(2)
روما، في 3/ 4/ 1946
أقرأ، هذا المساء، ما سجلته حتى الآن. أقرأه وأفكر، ترى لمن أكتب؟ من يا ترى ذلك الذي تعنيه هذه الكتابات؟ لا أحد! إذ ليس هناك من أحدٍ سيقرؤها، ليس من أحد سيعيرها انتباها. وإني أدرك هذا جيّدا. فلستُ بكاتب. كما أن فيما أكتب حقيقة تكمن، لا تهم أحداً. هذه الحقيقة إنما تقبع في داخلي أنا فقط. تماثيل الأبطال الموتى لا تعلوها الموتى، إنما الأحياء فقط يعلونها؟ فيجب أن أبقى على قيد الحياة لكي أجسد أرواحهم في نصب تذكاري، بعد أن أقوم بإخراج هذه الأرواح من داخلي. لقد ترك هؤلاء الأبطال الموتى، آثارا جميلة خلفهم، تركوها ورحلوا. وأنا اليوم، أجد نفسي وقد انتزعت انتزاعا من الحياة. لذا أخافهم وأخاف نفسي، والناس، والدنيا، أنا لا أحيا وإنما أحارب لكي أحيا. ماذا أمامي؟ ليس إلا الظلام والخوف، لذا لا أستطيع التقدم إلى الأمام. ولأني لا أستطيع رؤية الحياة التي أمامي فإني أنظر إلى الوراء؛ دائما، فربما يسرع ماضي أيامي إلى مساعدتي. ربما يقول لي من أنا، فيفصح عن أسرار حياتي المستقبلية. وربما يأتي ماضيّ، ذات يوم، ليدفعني لاجتياز الكوارث الدامية التي سَبَّبتها لي تلك الأيام الماضية الرديئة، ويوصلني إلى بر السلامة بعد أن ينقذ روحي وجسدي أيضاً، الذي أصابه الوهن والضعف، ينقذه من قسوة الأيام السوداء التي تنتظرني. ترى ماذا لو لم يأتِ. لا بد لي أن أهرب كذلك من ((المذكرات)) هروبي اليوم من الحياة. يقول الطبيب النفسي الذي يعالجني: إنني لو تكلمت معه وأفضيت إليه بمكنون نفسي فسيكون كلامي مساعداً على شفائي. ويقول لي: ((سيأتي اليوم الذي تنسى فيه مخاوفك)). لكني أظن أن الذي يحييني حتى الآن إنما هي المذكرات وليس الطبيب. لكني لا أستطيع أن أقول هذا للطبيب.
* * *
في خريف 1938 ، خرجنا من الحظيرة إلى ((شارع قاضي العسكر)) ، ذلك لأن وضعنا الاجتماعي، كان يتحسّن من يوم إلى يوم. كان أبي يكسب جيّداً. وكان أخي بكر قد وصل إلى سنّ الخامسة عشرة. يعمل مع والده ويتعلّم منه المهنة. أما أنا فقد وجدت في شهر أغسطس من نفس العام عملاً في جريدة ((العالم الجديد)) وأعطيت والدي المرتب الذي اكتسبته في شهر، لكي يدفع به إلى موظفي البلدية ليعطونا منزلاً جديداً. هذا المنزل أيضاً قديم. كان شيئاً قذراً. شمرنا عن سواعدنا مدةَ شهرين كاملين حتى نظفناه من الداخل ومن الخارج. وزرعنا أمامه حديقة وطلينا أبوابه بالطلاء، وبذلك حولناه إلى بيت نظيف نظافة الورود. وعادت أمي التي كنت أرى - في أكثر الأيام - في عينيها علامات الشيخوخة، عادت تضحك. لقد عمّنا كما عمّ جميع شعبنا في القرم، الاضطراب والتشرد من جراء ظلم البلشفيين، هذا الظلم الذي لم ينقطع منذ عشرين عاماً. لذلك نحّينا قضيّتنا، مؤقتا،ً على جانب، وأخذنا نشتغل بالحياة اليومية.
ترى هل أدرك المسؤولون الروس أن حفنة التتار التي بقيت في بلادها القرم، ولم تغادرها؛ لا يمكنها أن تضر الحكومة في شيء؟ أم لم يدركوا هذا بعد؟ إن النفي الجماعي كان قد توقف على ما يبدو، لكنا كنا نحس أن أشخاصاً من هؤلاء الذين أنجبتهم الأمة وعرفوا بين الناس بالعلم من: أطباء وأساتذة، يختفون فجأة حتى من المعلمين والشيوخ وأئمة المساجد في القرى والمناطق النائية وكذلك لم يتمكنوا من تحمل آلام أمتهم الأسيرة، في نفوسهم ووجدانهم فأطلقوا آهة الألم، وكذلك الذين شربوا حتى ثملوا ففاضت قلوبهم على ألسنتهم بمكنونات ما في صدورهم فتكلموا وأفصحوا عن آلامهم دون قصد منهم، يختفي من هؤلاء، بعضهم، اختفاء مفاجئاً غريباً. كانت الأمة القرمية تحب وطنها الأصلي، تحب أرضها أكثر من كل شيء؛ حتى أكثر من نفسها. لذلك كانت صامتة. كانت راضية بكل ظلم، راضية بكل شيء، فيكفي أنها تعيش في أرض الآباء والأجداد. كانت القرى القريبة والبعيدة التي عركتها أدمى نكسات التاريخ، تستعيد نهضتها رويداً رويداً. كان القروي يحب أرض آبائه الأقدمين كما يحب إنسان عينه تماماً، رغم أن الدولة أعلنت أن الحدائق قد أصبحت من ممتلكات الكولخوز، فقد كان الفلاح يجمع محصوله وفاكهته ويسلمها للحكومة. ثم يذهب ويقف في الصف من أجل كيلو من القمح. وينتظر حتى منتصف الليل؛ إلى أن يحين جوره أمام أبواب الجمعية التعاونية. لم يكن غيره يعرف دموع عينيه التي يذرفها على أرض أجداده عندما كان يعمل منحني الظهر في حقله وحديقته وبستانه الذي أخذوه منه. ولم يكن يشعر أحداً بذلك، لأن تلك الأرض كانت أرضه. وذلك الوطن كان وطنه.
