي سبيلاً.

يتحدث الجاويش واسيليف من الناحية الأخرى ويقول:

- خرجت من النار منذ قليل فلماذا لم تشعل سيجارتك منها أيها الرجل؟ إذا كان لا بد من النار فاذهب إلى الألمان فسيقدمون لك النار.

- هذا مخ روسي، أيها الجاويش، الأرض كثيرة والخبز قليل، عساكرنا كثيرة وليس لدينا دبابات، عندنا السيجارة وليس لدينا كبريت، لو كان كل شيء على ما يرام لما كانت روسياً روسياً.

يتجرأ الشباب على الكلام بحرية، بعد أول رائحة تخرج من النار والبارود. قبل أسبوعين فقط، من كان يستطيع التحدث هكذا؟ أيقظت الحرب على ما يبدو، الحرية الكامنة في قلوبهم، كما أيقظت أحاسيس الحرية الشخصية. أتظاهر بأني لا أسمع كلامهم لكني مسرور في داخلي أن قلبي يحتاج إلى وضوح. من يدري فلعل الحرب تحمل إلينا أياماً طيبة. على اليمين وعلى اليسار، وفي الحدائق مجموعات من الجنود، ومدافع تحت الأشجار مغطاة بأغصان خضراء. هنا وهناك عربات المطابخ، يخرج منها دخان. وخلف الحدائق وعلى التلال يحفر الجنود الحفرات. تمر بجانبنا أحياناً عربات النقل العسكرية والغبار يخرج منها. يبدو أنهم يقتربون من كتائبنا. ومن بين الحديقة التي أمامنا خرج ثمانية أو عشرة أشخاص. كلهم لحاهم طويلة وملابسهم ممزقة كلهم نحيل وحالهم يرثى له، يحاولون السير. لا أدري من هم، لكنهم لا يشبهون الجنود الحمر. أياديهم خلفهم مربوطة جيداً بوثاق. أغلبهم حفاة، وجوههم مثل وجوه الموتى ناصعة البياض. لكن في عيونهم جميعاً ثقة. أمامهم وخلفهم جنود المخابرات الروسية ببنادقهم وحرابهم، يدفعني الشعور بالاهتمام، فأقترب منهم وأسأل أحد الجنود المسلحين:

- أين يا رفيق قيادة كتيبة الدبابات رقم 94؟

- اذهب من هذا الجانب على هذا الطريق مقدار نصف ساعة على يمين الطريق في داخل الحديقة.

أقول له وأنا أنظر إلى هؤلاء الناس المغلولة أيديهم من خلف:

- من هؤلاء؟

- ضباط بولندا الأسرى.

- إلى أين تذهبون بهم؟

يبتسم الجنود ابتسامة قبيحة ويقولون:

- إلى القصبة.

فهمت من هذا أنهم يسوقونهم إلى الموت، فأتألم من أعماقي.

- وأي ذنب اقترفوا؟

يضحك الجنود مرة أخرى. أفهم من ضحكاتهم الماكرة ومن البرق الذي يقدح لحظة في أعينهم، أفهم أعماقهم وكل وحشية هذه الأعماق.

- أقليل من أعدمناه منهم؟ أعن ذنب اقترفوه تسأل؟

إذن لا سؤال لي عن شيء. يدخلون الحديقة. يختفون عن الأعين بين خضرة الأشجار.

التفت إليَّ رجالي يسألونني عن شيء. لا أفهم بل إني حتى لا أستمع. في أعماقي ألم ألمّ بي، هز كل جسدي وتسلل إلى مخي. أنظر إلى وجه واسيليف ثم إلى وجه جريشة. وجهان نضران متعبان بريئان. يأخذني تفكيري فأقول لنفسي إن هذه الأمة - أرادت أم لم ترد- لا بد أنها ولدت وفي قلبها الخيانة والظلم.

نتقدم. وبعد نصف ساعة نصل إلى حديقة كراز أسود على الجانب الأيمن من الطريق الذي نسير فيه، وندخل الحديقة.

وأمام الخيمة يقف مسؤول سياسي برتبة بكباشي. إنه شخص سمين بعض الشيء، احترق وجهه من الشمس وازبدت شفتاه من الصياح. إنه يفهم، وغالباً من ملابسنا، أننا نأتي من الجبهة، عيناه لا تفارقنا. يتفحصني بنظراته من قمة رأسي إلى أخمص قدمي ثم يقترب منا. ما زال ينظر إليَّ. وفجأة فتح ذراعيه وأخذ يتكلم:

- صادق طوران! صادق طوران!

إيفان ألكسندروفيتش شيشكوف، يعانقني. في هذه الأيام المرّة من الحرب، أحتاج على ما يبدو إلى وجه أعرفه. لقد سرني أن يستقبلني شيشكوف بهذا الشكل. إنه كما هو، طولاً وعرضاً وجسماً. تفصح عيناه عن السعادة. وأيضاً عن الألم. يمسك بيده اليسرى بندقية بلا غمد موضوعة في حزامه المشدود إلى وسطه ويضع يده اليمنى على كتفي.

- قرم جوك، قرم جوك! إنهم ساقوك بلا معنى ضد الألمان بدباباتك هذه. لكني كنت واثقاً أنك ستنجو من هذا.

لم ننج كلنا يا رفيقي المسؤول السياسي.

- لا عليك. ليست هناك حرب بلا موتى، هيا تعالى لندخل خيمتي، فإني لا أستطيع رؤية وجهك جيداً.

صاح بالجندي الواقف بباب خيمته:

- يا ميتكا! هات ماء للملازم. بسرعة! تحرّك!

