مقدمة

5 0 00

من روائع الأدب العالمي

السنواتُ الرهيبة

رواية تصور مأساة المسلمين في شبه جزيرة القرم السوفييتية، إبّان الحرب العالمية الثانية.

تأليف: جنكيز ضاغجي

ترجمة: د. محمّد حرب.

دار المنارة للنشر والتوزيع.

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء

*إلى الأستاذ التركي الجليل؛

*عالم اللغة العربية القدير؛

*علّامة الدراسات الشرقية الكبير:

نهاد جنتين

*أستاذي الذي أكرم وفادتي عندما كنت أطرق بابه - وما زلت - طالباً التزود من علمه وفضله وأدبه وعرفانه.

*أستاذي الذي حببني في العلم النافع وشجّعني عليه.

أجزل الله ثوابه ونفع به طلاب العلم والفضل والأدب.

الدكتور محمّد حرب

المدينة المنورة

1408 هـ - 1988 م

جنكيز ضاغجي، وقضيته

هناك تشابه كبير بين مأساة فلسطين العربية ومأساة القرم التركية: فشعب فلسطين أخذت منه أرضه وطرد من دياره، وشعب القرم أخذت منه أرضه وطرد من دياره.

في فلسطين: حدثت هجرات يهودية إلى فلسطين إلى أن استولى اليهود بالقوة المسلحة على هوية الأرض الفلسطينية وأعلنوا فيها دولة يهودية (عام 1948م)، وفي القرم حدثت هجرات يهودية وصقلبية روسية إلى أن استولى الروس بالقوة المسلحة على هوية الأرض القرمية وأعلنوا فيها دولة (عام 1946م)(1).

والقرم شبه جزيرة تقع شمال البحر الأسود، يحيط بها بحر القازاق من الشرق ويحيط بها البحر الأسود من الجنوب والغرب. والقرم منطقة تابعة الآن للاتحاد السوفييتي.

وصل الإسلام إلى القرم عن طريق التتار، إذ اعتنقته القبيلة الذهبية عام 1340م وكان قد أسس دولتها باطوخان أحد أحفاد جنكيز خان عام 1218م، واستقر التتار في المنطقة وعمروها(2) .

وعندما دمّر تيمورلنك القبيلة الذهبية، تفرقت دولتها إلى ثلاث ((خانيات))، كان القرم واحدة منها. وتولى الحكم فيها عائلة كيراي ( منذ 1427 إلى 1783). وكانت روسيا تشكل في ذلك العهد خطورة ضد القرم لأن روسيا كانت آخذة في التوسع فاضطر محمد كيراي عام 1521م أن يقود جيوشه لتأديب روسيا، فحاصر موسكو وأخضع حكامها له وأجبرهم على دفع الجزية، إلا أن دولت كيراي حاكم القرم قاد جيوشه لفتح موسكو عام 1571م(3).

وعندما أصاب الضعف خانية القرم، فَضَّل حكامها أن يكونوا عمَّالاً لإِخوانهم العثمانيين بدلاً من أن يخضعوا لخصومهم الروس، خاصة بعد أن قويت روسيا واستطاعت عام 1185هـ قتل ثلاثمائة وخمسين ألف قرمي(4).

وفي عام 1783م كانت روسيا تحتفل بجلوس كاترينا الثانية على العرش. وكان شاهم كيراي يحكم القرم، وكان هذا تابعاً للدولة العثمانية، إلا أنه كان واقعاً تحت تأثير الروس، وكان هؤلاء يلعبون لعبة مزدوجة في القرم إذ ذاك، فهم من ناحية مع شاهم كيراي يؤيدنه ويظهرون له الود والإِخاء، ومن ناحية أخرى كانوا يحرضون معارضيه على الثورة ضده(5).

قامت كاترينا الثانية بإهداء شاهم كيراي مجموعة من المستشارين الروس قدمتهم قيصرة روسيا لخدمة حاكم القرم، وبتأثيرهم فرض هذا الحاكم على جيشه الزي العسكري الروسي وقام بتطبيق الأسس العسكرية الروسية في بلاده، وسار خطوات واسعة في ((تغريب)) القرم، وأخذ في إعداد أسطول لكي يسيطر به على البحر الأسود كما صور له المستشارون الروس. ولتحقيق هذا الطموح كان لابد من المال وبالتالي فرض ضرائب فادحة على شعبه ثم ألغى الأوقاف. وأفاد الروس من هذا الجو الذي عملوا هم على ظهوره، فحرضوا معارضي شاهم كيراي على أن يضربوا ضربتهم، فقاموا بثورة وما كان من شاهم كيراي إلا الفرار إلى روسيا(6).

