الفصل الثالث
الجهل بالشيء نعمة في بعض الأحيان. والطفل في لهجتنا "جاهل" ونحن، الجهَّال، كنا نعيش هذه النعمة؛ نعمة اللا أدري. كبرتُ قليلاً وانشغلت بأسئلة ممنوعة. ربما لم أكن في حاجة إلى إجابات لها بقدر ما كنت في حاجة إلى لفظ السؤال والتحرُّر منه، أو الشعور بتفاهته من خلال ردِّ المسؤول. كنت في الابتدائية. أسأل عن كل شيء. أزعجتُ والدتي بقبيلة أسئلة؛ كيف ولماذا وهَل وأين ومتى. أتذكر الأستاذ مُرهف السوري بعينيه الجاحظتين، لاحقاً في مدرسة النجاح، ينصحني بألا أُكثر الأسئلة، الدينية على وجه الخصوص. يقول امتعاضاً من أسئلتي إنني كمن يعبثُ بصناديق لا يأمن أحدٌ محتواها. "السؤال، يا بُنيّ، صندوق، وبعض الصناديق تبتلع أخرى. ما حاجتك لأسئلة كهذه؟"، يقطع أسئلتي العيب والحرام على حدِّ وصفه. وإذا ما ألححتُ أواصل، مستمداً جرأتي من كلمة بُنيّ في حديثه، يقاطع: "يُفتح الصندوق في أوانه!". لا أتوقف عند قوله. أسأل. يصرخ: "لَكْ ما بيصير!". أرفع يدي متعهداً بأن يكون سؤالي الأخير. يقذفني بقطعة طبشور: "لَك خلاص.. بدنا
نشوف شغلنا!". أمسح جبيني أزيل أثر رصاصته البيضاء. يلين. يسمح لي بنفاد صبر: "آخر سؤال". أسأله هل الإنسان في أصله قرد، أم القرد في أصله إنسان؟ تجحظ عيناه أكثر. أتبرأ من سؤالي: جارتنا أمي حِصَّة تقول إن القرد كان في الأصل إنساناً! ينزعج فهد لأنني ذكرتُ اسم جدَّته على الملأ. يعضُّ الأستاذ مُرهف لسانه. يصرخ بي: اِصطفل مِنَّك لَمعلم التربية الإسلامية.. العمى شو نَقَّاق!". ينتهي بي الأمر واقفاً ووجهي إلى الحائط الخلفي، مادّاً ذراعيَّ إلى الأعلى. ألتفتُ إلى صادق، المشغول بالرسم على طاولته في صفِّ المقاعد الأخير. أهمسُ له: "اضغط الزِّر!". يضغط الزِّر، ولا يختفي الأستاذ مُرهف!
في الابتدائية كنتُ، أتوقف عند أمرٍ غامض وآخر مبهم. ألجأ إلى والدتي. أشاهد إعلانات الفوط الصحية في التلفزيون أو المجلات. لا أحصل على إجابة شافية منها حين أسأل في حيرة: "ليش الحريم يلبسون بامبرز؟!". لا يشغلني الأمر كثيراً بعد تحرري من السؤال بلفظه، وبعد تورط والدتي وتلكؤها في الرد واحمرار وجهها. لا تُعنِّفني، كما سيفعل الأستاذ مُرهف بعد سنوات، لتزيد فضولي حول فداحة السؤال وخطورة جوابه، بما يدفعني إلى الإصرار على معرفته، أو إلحاح رغبتي في إدراك سبب خطورته على الأقل. كل الأسئلة التي تخص الأنثى، الجسدية والجنسية منها بالذات، ماتت فور لفظها بسبب افتعال والدتي لا مبالاتها. كيف تَحبَل المرأة؟ لماذا بعد الزواج وليس قبله؟ ماذا يعني الرَحِم الذي سمعتُ عنه أول مرَّة في بيت جيراننا؟ ولماذا لا تَحبَل خالتي عائشة بعد عملية إزالته؟ رأيت ديك
