الفصل الخامس

8 0 00

الفصل الخامس

تبعت أمي حِصَّة إلى داخل البيت في حين كانت تواصل ضحكها إزاء رغبتي الكاذبة في زيارة القرود. كان ينبغي أن أختار حيوانات أخرى. أمي حِصَّة لا تحب القرود. لا ترى فيها إلا مسوخ بشر طالهم سخطٌ من الله. أتذكرني مرعوباً. أتذكرها خاشعة. وقتَ حكت لي عن امرأة مسحت مؤخرة ابنها، بعد قضاء حاجته، برغيف خبز. عاقبها الله بأن مسخها في صورة قرد. كل القرود في أصلها إنسان رفسَ النعمة، كانت تقول.

تجاوزتُ الممر الصغير مقابل باب المدخل مروراً بالصورة المثبتة إلى الجدار. همَّت فوزية تقبِّل جبين والدتها. عانقتها. أغمضت عينيها تستلُّ نفساً طويلاً تشم دهن العود في أمها. ذَكَّرتها: "يا نظر عيني، أخذتِ الدوا؟". ابتسمت أمي حِصَّة تهزُّ رأسها إيجاباً. تسألها: "واِنتي؟". أجابتها فوزية تُطمئن: "وآنا". بدا أن الأم غير مرتاحة لإجابة ابنتها. قالت: "الچاكليت والكَكاو يا فوزية.. لا تشْقين قليب أُمّيمتك!". عاودت فوزية معانقة أمها في صمت.

وقفتُ أمام خزانة التلفزيون أبحث عن صورة جديدة التقطتها

خالتي عائشة لفهد. لم يخطئ حدسي إذ وجدته في صورة جديدة يغتصب ابتسامة لكاميرا أمه. كان التلفزيون يُظهِر عبد الكريم عبد القادر، بعقاله المائل وإيماءات يديه الشهيرة، في أنشودة "عصفورة ووردة"، شأن كل يوم جمعة. العم صالح كما هو دائماً في صباحات العُطَل، بدِشداشَتِهِ المنزلية المُقلَّمة والطاقية البيضاء. رغم وجود الأرائك حوله في غرفة الجلوس، يقرفص أرضاً فوق سجّاد فارسيٍّ سماوي الزرقة، أسفل ثُرية كريستالية ضخمة. يشرب الشاي بالحليب. لطالما برَّر جلوسه على الأرض الصلبة بأنه أفضل من الأرائك اللينة التي تسبب آلام ظهره. وكانت شكواه من آلام الظهر تزعج أمي حِصَّة: "الله يخلف عليك! هذا واِنت عمرك ثمانية وثلاثين!". تناكفه، تعزو سبب آلامه إلى استحمامه بعد منتصف الليل. لم أكن أعرف سبباً لضحكه وعتبه: "يُمَّه!"، ولم افهم الداعي لاحمرار وجه خالتي عائشة لا تبدي تجاوبه مع قول العجوز. أشياء كثيرة لم أكن أفهمها، مثل الصُحفُ الثلاثة المهملة على الأرض إلى جانب عمِّي صالح، لا يهتم بقراءتها، فلا شيء في الصُحُف يستحق كما يقول، ولا تصلح لشيء عدا أن تكون مفرشاً تحت أطباق الطعام منذ فُرِضَت عليها رقابة حكومية مسبقة. أنا أحفظ فقط ما يقول، لست مثل فهد وصادق يفهمان كل شيء عن الرقابة وعن البرلمان المُعطَّل. أعرف أن عمِّي صالح يتحرَّى يوم الاثنين من كل أسبوع، مثل أمي حِصَّة، هي تصوم يوم الاثنين، وهو يخرج مع رجال كثيرين يحملون لافتات، ولكنني لم أكن أدري ماذا يريدون.

يجلس فهد وراء أبيه على أريكة في الزاوية، بدِشداشَةٍ بيضاء، ممسكاً بمقصّ، غائباً في متعته في مثل قطٍّ يعبثُ ببكرة صوف.

