الفصل الخامس
الفريسه والصياد
كنت أعرف عاجلا أو آجلا لابد من الحديث مع عباس، وكنت أعلم أنه
مهما إقتربت من الحقيقة، يبقى عباس الرقم الصعب بدونه ليس هناك حقيقة
كاملة، فهو صديق طارق ورفيق دربه، ولكن مع مشاعر العداء التى بيننا يبدو أن
لا أمل فى معرفة شىء منه، إنتحار أم قتل، لم أستطع أن أؤكد أحدهما، فكل ما
آل إليه بحثى معرفة الدوافع، إذا قتل فأنا أعرف من قتله والسبب، وإذا إنتحر فأنا
أعرف لماذا، ولكنى فى داخلى موقنة إنه قتل، مع أن الجميع أهله وأصحابه
تقبلوا الإنتحار، هل لذلك علاقة بطبيعة العلاقة بيننا، فالأعداء يدرسون بعضهم
جيدا، فنظرتهم تكون مبنية على الحقائق أكثر، وليست على العاطفة، إشتبكنا مع
شلتهم لأكثر من عام كامل، مناوشات مستمرة، وشتائم فى كل مناسبة تجمعنا،
لابد أن هذا كله أعطانى الذخيرة الكافية لأصل إلى يقين أن طارق قتل ولم
ينتحر، على العموم لابد من أن إتحدث مع عباس ولكن لأفعل ذلك أحتاج إلى
وساطة سامية أو عماد أو فدوى ولكن فدوى آخر ما تفكر فيه هذا الأمر حتى لا
تزعج حامد، أما الباقين كل منهم يمثل مشكلة بالنسبة لى فسامية ستذلنى قبل أن
تقوم بأى خدمة، وعماد رغم أنه تعاون معى فخسرته بغرورى وكنت أظن بأنى لن
أحتاجه ثانية، ولكنى رغم كل شىء أفضل خيار عماد على سامية، فالأنثى لا
تريد الإنكسار أمام أنثى مثلها، ولكن إلى حد ما يمكن التذلل إلى الرجل، إخترت
يوما فى منتصف الإسبوع لأزور عماد ثانية فى البنك، كنت قد خرجت من
الجامعة بعد يوم عمل قصير، مع أن كل أيامى فى الجامعة قصيرة، ولكن هذا
اليوم أقصر من قصير، ذهبت مباشرة إلى البنك، وإنتظرت فى الصالة بعد أن
أرسلت إليه أحد الموظفين يخبره أن دكتورة عزة بانتظاره، ولكن عاد الموظف
يخبرنى بأن على الإنتظار قليلا حتى يفرغ من بعض العملاء، وإنتظرت طويلا
وقلت فى نفسى إذا كان على الإنتظار فهو مقدور عليه، المهم أن يقابلنى فى
النهاية، وتحسرت عندما تذكرت زيارتى السابقة وهو جالس أمامى كالتلميذ،
ولمت نفسى فقد أضعت مصدرًا متعاوناً برعونتى، وأخيرا أرسل أحد السعاة
يخبرنى بأن الأستاذ عماد ينتظرنى فى مكتبه، دخلت عليه وإعتذر بالطبع عن
تأخيرى وهو يبتسم إبتسامة صفراء، فقلت مبتسمة: العمل أولا هذا شعارى فى
الحياة. أحس بأننى أسخر منه فدخل فى الموضوع مباشرة بقوله: إنشاء الله خير.
قلت: أريد منك خدمة، جلسة صلح مع عباس.
ضحك بصوت عالى وقال: آخر مرة أعطيتنى درساً فى تبادل المعلومات، وهذه
المرة أعتقد تسمى تبادل خدمات.
فقلت مبتسمة: لا مانع ماذا تريد بالمقابل.