قامت القوات الروسية باحتلال القرم بحجة حماية حليفهم شاهم كيراي وإعادته إلى العرش. أما الواقع فقد احتل الروس القرم منذ ذلك الحين وحتى الآن. وكان قائد القوات الروسية إذ ذاك هو الجنرال بوتمكين وبعد أن غزا هذا الجنرال القرم (عام 1783م) اتضح أنه يحمل أمر الإمبراطورة كاترينا بإلحاق القرم بالإمبراطورية الروسية. كما كان بوتمكين يحمل الصلاحية الكاملة لطرد شعب القرم والقضاء على دينه وثقافته، وكان عدد القرميين في عام الغزو الروسي هذا يبلغ مليوناً ونصف مليون نسمة، كلهم من الأتراك التتار. وتركزت السياسة الروسية تجاه شبه جزيرة القرم في إجبار أتراك القرم على الهجرة الجماعية ((حتى تخلو شبه الجزيرة منهم تماماً))، ويحل العنصر الروسي محلهم.

ونتيجة لتطبيق هذه السياسة قامت الحكومة الروسية بتنفيذ وصية الأمير منشكوف الخاصة بتهجير القرميين إلى داخل روسيا وإلى الولايات الروسية البعيدة، ولا سيما أن الحكومة الروسية كانت - وما تزال - تعمل على الوصول إلى المضايق والمياه الدافئة، وهذه استراتيجية روسية ثابتة.

وظل القرميون وهم تتار أتراك، خاضعين للحكم القيصري، وكان هذا الحكم ينظر إلى القرميين على أنهم ((خونة مستعدون للتعاون مع ألد أعداء روسيا وهي الخلافة العثمانية)).

((ولذا عندما نشطت الحركة الإصلاحية في روسيا والمطالبة بالحريات الدينية والحريات المدنية، وتكَّون الدوما (البرلمان الروسي عام 1905م) نشط المسلمون في كل مناطق روسيا وعلى الأخص في القرم مما جعل الحكام الروس يتخوفون من هذه الحرية ويصدرون أوامرهم إلى وزير الداخلية بالحد من نشاط ((المسلمين)) وتكميم أفواههم ومنع فتح مساجد جديدة وتشديد الرقابة على زعمائهم)).

لهذا وجد فلاديمير ايلتش لينين، عندما قام بثورته البلشفية في أكتوبر 1917م، المساندة من جميع مسلمي روسيا. ولا سيما أن لينين وعد المسلمين في كل روسيا، وكرر وعده في خطبه وفي منشوراته بأن المسلمين سيحظون بالحرية الدينية الكاملة بل وبالاستقلال الذاتي في شؤونهم. وأيد قيام دولة القرم الإسلامية باسم جمهورية القرم الشعبية في 13/12/1917م، وأجريت في القرم انتخابات عامة لأول مرة لاختيار حكومة وطنية رأسها (جلبي نعمان جهان) في ظل الثورة البلشفية. لكن البلاشفة لم يكونوا جادين في إعطاء القرم الاستقلال، لأن 30000 من جنود البحرية والعمال البلاشفة لم يعترفوا بسلطة الحكومة الوطنية، وقام هؤلاء بمساعدة الروس المهجرين إلى القرم من يهود وصقالبة، بإسقاط حكومة القرم وحزبها (مِلِّي فرقه) وإعدام رئيس الجمهورية المنتخب وإلقاء جثته في البحر.

أصدر لينين في إبريل 1918م أمره بالزحف على البلاد الإسلامية التي كانت خاضعة للقياصرة الروس. وفي إبريل 1920 حاصرت القوات البلشفية، بلاد القرم وشدّدت الحصار حتى حدثت مجاعة ضخمة. وفي تقرير مقدم إلى عصبة الأمم أن الذين لقوا حتفهم من جراء تلك المجاعة أكثر من مائة ألف، في حين ذكرت جريدة ازفستيا الصادرة في 10/7/1922 أن الذين ماتوا بسبب الجوع من التتار القرميين بلغ أكثر من ستين ألفاً (7).