أمي حِصَّة يفعل! من أين تخرج بيضة الدجاجة؟ وحده السؤال، غير الجنسي، الوليد بعد مشاجرة المدرسة تعذَّر عليه مغادرة رأسي بسبب انتفاضها حين أقسمتْ، بالله الذي رفع السماء: لولا الدماء في فمك، لصفعتك على شفتيك! أطلقتْ قَسَمها وهي تمدُّ لي كأس الماء بالملح لأتمضمض وأوقف نزيف سِنِّي الساقطة. كنت معها في غرفة الجلوس. في زيّي المدرسي، أسند ظهري إلى الباب لا أزال بقلب ينتفض بعد مشاجرة المدرسة. أردفتْ تهزُّ سبَّابتها: "اِنت مسلم وبس.. ما يكفيك؟!". كانت قد شكتني لوالدي. وبَّخني وهدَّدني بقطع المصروف من دون أن يُفهمني سبباً لخطورة سؤالي. والدي لا يملك ما يعزِّز سلطته سوى تهديده هذا، قطع المصروف وعدم اصطحابي إلى "ألعاب الوليد" و"مركز نحن والأطفال" نهاية كل شهر. دفعني فضولي لاستراق السمع بعدما أغلقا باب غرفتهما. ألصقتُ أذني على الباب الخشبي كعادتي. دار حديث جِدِّي بينهما زاد حيرتي حيرة، ما كان يجب عليكِ الانفعال.. جَهَّال.. الكويت كانت.. ما عادت.. قبل بعد.. منذ الثورة الإيرانية.. ثم الحرب العراقية. أقفلتُ عائداً إلى غرفتي لا أجد تفسيراً لتشنجهما على هذا النحو، ولا أدرك معنى لكلماتهما التي تشبه نشرات الأخبار. لا أفهم ماذا تعني ثورة. خمنتُ: "يمكن.. زوجة الثور؟". منذ ذلك اليوم والأمر يلفُّه غموض. لا ألفظ اسم أي طائفة من الطائفتين خشية صفعة تورِّمُ شفتيّ. في تلك السِّن حسبتُ أن كلتا الطائفتين لا تنتمي إلى الإسلام. كبرتُ وفهمتُ عكس ذلك. كبرتُ أكثر، ومع ظهور المتطرفين، هنا وهناك، أصبحتُ أشك في ذلك.
صباح الخميس، بعد يومين من حادثة فقدان السِّن، ذهبتُ باكراً إلى بيت عمِّي صالح. رأيت الصبي الإيراني، ابن حيدر البَقَّال، بسرواله المُقلِّم منصرفاً للتوّ يعد نقوداً أمام باب البيت. حيَّيته وأنا أفكر في الممنوعات التي يحصي ثمنها. أزحتُ مزلاج الباب الحديدي من الخارج، انطلقتُ جرياً إلى غرفة الجلوس. صوت التلفزيون مرتفعاً يستفز الهدوء في حوش البيت، وهو ما يعني أن العم صالح غير موجودٍ في بيته، وأن فوزية، عمَّة فهد، وحدها في غرفة الجلوس. توقفتُ عند عتبة الباب. أحذية وأنعلٌ بعضها مقلوب على ظهره، وهذا دليل على أن أمي حِصَّة ليست في البيت.رغم صعوبة حركتها لا تكفُّ تنحني، تسندُ كفِّيها إلى ركبتيها تتنهد، إذا ما رأت نعلاً مقلوبة في الحوش أو عند عتبة الباب. تعيدها إلى وضعها الطبيعي. "يُمَّه حِصَّة! ليش؟"، كنت اسألها. تشير بإصبعها إلى السماء من دون أن تنظر إليها رهبةً. تجيب: "أستغفر الله". أتخيل الله، في حدود وعيي، فوق عرشه في السماء من دون أن أرفع رأسي. أطأطئ هامساً: "أستغفر الله". تمسِّدُ على رأسي: "عَفيَه على وليدي".