أصبحنا جيراناً لزميلي سليمان وعائلته. وكان ذلك بعد انتقالنا إلى ((شارع قاضي العسكر)). ولقد خاب أملي في أن أصبح طبيباً منذ عملي بجريدة العالم الجديد. عاد سليمان إلى أفكاره القديمة، لكنه لم يكن يحب أن يدخل في مدرسة الضباط المتوسطة إلا إذا كنت معه. ورفضت أنا بشكلٍ حاسمٍ هذا، رغم أنه طلب من والدي أن يتدخل في تغيير رأيي. وكان ذلك دون أن أشعر، إلا أن والدي كان يترك لي القرار مثلما كان يفعل معي من قبل، حين تركت مدرسة قاياباش. كان فصل الشتاء قد بدأ. واستدعيت إلى التجنيد: أنا وسليمان، في نفس اليوم. على هذا بدأ حلم سليمان يتحقق. في يوم الاستدعاء ذهبنا إلى قيادة ((سيمفربول راي فويين كوم)). كان هناك ما يقرب من عشرة من الشباب الروس ينتظرون جالسين فوق حقائب يد خشبية في الممر. كانوا قذرين وكانوا مقززين. يدخنون السيجارة ويبصقون على الأرض بين الفينة والأخرى. ورائحة عرق تضيق بها نفس الإنسان تتصاعد من بناطيلهم السميكة القطنية.
وقفنا في الممر بجانب الحائط في انتظار دورنا. وبعد قليل فتح باب الغرفة، ومد ضابطٌ أحمر الوجه رأسه من فتحة الباب وقرأ اسم سليمان أولاً ثم اسمي، ودخلنا معاً الغرفة وجدنا في الداخل ثلاثة أطباء قاموا بفحصنا جيّداً ثم جاء نفس الضابط، وأخذنا إلى غرفته، وقال لنا بمجرد دخولنا الغرفة:
- اسمي إيفان الكساندروفيتش شيشكوف.
ومد يده إلينا وصافحنا. ثم جلس على المقعد الوثير من وراء المائدة المغطاة بمفرش أحمر، ثم أشار أن نجلس، فجلسنا. إني أرى الآن وجهه جيّداً. كنا جميعاً نضحك. لكنه كان يضحك ويخفي وراء هذا الضحك والابتسام قصداً خفيّاً. أتصور أنه حتى في نومه كان هذا القصد الخفي بما يحدثه من آثار مرهقة ينعكس على وجهه. كان يرتدي بذلة ضابط سياسي في الجيش السوفييتي. وكانت هذه البذلة تخفي - وبدرجة أخرى - ذلك القصد. كان لشيشكوف عينان كبيرتان خضراوان خبيثتان. شفتاه الغليظتان اللتان تتدلى أطرافهما لأسفل تضفيان على وجهه قباحة خاصة.
اتجه شيشكوف بناظريه، مدة، نحو سقف الغرفة، لمحنا بنظره وقال:
- أيها الصديقان! لقد استدعيتما للعمل في صفوف الجيش الأحمر. والتقرير الذي في يدي يقول إنكما شابان مثقفان. والاتحاد السوفييتي، يفتح أبواب التقدم للشباب المثقف من أمثالكما. ونحن نقدم لكما إمكان الدراسة في مدرسة القيادة الوسطى. وإمكان زيادة معلوماتكما.
وإني لواثق بأنكما ستفيدان من هذه الفرصة إلى أقصى حد، وإنكما ستصبحان من الشباب النافع لهذا الوطن.
كنت أدرك أن رفض هذا الاقتراح من شأنه أن يفتح أمامي وأمام سليمان، بل وأمام أسرتينا، الجديد من الكوارث. لم يكن سليمان يحب أن يجرح شعوري، لكنه كان من ناحية أخرى سعيداً باقتراح الكوميسير شيشكوف. وشرحت لأبي المسألة في مساء نفس اليوم.
صدّق أبي أيضاً على ما فكرت فيه من أن رفضي لاقتراح شيشكوف كان سيصبح خطأً جسيماً. جاء سليمان، وتحدثنا طويلاً عن مدرسة الضباط، وعن الحياة الجديدة التي تنتظرنا. كان سليمان يرى في الجيش مستقبلاً جيداً ومضموناً. ولا أذكر كم مرة ذكرني بهؤلاء الروس الذين كانوا في ممر قيادة ((راي. فويين. كوم)). في قوله:
- صادق! إنك لن تستطيع الحياة مع هذه المجموعة من الكفار مدة سنتين كاملتين، وأمامك طريقان. إما أن تصبح ضابطاً فتأمرهم وإما أن تهرب وتختفي.
إن طينتنا مختلفة عنهم يا صادق.
كان أبي يؤيد سليمان زميلي. ربما يرجع هذا لأنه وجد فكرته صحيحة، أو أنه يريد أن يقوّي من معنوياتي. لذلك قال لي:
- كونا كما تريدان. المهم أن يكون كل منكما عظيماً. فكل ساحة في هذا الوطن تحتاج إليكما. تعلّما وتعرّفا بأشخاص جدد. ماذا ستكون فائدتكما إذا نفوكما من القرم؟! إنهم يقضون على أطبائنا، فكونا على الأقل ضابطين. إن الضباط لا بد أن ينفعوا أمتهم ذات يوم.