الجنود يتمددون على ظلال أشجار الكراز الأسود المحيطة بالمكان. ينظرون إلينا بانتباه. ندخل الخيمة. يحضر ميتكا الماء. ولأول مرة منذ خرجنا من آق قرمان أغسل بالصابون يدي ووجهي.

يسألني شيشكوف:

- هل أنت جائع؟

أنظر إلى الدجاجة المطبوخة الموضوعة على صينية خشبية في يد ميتكا.

- هل أنا جوعان؟ أهذا سؤال؟

جلست على صندوق الذخيرة وأخذت في التهام الدجاجة كما أخذت أفكر في أشياء وأنا أنظر إلى طرف حذاء إيفان ألكسندروفيتش.

- ماذا أفعل أيها الرفيق الكوميسير بدون جنود ولا دبابات؟

أخذ يتحدث معي كما لو كان يود بيان صداقته لي.

- انظر! إني أعرف أنك وكذلك سليمان من الضباط ذوي المستوى الممتاز. وكان أملي فيكما كبيراً في مدرسة أوديسا. كما أن قائد الكتيبة كان يثق بكما. وعند وجود مثلك ومثل سليمان في الكتيبة فلن تُسَوَّد وجوهنا أمام الحزب وأمام الأمة كلها.

أمال رأسه ونظر إلى البندقية وقال:

- لقد تلقينا ضربات من الألمان، من الحدود وحتى هنا. لكن كفى. يجب أن تكون هنا نهاية لهذا. كرانسوي آخر نقطة يا طوران. إذا لم نتماسك في كرانسوي فأهون علينا، أن يقتل بعضنا بعضاً بالرصاص. جيشان ضخمان خلفنا انسحبا إلى الدنبير. إن وجود جيشين في يدنا يا طوران ...

بينما كان شيشكوف يتحدث بهذا، كنت أنا أشرد بذهني، وأفكر فيما بيني وبين نفسي وأقول:

- ماذا لو يسّر الله دخول الألمان موسكو في مدى أسبوعين!

يقف شيشكوف على قدميه. يده على بندقيته دائماً. يذهب ويجيء في طول الخيمة.

- ما أخبار سليمان؟

- نفس السؤال أردت أن أسألك إياه أيها الرفيق المسؤول السياسي.

رأيت سليمان، آخر مرة في آق قرمان.

- تعال وسأريك شيئاً.

نخرج من الخيمة وتركب سيارة الكوميسير المسؤول السياسي شيشكوف، ونتقدم في طريق مترب كثير الحفر غير مُعبّد. كل مكان ممتلئ بالجنود. استعدادات في كل مكان حديث وصياح وضجة, ينظر شيشكوف إلى الاستعدادات التي تقام في المنطقة. وأنظر أنا إلى وجه شيشكوف. وجه متكدر جداً. إن مقصده الخفي الذي فهمته من عينيه في آق مسجد، لم يكن بعيداً عني في هذه اللحظة. يسري هذا القصد في داخلي. يتخذ هذا السريان أحياناً، شكل الخوف. أريد أن أبدأ حديثي عن الجنرال ماكسيمنكو الذي تولى الجبهة فيما بين كوتوفسك - يالطا. وعندما ذكرت اسم ماكسيمنكو كنت كالذي لمس جرحاً في داخل شيشكوف. يضغط على ضروسه، وينتفخ في جبهته الحمراء عرق في سُمْك الإِصبع، ومن بين أسنانه أخذ يقول:

- ماكسيمنكو! ماكسيمنكو! إنه خان الوطن وانضم مع مائة وخمسين ألف جندي إلى الألمان. إن المكان الجدير به ليس الأسر فقط. بل تحت الأرض، بل نضعهم أمام الناس في الميادين العامة ليلقوا جزاءهم.

أريد أن أضحك. الجنرالات ينضمون إلى العدو! والجنود يسخرون بالمسؤولين السياسيين في الجيش. أيمكن أن يحارب جنود مثل الجاويش واسيليف وجريشة؟ لو وجد هؤلاء الفرصة المناسبة لا بد أن يهربوا. أريد أن أضحك. أريد أن أنظر إلى شيشكوف؛ وأطلق قهقهة. منذ متى من الوقت، والسيطرة الروسية البلشفية التي أدخلت الرعب في قلوبنا، تسير وتستمر؟ ها هي ذي تسقط أمام أعيننا.

نخرج من كرانسوي. نحن الآن على الطريق الإسفلتي. نقف بين تَلَّيْن. نترك السيارة على سفح التل الأيسر، بين الأغصان، ثم نتسلق التل. تل بلا حشائش مقفر. تحت خضرة. وأرض فيها قصب خلف الخضرة. يمتد المحصول خلف المياه الخضراء الساكنة التي تصب قريباً من حقل القصب. اصفرت المحصولات. تهتز السنابل الذهبية، وتموج، كما لو كانت أحياء تموج بفعل رياح خفيفة. الحقل الذي به هذا المحصول يمتد قرابة كيلومترين. ويرتبط من بعد بغابة سوداء. الشارع الإسفلتي يمتد حتى الغابة مثل الجمال التي حثت على ركبها لتستريح. ينظر شيشكوف نحو التلال ويقول:

- هل ترى التل الثالث؟

- نعم أراه.

- إن سليمان وجنوده من المدفعيين خلف هذا التل.

- أين نتوقع هجوم العدو؟

- الأخبار التي أوردتها الطائرات تقول: إن وحدات جيش العدو تتجمع خلف الغابة المقابلة. وبناء على قرارنا الذي اتخذناه بالأمس، اتخذ سليمان، صباح اليوم، موقعه، هو ورجاله من المدفعيين خلف التل.