صمت فترة ثم قال: أريد أن أتزوجك. نزل حديثه على كالصاعقة، إن هؤلاء
الرجال عندما لايتوقعون تصرفاتنا، نشغل تفكيرهم فيفتكرون أنهم يفكرون بنا لأنهم
يحبوننا، كنت متأكدة لو أن تصرفاتى مع عماد كانت متسمة بالمنطق لما فكر
يوماً أن يتزوجنى، فصمت فترة وكان ينظر إلى باهتمام منتظرًا ردي، ولكنى
إستغليت الصمت لأوهمه بأنى أفكر فى الموضوع، لقد كان واضحاً أن خيار
سامية أفضل، ثم قلت وأنا أتعمد الحياء: لقد فاجأتنى بهذا الأمر. كان هذا الرد به
مساحة من الأمل بالنسبة إليه فقال مندفعاً يتحدث عن إنبهاره بشخصيتى، وإنه
كان دائم اً معجب بى، وإنه مقتدر مادياً، وأن أسرته من أكبر العائلات فى البلد،
وإنه يعدنى بحياة أكثر سعادة. قاطعت حديثه قائلة: دعنى أفكر أولا، أريد وقتا
فهذا قرار مستقبل حياتى. ونهضت من الكرسى أريد المغادرة فسامية هى الحل،
فأجلسنى وقال: التفكير هذا خاص بطلبى، ألا تريدين إجابة على طلبك؟.
قلت: بدون أن تحصل على الموافقة بخصوص الزواج.
قال: لارابط بين طلبك وطلبى، ولكنى لم أجد طريقة لطرح هذا الموضوع عليك.
قلت: هل ستساعدنى مع عباس؟.
قال: عباس لا أعتقد بأنه سيقبل المصالحة معك لأنه يمر بمرحلة هزيمة نفسية
وأنت بالنسبة إليه منتصرة، ماتريدينه من عباس معلومات بخصوص وفاة طارق،
وهذه يمكن الحصول عليها بسهولة منه.
قلت: كيف ؟.
قال: إذا كنت قابلت عباس فى حالة سكر ، فسيحكى لك تاريخ البشرية جمعاء،
وليس ما حدث لطارق المغربى فقط.
قلت: فلماذا لم تسأله أنت، ألست مهتما بما حدث لطارق.
قال: المشكلة إننا ندخل درجة الثمالة، قبل عباس بكثير، فلا نتذكر ما نقول. قلت
لنفسى هذا ماكان ينقصنى أن أتزوج مخمورًا. ثم إستدرك قائلا : إننى لا أشرب إلا
فى المناسبات فقط.
قلت: متى يمكننا زيارة عباس.
قال: الآن إذا أردت.
قلت: العمل أولا أليس هو شعارك.
قال ضاحكاً: هذا شعارك أنت، أما أنا فشعاري العمل بحجم الراتب.
قدت السيارة إلى منطقة سكن عشوائى لا أعرف ماذا تسمى كان الطريق
طويلا باتجاه جنوب الخرطوم، حتى أننى أحسست بالخوف فلا أشعر بالإرتياح
للمكان ولا لعماد نفسه الذى كان يجلس بجوارى، وأخيرًا وقفنا أمام منزل مبنى من
الطين، ونزل عماد وإنتظرته فى السيارة، وشعرت بأننى لم يكن من الصواب أن
أتى إلى هنا، فأوقفت السيارة بعيدا عن المنزل، ولكن عماد خرج سريعا ووقفت
معه إمراة على الباب، وهى تضحك بصورة مبتذلة وكانت تحاول إمساك يده
ولكنه سحبها سريعا وهو ينظر فى إتجاهى، ثم تركها وتوجه إلى السيارة، وقال أن
عباس لم يأتى من يومين وبسرعة خرجت من الشارع، ثم قدت بسرعة وأنا
أستغرب من نفسى فقراراتى أصبحت مرتجلة، وما أن وصلنا إلى البنك، نزل عماد
من السيارة ثم قال عبر نافذة السيارة وهو يبتسم: متى تردين على طلبى.
قلت: الآن، لا أعتقد بأننا نتوافق، حتى أن طلبك مثل مفاجأة لى وهذا دليل على
إننى لم أتصورك كزوج.
قال: ما هو الشرط الذى لا يتوفر لدى، إذا كان مسألة شرب الخمر فيمكننى
إيقافها ولقد تعلمتها بدافع التسلية فقط.
قلت: ليست مسألة شروط إنما هناك قبول أم لا وهذا غير متوفر، أعلم أن الكثير
من الفتيات يتمنين الزواج بك فأنت شاب متعلم وغنى ومن عائلة كبيرة، ولكنى لا
أشعر بأننى قابلت من سأتزوجه حتى الآن.