منهمكاً بتصفح مجلة "الرياضي". لا داعي لسؤاله عمّا يشغله وأنا أدريه يبحث عن صورة لاعبه الأثير، مؤيَّد الحدَّاد، ليضمها إلى مجموعة صوره على جدار غرفته. وكأنني أرى وجهه الآن، بسُمرته وعينيه السوداوين الواسعتين وخدَّيه الغائرين وشعره الناعم الفاحم. ربما كانت تلك أسعد اللحظات بالنسبة إليه ينظر إلى صور الحدَّاد في المجلة بين يديه، منصتاً إلى صوت عبد الكريم في التلفزيون يغني: "الحمد لك، والشكر لك يا الله". يرفعُ رأسه عن المجلة. يضعها على فخذيه. ينظر إلى الشاشة. يضيّقُ عينيه. يومئ بيديه يعزفُ على أوتار عودٍ غير مرئية، متماهياً مع نموذجه الأعلى في الغناء. انتهت الأغنية. سكتت غرفة الجلوس إلا من دويّ الكنديشة وموسيقى برنامج الشيخ متولي الشعراوي تعلن بدء حلقته الأسبوعية. يحرص أبو فهد على متابعتها قبل ذهابه إلى المسجد لصلاة الجمعة.

صورة الدين، زمني ذاك، بعيداً عن فصول الدراسة، هو ما أتلقاه من التلفزيون في البرامج الدينية، وما ألتقطه من صور وأصوات تترك أثرها في نفوسنا قبل الكلام، تُمهّد للكلمة الطريق قبل لفظها.. بساطة الشيخ الشعراوي مقرفصاً على مقعده الخشبي المزخرف.. هدوء الشيخ خالد المذكور في برنامجه "مع الإسلام".. حنجرة الشيخ علي الجسَّار المتعبة على الدوام في برنامج "حديث الأسبوع"، وصوت المقرئ أحمد الطرابلسي يتلو القرآن إذا ما افتتح تلفزيون الكويت بثّه صباح كل يوم. سوف يأتي زمن أجترُّ فيه هذه الصورة، ولا أتعرَّفها.

تقدّمتُ نحو عمِّي صالح أُقبِّل رأسه. أنفه الطويل المعقوف يوشك أن يسبق شفتيه إلى كوب الشاي بالحليب. رائحة الهيل وخبز

التنور والبيض والنِّخّي تستدر ريقي. التفتَ إليّ بلُغدِه الممتلئ يسأل شامتاً: كسر الأولاد سِنَّك؟ زممتُ شفتيّ ألتفتُ إلى فهد أستفهمه. غاصت رقبته بين كتفيه من دون أن يفوه بكلمة أو ينظر صوبي. أستطرد أبو فهد: "لو كنت مكانهم كنت كسَّرت راسك!". همّت أمي حِصَّة بالجلوس قرب ابنها وصينية الشاي. نظرتْ إليه تعاتبه بحدّة. تذكره بحديث دار بينهما في المزرعة: "اِش قلنا أمس؟!". لم يبالِ. استطردتُ: "خاف الله يا صالح!.. جَهَّال صغار لا تشبّها بينهم!". أجابها مُبِّرراً: "خليهم يعرفون الِلي لهم واِللي عليهم يُمَّه". لا أنسى ملامحها الجادة وهي تتفرَّس وجهه تقول: "النار.. ما توَرِّث إلا الرماد". فهمتُ سبب تهربها من سؤالي عن موقع حديقة الحيوان. أخبرهم فهد عن مشاجرة المدرسة قبل يومين. عمِّ] صالح أصبح كائناً آخر بعد فجيعته بفقدان والده في تفجيرات المقاهي الشعبية قبل ثلاث سنوات. بعد سنوات سوف أعرف أقوالاً تضاربت حول منفذيها. قيل إنها من تدبير جماعات موالية لإيران انتقاماً من موقف الكويت المساند للعراق في حرب الخليج الأولى. إيران تمثل طائفة. العراق تمثل طائفة ضد. أجابها عمِّي صالح ساهماً: "هُم اِللي شَبّوها.. يُمَّة". أشار لهم، كما فعل الصبي في غرفة الأخصائي الاجتماعي قبل يومين، بـِ هُم! زاد فضولي حولَـ هُم! سكبتْ أُمُّه قليلاً من الشاي في صحن الاستكانة، قبل أن تشربه، تُبَّرِدهُ على طريقتها. قالت: "خيول! هُم يتذابحون هناك.. وانتوا تقلدونهم هني". شرعت تتحدث عن الحرب العراقية الإيرانية. أتذكرها تصمت. تُحدِّق في استكانة الشاي في يدها. تُفكِّر. تتحدث عن سريلانكا وعن لبنان:

"باكر يخفسنا الله مثل الخبول!". تنظر إلى عمِّي صالح: "وباكر تشتغل زوجتك خدَّامة في البيوت!". ضحك ابنها لقولها، في حين اكتفت هي بالصمت. بقيت كلماتها سنوات طويلة تتردَّد في أذني عن حروب أهلية أشعلها الخبول، على حدِّ تعبيرها، من التأميل والسنهال في سريلانكا، ومن المسلمين والمسيحيين ف لبنان! يناكفاه عمِّي صالح بقوله إنها إذا بقيت تنصت إلى حكايات تينا سوف تتحدث السيرلانكية بطلاقة: "تينا غسلت راسك يُمَّه!". تجاهلت تعليقه. فرغ فهد من قصِّ صور الحدَّاد من صفحات المجلة. راح يعبثُ بالمقصِّ يفتح فكَّيه في الهواء ويطبقهما. صرخت به جدَّته تأمره أن يكفَّ عن جلب الشؤم والمشاكل إلى بيتها. قطَّب حاجبيه لا يفهم ما تقول. راحت تحدِّثه عن خيوطٍ خفية تربط أفراد البيت ببعضهم. من شأن عبثه بالمقصِّ أن يقطع أحدها من دون قصد. ضحك حفيدها. زجرَته. نهضتْ تشير إلى ما بين فخذيها بإصبعيها منفرجين: "أقصّ خصاويك!". أطبق فخذيه. ضمَّ ركبتيه إلى صدره يتوسل إليها: "توبة توبة!". أخفضت صوتها تشتمه على طريقتها: "يهودي!". نظرتْ إلى ساعة الحائط ذات البندول. التفتت إلى فهد في زاويته تحثه على الخروج بصحبتي: "لعبو في الحوش"، ما دام لدينا متسع وقت قبل صلاة الجمعة. مطَ فهدٌ شفتيه في خيبة يناكفها: "لازم نروح الصلاة؟". هزَّت سبَّابتها تحذره: "لا تروح.. عشان تطيح السما فوق روسنا!". سألتها كيف، إن لم يفعل هو، تسقط السماء على رؤوسنا نحن؟ أطرقت تفكِّر: "نموت كلنا.. نروح للجنَّة وهو للنار.. يا لله بَرَّه". قالت لعمي صالح: "يا كثر ما يسأل هالوَلَد!". صاحت، قبل

خروجنا، تُذكِّر فهداً: "لا تتأخر.. الغدا مطَبَّق سمك يا قَطوْ المطابخ". تهلل وجهه. باعد بين أصابع كفَّيه يخربش الهواء يجيبها: "مياااو!"، وهو الذي ما أجَبَّ أكلة في حياته كتلك التي سَمَّتها جدَّته يومنا ذاك، والتي جعلته قِطّ مطابخ بامتياز، لا يبارح البيت إذا ما تحسَّس أنفه زفر السمك في مطبخ تينا. نظرت أمي حِصَّة إلى وجهي تفتعل شعوراً بالحرج: "سامحنا يا وليدي.. ما عندنا موز!". دفعها تعبيرٌ على وجهي، ربما، لأن تفتح ذراعيها: "تعال". ضمتني إلى صدرها. همست في أُذني: "لا تزعل وتقاطعنا مثل أمك.. آنا أضحك معاك يا وليدي".

في الحوش، قريباً من سِدرة أمي حِصَّة، أخبرني فهد بأن جميع من في البيت قد علِم بمشاجرة المدرسة قبل ثلاثة أيام. كان مثلي، يضجُّ رأسه بالأسئلة. "هذي سوالف ما تنفعك"، أجابته جدَّته تحثه على الانصراف عن أمور لا تجلب إلا عَوار الرأس وضغينة القلب. "باكر كلنا نموت ونخليك يا وليدي.. رَبْعك عزوتك!". أشار فهد إلى برحيَّة وسعمرانة واِخلاصة وراء سور الحوش: "أمي حِصَّة تقول كونوا مثل بنات كيفان..". نظرتُ إلى حيث يشير. أنصتُ إلى حديث أمي حِصَّة، بلسانه، حول نخلات ثلاث انتقلتْ سوية من بيت كيفان القديم إلى بيت السُّرَّة الجديد، ولم تُمت بموت صاحبها. "توعدني؟"، سألته جدَّته. أجابها: "والله". حذَّرته: "إن قلت والله وكذبت.. تطيح علينا السما!". لا شيء مما تقوله أمي حِصَّة يقوله عمِّي صالح. علاقة الجارين لا تشبه علاقة أمَّيهما ببعض. هو يحترم أمي زينب، والدة جاره اللدود. يُبرِّرُ السبب وراء احترامها، كما

أخبرني فهد، إلى والدة أمي زينب التي لا نعرف عنها شيئاً عدا اسمها، حَسيبة، والتي ليست مثلَهُم!