رحت أعيد الأحذية والأنعل المقلوبة إلى وضعها الطبيعي. أوجه باطنها إلى موطن الشيطان، ذلك الذي كنت أخافه، أهينه مستمداً جرأتي من الله عبر تصرفات أمي حِصَّة لعينٌ لا عمل له سوى مطاردتي. خبيثٌ فاسدٌ لئيم، كانت تقول. إن أنا أهملتُ قصَّ أظفاري سَكَنَ تحتها. يأكل من طبقي إن نسيتُ ذِكر الله على المائدة. يدخلُ معي أي مكان أدخله بقدمي اليُسرى. يستقبلني في
الحمَّام إن دخلتُ بقدمي اليُمنى. ينسلُّ مع الهواء إلى باطني إن تثاءبتُ دون أن أحجب فمي بكفّي. يبول في أُذُني إن نِمتُ عن صلاة الفجر. كنتُ أحتاطه في كلِّ شيء عدا فعله الأخير. أظنه فعلها كثيراً. كنتُ، إذا ما أيقظتني الشمسُ، أنهضُ إلى الحمَّام مسرعاً أدُّس إصبعيَّ في أُذُنيّ، مُتقزِّزاً، أدعكهما بالماء والصابون. أقضي صباحي مستغفراً.
تجاوزت عتبة الباب. في الممر المؤدي إلى الداخل كان في استقبالي، كالعادة، الرئيس العراقي، بطل القادسية، أبو عُدَّي، أو الرَيِّس كما يحلو للعم صالح، آنذاك، تسميته، يرتدي بذلة سوداء في صورة بإطار مُذَهَّب معلقة إلى الجدار بين مزهريتين كبيرتين لريش طاووس، تحيط إطارها نبتات متسلقة. قصاصات جرائد لتصريحات وزيريّ الدفاع والخارجية، حفظتها عن ظهر قلب، ألصقها صاحب البيت المهووس بالشعارات أسفل الصورة. جريدة الوطن: "وزير الخارجية: الكويت تدعم العراق علناً". جريدة الرأي العام: "الكويت ترفض القواعد الأجنبية".. "وزير الدفاع للأميركيين في واشنطن: حلّوا عن سمانا وبحرنا".. "مؤكِّداً دعم جميع الدول العربية للكويت، وزير الدفاع: لن نوقع أي اتفاق لمنح قواعد أجنبية وتسهيلات عسكرية". تجاوزت الممر نحو غرفة الجلوس. تاركاً وراء ظهري جدارية عمِّي صالح. وجدت فوزية تتكئ إلى مسند، منسجمة، تتابع نفسها صغيرةً على شاشة التلفزيون، في أغنية وطنية شاركتْ بها في احتفالات وزارة التربية في فبراير 1981. تردِّد الأغنية، "أحلى السوالف"، مع الفتيات الراقصات على الشاشة بصوت خفيض:
"بنقول لكم سالْفَهْ، وللسامعين كافّهْ، أحلى السوالف..". حلوة فوزية، في شاشة التلفزيون كما هي في غرفة الجلوس. لم أمنحها اعترافاً قط، هي ليست في حاجة إليه، بأنها تتخذ في مخيلتي صورة فراشة وردية تحلِّق في حدائق الأغنيات والبهجة. انتبهتْ إلى وجودي من دون أن تلتفت نحوي. دسَّت قطعاً من الشوكولاتة، كانت في حِجرها، أخفتها أسفل المسند. كنت أستغرب إدمانها الشوكولاتة وهي فتاة تقتلها الحلويات. لو أن أمي حِصَّة تعلم بتواطؤ ابن حيدر البقَّال! تقدَّمتُ إلى خزانة التلفزيون الخشبية. خزانة خشبية متينة مزخرفة. في كل مرة أزور فيها بيت عمِّي صالح أجد صورة فورية جديدة لفهد، إلى جانب صوره القديمة، ملصقة على باب الخزانة. ألقيت نظرة على الصورة الجديدة قبل أن أجلس إلى جانب فوزية. ولأنها تكبرنا بسِتّة أعوام فقط، كنت أناديها باسمها: "السلام عليكم فوزية". لم تحفل بتحيتي وكأنني غير موجود. واصلت غناءها وهي توجّه سبّابتيها إلى أذنيها: "تعالوا سمعوها.. وأمانة حِفظوها..". هكذا كانت، تتجاهلني إن لم أسبق اسمها بعمّتي، وإن كان فهد مكرهاً على ذلك، فلأنها عمته، أما أن تكون لي عمّة في السادسة عشرة! مددتُ كفّي أمام وجهها أحولُ بين نظرها والتلفزيون. لم تكترث. أخذتُ أمشي أمامها جيئة وذهاباً أتعمّد مناكفتها. عيناها ثابتتان نحو الشاشة وكأنني كائن شفّاف. دنوتُ بوجهي إلى وجهها بعينين حولاوين وابتسامة واسعة تنقصها سِنّ. زمَّت شفتيها على ابتسامة مُلِحَّة. رفعتُ دِشْداشَتي إلى ما دون ركبتي، أميل برأسي يميناً ويساراً، أقلد رقصات الفتيات في التلفزيون. أردِّدُ بصوت عالٍ ما تقوله