قال: لن أستسلم، سأنتظر، طول البال يبلّغ الأمل. ثم ودعنى وذهب. قدت السيارة
إلى المنزل وأناراضية عن نفسى لحسمى هذا الموضوع مبكرًا، وإستغربت أن شلة
طارق بعد أن كانوا يدافعون عن وطن، أصبحوا لا يفعلون شيئا غير شرب
الخمر، كأن المبادىء كانت مرتبطة بوجود طارق، أو كأن غياب الزعيم تركهم
ليس لهم غير ذكراه فأصبحوا رهائن للماضى، فشارب الخمر يسكر ليتحدث عن
الماضى التليد، أما المستقبل فلا شىء يذكر بشأنه.
حالما دخلت غرفتى بعد مشوار عماد الفاشل، جلست على المكتب أدرس فى
الأوراق الموجودة فى الظرف، كانت هناك خريطة مفصلة للعاصمة المثلثة
الخرطوم، وكان بها دوائر حمراء تمثل المواقع المستهدفة، ثم مجموعة من
الأوراق كل واحدة تمثل موقع منفرد وعدد الأفراد المكلفين به وتوقيت التحركات،
لم أكن على دراية بهذه الأمور ولكن بدأ لى أن هناك جهداً ضخماً قد بذل حتى
تخرج هذة الأوراق بهذه الطريقة المتقنة، ثم فحصت قائمة أسماء الإنقلابيين
فوجدت إننى لا أعرف منهم غير طارق وجيمس وعباس، ولكن أين جيمس، من
المفترض أنه كان بالجنوب، ولكن حسب رواية حامد، فقد كان موجودا بالخرطوم،
على أن أبحث أين قتل، ثم تذكرت حديث هشام يجب أن أزور مكان الحريق،
كان الموقع موضحا فى الخريطة ومكتوب بقربه (المنطقة الصناعية.المخازن)،
الآن أدركت لماذا كانت المخازن مملوكة لجيمس والكافتيريا بالإيجار، ذلك لأنهم
يستخدموها فى تخزين السلاح، قاشتروا الموقع حتى يكونوا فى أمان لأن الإيجار
قد يطلب منهم صاحبه الإخلاء، أو يأتى لتفقد عقاره، يجب فعلا رؤية هذا المكان
وقررت أن أكون غدا صباحا هناك.
وفعلا منذ الصباح الباكر كنت أمام المبنى رقم ستة وستون بالصناعية،
كان يحتوى على حوش، واسع ووجدت بابه مفتوحا وبدون قفل، فدخلت ووجدت
عرشة فى ركن الحوش وبجانبها حظيرة بها بعض الأغنام، وعربة كارو كان
الحصان الذى يجرها مربوطاً على أحد أعمدة الحظيرة، وكان فى نهاية الحوش
المبنى الذى كان منهارا وأثار الحريق مازالت معلمة على جدرانه التى كان
يغطيها السواد، إقتربت من المبنى كان الإنفجار قد جعل الطابق الأرضى مختفيا
ونزل الطابق العلوى، أو ما تبقى منه الى الطابق الأرضى وكانت آثار الحريق
طاغية على كل شىء، فجأة رايت رجلا عجوزا يدخل من الباب الذى جئت منه،
وإقترب منى وقال: من أنت؟.
قلت: أنا أخت طارق المغربى يا عم إبراهيم وجئت لكى أرى إمكانية بيع هذا
العقار. كنت على يقين بأن طارق وهو يستعد لمثل هذا الإنقلاب لن يعطى عم
ابراهيم أى معلومة عن أسرته، قال عم إبراهيم: تفضلى يابنتى، وإتجه ناحية
العرشة التى كان يستخدمها كسكن له كانت بها ثلاثة سراير منسوجة من الحبال،
وفى ركن منها كانت هناك شجرة ليمون يرقد تحتها زير ماء، وفى الركن الآخر
مايشبه المطبخ حيث كان يوجد موقد صغير مربوط بأنبوبة غاز، جلست على
أحد الأسرة وأخذت أتأمل فى عم ابراهيم كان يرتدى طاقية بيضاء ويظهر على
جنباتها شعره وقد إكتسى باللون الأبيض متناسقا مع شاربه ودقنه الذين أكتساهما
البياض، ويلبس جلبابا أبيض إلى الركبة الذى تحول إلى اللون البنى الفاتح متأثرا
بطول الإستعمال وسروال حتى قدميه، وصدرية لونها أسود متناقضة مع بياض
ما يرتديه، ولكنه كان محافظ على بنية قوية، جلس قبالتى بعد أن وضع الماء
على النار وكان ينتظر منى أن أتحدث ولكنى فضلت السكوت حتى يبادر هو
بالحديث فأريد أن أعرف ما الذى يفكر به، ولكنه ظل صامتا فقلت: أتسكن هنا
وحدك.