صمت طويل. ثم يسأل شيشكوف:

- وما رأيك؟

أنظر إلى الحقل الممتد أمامنا، وإلى الغابة، وإلى التلال.

- إنها نقطة بعيدة جداً عن كرانسوي وقريبة جداً من الغابة. ولو كانوا اتخذوا مواقعهم في المكان الذي نتواجد فيه، ألم يكن هذا أفضل؟

- لقد رأينا أنا وقائد الكتيبة أن هذا المكان أقل خطراً، نظراً لقربه من الطريق الإسفلتي. هناك مسافة أكثر من كيلومتر ما بين التل الذي فيه سليمان، والغابة. ثم هناك ذخيرة تكفي لضرب العدو بالنيران حوالي ثلاث ساعات. الحقل مستو تماماً مثل الكف. سليمان في الشمال ورجالنا في سفوح كرانسوي وبالتالي لا يستطيع ألماني واحد أن يرفع رأسه من تلك الغابة، يا طوران، وعلى فرض أنهم رفعوا رؤوسهم، فإنهم لن يستطيعوا ذلك إلا بقدر الارتفاع المرسوم أمام الغابة. بعد ذلك لن يستطيعوا. والألمان ليسوا حمقى إلى هذا الحد. ولا أعتقد أنهم سيدخلون الحقل، ولن يهاجموا كرانسوي ولو حدث أن هاجموها لكان أحسن لنا، لو فعلوا هذا لحصدناهم، مثلما نحصد الزرع. الهدف هو حبس العدو أسبوعاً داخل الغابة، ومن ثم في خط بوج.. وإني لواثق بأن دباباتنا الثقيلة ستصل في حدود هذا الوقت. يلزمنا دبابات. دبابات ليس مثل دبابتك وإنما دبابات السبعين طنّاً. دبابات تي 34.

ركبنا السيارة لنعود إلى القيادة. ازدحام أمام الدار الصغيرة الواطئة؛ ذات السقف التبني. الضباط وقد بللهم العرق يدخلون ويخرجون منه. لكن الضباط الجرحى في صمت. إنهم عاشوا الحرب بكل مروعاتها. ضاقوا بالدنيا وبالحياة، يدخنون سجائرهم كأنهم بشر بلا هدف. ندخل الدار. الضباط ذوو الرتب الكبيرة يتباحثون في أشياء بأصوات خفيفة وهم أمام الخريطة وأقلامهم في أيديهم، هاتف موضوع فوق صناديق الذخيرة، على اليمين، وهناك كان جنديان يتلقيان - عن طريق الهاتف ودون توقف - الأخبار ثم يبلغونها.

يتقدم الكوميسير شيشكوف نحو الهاتف. أقف أنا بجوار الباب. أنظر إلى شيشكوف وهو يتحدث بالهاتف. وبعد قليل، أشار إليّ بيده، يستدعيني بجانبه. أذهب إلى شيشكوف، يمد بالهاتف نحوي ويقول:

- سليمان على الهاتف. يريد التحدث إليك.

أخذت الهاتف من يد شيشكوف، ووضعت السماعة على أذني، صوت سليمان الصديق يأتي عبرها. وشيشكوف يقف أمامي وينظر لي دائماً، وخلف نظراته - مرة أخرى- يبدو لي وكأني ما يخبئه من مقصد خائن.

- معذرة أيها الرفيق المسؤول السياسي شيشكوف فإن سليمان يتحدث معي بلغته الأصلية.

يضحك شيشكوف ويقول:

- كوفوري! كوفوري!(15)

ثم يتركني ويذهب ناحية الواقفين أمام الخريطة.

يدخل صوت سليمان في أذني.

- أهو أنت يا صادق؟ لماذا لا تتكلم؟

- أنا. كيف حالك يا سليمان؟ كيف حال مواطنينا؟

- كلهم بخير وهم بجانبي الآن. إنهم يتحدثون عنك.

- فتح علينا الألمان النيران بالأمس، وعلى دباباتنا أيضاً: النيران. لعل الرفيق المسؤول السياسي حدّثك بهذا. وعدتُ بسبعة من رجال الدبابات إلى القيادة.

- يا لك من فاشل! شرح لي المسؤول السياسي الأمر لكنه لن يستطيع أن يأمر بحبسك. إنك ضابط جيد كما يقال. الكوميسير لا يجد لك ذنباً وإنما الذنب ذنب الذين دفعوا بك أمام مدافع العدو. لا أدري لماذا يهتم بك المسؤول السياسي شيشكوف في هذه الأوقات الأخيرة؟

- أصحيح؟

- نعم، أيها السيد الشاعر!

- ولماذا الشاعر؟

- شبابنا يطلقون عليك لقب الشاعر بعد درس اللغة الذي أعطيته لي في آق قرمان.

- سليمان! ألا تدري أن العدو قريب جداً من هذا المكان الذي أنت فيه؟

- لا تخف! لا تخف. يكفي أن يصدر أمر القتال لأسوّي الغابة بمن فيها من الوحدات الألمانية. هيا إذن، فيجب علي أن أذهب.

خرج القادة الذين كانوا أمام الخريطة واحداً إثر آخر من الغرفة. توجهت إلى شيشكوف. وخرجنا بدورنا إلى الحديقة.

يحل المساء، وتهبط الظلمة والسكون على الحدائق وجنود المشاة على جانبي الطريق وتحت حواف مظلات البيوت يمسكون البنادق بين أذرعهم وكأنهم يمسكون بأحبائهم في أحضانهم، وقد تمددوا على الأرض ويفكرون بصمت في الغد.