وأخيراً، قررنا الالتحاق بمدرسة القيادة الوسطى. أخفينا ذلك عن أمي. مسكينة أمي. إنها تظن أنني سألتحق بالجندية، وسأعود بعد عامين من الخدمة الإجبارية، وسأتزوج بابنة المختار عمدة آي واصل. تركت مسألة التحدث مع أمي حول ظروفي الجديدة إلى بكر وإلى والدي، على أن يفتحا هذا الموضوع معها، بعد ذهابي.
***
بدأنا في شتاء عام 1938، الدراسة بمدرسة القيادة الوسطى في أوديسا. كانت مواد التعليم السياسي في المدرسة أكثر من التدريب ومن نظريات الحرب. وبعد ستة أشهر، جاء شيشكو الموجّه السياسي، إلى المدرسة. كان يخفي مقصده الخفي تحت نفس الابتسامة، التي يحملها حملاً في وجهه. كان هذا الرجل يتعقبنا خطوة خطوة. كل كلمة نتفوه بها، بل وكل فكرة نفكر بها، كأنها ملكه الشخصي. لم يكتف بحديثه لنا، عدة ساعات عن تعاليم الماركسية وانهيار الرأسمالية الغربية. وانتظار البروليتاريا المسحوقة في كل أنحاء العالم، الخلاص والنجدة من الاتحاد السوفييتي، والجيش الأحمر. كان يخيّل إليّ أحياناً أنه يريد دخول قلوبنا بمقصده الخفي المبهم هذا الذي يحتفظ به في ثنايا وجهه، وأنه يريد أيضاً أن يدخل عقولنا ليمتلك كل أفكارنا. كان كلما وجَدَنا مجتمعين معاً؛ أي مجموعة من الشعوب المسلمة في الاتحاد السوفييني في هذه المدرسة من آذريين أو قيرغيز أو تتار، فسريعاً يندسّ بيننا مبتسماً يسألنا عما نتكلم فيه وسبب فتح موضوعات الحديث. وكان يفعل ما يستطيعه من وسائل لكي يجعلنا لا نتحدث إلا بالروسيّة. وفي بعض الأحيان كان يرغب في قراءة الخطابات التي تصلنا من أوطاننا، ويبدي رغبته هذه بشكل لطيف يحمل طابع المزاح.
وفي ربيع عام 1940 انتقلت مدرستنا من أوديسا إلى مكان قريب من الحدود الرومانية، ثم عدنا إلى أوديسا بعد ثلاثة أشهر من التدريب المستمر. وفي أغسطس تخرجت في مدرسة القيادة الوسطى في أوديسا برتبة ((ملازم ثان)).
وبعد إجازة أسبوع، تمّ تعييني في قيادة الفصيلة الثانية بالكتيبة رقم 94 في الفرقة السابعة والخمسين. أما صديقي سليمان عزيز فقد تمّ تعيينه في قيادة الفصيلة الثالثة في نفس الكتيبة 94، وكنا معاً حتى عملية الدفاع عن كراس نويا.
ربيع عام 1941. نحن الآن في أحد المعسكرات بالقرب من آق كرمان. مضت سنتان على فراقنا لوطننا القرم. قدَّمْتُ للقيادة طلباً للتصريح لي بإجازة. فرفضوا الطلب. تلقينا أمراً بتعليم الجنود وتدريبهم أصول طرقة صوفاروف، كان رأسي يغلي كالمرجل. تدريب. تدريب... كانت إشارة الطوارئ والإنذار تنطلق مرتين وأحياناً ثلاث مرات في الليلة الواحدة. كنا ندفع بالدبابات إلى الغابات وإلى السهول. كنا آنذاك نسحق حقول الفلاحين وندهس محصولاتهم. الفلاحون هناك لا ينظرون إلينا نظرتهم لصديق. كما أن الشرطة العسكرية السياسية لا تجعلنا نقترب من الأهالي. يقولون إن في كل أرض ((محررة)) جديداً، أعداء للشيوعية. ثم يأتي جنود مديرية الشرطة السرية ويأخذونهم. لا أدري إلى أين يأخذونهم. لكني أدري أن الفزع قد بلغ بالفلاحين مبلغاً، جعلني أتذكر معه هؤلاء الذين نفتهم السلطة السوفييتية من قرانا عامي 1932 - 1936. كنت أتصور وأنا داخل خيمتي بعد التدريب، كأني داخل إلى بيتنا. أشعر بالحرية، ربما ساعة وربما أكثر وأنا بمفردي في خيمتي، حتى انطلاق صفارة الإنذار التالية. أكون بمفردي مع أفكاري وبالقرب من زاوية السرير صورة لكل أفراد عائلتي وصورة أخرى لبكر بمفرده. أتحدث إليهم وأنا أنظر إلى صورهم. أنا معهم حتى صفارة الإنذار التالية. أكون كما لو أني أستمع إليهم. كم أود أن يكون بكر بجانبي أنظر الآن إلى صورته:
يركب على حصان. على رأسه قلنسوة شركسية ضخمة حتى حاجبيه السوداوين اللذين يبدوان وكأنهما مرسومان بالقلم يلبس ملابس شركسية والخنجر يتدلى من وسطه.. أذكر أن هذه الصورة التقطت له وهو في السوق وكان يركب فوق حصان خشبي. كان في الثالثة عشرة من عمره. وهو الآن يقترب من نهاية السابعة عشرة من عمره. لكن ما زالت الرحمة ترتسم في عيني ذلك الطفل ذي الثلاثة عشر ربيعاً. إنه لا يشبهني كثيراً. إن في نظراته اختراق ظلمات الحياة ورؤية جميع الأسرار. خطابات أمي يكتبها بكر. وعندما أقرأ كل خطاب ترسله لي أتذكر أمي وهي جالسة بجوار المدفأة تلتحف شالها في وسطها، أراها بعيني المغلقتين، أمام المدفأة وهي تمسك تبغاً في دقة الثقاب بينما تملي على بكر خطابها. ويضيف بكر من عنده في آخر كل خطاب بضعة أسطر. يقول بكر في أحد الخطابات:
((مضت - حتى الآن - سنتان، منذ التحاقك بالجندية. تقدّمَت أمُّنا في السّنِّ قليلاً في هاتين السنتين. كانت أمُّنا تضع وأنت معنا شالاً وأحداً على وسطها أما الآن فتربط ثلاث شالات. تأخذ هي مكانها بجوار المدفأة وتجلس. ننام نحن وهي ما زالت في مكانها تأخذ التبغ واحدة تلو الأخرى. تستيقظ في الصباح مبكرة جدّاً. وأول عمل تقوم به تقديم القهوة إلى والدي وهو ما زال بعد في سريره. وأول حديث يبدآن به، لا بد أن يكون عنك)). يقول بكر في آخر خطاب له: ((كانت أمُّنا صباح الأمس تنظر من النافذة مثلما يحدث كل يوم وكأنها تنتظر ساعي البريد؟ وعندما تراه يمر من أمام النافذة تهتف به أن يدخل لتملأ له حقيبته بالقمح والسمن والسكر والكمثرى والتفاح المجفف؟ مسكينة! تظن أنها كلما أكرمت ساعي البريد فسيأتيها بخطابات كثيرة منك. وأنت يا أخي الكبير عليك بدورك أن تراعي خاطرها وتكتب لها كلما سنحت لك الفرصة ووجدت وقتاً. إنك كتبت في خطابك الذي تسلمناه الأسبوع الماضي أنك وصلت إلى أوديسا. عندما كنت أقرأ خطابك على أمنا في تلك الليلة كان عندنا بعض الضيوف يشربون القهوة: إنهم جيراننا محمد آغا وزوجته الخالة زمينة، وبعض المعارف الآخرين. قرأت خطابك على أمنا، ولما انتهيت من قراءته سألتني قائلة: ((أين أوديسا هذه؟)) ردّ عليها والدنا قائلاً: إن أوديسا تقع في مكان أقرب من المكان الذي كنت أنت فيه من قبل، ومع هذا يا صادق، فإن المسكينة كانت تريد أن تعرف هل أوديسا هذه داخل بلادنا القرم أو خارجه، أما أنا فوقفت بجانبها لأقول لها:
- يا أماه! ألم تمري ولو مرة من ((طاوشان بازار)) وأنت تتجهين من ((يالطا)) إلى آق مسجد.
قالت:
- نعم مررنا من هناك يا بني.
- ألم تشاهدي المباني الحجرية الحمراء على ناصيتي الطريق بعد ((طاوشان بازار)) بمسافة؟
- نعم يا ابني.
قلت لها:
- هذا المكان يسمونه أوديسا يا أمي.
ذاستغرق والدنا وضيوفنا في القهقهة من جراء هذا الحوار. أمنا أيضاً ضحكت.
لكنها استغرقت فجأة أثناء ضحكها، في التفكير، وانهمرت دمعتان من عينيها الممشوقتين إليك. انحنيت عليها وربتُّ على كتفيها وقبّلتها من جبهتها.
قالت لي المسكينة:
- أنت أيضاً يا بكر ستذهب، وسأفقد عقلي بعد ذلك تماماً.
تسلمت هذا الصباح خطاباً ولفافة، أرسلتهما لي أسرتي. انتظرت انتهاء التدريب اليوم بفارغ الصبر. وعند المساء، تركت الجنود للجاويش وذهبت إلى خيمتي. تمددت على السرير، وأنا مجهد مرهق والحذاء العسكري في قدمي. بملابسي. والغبار والطين يملآن وجهي.
أقرأ خطاب بكر، يقول:
((أخي الكبير صادق يا من نحبه كثيراً ونحترمه كثيراً، مضى أسبوع ولم نتلق منك خطاباً. أمنا قلقة، تقول: ((هل أخذوا ابني إلى مكان أبعد من أوديسا؟)). إن كل خطاب منك إليها شفاء. لا بد أن تكتب لها كثيراً يا صادق. جاء خالنا بالأمس من القرية، خالنا منصور، أعد لك هذه اللفافة هذا المساء. وإني أرسلها إليك مع هذا الخطاب. ستجد في هذه اللفافة خمساً من تبغ قيزيل طاش وملوية وخوخ وتفاح وكمثرى من محصول القرية.كما وضعت أمي شيئاً ملفوفا في قطعة قماش مرقع. أظن أنها تعويذة. انتحى والدنا جانباً بخالنا منصور وأخذا يتحدثان فيما بينهما حديثاً طويلاً. ويبدو أن والدي يريد أن ينتقل إلى القرية.
لكنه لم يتخذ قراره بعد. يبدو متخوفاً من هذا. إن كونك ضابطاً في الجيش الأحمر يشجعه على هذا. أما أنا فأقف ضد هذا الرأي. إنك تعلم أنهم إذا قرروا نفي أحد، فإنهم لا يعترفون إن كان الواحد منا ضابطاً أو مدنيّاً. إنهم يسوقون كل شعب القرية. ثم إنك تعلم أن بيتنا في القرية قد سكنته عائلة روسية فرونجلية. وخالي يقول: إننا نعيش تحت سقف واحد، والبيت يتحملنا.