لامَ أبو فهد ولده على توريط نفسه بمصاحبة صادق. نصحه أن يتحاشاه. حدَّثه عن رأي علماء دين تجاه صادق وعائلته. "كَفَّروهُم!". تخيلت العَمّ عبَّاس والخالة فضيلة بثياب سوداء ووجوه عابسة يرميان الأشواك في طريق النبي، وِفق صورٍ منفرة يظهر فيها الكفَّار في الأفلام والمسلسلات. حذرتُه بألا يخبر صادقاً بما قاله أبوه! أجابني على الفور: "عادي.. قال صادق، إن عمِّي عبَّاس يقول، إن أهل البيت يلعنوننا". سألته مندهشاً: "أهل بيت عمِّي عبَّاس؟!". رد ضاحكاً: "لا يا حمار! أهل البيت اِللّي يعبدهم عمِّي عبَّاس وخالتي فضيلة وأمي زينب وصادق وحوراء!".

أطرقتُ أفكِّر بما يقول. ذَكَّرني: "نسيت اسم جَد صادق؟". أجبته من دون تفكير: "عبد النبي!". هزَّ رأسه مؤكداً: "فهمت؟!".

* * *

يحدث الآن 1:08 PM

أترك سيارتي أسفل البناية في الجابرية. هدوء لم تصوره لي حواجز الجسر حين عبرته قبل قليل. أترجل أجرُّ رجلي العرجاء نحو المصعد. أكبس أرقام الطوابق 4 و6 و8، تمويهاً، قبل أن أكبس على رقم الطابق الأخير 10، حيث مقرّ أولاد فؤادة، قبل أن أكيس على رقم الطابق الأخير 10، حيث مقرّ أولاد فؤادة. اعتدتُ حيلتي هذه رغم تأكيد بعض ما يردنا من تهديدات عن انكشاف موقع مقرِّنا. الحكومة نفسها أرسلت لنا ما معناه: لا نتحمَّل مسؤولية ما قد يصيبكم. لطالما رجوت أولاد فؤادة أن ننقل المقر إلى منطقة محايدة بعيداً عن السُّرَّة والجابرية، ولكن! أستندُ بثقلي على ساقٍ واحد أُريحُ رُكبتي. أنظرُ إليّ في مرآة المصعد؛ أنا جثة تمشي على قدمين. أعرَج بشعرٍ مُغبر وسِنٍّ ساقطة ودمٍ متحجِّر أسفل شفتي. أتمنى لو أن المصعد تابوت، يتجاوز طابق البناية الأخير صعوداً إلى السماء.. يأخذني هناك عند.. أستغفر الله. هل صحيح أن السماء، كما أخبرتنا أمي حِصَّة صغاراً، كانت أكثر قرباً؟ يتوقف المصعد عند الطابق الأخير. خطواتي ثقيلة، وكأن أرض الممر المفضي إلى الشقة مدهونة بالصمغ. الباب مشرع. ورقة مُلصقة على الجدار بقربه: "الدين غفلة!". أنظر إلى الورقة أتفحصها، ممهورة بشعار شبكة الملاحدة، كما صاروا يُسمون أنفسهم مؤخراً، متخلين عن تسمية قديمة مهدَّت لظهورهم. لم يعد نشاطهم حصراً على الإنترنت. صاروا يطوفون

المساكن والأماكن العامة يوزعون منشوراتهم. لم يصدف أن شاهدنا أحدهم يقوم بالدور. كنا كلما أزلنا منشوراً ظهر الآخر كأنه ينضح من الجدار. أنتزع الورقة. أمزِّقها. أتقدَّم إلى الداخل أحمل فارق توقيت بين نبضات قلبي وخطواتي. "يا شباب!". أمضي في الشقة أفتح باباً تلو آخر: أي أحد هنا؟ لا أحد إلايّ وأجهزة الكمبيوتر، وطابعات التصوير، وجهاز الإرسال، موصولاً بالإنترنت، لا يزال يكرر أغنية أهديناها المستمعين مع ختام بثنا الإذاعي بعد منتصف ليل أمس: "هذي بلادٌ تطلب المعالي..". إلامَ الإصرار على ما لن يُغيِّر؟ ينضج واحدنا كحبة التمر، ظاهرها ليّنٌ ونواتها أقسى من أن تلين. نواصل إخفاء ما بداخلنا، بعد عجزنا عن إصلاحه، بأغنيات لفظت أنفاسها الأخيرة منذ سنوات. وكأننا اجتمعنا في هذه الشقة انتقاماً من ماضٍ كاذب بخداع حاضر أحمق، نعيد بثَّ أغنيات منتهية الصلاحية. نسعى لخداع جيل مقبل كي لا نشعر بأننا، وحدنا، من انطلت عليه الخدعة.