قال: لدى زوجة وولد وبنتين، ولكنهم يعيشون بمدينة رفاعة، ويأتون الى هنا
عندما يكون الأولاد يحتاجون الى ما يشتروه من السوق.
كنت أريده أن يخاف منى أو على الأقل يشعر بالرهبة قبل أن أسأله ما أريد،
فقلت وأنا أنظر فى عينيه: لقد قررت بيع هذا المكان، فما رايك.
قال برجاء: ولكن يابنتى أليس من الأحسن صيانته وتأجيره كمحلات فهذه
المنطقة أصبحت غالية. صمت فترة كمن أفكر فى ما قاله وقلت: لكنك تعلم منذ
وفاة طارق لم يستطع أهلى الحضور إلى هنا.
وقف وذهب يعد الشاى ثم قدمه لى، قال: الحوادث تحصل فى كل مكان،
فالأقدار لا يردها زمان أو مكان .
قلت: ماذا حدث فى يوم الحريق.
قال: كنت أتناول الشاى مع جارى حارس معرض السيارات فى المبنى المجاور،
وسمعنا صوت إنفجار وعندما دخلنا هنا راينا طارق من شباك الطابق العلوى واقفا
والنار تزداد وصرخنا فيه: أقفز.. أقفز ولكنه ظل واقفا وهو ينظر إلينا حتى سقط
ثم ا زادت النيران فلم نعد نرى شيئا ثم إنهار الطابق العلوى قلت: ماذا كان موجودا
فى الطابق الأرضى.
قال كانت هناك الكثير من البضائع وأنابيب الغاز التى أنقلها الى المطعم بنفسى
وهى التى سببت الإنفجار.
قلت: والأسلحة أين كانوا يخفوها.
رد خائفا: أسلحة، أى أسلحة، لم يكن هناك أسلحة من قال لك هذا؟. صمت فترة
وأنا أدرس نظراته وقلت: السلاح هو ما سبب هذا الإنفجار.
رد غاضبا: صدقينى لم يكن داخل مخازن الطابق الأرضى غير بضائع وأغلبها
نقلته على ظهرى هذا، والله شاهد على كلامى.
قلت: والطابق العلوى.
قال: لا أعلم عنه شيئا فطارق يغلقه بنفسه قبل ذهابه فله باب ضخم من الحديد
عند نهاية السلم وقد أخبرنى أن به أو ا رق الحسابات، ولكنى لم أدخل إليه بالمرة،
وقد منعنى طارق حتى من دخول السلم. نظرت إلى المبنى ثم سرت باتجاهه،
كنت فى قمة حيرتى كيف يؤكد عم إبراهيم عدم وجود سلاح، إذن لماذا إشتروا
هذا العقار بدلا من الإيجار، والإنفجار حدث فى الطابق الأرضى، فحتى ينتحر
طارق عليه إشعال النار فى أنابيب الغاز فى الطابق الأرضى ثم يصعد السلم
إلى الطابق العلوى وينتظر أن يموت هذا لا يعقل، ثم إذا كان إغتيال لماذا لم
يقتلوا طارق أولا ثم يفجر وا المبنى بمن فيه، كان هناك شيئا مفقودا، وبدأ الغضب
يتملكنى فقد بدأت أحس بأن هناك من يكذب، فقلت بعصبية لعم ابراهيم أن يأتى
برجال يساعدونى فى رفع الأنقاض، على الأقل حتى أعرف ماذا كان يخفى
طارق فى الطابق العلوى فخرج وأتى بعد فترة ومعه خمسة أشخاص، وشرعوا فى
رفع الأنقاض التى كانت تمثل سقف المبنى المكون من هيكل معدنى مرتفع فى
المنتصف مائلا إلى أسفل على الجنبين وبطانة من الخشب الذى إحترق أغلب
أجزائه والطوب المنهار من الجدران، وأخذت هذه العملية وقتا طويلا إمتد لأكثر
من خمسة ساعات، وكان الغبار الناتج من الركام قد غطى الحضور جميعا بما
فيهم أنا، رغم إننى كنت أجلس تحت العرشة البعيدة عن موقع المبنى، وما أن
أكملوا ذلك حتى إقتحمت المكان و رايت ما كان مفترضا أن أفكر فيه منذ أن قاله
فيصل، إن طارق كان يواجه بالإضافة إلى المشكلة المادية، مشكة الإتصال، لقد
صنع طارق ما يشبه محطة كاملة للارسال فى هذا الطابق، كانت الأجهزة
كالحجارة السوداء الضخمة وكان الغطاء البلاستيكى الذى يغطى خطوط الكهرباء
والإرسال فيها قد أسالته النار فغطى أرضية الغرفة التى كانت مغطاة بالمادة
البلاستيكية السوداء، ومتناثرة بعض الأوانى والأكواب على الأرض، نظرت إلى
عم إبراهيم الذى بدأ مدهوشا أيضا مما راى، وأخيرا رايت نفسى أستطيع الإبتسام،
فقد علمت الآن لماذا إشترى طارق المخازن ولم يؤجرها، لم يكن يريد تخزين
السلاح ولكنه كان يريد إخفاء أهم جزء فى خطته، طريقة الإتصال أثناء
الإنقلاب.