لا أدري ماذا سيحدث بعد ذلك. لكني سأكتب لك مرة أخرى عن هذه المسألة وسأخبرك عما يحدث فيها. يخيّل إلينا عندما نقرأ الصحف أننا نسمع أصوات قرع الطبول في أوروبا. آه لو ترى يا صادق - أجارنا الله - مجموعات الجنود داخل مدينة آق مسجد! كلهم روس. يقولون إن الكثير من التتار يجندون في الجيش الأحمر. لكنهم يرحلون خارج منطقتهم.. أمنا تقول إن الحرب ستندلع لا محالة. إنها تحس بذلك.. هذه التجمعات لا تحدث إلا قبل الحروب. تبكي وتقول ماذا سيحدث لابني ورائحة الحرب في الجو؟! يبدو أنها تتحدث بالحقيقة، فهناك أخبار واردة من آفيار تقول إن المدافع الرشاشة توضع على الأسطح هناك. يقولون إن المدافع قد نصبت في جبال آي بتري وفوق الهضاب أيضاً لكن الصحف لا تكتب شيئاً. لا ندري إن كانت المدافع ضدنا أم ضد تركيا. يمكن أن تكون ضدنا وضد تركيا أيضاً. وعلى ذكر الصحف: خطر ببالي أن أرسل إليك صحيفتين في لفافة أحداًهما (الكمومسمولتز) والأخرى (القرم الحمراء) واسمها القديم، عندما كنت أنت هنا: (القوة اليانعة) والثانية (العالم الجديد). تغيّرت أسماء الصحف كما تغيرت الحروف أيضاً. حلت الحروف الحمراء محل الحروف اللاتينية في كل مدارس التتار وصحفهم. يقولون إن الحروف الروسية أكثر ملائمة لأصوات اللغة التتارية من الحروف اللاتينية. ها! ها! أريد الضحك بدلاً من أن أبكي. إني واثق من أنك تهتم بالحروف الجديدة.. تحياتي إليك. أرجو من الله أن تكون بخير وسلامة، وأن تعود في أقرب وقت إلى الوطن)).
دوّخني خطاب بكر، وكذلك فعلت الصحف. تسد حلقي إحساسات وذكريات مرّة تتجسّم في نفسي فتضيق بها ضيقاً واضحاً. رأسي يدور، وعيناي تسودان. أريد أن أجري وأنا أحمل الصحف في يدي من أول المعسكر إلى آخره، وأصيح قائلا:
- يا قتلة! أيها القتلة!
تزبدّ الأمواج في داخلي كأنها في أشد أوقات البحر الأسود هياجاً. لكني لا أستطيع أن أخرج هذه الموجات من داخلي فألقيها بعيداً. أريد أن أخنق هذه العواصف في داخلي بأن أضغط قبضتي وأسددها إلى فمي. إنها تخنقني. ورويداً رويداً أتحول إلى حالة من السكون النهائي مع دموعي وهي تسيل من على خدي.. إلى متى؟! لا أدري. أنظر إلى الصحف. كل الكلمات التتارية والجمل التتارية مكتوبة بحروف روسية. كلما أنظر إلى هذه الحروف أجد نفسي تنفر وتشمئز من لغتي. من هذه اللغة العذبة التي تحدثت بها أمهاتنا وهن يهدهدن أطفالهن الصغار. هذه الحروف الروسية قبيحة وجلفة إلى حد أنني لا أدري لماذا أنظر وكأنني أرى يد طفل تتاري تكتب على سبورة الفصل، اللغة التتارية بحروف روسية. رأس صغير بلا عينين ويد ضعيفة لا تختفي صورتها من أمامي. أبكي؟! لا! أريد أن أضحك. كتبت لأبي أن يرسل إليّ في رسائله بعض أسطر من ملامحنا الوطنية. ترى. هل سيرسل أبي إليَّ ((السيرة النبوية)) و ((ملحمة جورا باطور)) بأحرف روسية؟!
لم تعد لي حاجة إلى البكاء، فإني أعلم أن التتاري الأصيل لن يقرأ هذه الصحف أتذكر كلمات أبي: ((إنهم يخافوننا يا صادق! إنهم يخافون من وجودنا ومن كياننا))؟ كم كان والدي على حق! إني لا أبكي الآن فإني أعلم أن أعداءنا يخافون منا. إنهم يريدون ترويسنا(13). لأنهم يخافون منا. أجد نفسي سعيداً الآن. كما أجد جسدي وهو في داخل البذلة الروسية العسكرية متيناً كالصلب!
المساء والظلام يرخيان سدولهما على المكان ببطء، ورياح تهب من البحر الأسود فتمنح قلبي الأمان، وتمنح جسدي الراحة. وأنا هنا وحيد. أنظر إلى الصحف ضاحكاً، يصيح سليمان من الخارج قائلاً:
- هل أنت في الداخل؟!
- نعم. ادخل.
- يدخل سليمان خيمتي. شعره المقصوص حديثاً، مفروق في الوسط. كم تجذب بدلته الرسمية العيون! مسكين! كم يحب هذه البدلة الرسمية. وكم يفخر بها.
يقترب من سريري ويقول:
- أإلى الآن تقرأ الجريدة؟
- نعم خذها أنت أيضاً واقرأ.
قذفت بالصحف أمام سليمان. يريد قراءتها ولا يستطيع ينظر بدهشة إلى الكتابة.
- إيه! فيم تفكر؟
- الكلمات تتارية وأحرفها روسية.
- ها هو ذا خطاب بكر. يقول: إن كل الكتابات ستصبح بعد هذا بالأحرف الروسية. ما رأيك في هذا؟
- وماذا أقول؟! لا أدري!
تتجمع الآلام في نفسي مرة أخرى. لكني أغضب من سليمان هذه المرة. لماذا لا يفكر مثلي؟
- ماذا يعني ((لا أدري)) ! أنظر إلى هذه الحروف وأقرأ. ماذا تسمي هذا؟
يقذف بالجريدة إلى الأرض:
- وماذا سأقول: فلتُكتب بأي شكل مناسب. نحن يا أخي مجندون. كما أننا بعد ذلك سنكتب بسلاحنا وليس بالقلم.. فالجيش الآلماني الآن على حدود بولندا.