الأغنية عن الكويت: "هي عندنا اِسديرهْ.. اسمها أم الخير.. والمولى من خيرهْ.. عطاها كل الخير..". أسندتْ ظهرها إلى الأريكة تقهقه. تدريني أقوم بتقليد رقصاتها بين الفتيات في حفل العيد الوطني. رَّبتت على الأريكة تطلب مني الجلوس لتحدِّثني عن الأوبريت. جلستُ على جانبها، أشير بسبّابتي نحو شاشة التلفزيون، متهكماً: "خلّيني أسولف لك عنك في الأوبريت هالمرَّة!". كانت، متهللة الوجه، تشاهد نفسها بين عشرين فتاة بفساتين وردية منفوشة. تعلو رأس كل واحدة منهن وردتان وشرائط بلون فساتينهن. "كان عمرك تسع سنوات يا فوزية..". لم تمهلني أكمل. ارتفع صوتها تزجرني بتسمية تخصّني بها: "كتكوت!". قالت من دون أن تبعد عينيها عن الشاشة. أتَّمت: "آنا مو أصغر عيالك!". تداركتُ: "يا عمتي فوزية". هزَّت رأسها كمن حقق انتصاراً. واصلتُ استعراض ما لقنتني إياه: "في عيد الاستقلال العشرين، كان عمرك تسعة، اختاروك من بين..". قاطعتني: "بس كافي! حفظت الدرس تمام يا ولد!". مددتُ لساني. أعاود رقصاتي الغبية. استطردتْ وهي تنظر إلى عينيّ حانقة: "كل الكويتيين يعرفون البنت الحلوة في التلفزيون.. مسكين انت من يدري عنك يا كتكوت؟!". أجبتها مواصلاً رقصي الأبله بأنها حلوة لأن دماءها مليئة بالسُّكّر. لم ترد. رأيت سخافة مُزحتي على ملامحها. جلستُ إلى جانبها أحدِّقُ في وجهها يعتصرني ندم. ذلك الوجه يُشبهه يوم كان طفلاً على التلفزيون. لم تتغيَّر فوزية كثيراً غير أنها غدت امرأة بحسٍّ طفولي لم يغادرها. أتذكر عينيها الواسعتين وبشرتها السمراء وشعرها شديد السواد يغطي ظهرها كاملاً يجاوز مؤخرتها،
كما تصِفه أمي حِصَّة. فوزية تغضب إزاء الوصف: "قولي تحت ظهرها.. يُمَّه!". أتذكر أنفها الدقيق، تصفه أمها بـ"سلّة سيف". ما جعلني لا أفوِّتُ فرصةً أناكفها، أحمل سيفاً بلاستيكياً أُقرِّبه إلى أنفها: "تبارزين؟!".
لم يكن لدى فوزية شيء تحكيه سوى مشاركتها في الأوبريت الوطني إياه، وظهورها في التلفزيون مع أخريات تم اختيارهن من مدرسة إشبيلية الابتدائية، وقت سَكَن آل بن يعقوب بيتاً قديماً يقابل مسجداً دَرَجَ الناس على تسميته بمسجد بن عبيدان نسبة إلى إمامه، في شارع إشبيلية، قبل انتقالهم من كيفان إلى السُّرَّة. شارعٌ تخاله يقطع مروجاً خضراء مزهرة وأشجاراً مثمرة وبحيرات تطفو على بساط أخضر إذا ما تحدَّثت عنه الفراشة الوردية. تصرُّ فوزية دائماً: "كيفان أحلى من السرّة!". تغيب في حديثها تستعيد ذكريات منطقتها القديمة؛ حديقة الأندلس، مدرسة إشبيلية، مسرح المسعود، وصوت الإمام بن عبيدان يتلو القرآن في المسجد مقابل المسرح. لم آبه يوماً بحديثها وأنا أرى مناطقنا تتشابه في كلِّ شيء عدا أسمائها. أمي حِصَّة دائماً تجيب ابنتها مثلاً شعبياً إذا ما راحت تبالغ في وصفِ كيفان: كلُّ بلدٍ في عين أهله مصر!