نمت في تلك الليلة في خيمة شيشكوف المسؤول السياسي، ولم تكن الدنيا قد أنارت عندما أيقظني. خرج شيشكوف من الخيمة، ثم عاد مرة أخرى ثم قال بصوت خفيض وكأنه يهمس:

- أصوات طائرات.. ألا تسمع؟

- أسمع.

ضوضاء طائرات تمر عبر سماء كرانسوي تخلع قلوبنا. يصمت شيشكوف ويستمع. إنه يتلمس مستقبله في هذه الأصوات، يتحدث عن مستقبله وربما يبكي بحرقة وأنا بدوري أنظر بهدوء وصمت إلى شيشكوف. لا يتكلم. يطفئ سيجارة ويشعل أخرى. وكأني أفهم ما يفكر فيه عبر تدخينه السيجارة.

كما أني أحس بالتضاد البالغ بين تفكيره وتفكيري. أحاول ألا أنظر إلى شيشكوف. أغضب من وجودنا معاً في خيمة واحدة. إننا شخصان، جد مختلفين. كلانا من خميرة مختلفة ومن دم مختلف لا نستطيع أن يذوب بعضنا في بعض، فلماذا نكون في نفس الخيمة؟ أحس برغبة جارفة في أن يكون سليمان بجواري، ما زال شيشكوف يدخن السجائر وما زالت الطائرات ترنّ في سماء كرانسوي. أغلقتُ عينيّ فرأيت أمي، ودموعها تنزل من على خديها المتغضنين. ورأيت بكراً بقلنسوته الجركسية. ورأيت والدي وقد انحنى ظهره، وأخذت أطوف في حدائق القرية وفي مروجها، في حدائقها التي تشبه الجنة. في بساتيننا. ها هي ذي الأشياء التي أعيش لها. هذه هي الأشياء التي تجعلني أقف على قدمي. وتربطني بالحياة في ظل هذه الظروف. شيشكوف! انزع هذه الأمور من قلبي! وألقها أرضا! ضعها تحت الأقدام.. في ذلك الوقت أصير وجوداً بلا حياة ولا إحساس، أصبح رجلاً عديم القيمة.

تشرق شمس حمراء ملتهبة خلف حدائق كرانسوي. يخرج شيشكوف من الخيمة، بعد أن يترك بابها مفتوحاً. أبدو وكأني أسعد - ولو قليلاً- عند خروجه من الخيمة، وابتعاده. ما زلت في دوامة ذكريات قريتي.. أنظر إلى السماء التي تشبه، في نظري، الصينية. وأتذكر الشمس المرتفعة الزرقاء خلف جبال آيي ضاغي في أوقات الصباح التي كنت فيها آخذ الحيوانات إلى المراعي في قريتنا. الشمس نفس الشمس. لكن دفء الأرض التي تضيئها تلك الشمس جد مختلف، كما أن تنفسها مختلف. إيفان ألكسندروفيتش شيشكوف يدخل الخيمة. ينظر ببطولة. لكن الخوف واضح في هذه النظرات.

- بكم جندي رجعت يا طوران؟

- بسبعة.

- أين هم؟

- في الحدائق.

وبإشارة إلى الأسلحة المتجمعة في الناحية الأخرى قال:

- أعطهم سلاحاً، إننا ندخل التل الذي كنا بالأمس، وبعد ساعة واحدة ستبدأ مدافعنا في الضرب.

سلّحنا الجنود. وأخذنا الطريق إلى التل. شوارع كرانسوي خالية صامتة، وكأن كل الحياة قد انسحبت إلى تحت الأرض. تظهر فوهات البنادق من جوانب الحدائق، ومن الحفرات. وأحياناً تزحف مجموعة من الجنود كالثعبان تحت حواف أسقف المنازل. ويختفون وراءها. وهناك، خلف التلال، تتجه فوهات المدافع المرابطة تحت أغصان الأشجار الخضراء، تتجه نحو السماء، وتتجمع جنود المدفعية في الحفرات، خلف المدافع. يعكر صفو المكان بين الحين والحين صوت حركة دوران المحركات. وبين الحين والحين يترامى إلى الأسماع صوت أوامر حازمة وقصيرة، وكلما تقدمنا نحن، بدا السكون. بدا الخوف. يذكرني سكون كرانسوي هذا، بغابة بدائية مليئة بالوحوش. أما الجنود فيذكرونني بحيوانات مفترسة، وفهود وابن آوى. وقد عزم كل منهم أن يصارع الآخر ويمزقه.

نحن الآن - وبعد نصف ساعة - على تل الأمس. ينظر شيشكوف إلى ساعته ويقول:

- بعد خمس دقائق ستبدأ مدافع سليمان في الانطلاق.

يقول شيشكوف هذا، وهو يضع منظاره المعظم على عينيه، وينظر نحو التل، الذي فيه مدافع سليمان.

تمددت منكفئاً بجانب إيفان ألكسندروفيتش وأنا أتصور الدقائق ساعات. الدقائق تغرس ثوانيها مثل الإبر في قلب الإنسان. أنظر الآن إلى التل وأتخيل سليمان أمام ناظري. أود التواجد بجانبه. أرى نفسي مذنبا. ينظر إليَّ سليمان وكأنه إنسانٌ، محسوبة دقائقه. لماذا لست بجانبه؟ يقول الكوميسير شيشكوف ببطء وكأنه يهمس:

- انظر جيداً! سليمان سيطلق النيران.