يفزعني رنين هاتفي المحمول، فجأة، يومض باسم أيوب: "ألو! ها؟ أي أخبار؟". أندفعُ بسؤالي. يتردَّد قبل أن يجيب: أخبارٌ لا تسُرّك. أسأله بعد أن ألقي بثقلي على كرسي قريب: صادق أم فهد؟ يطمئنني ليعاود طعني: لا هذا ولا ذاك.. انسَ أمر الهدنة. اشتباكات في المنصورية، اضطرت قوات الداخلية لِفَضِّها مُسـ..! شعور بالطمأنينة ينتابني لِتَدَخل القوات التي ما عاد عددها يكفي للسيطرة على الوضع في البلاد. شعوري لا يستمر طويلاً غذ يختم أيوب جملته: مستخدِمّة السلاح. لا أفوه بكلمة. يستطرد: أخبار عن مقتل رجال

أمن وأفراد من كلا الطرفين. الأغنية في جهاز الإرسال لا تزال: "الحمد لله جزيل الفضلِ.. لما حمانا من ظلام الجهلِ". يردف: معتقل التحرير يغص برجال يُشتبه بتورطهم. يتطرد: رصدت وزارة الداخلية مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي لمن يُبلغ عن القتلة. يواصل مازحاً: خمسمئة ألف دينار كويتي.. مبلغ محترم! يتجاوز صمتي يسألني عن صادق وفهد. أخبره بسهرة البارحة حتى فجر اليوم. ألزم صمتي عما انتهت إليه الأمور في الساحة الترابية في منطقة الروضة. يكتسي صوته جدِّية يدفعني أواصل. أعده بأن أخبره تالياً. أنا نفسي غير قادر على البوح واستعادة حادثة الفجر. يُخمِّن بأنهما تشاجرا كعادتهما. أجيبه: "تقريباً". يشرع يطمئنني رغم قلقه وانفعاله إزاء صمتي: لا تقلق. أنت تعرف صادقاً، كلما غضب أغلق هاتفه يختفي. سألته: "وفهد؟". قلقه يعتصره أدري، ولكنه كعادته باردٌ يُهوِّن الأمور. يفتعل ضحكة تنفحني برودتها: قِطٌّ بسبع أرواح، ما الذي سوف يصيبه؟ تجده الآن في أحد المقاهي يلعن حاله وحال زوجته. أتذكر قِطّ المطابخ فهد، وفق تسمية جدَّته، بوجهه القديم. أنفجرُ أشتم الجميع. أشتمني. أشتم صادقاً وفهداً، وأحوالنا التعيسة وهذه البلاد. يطلق زفرة طويلة يقول: "هوّن عليك! أهمسُ: يا صبر أيوب. يجيب ممازحاً: دعك من صبري وانشغل بصبرك! يختم مكالمته آمراً: استأنف بثُ البرامج. وأعلن؛ اليوم بعد المغرب، مقابل النادي العربي في المنصورية، اعتصام "آتية 40" للتنديد بأحداث اليوم. يجب أن نحشد له! لا يزال ينادي "آتية" وكأنها لم تأتِ منذ سنوات! برنامجي في التاسعة مساءً، ولا يمكنني المكوث هنا حتى ذلك الوقت.

سأقدم وصلة فهد، بدلاً عنه، لأن هذا أوانها. بِتُ أكره عملي هذا. كره المستمعون صوتي. صرتُ مثل تبَّاع الجِيَف أنعب فوق الخرائب.