وقبل أن يتمم سليمان كلماته، إذا بي أقفز من فوق السرير وأجمع الجرائد من على الأرض وأدفع بها إلى أنفه وأنا أقول:
- أنت لا ترى إلا ارتداء البدلة العسكرية ولا تعرف إلا التبختر بها وتحية النساء، هذا ما تجيده. لكن إياك أن تمس أحاسيسي التي أكنّها لأمّتي بأي أذى، لا تمس أحاسيسي في هذا ولا مشاعر غيري أيضاً.
لم يستطع سليمان أن يفهم ما أعانيه، ذلك لأنه كان يراني دائماً صديقاً عاديّاً بسيطاً، فنظر إلى وجهي في دهشة بالغة، ثم أخذت سحنته في الاصفرار وشفتاه في الارتعاش ظانّاً أن شيئاً ما قد حدث لي.
- عزيزي صادق، أنا لم أقل لك شيئاً!
- طبعاً لم تقل. وليس عندك ما تقوله حتى تقوله. أنت دائماً هكذا يا سليمان وهكذا كنت أيضاً في المدرسة.
- وكيف؟
- ونحن في المدرسة كنت أنت تلقي الحصى والحجارة على الفتيات الروسيات اللاتي كن يعملن في المصنع الذي بجوار مدرستنا، أما أنا فكنت أهرب، فتسخر أنت مني وتصفني بالأرنب المذعور؟
- وما علاقة هذا بجرائدك هذه؟
- علاقة كبيرة جدّاً. تلك الفتيات الروسيات كن أضعف منك ولم تكن تخاف منهن فكنت تلقي عليهنّ الحصى والحجارة.. لكنك كنت تفر سريعاً من أمام الخطر إذا كان كبيراً. إنك تحب بذلتك الرسمية حبّاً ملك عليك شغاف قلبك حتى ليتصور الواحد منا أن والدك وجدك قد ولدا وهما يرتديان هذه البذلة العسكرية. لو قامت الحرب غداً بين تركيا وروسيا: لعلك توجه بندقيتك ورصاصك إلى صدور الأتراك! من يدري! سليمان! ألا ترى هذه الحروف!.. إنهم يقومون في كل مكان، في الجيش وفي منازلنا، في الشوارع، وفي كل خطوة، بتنشئتنا على حب الوطن وعشق الوطن. أهذا هو الوطن! أهذا هو الوطن الوحيد الحر الذي يملك عليك زمام قلبك ونفسك!
كان سليمان يخرج رأسه بين الفينة والفينة - وأنا أتكلم - من خارج الخيمة لينظر ويرفع إصبعه على شفتيه ويقول:
- صه! تكلم بصوت خفيض يا صادق.
داومت كلامي بعد أن أخفضت صوتي قليلاً:
- انظر يا سليمان إلى هذه الصحف. إن لغتك هي لغتي.. لغة آبائنا وأجدادنا. كيان الأمة، لا يظهر إلا بلغتها وبوطنها. أليس كذلك؟ منذ مائة وخمسين سنة، نفانا الحكم القيصري الروسي من وطننا، من جنتنا. ارتكب فينا عمليات إبادة وتقتيل. والحكم الروسي الشيوعي الآن يقوم باغتيال اللغة التتارية الحية التي يتحدث بها حفنة من التتار هنا وهناك.
أتمدد على السرير. آخذ رأسي بين يدي، وأنظر إلى سليمان، وكأن ألماً يخرج من أعماق قلبي ليختبئ خلف ابتسامة خفيفة في وجهه:
- هيا يا صادق، لقد أهلت علينا التراب وألقيت على وجوهنا الوحل.
لم يستطع قول شيء أكثر من هذا. ربما لا يستطيع الكلام حتى لا يكدرني. تمددت على سريري. أنظر بدقة إلى سليمان. أريد منه أن يتحدث أن يعترض على ما قلته. لكن سليمان لا يرفع له صوتاً.
- ألا تكلمت!!
- قد تكون على حق، لكني أردت أن أقول لك إننا جنود. ليس لنا في الأمر شيء. العلماء لمثل هذه الأشياء. عليهم أن يفكروا فيها.
انطلقت فورا أقول له:
- لا، لا، لا يا سليمان! أنت تعلم جيداً مصير الشخص الذي يفكر مثلي، عالماً كان أو لا يعمل بالعلم. ثم إن اللغة ليست لغة العلماء فقط. إنها لغة كل شخص لغة الراعي ولغة الفلاح، لغة كل الأمة.. كل فرد.
- هل تستطيع أن تشرح هذا لقروي جاهل. في الأسبوع الماضي التحق بفصيلتي خمسة جنود. أربعة منهم قيرغيزيون، وواحد منهم تتاري مثلنا اسمه كريم وهو فلاح من أسكوب. مجروح في فخذه منذ حرب فنلندا.
يطبق نظام الجيش بحذافيره.. وهو يتولى الخدمة هذا المساء في ساحة الدبابات، هذا الولد جاهل جدّاً. لو قالوا له اقتل يقتل، احرق! يحرق. يقول: أنا لا أفهم في السياسة ولا أعرف الخط، لكن انظروا إلى صدري تجدون عليه ميداليتين: واحدة منهما ميدالية العلم الأحمر، والأخرى ميدالية النجم الأحمر، فكيف إذن تقنع واحداً مثله بأشياء كالتي تتحدث عنها؟ الأمور عنده واحدة، سواء صدرت الصحف باللغة الروسية أم باللغة التتارية. لا أهمية لقضية اللغة عنده. إنه لا يعرف إلا الأوامر، والأوامر يصدرها الروس ولسنا نحن.