وفي عام 1928 اعترض ولي إبراهيم رئيس حكومة القرم على قرار جوزيف ستالين الخاص بإقامة دولة يهودية في القرم، واحتج ولي إبراهيم على تدفق الهجرات اليهودية إلى بلاده، فأصدر ستالين الحكم بإعدام ولي إبراهيم وكل أعضاء حكومته.

لكن لم تنفذ فكرة إقامة وطن قومي لليهود في شبه جزيرة القرم، إلا أن الهجرات الروسية إلى القرم كانت قد استقرت في هذه البلاد (8).

وفي عام 1929م أصدر ستالين أمراً بنفي 40000 قرمي من بلادهم إلى سيبريا (9).

ونقص عدد التتار القرميين داخل بلادهم، من مليون ونصف مليون نسمة عام 1783 إلى 150000 نسمة عام 1956.

إلا أن القرار الخطير، قرار طرد شعب من أرضه، أصدره ستالين في 18 مايو عام 1944 وهو قرار خاص بنفي وطرد كل أتراك القرم من وطنهم الأصلي القرم إلى صحراء آسيا الوسطى وبلادها. وقامت عربات السكة الحديد المخصصة لنقل الحيوانات بنقل تتار القرم إلى المعسكرات التي خصصت لهم في آسيا الوسطى.

وسبب هذا القرار أن القرميين - نتيجة ضيقهم بالروس - تعاونوا مع الألمان عندما احتل هؤلاء القرم في الحرب العالمية الثانية (10).

جنكيز ضاغجي

ومؤلف هذه الرواية، كاتب من تتار القرم، وهو تتاري تركي اسمه بالكامل جنكيز أمين حسين ضاغجي، ولد في قرية تسمى قزيل طاش تابعة لـ ((يالطا)) في القرم. ولد عام 1920م، وكان الوقت مجاعة.

كبر جنكيز ضاغجي وبلغ الثانية عشرة من عمره وشاهد بنفسه احتلال الروس لأرض أبيه الفلاح المتوسط الحال، وتحويل أصحاب الأراضي الكبيرة إلى (عبيد) في المزارع التعاونية. وألقي القبض عليه ونفي مع مجموعة كبيرة من أهل قريته، كان بينهم أعمامه. وبموجب قرار حكومي حرم بقية أفراد أسرة جنكيز من العمل(11).

وكان جنكيز قد تلقى تعليمه الابتدائي في قريته قيزيل طاش، ثم تعليمه الإعدادي في مدينة آق مسجد (الجامع الأبيض) والتحق بمعهد التربية ولم يكمل الدراسة به نظراً لتجنيده في القوات المسلحة الروسية عند قيام الحرب العالمية الثانية.

حارب جنكيز في جبهة أوكرانيا ضد الألمان. ثم أدخله الروس مدرسة الضباط في أوديسا وتخرج فيها برتبة ملازم دبابات عام 1941م. وفي نفس العام أسره الألمان. وفي السنوات الأخيرة من الحرب تخلص من الأسر ولجأ إلى الحلفاء واستقر في انكلتره مع زوجته البولندية وابنته الوحيدة، ثم افتتح مطعماً في لندن.

وتدور روايات جنكيز ضاغجي حول مأساة وطنه السليب، القرم، وأحلام شعبه في العودة إلى بلادهم. وله عشر روايات هي مع تاريخ صدورها:

1- السنوات الرهيبة (1956)

2- الرجل الذي فقد وطنه (1957)

3- هم أيضاً كانوا بشراً (1958)

4- سنوات الموت والرعب (1962)

5- هذه الأرض كانت أرضنا (1966)

6- الحياة في الكولخور (1966)

7- العودة (1968)

8- الشاب تيموجين (1969)

9- الأطفال المشنوقون على أغصان شجر الزيتون (1970)

10- الشارع المصاب البرد (1972)

وقبل أن يكوِّن جنكيز شخصيته الأدبية المستقلة كان متأثراً بكل من: تولستوي، وديستويفسكي ونكرا سوف وتورجنيف من الروس، وبكل من جويس وبروست وشتاينبك من الغرب.

إن في روايات جنكيز ضاغجي ((أبعاداً عالمية مثل اكتساب صفة الثورة على الظلم وبحث الإنسان عن نفسه)). كما أن الواقع الذي عاشه جنكيز ضاغجي وعبّر عنه في رواياته ((يضفي على أعماله الأدبية قوة، ويدفع القارئ دفعاً إلى الإيمان بها))(12).

محمد حرب