أدنو بمقعدي إلى جهاز الإرسال. أقوم بتثبيت السمَّاعات إلى أذنيّ مقرِّباً وجهي أمام المايكروفون بعد أن أتأكد من توصيل البث بموقعنا على الإنترنت. أخفضُ صوت الأغنية الوطنية جاعلاً منها خلفية لصوتي. أغمضُ عينيّ على وجه فهد القديم: "السيّدات والسادة المستمعين.. نعتذر عن هذا الخلل الطارئ، ونستأنف بث برامجنا بدءاً بفقرة حديث اليوم، قبل نشرة الثالثة عصراً بعد نصف ساعة من الآن". أنتقلُ إلى موسيقى البرنامج في فاصل لا يتجاوز الدقيقة. أجهز خلالها واحدة من قصائد سجلها فهد بصوته، يرافقه عزفه على العود لأشهر أغنيات عبد الكريم عبد القادر. أستأنفُ التقديم: "يعتذر زميلنا عن تقديم برنامجه هذا اليوم، ونبدأ البرنامج، نيابةً عنه، بقصيدة يلقيها بصوته.. قصيدة للشاعر خليفة الوقيَّان". أنتقلُ ثانية إلى الفاصل الموسيقي. تردني خلاله، عبر هاتفي، رسالة نصّية من أيوب: "صوتك يرتعش. تحكَّم بأعصابك يا أخي!". ينطلق صوت فهد منفعلاً يلقي القصيدة:

المجد للظلام.

للصوص السارقينَ من فمِ الرضيعِ

لثغة الكلامْ

الغاصبين من جفون أُمِّهِ

شهيةَ المنامْ

أنتبهُ إلى وميض هاتفي المحمول ينبهني لاتصال أيوب مرة أخرى. أتجاهله. ينكسر صوت فهد بأداء تعبيري فائق:

الفخرُ للسهامْ

للحرابِ الظامئاتِ للدماءْ

تلوبُ في الدروبِ

يقتفي حنينها

حمائم السلام

هاتفي لا يزال يلحُّ باتصالات أيوب بشكل يقلقني. يلحق اتصالاته برسالة: أوقف بثَّ القصيدة فوراً! يرتفع صوت فهد:

النصرُ للرممْ

للخارجين من حفائرِ العصورْ

سطورهم شواهد القبورْ

وجوههم ملامح الحجرْ

يكفُّ أيوب اتصالاته. لا تستمر شاشة الهاتف بظلامها طويلاً. تضاءُ برسالة: "الحمد لله. آنا وأبوك، ألحين نسمع صوتك في الإنترنت". تُلحق كلماتها رجاءً بأن أكُفَّ عن عنادي. أواصل نشاطي في لندن، ثم أعود لاحقاً إلى الكويت. على من تكذبين يا والدتي، عليكِ أم عليّ؟ وأنتِ تدريني إن تركتُ مكاناً أحببته لا أعود! تردني رسالة أخرى من أيوب: سأعاود الاتصال.. اخرج بفاصل موسيقي وأجبني على الفور!

النصرُ للعَدمْ

للسائرين في جنازةِ الربيعْ

النائمين حين تنهضُ الجموعْ

كأنهم سوائمُ البَهَمْ

بعد رسالة أيوب الأخيرة، يدنو ختام فهد للقصيدة. أقرِّرُ الردَّ على اتصالاته. يجيء صوته مرتفعاً، يصاحبه صوت فهد ينطلق من مذياع بالقرب منه: أنت مجنون؟ المجدُ للظلام؟! أجيبه ببرود فاق ما اعتدناه منه: المجدُ لمن إذن؟ يدعوني أكفُّ عن الجنون. حالتي النفسية، وفق رأيه، لا تبرِّر، أبداً، ما أبثُّه للمستمعين. أقول له إنها ليست حالتي النفسية، غنها حالة وطن يلفظ أنفاسه الأخيرة. يُردِّدُ لحناً حزيناً: "تيرارارااااا"، قبل أن يجيبني بغضبٍ فشلَ يخفيه: على رأي صادق، أنت تحب الدراما..

يخبو صوت فهد، عبر جهاز الإرسال، خاتماً:

الموتُ للقلَمْ

لكلِّ ريشةٍ وفَمْ

إذا تفجَّرت منابعُ الألم

أنتقلُ إلى فاصل موسيقي. أنصتُ إلى صوت فهدٍ متأخراً، عبر مكالمة أيوب، بفارق ثوان عن جهاز الإرسال أمامي. أُطمئنه: ها هي القصيدة وقد انتهت. يرقُّ صوته يقول: ليس هذا أوانها. يرتفع صوتي: وليس أوان بلاد تطلب المعالي! يذكِّرني بأن مقرّناً لم يعد

سرِّياً. ليس في وسع الحكومة توفير حماية. نحن مرصودون. ويجب ألا تنسى تهديدات الجماعات الدينية. أُذكِّره: ولا تنسى الجماعات الدينية التي في صفِّنا. لا يبالي. يجيب: الغلبة للصوت المرتفع. أُجيبه منفعلاً كيف يُصدِّق أنهم يقدمون على حرق مقر أولاد فؤادة؟ يكرِّر الاسم ضاغطاً على حروفه: أولاد فُـ ؤ ا د ة، بالمناسبة! يقول، قبل قليل كَتَب أحدهم في الإنترنت تعليقاً على اسم جماعتنا: لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة! أردف يسألني: فؤادة امرأة؟!