رغم حظوظ فوزية الوفيرة بالظهور في برامج تلفزيونية مشهورة مثل "ماما أنيسة والأطفال"، و"الفنان الصغير"، و"مع الطلبة"، فإن ظهورها في الأوبريت الوطني، ممثلةً مدرستها القديمة، كان مغايراً. تعتزُّ به كحدث فريد، لأن أمير البلاد كان حاضراً في صفِّ المقاعد الأمامي. سوف تتعلق بذكرياتها القديمة أكثر حينما يقف أخوها
صالح، بعد سنوات، ضد إكمال دراستها عقب المرحلة الثانوية. يجنبها مخالطة الذكور في الجامعة. نعرفه شديد الغيرة على نساء بيته. كان حُلم شقيقته أن تتخرج في الجامعة بمُعدَّلٍ عالٍ، كي تحظى بمصافحة أمير البلاد الذي يرعى حفل التخرُّج كل سنة، إلا أن شيئاً من أحلامها لم يتحقق بسبب عناد شقيقها صالح، وبسبب ما حلَّ بها لاحقاً. أمي حِصَّة ذاتها لم تستطع أن تُثني ابنها عن قراره حين اتخذه قاطعاً: "مكانها البيت!"، في حين لم يمنع زوجته، خالتي عائشة، عن العمل في التدريس، مبرِّراً بأن عملها في مَدرسة بنات غير مختلطة. دائماً ما تردِّد فوزية، في غياب شقيقها الأكبر: "أسد عليّ.. دجاجة مع زوجته!". أمي حِصَّة توليها اهتماماً غير عادي: قليلة حظ.. يتيمة أب.. هدَّها المرض. سألتُ فوزية فور انتهاء الأغنية في التلفزيون عن فهد. أجابت: "بعده الحارس الأمين نايِم". كان عمِّي صالح وزوجته وأمّه في مزرعتهم في منطقة الوَفرة. وكانت فوزية لا تحب الذهاب إلى مزرعة لا شيء فيها عدا الخيار والبصل والخس والطماطم: "لا حمَّام سباحة ولا حيوانات أليفة.. هذي چَبرة مو مزرعة!". تواصل تذمرها على وقتٍ يهدره أصحاب البيت في جلب بعض الخضراوات والفواكه من المزرعة بدلاً من جلبها من چَبرة الخضار في الشويخ!
ولكي لا تبقى فوزية في البيت وحدها، كان لابد أن يبقى ابن شقيقها، بأمر من أبيه، رقيباً عليها في البيت أثناء غياب البقية. عادت إلى شرودها مع التلفزيون. سؤالي المؤجل، قَسراً، عاد يلحُّ داخل رأسي. نبهتها: "فوزية!". حدجتني نظرة مستنكرة. ضربتُ جبيني بكفّي أُصحِّح: "أقصد.. عمتي فوزية". أجابت: "نعم". تحسَّستُ
شفتيّ أستعيد تهديد والدتي. ماذا لو سألتُ فوزية إلى أي طائفة ينتمون؟ أتراها تصفعني على شفتيَّ؟! ألبستُ سؤالي ثوباً يجنبني الوقوع في مأزق.
- "حديقة الحيوان.. في أي منطقة؟".
أجابت على الفور:
"العُمَريَّة.. ليش تسأل؟".
ظننتُ أنني اكتشفتُ، بحيلتي، إلى أي مذهبٍ ينتمي بيت العم صالح. سألتها:
"العُمَريَّة أم العُمَيرية؟".
قالت من دون اكتراث:
- "عُمَريّة عُمَيريّة.. وين الفرق؟!".
- "آنا أسألك عن الفرق".
أطرقتْ تفكر بصوت مسموع؛ ربما في لافتات الشوارع تُكتب بالفصحى "العُمَريَّة"، وفي اللهجة الدارجة "العُمَيريَّة". تقول إنها ليست متأكدة، ولكنها، على أي حال، تلفظها بالطريقتين.