- أسليمان فقط؟

- مدافع سليمان فقط.

- والمدافع الرابضة في حدائق كرانسوي.

- الهدف هو تجميع نيران العدو على سليمان، وبالتالي إعطاء الفرصة لفصائل مشاتنا، أن تستوي على المرتفعات الواقعة أمام الغابة. إذا استمر تبادل إطلاق النيران، بين مدافع سليمان ومدافع العدو داخل الغابة نصف ساعة، لانتهى الأمر. إني أفهم جيداً، أفهم تماماً هدف الكوميسير شيشكوف. أترك المنظار المعظم وأضع رأسي على الأرض الدافئة بشمس الصباح، وأدعو:

- اللهم احفظ سليمان وجنوده. اللهم احفظ مواطنيّ. اللهم احفظ عبيدك الصادقين!

تبدأ مدفعية سليمان عملياتها. صخب جهنمي.

يرتفع الدخان الملون في صدر الغابة السوداء. ثم أنين مدهش ومرة أخرى، ضربات وحشية تخنق الأنين. وبعد ثلاث دقائق تحولت الغابة إلى بركان. يضرب شيشكوف يده على كتفي في انفعال. ويقول:

- أحسنت يا سليمان! أحسنت أيها التتري! آه! مادوليتس. آه مادوليتس سليمان.

تبدأ المدافع الرشاشة في الحدائق الكائنة على سفح كرانسوي في الخلف. تبدأ في موسيقاها.

- تراتا - تا.. تراك - تا - تا - تا - تا.

وبين انطلاقات المدافع الرشاشة التي تطول أحياناً وتقصر أحياناً أخرى. يأخذ جنود المشاة، المنطلقون من الحفرات، في الهجوم، ما زالت الغابة كالبركان تنفث حممها ولهيبها، لماذا - ولا أدري- أجد نفسي مسروراً؟ جنود المشاة يختفون بين المحاصيل الصفراء يجرون نصف منحنين من الشمال ومن اليمين. الغابة تعوي كما لو كانت تنيناً جريحاً، فترتفع الأنفاس الملتهبة من صدره إلى السماء وكأنه حيوان اهتاج خوفا من أن يموت.

ترتفع طائرتان خلف الغابة وتطيران نحو التل الذي توجد فيه مدافع سليمان. سليمان ينظر نحو الطائرتين، وفجأة تتجهان نحو كرانسوي. وبعد لفة تقومان بها فوق كرانسوي تعودان مرة أخرى إلى مدافع سليمان. وبينما هما تطيران فوق التل تميل إحداها وتسقط داخل الغابة، ومع الضوضاء العظيمة يرتفع دخان شديد السواد من الغابة نحو السماء ويرتفع اللهيب معقوداً في انثناءات من داخل الدخان، ترعد مدافع سليمان بسرعة أكثر وكأنها تصفق لهذا النجاح.

وبعد نصف ساعة بالضبط تسقط أول قذيفة ألمانية أمام التل. إيفان ألكسندروفيتش يقول ومنظاره المعظم على عينيه ينظر بتركيز إلى الغابة، ويقول:

- آها. لقد رد الألمان.

وبعد دقيقتين انطلقت القذيفة الثانية من وراء التل، حبسنا أنفسنا، شيشكوف وأنا، ننظر إلى موقف سليمان. القذيفة الثالثة أصابت الجناح الأيسر. نيران سليمان تخف قليلاً. وبصوت خفيض يقول شيشكوف وكأنه يتحدث مع نفسه:

- الكلاب يأخذون سليمان مقصّاً.

أريد أن أفهم معنى هذا، ترتفع بعد ثلاث ثوان أو خمس ومن وراء التل، ستارة من نار ودخان فظيعة. وكأن هذا الحريق لن يخمد ولن ينتهي. يقول شيشكوف:

- ها هو ذا ما يسمونه مقص نيران.

- من خلف التل وحتى السماء، تختلط حمم النيران مع قطع مختلفة من الأرض. أنظر إلى الأمام، يبدو شيشكوف وكأنه يتحدث مع نفسه ويستمر في حديثه قائلًا: ‌

- إلى هنا انتهى أمر سليمان. لن ينجو أحد هناك.

- ألا توجد وسيلة قط، أيها الرفيق الكوميسير؟

- لا! لا توجد أي وسيلة، يا طوران.

يشير إيفان ألكسندروفيتش إلى التل الذي يقع أمام الغابة، ويقول:

- هل ترى هذا التل؟

- نعم.

- أظن أن النيران تأتي من خلف ذلك التل. ولا بد أن تكون مدافع هجوم العدو، متمركزة خلف ذلك التل، ولا بد للقضاء على نيرانهم، من عبور كل حقول المحاصيل، هناك تل صغير على الشمال قليلًا من التل. هل تراه؟

- نعم، أراه.

- أظن أن مؤخرة هاونات العدو تظهر من ذلك التل الواطئ. لكن ما بيننا وبين التل أكثر من كيلومترين. هل تستطيع أن تذهب إلى مدى كيلومترين على ركبتيك ويديك ومن بين الزرع؟

يرفع النظارة المعظمة من على عينيه. أجبته بقولي:

- هذا خطر لا داعي له. سليمان ما زال تحت النيران. والنجاة من هناك أمر صعب. تسود بيننا فترة صمت قصيرة يخيل إليَّ أن سليمان، وهو بين النار والدخان وأعمدة التراب، ينظر إليَّ بعينيه الحمراوين ويطلب النجدة. يداي وقدماي ترتعشان. إني خائف. لا أخاف الموت، لكني أخاف على سليمان. أخاف من عدم جرأتي. حتى لو وصلت لمساعدة سليمان أخاف أن يصيح بي غاضبًا ويقول:

- أين كنت حتى هذا الوقت؟ لماذا لم تسرع إليَّ فورًا؟

لا أشعر بالراحة، سليمان في قلبي، يتحدث معي، يستدعيني، وأخيراً أدير وجهي نحو شيشكوف، وأقول:

- ائذن لي، أيها الرفيق الكوميسير بالذهاب.