يُعجبه قوله. ينفجر ضاحكاً. أصرخُ به:

- "الأمر ما يضحِّك!".

يتجاوز ردّي يسألني عن الجديد حول مسودة روايتي إرث النار.

- "ولا شي..".

أُحب أن أستمع إلى أيوب جادّاً. يقترح للمرَّة الألف:

- "انشرها باسم مستعار. فكِّر في الموضوع".

لو أنه يدري بأن اسمه واحد من بين الأسماء التي جاءت صريحة في أوراق الرواية، على عكس دأبي في تغيير الأسماء في نصوص نشرتها سابقاً. لو كنت تدري بأنك أيوب، يا أيوب، في روايتي، أتُراكَ تنصحني بكتابة اسمي مستعاراً على غلافها؟

يستطرد متجاوزاً صمتي. يرجوني ألا أنسى نشرة الثالثة. سوف يُعد تقارير موجزة، بما تسمح به الرقابة، لجريدة "الراي" عن اشتباكات اليوم، ثم يرسل لي تقارير كاملة للإذاعة عبر بريدنا الإلكتروني. يعود لاحقاً لإعداد تقرير عن تظاهرة المنصورية المحتملة يُحدِّثُ بها الموقع الإلكتروني. أسأله: أيوب، هل ما زلت مؤمناً بجدوى عملنا؟ يكتسي صوته جدِّيةً: أكثر من أي وقت، يا رجل! اسم أولاد فؤادة، الذي سخرنا منه قبل سنوات، صار شعاراً يحمله الناس في الشارع. دع غيرك يسأل هذا السؤال. يختم راجياً: أرجوك اترك المايكروفون واستعن بأغان وطنية إن كنت في مزاجٍ سيئ. اترك عنك القصائد المستفزَّة. أنت تفهم قصدي. إن سلِمنا من الرقابة الحكومية لن نسلم من الآخرين.

أغانٍ وطنية! بات واحدنا يتساءل وهو يستمعُ إلى أغنية وطنية.. عن أي وطن يتحدثون ؟ أُنهي المكالمة. أواصل تقديم فقرة حديث اليوم، تارة بصوتي، وأخرى بتسجيلات صوتية مُعدة سلفاً بصوت فهد. أرسلُ، عبر الهاتف، رسالة لضاوي، أستنجده للحضور وإكمال ما تبقى من برامج اليوم. أنا مضطر لترك المكان في أقرب وقت.

يهاتفني ضاوي. يبادرني بـ"يا وَجُل" على طريقة لسانه الثقيل في لفظ حرف الراء. يستطرد: كنت أستمع إلى "حديث اليوم". بدا صوتك منفعلاً. ولكن، حسناً فعلت. كانت حلقة مميزة.

"أتراه استمع إلى القصيدة؟"، أسألني، وأنا الذي أعرفه متحفظاً على هذا النوع من القصائد، "قصائد يُساء تأويلها"، كما يقول

دائماً. أنصرفُ عن تساؤلي ملتفتاً إلى تنبيهه في آخر المكالمة. يطلب مني أن أستخدم السلالم إن كنت أنوي ترك المقرِّ بعد الغروب، لأن الحكومة، على حد قوله، ستعاود قطع الكهرباء في بعض المناطق مساءً، كي تجبر الناس على البقاء في بيوتهم خشية تفاقم الأمور. مسكين ضاوي يقلقه أمر قطع الكهرباء دائماً. سنوات طويلة مضت، منذ رحيل والده، لم تبدِّد خوفه المزمن من الأماكن المظلمة. ما رأيته يدعو الله خاشعاً كما يفعل عند دعائه: "اللهم هوِّن علينا ظلمة القبور". أُطمئنه بأنني لن أبقى هناك إلى وقت الغروب. أُبرِّر: لأنك سوف تأتي إلى المقر حالاً لتكمل بَثّ البرامج يا شيخ.