استمعت إلى كلمات سليمان باهتمام. وأخيراً صمت. ساد الخيمة صمت عميق.
- هل كريم الآن في الحراسة؟
- نعم. على بعد مائة متر من الميدان، في جهة الدبابات الثقيلة..
- هل قلت لي إن أحداً لا يستطيع الاقتراب منه، إلا إذا نطق بكلمة السر؟
- نعم، وأنا واثق من هذا مائة في المائة.
- وإذا تحدثت معه بلغتنا التتارية.
- لا تكن طفلاً يا صادق. أنت تعرف الأمر، وتعرف ماذا يمكن أن يحدث.
- وإذا ذهبت إليه بدون كلمة السر، أتعطيني مرتب شهر من عندك؟
- وإذا لم تستطع؟
- أعطيك مرتب شهر.
يضحك سليمان. لكنه يضحك خوفاً. وتعمل الابتسامة التي تعلو وجهه على إخفاء ذلك الخوف.
- وإذا أطلق عليك النار.
لم أجب على سليمان، وخرجت من الخيمة متجهاً نحو ميدان الدبابات. يلحق بي سليمان ليهمس في أذني قائلاً:
- كلمة السر هذه الليلة: (سروال). لا تنسَ! كلمة السر هي: سروال. ارجع يا صادق! لا تذهب!
دفعت سليمان جانبا، وهو من خلفي يواصل كلامه لي:
- سروال! سروال!
أخرجُ من المعسكر. ليل حالك السواد مثل الفحم يغمر الحقول أمامي. لا طريق ولا أثر. ولا أدري بالضبط أين كريم. أتقدم وتحت قدمي أرض رخوة. أمشي بحيث لا يصدر مني أي صوت. أنظر يمنة ويسرة. وكأن الليل يحوي ألف شر. ماذا يحدث لو اتجهت ناحية حارس ليلي آخر؟! أزحف على الأحجار والنباتات الأرضية وأستريح. لا صوت بل ولا حتى رجع صدى. أنهض وأتقدم في الظلمات نحو ساحة الدبابات وأنا أدب بخطواتي مثل عصا الأعمى وأنا أوحي لنفسي بألا يصدر عني أي صوت كان. وأنا مثل أعمى يبحث عن طريقه بعصاه وهو على طريق يجهله تماما. ماذا يحدث لو خرج في مواجهتي شخص آخر غير كريم؟ يأخذ الخوف يتسرب إلى قلبي في بطء. أشعر بحبات عرق بارد في جبهتي. أأتقدم؟ أأرجع من حيث أتيت؟ كريم قروي جاهل كما قال سليمان.. أقف.. أفكر.. تُرى أأواصل التقدم؟.. إني خائف: يداي ترتعشان وركبتاي لا تستقيمان.. لكن لن أعود.. عودتي لن تحمل معنى عند سليمان إلا الخوف. لا أريد لأحد أن يشعر أنني خائف. لقد خرجت من المعسكر وأتيت إلى هنا لكي أثبت لسليمان أن حب الوطن والغيرة على اللغة إنما هما قوتان تدفعان إلى الترابط. لا أستطيع العودة. علي أن أتقدم. أتقدم.. الليل ظلام معتم، ساكن، مخيف. أحس بأني أقترب من الحرس المختفي في جوانب المكان. ماذا لو صاح صوت الآن بشكل مفاجئ يطلب مني كلمة سر الليل؟! كيف سأعرف أنه صوت كريم؟ ربما يكون الصوت، صوت روسي من الروس. لنفرض أنه كريم! ماذا سأقول له؟ ماذا لو أطلق على صدري الرصاص قبل أن تخرج من فمي كلمة أخ؟ أحس بأني أرتعش بشدة. أحس بأن فوهات البنادق قد اتجهت إلى صدري، وإلى ظهري وإلى رأسي، سددها الجنود عليّ من كل مكان. أين أنا؟ لا أدري. أريد أن أرقد على الأرض وأعود من حيث أتيت زاحفا إلى المعسكر. أدعو الله قائلاً: يا رب احفظني! أتقدم أكثر فأكثر، وفجأة يمزق ستار ظلام الليل الساكن صوت مفزع يقول:
- ستوي(14) ! كلمة سر الليل!
وفي طرفة عين، إذا بصوت خزانة رصاص بندقية تتحرك.
- أخي! من أنت؟ أتقتل تتاريّاً مثلك!
لا صوت. أنتظر. لو كان روسيّاً لكانت الرصاصة قد انفلتت منطلقة إلى صدري. أما إذا كان هذا الصوت صوت كريم..
على طرف لساني كلمة سروال. لكني لا أنطقها. وأسمع في الظلام، صوتاً خفيفاً لكنه حاد، يقول:
- من أنت أيها الأخ؟ اقترب حتى أراك.. اقتربت منه. أرى ظل إنسان يفحصني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي.
- الحمد لله أنك جاوبتني باللغة التتارية يا أخي الملازم. كنت والله سأطلق عليك النار. الحمد لله على السلامة، إلى أين هكذا؟
- كنت أتنزه. هل أنت كريم؟
- نعم. ألا تعرف سيادتك كلمة سر الليل؟
- لا.
انحنى على أذني هامسا وقال:
- سروال.
ثم أخذ يدير رأسه يمنة ويسرة. يستمع إلى شيء بجانبنا فيبدو كالذئب مسدداً نظرات عينيه إلى الظلمات.
- صوت أقدام.. أحدهم قادم..
ويستمر في الاستماع. وفجأة يصيح:
- قف! كلمة سر الليل.
- سروال.
* * *
يخرج من الظلمات شخصٌ أمامنا، إنه سليمان.