وجدتني بلا إجابة شافية بعد أن حسبتني قد توصلتُ إليها. انتظرتُ فهداً مدَّة طويلة في غرفة الجلوس، ولكنه لم يظهر في ذلك اليوم. تململت فوزية في جلستها بعد انتهاء الأغنيات الوطنية في
التلفزيون. شرعتْ تغني: "شَلُّوح مَلُّوح.. اِللي يدّل بيتهْ يروح". كانت تطردني بلطف. تجاوزتُ سخافة لطفها. سألتني إن كنت سأطيل البقاء. كانت مرتبكة. أجبتها بأني لن أبرح مكاني قبل أن يصحو فهد. أطلقتْ زفرة تخفي تذمرها. أزاحت، من تحتها مرفقها، مسند الممنوعات التي أحضرها ابن حيدر البقَّال. نظرت إليَّ بابتسامة ودودة. التقطتْ كتاباً كانت قد أخفته أسفل المسند مع قطعتي شوكولاتة "آرو" و"كَكاو أبو أسد". بادرتْ وهي تمدُّ يدها إليّ بقطعة: أنت لن تخبر أمي بهذا. لوَّحت بقطعة الشوكولاتة. تسدِّدُ نظرةَ رجاء إلى وجهي. هززتُ رأسي موافقاً. تقاسمتْ معي حَلواها في حين كنت أنظر إلى الكتاب بين يديها. لستُ في حاجة إلى أن أخمِّن: "إحسان دَقُّوس.. صح؟"، سألتها ساخراً. أجابت مرتبكة تصحِّح: "عبد القدُّوس.. لا تذكر اسماً عند صالح". هززت رأسي متفهماً جدِّيتها إزاء حساسية شقيقها تجاه قصص حبٍّ ممنوعة تُفسِد العقل والأخلاق والسلوك. تركتني فوزية ترتقي السُلَّم إلى غرفتها وهي تغني كالغائبة عن وعيها:
"ونحن أبناء الكويت الرائدة.. طريقنا نحو المعالي صاعداً".
* * *
يحدث الآن 12:36 PM
"لو راح فهد.. دمه وضياع عياله في رقبتك".
ما زالت كلمات عمِّي صالح تتردَّد في رأسي. أطبقُ باب السيارة. لا أدير محرّكها. أسند رأسي إلى رأس المقعد. أعاود الاتصال بهما، صادق وفهد، أولهما جهاز مغلق لا يزال، والثاني جهاز ردٍ آلي عنيد يُملي عليّ أوامره بترك رسالة. أي رسالة وقد فات أوان الرسائل؟! أطواف ببصري أمسح شارعنا القديم. بيت صادق يكاد يكون أثرياً. مهجور منذ ستة عشر عاماً، منذ تركه أصحابه لصالح بيت جديد في الرميثية. طبقات غبار نزل عليها المطر أحالها طيناً جَفَّ على الأرض وأعلى السور والعتبات الثلاث أمام الباب. سلاسل قديمة صدئة أسفل مظلات السيارات، وعبارة "مواقف خاصة" لا أزال ألمحُ أثرها على السور، قيل إن عمِّي عبَّاس كتبها على سور بيته ثاني أيام عزاء آل بن يعقوب عند وفاة صاحب البيت العجوز في تفجيرات المقاهي الشعبية. ضاق ذرعاً بزحمة المعزين لدى جاره. أحاط المساحة أمام بيته بالسلاسل. كَتَبَ صراحة: مواقف خاصة!
أمكث في سيّارتي وسط شارعنا القديم. أدير مؤشر المذياع لعل شيئاً يُذكر عن حادثة اليوم. إذاعة الكويت تبُثُّ أغنية "الله يا الأيام" لعبد الكريم عبد القادر. أتذكر فهداً المعجب به طفلاً والمجنون به
مراهقاً. لماذا هو من بين كل المطربين؟ كنت أسأله. يجيب بأن عبد الكريم يغني له وحده. كان يصفُ كل أغنية بأسلوب لا أفهمه. يرى في كل واحدة لوناً وموسماً ورائحة ومذاقاً. يسألني عمَّا أراه أثناء استماعنا. لم أرَ شيئاً قط. لون هذه أزرق سماوي، تلك بيضاء قطنية، أخرى ترابية بلون سماء مغبرة، أو حمراء بلون أُذنيّ صادق. هذه شتوية، وتلك ربيعية ملوَّنة، وأخرى قائظة مثل يوليو.. مالحة، حلوة، مُرَّة، حاذقة مثل أچار جدَّته، أو عطرية مثل قهوة عربية. أناكفه، إذا ما انتهى من وصفه، أسخر من مطربه الأثير. لا يحتمل. يُنهي حوارنا موجِّهاً سبَّابته إليّ: "حيوان!".