يضحك الكوميسير شيشكوف ويكتفي بهز كتفيه ليقول:

- اذهب!

أنزل من التل زاحفاً. يأتي معي جريشة وهو يجري في نصف انحناءة. يحدثني وهو غاضب مني.

- عمَّ تحدثت مع الكوميسير؟ إني سمعتكما. أنت لا تحبني. أنا أعرف هذا. لأني كافر. أليس كذلك؟ لكني ولدت في القرم. إني أحب القرم، وأحب التتار. لهذا فأنا ذاهب معك قد تموت وأحيا، وقد أحيا وتموت، أيها الملازم سليمان أنا أيضاً رفيقك.

يكبر في أعماق قلبي حب. والآن، وأنا أكتب هذه السطور أتذكر جريشة وأتذكر معه المرحوم أحمد اوزباشلي.. إن شعب القرم باقة ورد تتكون من زهور مختلفة.

يلحق بنا شيشكوف وهو يوجه نحوي زجاجة خمر، وهو يقول:

- خذ هذه يا صادق، فستلزمك.

آخذها منه. ننزل من التل. نعبر القصب. وقبل أن ندخل في الحقل المزروع، أقف على ركبتي عند حافة الأغصان والأعشاب وأمد الزجاجة إلى جريشة. يظهر في عيني جريشة الانفعال والسرور.

- آ- آ- آ! خمر الراقي!! أنت مسلم؛ وبالتالي فإنك لا تشرب الخمر. نعم أنا أعرف هذا.

يأخذ الراقي من يدي ويختفي بين أعواد القصب. أما أنا فلا زلت جاثياً على ركبتيّ أمسك التعويذة التي أعلّقها في رقبتي وأدعو قائلًا:

- يا رب! اللهمّ احفظنا! فإنك تحفظ عبادك المخلصين يا رب.

كانت الشمس حامية. نتقدم - وعلى يميني جريشة - على أربع، على ركبنا وأيدينا وبين الحين والحين يقف جريشة ويتحدث مع نفسه وأحيانًا يهمس بأغنية.

أقول له: انتبه يا جريشة! لا ترفع رأسك كثيراً.

لا تخف سيدي الملازم. الألمان لا يرونني. انظر!

يقول هذا وهو يريني بعض أغصان، جافة أوراقها، يضعها فوق رأسه. وفي كل فتحة أزرار من ملابسه، تظهر نباتات صفراء. وهو نفسه، يزحف كما لو كان أغصاناً جافّة. وأحيانًا يقف ليمسح عرق وجهه، ويمد إليّ زجاجة الخمر قائلاً:

- اشرب أنت أيضًا يا سيدي الملازم.

أرفض. إنه يريد أن يسقيني خمر الراقي بإصرار. فالسكير لا يخشى الموت! أقول له:

- لا يا جريشة. أخفِ خمر الراقي.

يوافق. ونتقدم. وبين الحين والحين أرفع رأسي، وأنظر إلى التل الذي فيه سليمان. نيران العدو خفّت قليلاً، مرة أخرى. لكن كل جسمي يرتعش عندما أتذكر أوضاع أصدقائنا.

نصل إلى حافة الحقل المزروع. نصعد إلى تل شديد الخضرة، مستوٍ، وصغير، نقف. أمسح عرقي، وأقول لجريشة:

- هل أنت مستعد؟

يزحف جريشة ويتقدم نحوي، ويقول بصوت خافت، لكنه منفعل:

- أنا مستعد يا سيدي الملازم. مستعد. لكن لا ينبغي أن نذهب سويّاً، فالأرض مكشوفة، والخطر ماثل، أذهبُ أنا في البداية، ثم تأتي أنت.

يقول جريشة هذا، ولا ينتظر جوابي. ينطلق. يتقدم. وبسرعة البرق يجتاز الساحة المستوية ليرقد على رابية التل. تنقطع النيران فجأة وأنا ما زلت بين الزرع. يلف المكان صمت ثقيل وعميق. أرفع رأسي أحيانًا، وأنظر إلى التل الذي يتواجد فيه سليمان مع المدفعيين. دخان بارود مختلط بالأرض، ارتفع بطول السرو، يلتف حول نفسه، ثم يسقط على الحقل المزروع. يرقد جريشة بجانب مدفعه الرشاش وكأنه ميت بلا حراك. لا أستطيع السيطرة على ركبتيّ. وفي هذه الآونة بالضبط يدير جريشة وجهه ناحيتي، ويشير بيده نحوي أن آتي. وبنفس السرعة أعبر الأرض المستوية وأتمدد بجانب جريشة فيقول لي وكأنه يهمس:

- هل ترى؟

- نعم. أرى ثلاثة مدافع هاون، للعدو، في المساحة المستوية الواقعة بين التل الذي على اليسار وبين الغابة. وعلى كل مدفع ثلاثة جنود، أو خمسة. أغلب الجنود جاثٍ على ركبتيه وبعضه واقفٌ على قدميه. والبعض الآخر منهم في حركة يجرون جيئة وذهاباً. يحملون صناديق الذخيرة من الغابة. ألمس بيديّ المرتعشتين مدفعي الرشاش ومكان الرصاص فيه. ينظر جريشة نحو الألمان بصمت وهدوء. أما أنا فلا أستطيع رؤية وجهه لأني في الخلف. أسأله بهمس:

- هل أنت مستعد يا جريشة؟

يدير رأسه نحوي، وببسمة تظهر منها أسنانه البيضاء يقول:

- أنا مستعد.