هذه المعلومة جعلتنى أشتعل حماسا، فعند المساء كنت فى منزل فيصل
وأديبة، كانت بداية شهر يوليو، تنذر الخرطوم بخريف ليس سهلا ، فقد كانت
السماء ملبدة بغيوم داكنة، وبهرنى منزلهم هذه المرة فقد إستطاع فيصل أن يبنى
صالون لإستقبال الضيوف، وطلاء المنزل، ولكن ما أثار إعجابى طريقة زراعته
للزهور، وتوزيع الإضاءه تحت الأشجار، فما أن أحضرت أديبة الشاى وأضاءت
الأنوار حتى خيل إلىّ إننى أجلس فى إحدى الجنان فقلت لفيصل مازحة: فى مثل
هذا الجو يمكننى أن أنظم قصيدة فى ثوانى فلا حاجة لشاعر مثلك.
قال ضاحكا: أتركينا من هذا، وقولى لى ماذا أتى بك، فأنا أخاف من زياراتك.
أعطيته الظرف وتناولت فنجان الشاى من أديبة، وأنا أستمتع برؤية تعابير وجهه
وهو يتفحص الأو ا رق بدقة، ثم بدأ عليه الإندهاش وقال: كيف عثرت على هذه
الأوراق؟.
قلت: هذه قصة طويلة، ولكنى أريد منك، أن تعرف كم من العسكريين ما زالوا
على قيد الحياة فى هذه القائمة، لأننى تأكدت من وفاة المدنيين جميعا باستثناء
عباس وجيمس لم نعثر على جثته.
قال: ولكن لا أعرف منهم غير دكتور عمر فضل وعباس وطارق وجيمس، وبقية
الأسماء لم تكن ضمن قائمتنا فهذه شخصيات جديدة.
قلت: ولكنك كنت تتصل بعسكريين، وأريدك فقط أن تعطيهم هذه الأسماء لنعرف
من قتل منهم. قال بتردد: سأحاول، ولكن ماذا يفيدك إذا كانوا أحياء أو قتلوا فقد
فشل الإنقلاب.
قلت: إنى أرجح وفاتهم جميعا وفى هذه الحالة يكون السؤال لماذا بقى عباس فقط
حياً؟.