اليوم، أسترجع جملة فهد أمام بيته القديم. أجدها تناسبني أكثر، رغم عجزي عن توصيف لونٍ للأغنية في خلفية رمادية، وموسمٍ مسخٍ غير واضح، ومذاق كريه ورائحة لا تحتمل.. عبد الكريم يغني لي، الآن، وحدي: "البيت، ذاك البيت.. وسِكَّتَهْ سهلهْ.. أموت لو مرّيت.. من شوقي لأهلهْ". كدأبِهِ إعلامنا لا يُشبهنا، كأنه في بلد آخر. ولكن، صِدقاً، بثّه هذه المرة يجيء، وإن بغير قصد، في أوانه. يأخذني بعيداً عني. يأخذني إلى بقعة في مكان سحيق من الذاكرة. حنين تملكني فجأة. لسنا في وقت يسمح لنا بترف الحنين إلى زمن طفولة في ماضٍ كان، ولكنه حنين إلى زمن، رغم الخيبات فيه، عشناه بأفضل ما يكون. ألتفتُ إلى المكان حولي. أتذكر أغنيات الأطفال، الأهازيج، الزغاريد، الفرح والأعلام والزينة.
أنظر إلى بيت العم صالح بشكله الجديد المنفر. تستنزف إذاعة الكويت ما تبقى من تماسكي، تجلدني بصوت عبد الكريم، وتُقلِّب
ذكرياتٍ ليس هذا أوان استرجاعها. أجدني غائباً كغياب فوزية في حضرة أغنياتها الوطنية قبل سنوات. يقسو عليّ عبد الكريم بحب: "هالبيت وش زِينَهْ.. وش زينها سنينهْ.. كنا تحت سَقفَهْ.. نسهر ولا نغفى.. وجوّنا صافي.. وقلوبنا أصفى". ماذا لو يُبعثُ الأطفال الذين كُفِّنوا في داخلنا من جديد، وإن كان ماضيهم محضَ خدعة أزيح الستار عن حقيقتها اليوم! هل كان جوّنا صافياً بحق؟ وهل كانت قلوبنا؟ وهل لي أن أوقف أسئلة ما نفعتني يوماً؟!
يرنُّ هاتفي المحمول: "ألو!".
- "وين صادق؟".
- "عمي عبَّاس؟!".
يصرخُ:
- "عَمَا بعينك.. وين صادق؟".
كانت خالتي عائشة أكثر لطفاً في انتقاء سبابها ولعناتها. يختم مكالمته:
- "يلعن أبوكم لأبو فؤادة لأبو من أسَّسكم يا عيال الكلب!".
تجنبني مكالمته خطورة طريق كنت أنوي عبوره إلى منطقة الرميثية. إذن صادق ليس في بيته. أفتح دُرج السيارة تحت مِرفقي. أتناول زجاجة عطر. أصبُّ منها في راحة كفِّي. أستنشق العطر في
نَفَسٍ طويل أغسل رئتيّ من الهواء العَفِن. أدير مؤشر المذياع إلى محطة أخرى: "في إجراء غير معلن سحبت قوات ما يُسمى بدرع الجزيرة الكافرة آخر كتائبها من الكويت صبيحة هذا اليوم المبارك، وذلك في رد فعل فوري إزاء قيام ثورة جديدة في الجوار ينفذها إخوتنا إحياءً واستكمالاً لانتفاضة محرَّم 1979.. هيهات منا الذِّلة". أهرب إلى محطة غيرها: "هذا وأكد مصدر مسؤول استتباب الأمن الداخلي بعكس ما يشيعه أذناب الفُرسِ في الخارج..". أتنقل بين الإذاعات لا أدري من أصدِّق. الذي أدريه أنني أشتاق إلى صوت أمي حِصَّة تخاطب مذياعها الترانزستور: يفوتك من الكذَّاب صدقٌ كثير!
* * *
رواية "إرث النار" الفأر الأول: شَرَز