يبدو لي، من صوته، أنه يبتسم، وهو الذي يصرُّ على أن ذقنه الطويلة لا تؤهله لأن يكون شيخاً: أنا حاضر، أمهلني فقط لأغير ملابسي. أُنبِّهه: اسلك طريقاً آخر غير الجسر بين السُّرُّة والجابرية. يظنني أُحذره من روائح نهر البَين. يجيبني: يا أخي لا أحد يشمُّها عداك وأيوب، أنتما واهمان! ليست الرائحة دافعي لأطلب من ضاوي تجنب المرور بالجسر، ولكن اسمه، في البطاقة الشخصية، ولحيته الكثة يكفلان له عبور الحاجز الأول بسلام، إنما حتماً يوقعانه في مشاكل عند الحاجز الثاني في نهايته. لو أخبرته سوف يسلك الجسر عناداً. لطالما رجوته أن يصدر بطاقة شخصية أخرى باسم مُزوَّر، يحذف منها لقب القبيلة، تجنبه المشاكل عند بعض الحواجز، ولكنه دائماً محقٌ حين يجيب: فعلها أبي من قبل، ولم ينفعه اسم مُزوَّر! يؤكد، حتى لو كان تزوير الاسم مجدياً، فإنه لن يفعل. أتذكر روايتي قيد النشر. نصيحة أيوب. بين اسمي واسم مستعار. اتصالات الناشر اللبناني.

نصيحته بحذف فصولٍ أربعة تلافياً للمنع. أطرد أفكاري. أذكِّره: لا تنسَ أن تحضر مصباحاً يدوياً وشموعاً. وكأنه نسي خبراً نقله إليّ للتوِّ. يسألني لماذا؟ أستعير لسانه متخلياً عن "الراء" لصالح "الواو": يا وَجُل.. الحكومة سوف تقطع الكهوَباء! يضحك. يُنهي المكالمة ساخراً:

المجدُ للظلام!

* * *

يحدث الآن 2:42 PM

لا يكاد يرتفع أذان العصر ينثُر شيئاً من طمأنينة، حتى يصمُّ أذنيّ دويّ انفجار في مكان قريب، يهزُّ أرضية الشقة، تاركاً صفيراً عالقاً في أذنيّ، وتصدُّعات على زجاج النافذة أمامي. يتبع الدويّ صوت إطلاق أعيرة نارية. أجدني على أربع فوق الأرض. هل سقطت علينا السماء وقت إعلان الهدنة؟! الطف يا رب. أحبو نحو الجدار. أستند إليه مادّاً عنقي إلى النافذة المطلة على الشارع. أستطيع أن أشاهد بوضوح، بين تصدُّعاتها، سحابة دخان كثيفة في آخره، تخترقها تبَّاعة الجِيَف مهتاجة. يهاتفني ضاوي فزِعا وقد خرج من بيته للتوّ: هل من دخان وغبار يتصاعد خلف إحدى البنايات الكبيرة. يجيبني: يا ساتر، غير معقول! ظننت أنه، من شدَّة الدويّ، قد حدث هنا في الفيحاء. أتوسل إليه، ما دام في الفيحاء لا يزال، أن يقفل عائداً، حفاظاً على سلامته، فالأمور باتت أكثر تعقيداً. يصرُّ على المجيء متعللاً بأنه قد سلك الدائري الرابع ولم يعد يفصله عن مدخل الجابرية، شارع تونس، سوى مسافة قصيرة. صوت الأعيرة النارية مستمرة. لا أُنهي المكالمة إلا بعد إذعانه لإلحاحي: خلاص، اطمئن ها أنا في طريقي إلى البيت ثانية. يختم محذراً: إياك أن تترك المقرّ!

أكرِّر اتصالاتي بصادق وفهد. لا جديد. أيوب لا يرد على هاتفه يضاعف قلقي. أصوات سيارات الإسعاف والإطفاء تتخلل أصوات الطلقات. هاتفي يتلقى اتصالاً من رقم مجهول، يشي الأربعة والأربعون في بدايته أنه من لندن. لا أرد. أجوب الشقة جيئة وذهاباً كمن ينتظر، في ممر مستشفى، إفاقة قريبٍ يرقد في غرفة العناية الفائقة. لو كان الأمر كذلك لهان الحزن. كل مصيبة تنثال على رؤوسنا نؤمِّل أنفسنا بأنها ألأقسى والأخيرة، ولكن المصائب تأبى إلا أن تتهافت علينا أرتالاً تلجم آمالنا. ترفع أصابعها الوسطى في وجه هدنة مزعومة.

* * *

رواية "إرث النار" الفأر الأول: شَرَز