فأصدرت الأمر بإطلاق الرصاص.

ضجة قصيرة، متكسرة، وحشيّة، يسقط على الأرض فجأة: ألمانيان كانا يقفان على قدميهما بجانب مدفع الهاون الخامس. وأصيب اثنان في رأسهما. لا يستطيعان الحراك. سيل طلقات مدافع، ثانيتان من الصمت، ثم سيل طويل من طلقات المدافع. أخذت الدهشة هؤلاء الألمان الذي يعملون على مدافع الهاون الأخرى، فهربوا يجرون نحو الغابة. في هذه الأثناء يحصد جريشة أجسام البشر بمدفعه الرشاش كما لو كان يقوم بعملية حصار. أنسحب أنا إلى الوراء قليلًا. نسي جريشة كل دنياه وهو يحمل هذه اللعبة الجهنمية. فمن ناحية يطلق النار بلا توقف، ومن ناحية أخرى يصيح بي قائلًا:

- اذهب أنت! اذهب من هنا.

أترك جريشة وأجري نحو التل الذي فيه سليمان مع جنوده المدفعيين. أحس بغاية السرور لتصوري أني سأنقذ سليمان، وبهذا الفرح سأعاتب سليمان معنّفًا فأقول له:

- أنت طفل. ما لك وللحرب؟ ما عليك إلا أن تمسك أمك من ذيل ملابسها وتسير معها.

سأسخر من سليمان. إني أقترب من التل. لا أحد بجانب المدافع الرابضة خلف التل. ترى هل تركوا المدافع وهربوا؟! إني على التل. الآن، أرى المدافع بوضوح أكثر. ها هي ذي فوهة مدفع منتصبة وعجلات مدفع منفصلة ترقد على بعد أربعة أو خمسة أمتار بعيدًا عن المدفع. أنزل من على التل. أبحث عن البشر. لا أجد أحدًا. أتقدم نحو المدفع الآخر. إني بعيد عن المدفع بخمسة أو عشرة أمتار جثة! اثنتان ثلاث. أربع جثث. أتوجه نحوهم. وجوههم بشعة. أين الآخرون؟ يلف المكان سكون عميق.

أقف. أستريح. الموتى بجانبي وكأنهم يستريحون معي. أنين يأتي من بعيد. صوت طويل وغريب. ينقطع الصوت أحيانًا. يأخذ بعد ثانية أو اثنتين في إصدار أنينه "أو - و - ف. أو - و - ف".

أجري نحو الناحية التي يصدر عنها الصوت. جريح تغرق ساقاه في الدم، ويرقد بجانب مدفع مقلوب. أتوجه إليه أجثو على ركبتي وأسأله:

- أين قائدكم؟

فيشير بيده ويقول:

- لا تتركني. لا تتركني أيها الملازم! إما أن تنقلني أو تقتلني.

- لا تخف. لا تخف. سأنقلك أنت أيضاً. أين قائدكم؟

يمد يده مرة أخرى:

- ((هناك. لكن لا تذهب أنت إلى هناك. سيقتلونك. لا تذهب!" يبدو أن الجريح لا يدري ما يقوله جيداً. أنظرُ إلى ما حولي. يعلق بناظري صندوقان خشبيان على بعد خمسة عشر متراً. يشير الجريح إلى الصناديق.

- هناك. لا تتركني أيها الملازم.

وأخذ يردد هذا متوسلاً.

أترك الجريح وأذهب نحو الصناديق. تخرج من بين صندوقين قدمان بحذائهما أقترب. أرى الآن بوضوح أن الحذاء حذاء ضابط. قلبي في صدري يدق مثل اللكمة.

أهو سليمان؟ أقلب الصناديق. يرقد ورأسه تسبح في الدماء، مقلوب على وجهه على الأرض بين صندوقين. ثمانية من الموتى يرقد بعضهم بجانب بعض كما لو كانوا مصطفين؛ وعلى بعد حوالي ثماني خطوات أو عشر من جثة سليمان. أتوجه نحوهم. يا أيتها الأمهات والآباء الذين على قيد الحياة وتبكون الآن قائلين: ((أين أنت يا بني!" إن كاتب هذه السطور قد أغلق بيديه في ذلك اليوم عيون أبنائكم الجميلي الصورة: حسن الآق مسجدي، ومحمد الدُوَوانكويلي وكريم وخالد الأوسكوتلوي وزكي الأوزان باشي وحسني اليالطوي وبكر وعثمان الكوزلووي.

نقلت جثة سليمان إلى جانب جثثهم. بكيت وأنا جاثٍ على ركبتي كثيراً عليهم. ولا أدري كم من وقت استغرقه بكائي. أفقت على صيحة من بعيد، على صوت أجش كان يصيح بي قائلاً:

- يا أنت! عد إلى حيث أتيت! هيا! سريعاً!

رفعت رأسي ونظرت إلى حيث الصوت رأيت هناك على بعد حوالي خمس وعشرين خطوة فوهة بندقية. نهضت على فوهات بنادقهم نحوي وينظرون إليَّ بحدة وغضب. يوجه واحد منهم القول إليّ. نفس الصوت السابق يصيح بي مرة أخرى ويقول:

- ابتعد أيها التتري الأسود! وإلا جعلت منك جثة عفنة تجد مكانها بجوارهم. اذهب وقل للمسؤول السياسي إن الحرب قد انتهت بالنسبة لنا.