- لماذا تركت الملازم دون أن تتلقى منه كلمة سر الليل، يا كريم!
يسكت كريم. يكرِّر سليمان قوله إلى كريم بصوت جاد آمر. ويسأله:
- لماذا، ألا تعرف الأمر؟!
- إنه تكلّم بلغة المسلمين يا سيدي، لذلك لم أستطع إطلاق النار عليه! يصمت سليمان الآن. أذهب إليه وأضع يدي على كتفه وأقول:
- هيا يا سليمان، فالوقت متأخر.
نسير جنباً إلى جنب، نعود في اتجاه المعسكر، في صمت، وفي الذهن أفكار مختلفة، لكنا نعود ويغمرنا إحساس الجسد الواحد وإحساس الابن في الأسرة الواحدة.
* * *
ذات صباح، وفي ساعة مبكرة للغاية، دخل جندي حراسة خيمتي وقال: إن القائد يستدعيني على عجل. ارتديت ملابسي سريعاً، وخرجت متوجهاً إلى خيمة قائد الكتيبة. المعسكر ما زال يغط في نوم عميق. الحراس، هنا وهناك، يحملون البنادق على أكتافهم يروحون ويجيئون بصمت. كان بعض الجنود يخرجون من خيامهم ويتجهون نحو المطبخ، يسيرون بخطوات ثقيلة متعبة وهم يدخنون سجائرهم. بعض ((الجاويشية)) كانوا يقفون أمام الخيام في انتظار وقت إيقاظ العساكر، ناظرين إلى ساعاتهم وهي ساعات جيب مربوطة إلى جيوبهم بسلاسل دقيقة.
دخلت خيمة القائد وكانت منصوبة على جانب المعسكر. كانت هذه الخيمة مزدحمة وقد ثقل الجو بأنفاس الضباط الذين بدوا وكأنهم سكارى من التعب وعدم النوم، وكان واضحاً أنهم لم يجدوا وقتا بعد للحلاقة.
اتخذت مكاني بجوار سليمان. وقفنا جميعا نؤدي التحية العسكرية للقائد عندما مرَّ من بيننا من باب الخيمة إلى المنضدة المغطاة بغطاء أحمر اللون. احمرّت عيناه الخضراوان كما انتفخ جفنا عينيه. ويبدو أنه لم ينم حتى الصباح. كما يبدو أنه كان يبكي وفي وجهه تعبير صادق عن الألم. تجمعت كل آلام نفسه، في جبهته وبين حاجبيه الكثيفين. يقف خلف المنضدة وكأنه لا يرانا. قال بتؤدة وبصوت مخنوق:
- أيها الأصدقاء!
ثم سكت، فحصنا جميعاً بعينيه وبعدها استمر في كلامه، وكأنه مضطر إلى إلقاء خبر سيء.
- أيها الأصدقاء! لقد اعتدَتْ القوات الجوية الألمانية الفاشستية قبل ثلاث ساعات، على بلادنا وضربت مدننا: سيفا ستبول، وكييف، ومينسكي بالقنابل.. وبهذا أكون قد أخبرتكم بأن الحرب قد بدأت.
توقف شيء في حلقي. سليمان وهو بجواري: نظر إليَّ، إلى وجهي ثم أمسك بيدي. ساد الخيمة صمت عميق. توحدت كل القلوب والأنظار. كانوا جميعاً في هذا الصمت المتواصل وكأنهم رأوا الحرب وارتعشوا خوفاً منها. وإذا بصوت يقول:
- أيها الصديق القائد، أتسمح لنا بالتدخين؟
بدأنا في التدخين بأيدٍ ترتعش. تكلم القائد ثانية. أوضح لنا ما ينتظره الوطن منا، من خدمات. خرجنا بعد انتهاء كلامه. يسير سليمان بجواري، كان ينظر إلى وجهي وكأنه ينتظر مني أن أتحدث. وأخيرا قال:
- تصوّر يا صادق أنني كنت مساء الأمس وقبيل أن أنام أدعو الله ألّا يفرّق بيننا.
- إن شاء الله لن نفترق.
- في فصيلتي اثنا عشر تتاريّاً. تعال عندما تسنح لك فرصة لتتحدث معهم. إني الآن مؤمن بأن لغتنا بالنسبة إلينا شيء عظيم القيمة.
ليس في فصيلتي أنا أحد من القرم كله إلا روسي واحد. أما من التتار قومي فليس ثمة أحد، قلت لسليمان إني سأزور فصيلته في أول فرصة وسأتحدث مع الرجال هناك. وافترقنا.
وسريعاً هدمت الخيام في ذلك الصباح. وانسحبت الكتيبة كلها إلى داخل الغابة التي تقع بعيداً عن المعسكر بثلاثة كيلومترات. تسلح العسكر. وأخذ الحراس أماكنهم في جوانب الغابة. صدرت الأوامر بالقبض على كل مدني يقترب من الغابة، وإحضاره إلى القيادة. وإذا كان هناك من يعترض أو لا يستجيب فلا بد من إطلاق الرصاص عليه. ولم يكن في كل الكتيبة من الدبابات إلا ثماني. صدر أمر بتعيين سليمان قائداً لفصيلة المدفعية باثنين وعشرين مدفعاً تحت أمره. أما كل الجنود الباقين فقد عينوا مشاة.
ولقد كان الجنود المتعبون، ومن يشعر بعلة، والذين يكيلون من أعماقهم اللعنات على القيادة، منذ جاء أمر تطبيق نظام سوفاروف في التدريب، مسرورين من النوم في الغابة بلا عمل ولا حركة. إلا أن هذه الحال لم تستمر طويلاً، ففي الخامس والعشرين من الشهر تحركت الكتيبة بناء على الأوامر الجديدة لتركب القطارات من محطة آق قرمان، لتتحرك نحو الشمال.