لا أعي بما يحدث من حولي. طارت رصاصة تئز من تحت أذني، بينما كنت أسير نحو الجنود الموجودين في الحفر، فسريعاً ما انبطحت أرضاً. أطلَقَ الصوت الذي أمامي الشتائم الطويلة لي. وإذا بأزيز رصاصة أخرى عقب الصوت اختباتُ في المزارع بعد أن زحفتُ إلى الخلف ونحو التل الذي تركتُ فيه جريشة. كنت أتقدم وأنا منحن. وعلى يساري رأيت عينين ناريتين في رأس التصق شعره الأسود بجبهته التي تنضح بالعرق يحملها جسد نحيل. ولو كان الوقت ليلاً لخطر ببالي أنه رأس ذئب. كان هناك شيء حيواني هائل في هذا الوجه الطويل، في نظرات عينيه الغريبتين اللامعتين. وسرعان ما حركت يدي نحو مسدسي وقلت:

- من أنت؟

- أنا من رجالك يا آغا.

- هل أنت قيرغيزي؟

- نعم واسمي قليج باي.

- هل أنت جريح؟

- لا.

- كيف نجوت؟

جلس على الأرض وحكى لي وهو ينظر أمامه بعينين دامعتين:

- بمجرد أن فتح الألمان نيرانهم، تركت المدفع وهربت وأقسمت ألا أحارب من أجل الروس الكفار. لماذا أحارب من أجلهم يا آغا؟(16).

- اشرح لي كيف مات قائدك؟

- كنت أشاهد الموقف من هنا. لم يمت القائد من نيران العدو، يا آغا. في بداية إطلاق النيران مات أبطالنا المسلمون. وعندما خَفّت نيران العدو قليلاً، قام الصديق القائد بجمع جثث الموتى في مكان واحد. ثم تمرد الروس الذين بالجناح الأيسر وأطلقوا النيران على القائد. حاول البحث عن ملجأ يختبئ فيه. وكان كالحيوان أمام الصياد وقد حوصر من كل جانب. فاختبأ بين صندوقين فارغين. وهناك أطلقوا الرصاص عليه فحصدوه حصداً.

كانت كل كلمة من كلمات قليج باي القيرغيزي تنغرس في قلبي كأنها الخنجر؟

- ولماذا لم تسرع لنجدته؟

- وماذا كان في يدي أن أفعله يا آغا؟ ماذا كان يمكن أن أعمله؟ لم يكن هناك شيء في يدي، حتى السلاح!

سكت. ثم دفن رأسه بين كفيه.

- والآن سأتحمل أنا ذنبهم.

أخذ قليج باي يبكي باختناق وكأنه طفل اقتربت منه ووضعت يدي على كتفه. أثّرت فيَّ دموعه قدر تأثير موت سليمان والآخرين. وبينما ننظر كل منا إلى الآخر، إذا بقذيفة تنفجر في التل الذي تركت عليه جريشة. نظرت إلى التل. أرى بوضوح جريشة وهو ينزل إلى أسفل التل مهرولاً. وقبل أن يختبئ في المحاصيل، انفجرت طلقة أخرى على يمينه. يتدحرج جريشة على الأرض، ثم يقوم ليجري مرة أخرى، نحو الحقل المزروع. قذيفة أخرى على يساره قذيفتان. ثلاث. أربع. يختفي جريشة بين الدخان الملون والأراضي المرتفعة في الجو. لكن النيران لا تستمر طويلاً جريت مع انقطاع النيران، نحو جريشة، نبحث عن جريشة في الحفر التي أحدثتها القذائف. يرقد في إحدى هذه الحفر غارقاً في دمائه كم كبرت عيناه الصغيرتان وكم أصبح وجهه القبيح جميلاً! مسكين جريشة! ما زال حتى الآن حتى هذه اللحظة يأتي لكي يقف أمام عيني. رأسه بين ركبتي. ينظر إلى عيني ويقول:

- أنت جئت يا سيدي الملازم. جئت. أنا سأموت. أموت.

بدون تفكير كبير خلع قليج باي قميصه ولف به ساقي جريشة، ربطت حزامي على القميص وحملنا جريشة إلى كرانسوي. لقينا عربتين تابعتين للصليب الأحمر تتقدمان في طريق مترب. في إحداهما ترقد جثة مغطاة الوجه بالتبن. يعبث البعوض بالدم المتجمد في قدميها العاريتين المنتفختين المزرقتين.

وكان السائق يلف سيجارته كما لو لم يكن يرانا. سألته عن المستشفى فأشار برأسه إلى منزل صغير مسقف بالتبن واطئ، في داخل الحدائق على الجانب الأيمن. وعند خروجنا إلى الجانب الآخر من الطريق رأيت شيشكوف، يخرج من الحديقة ويتقدم نحونا، كان بجانبه عدة ضباط لا أعرفهم، قال:

- من الجريح؟

- جريشة. الذي أتى معي.

ثم نظر شيشكوف إلى قليج باي وقال:

- من هذه الحشرة السوداء؟

- إنه من فصيلة سليمان.

- أهو فقط الذي نجا؟

- نعم. هو فقط.

وسلمنا جريشة إلى رجال السلاح الطبي وذهبنا إلى القائد. إن الدفاع عن كرانسوي قد ظل بين كل مذكراتي أدمى فاجعة في الحرب.