كنت أعطى محاضرتى فى الكلية، عندما سمعنا صوت هتاف ضد
الحكومة داخل الجامعة كانت هناك مشادات بين أنصار الحكومة وخصمائها من
الطلبة، نظر إلى الطلبة كأنهم يتوقعون منى تعليق على الأحداث، ولكنى تابعت
الدرس فلم أهتم بما يحدث فى الخارج، ولكنى رايت جميع الحضور ينظرون من
نوافذ المدرج، وبدأ واضحا بأن لا أحد يهتم بما أقول، فتوقفت عن الحديث، لم
أكن أريد بأى حال أن أدخل السياسة فى عملى ولكنى لم أستطع أن أشد إنتباههم
إلى المحاضرة، ساد الصمت فترة طويلة فى المدرج، ولكن الهتافات فى الخارج
كانت صاخبة، ثم قلت لهم: من يريد الخروج فهذا قراره، ومن أراد أن يبقى فعليه
التركيز فيما أقول، أنتم طلبة جامعيين لكم حق إتخاذ قراراتكم، لست مسؤولة فى
جهاز الأمن لأمنع أحد من الخروج. تشجع بعض الطلبة وخرجوا ولكن الأغلبية
ظلت جالسة، وإستغربت ذلك فى أيامنا كان الجميع يخرجون على الفور، هل
بقاؤهم ناتج من الخوف مما قد يحدث فى المظاهرات، أم إنه تحمل للمسؤولية
فكل منهم له مايكفيه وأهله من مشاكل، لم أعرف إجابة لهذا السؤال، ولكنى
إستطعت إكمال المحاضرة وكان جميع الطلبة منتبهين حتى آخر لحظة، كنت
أعلم عندما تعطى البشر حرية الإختيار تحصل على أفضل النتائج. ما أن
خرجت من المحاضرة حتى وجدت فيصل فى إنتظارى، كان يبدو عليه أنه يحمل
معلومات مهمة، فسألته على الفور: أحياء أم موتى؟.
قال: موتى فى مناطق العمليات بالجنوب.
قلت: السبعة دفعة واحدة؟.
قال: جميعهم.
شعرت بالخوف من فريد النمر لم يرحم أحدا، ولم يأبه برتبة عسكرية أو درجة
علمية، ولكن هل هو حى أم توفى؟. كنت أسير باتجاه السيارة وفيصل يسير
بجانبى ينتظر منى أن أتحدث، كنت أعلم أنه يتحرق شوقا لمعرفة التفاصيل،
إنقلبت الآية أصبح الكل يريد أن يعرف لكن بدون تعب أو مجهود، ركبت السيارة
وأدرت المحرك وفيصل واقفا رافضا الركوب فقد أحس بأننى سأنتقم منه فلم
يعطنى شيئا بسهولة فقال وهو ينظر من نافذة السيارة: ستخبرينى أم لا، لا أريد
مزايدات.
قلت ضاحكة: أريدك أن تشعر بنفس شعورى وأنا أتوسل اليك أن تخبرنى عن
علاقتك بطارق.
قال: لم أكن أعتقد أنك ستصلين الى هذه المرحلة.
قلت: إطمئن سأخبرك الليلة بكل ما أعرف.
قال : الليلة؟.
قلت: لأنك ستذهب معى فى مشوار فى غاية الأهمية، فأنا أحتاج إلى حمايتك.
نظر إلى مستغربا وقال: حمايتى؟.
فقلت له مبتسمة : سأمر عليك فى المنزل بعد العاشرة.
قال: بعد العاشرة أتريدين سرقة بنك.
قلت: نعم ولكنه بنك معلومات. قدت السيارة سريعا كنت مطمئنة مادام الفضول
قد تملك فيصل فسينتظرنى على أحر من الجمر، ما أن صعدت الى غرفتى حتى
أخذت دشاً إستلقيت على سريرى يجب أن أنام جيدا كانت الساعة قد تجاوزت
الثالثة بعد الظهر، يجب أن أكون فى غاية التركيز وأنا أواجه عباس الليلة،
فسيكون الموقف فاصلا إما هزمته ففى هذه الحالة سأحصل على ما أريد من
معلومات أما هزمنى وعندها لن أستطيع أن أحصل على شىء منه أبداً.
إستيقظت وقت المغربية كان نومى متقطعا، جلست فى الحديقة، وجاء أبى
وهو ينتظر أن يشرب الشاى فى مكانه المعهود، كان ينظر إلى بتمعن، فلم أكن
قريبة منهم خلال الايام الماضية، ثم جاء خالد وأمى، ثم بدأ خالد يتحدث مع أبى
عن العمل، ثم بدأت أمى بتحويل الحديث عن الزواج، كنت صامتة أفكر فى
الوقت مازالت الساعة السابعة، ثم سألنى أبى: عزة كيف حال الجامعة، سمعنا أن
هناك مظاهرات.
قلت بعدم إهتمام: نعم ، مشاحنات بين الطلبة.
قال: لا يبدو أنك سعيدة بعملك فى الجامعة.
قلت: زملائى أصبحوا يكرهوننى لأنى أجيب الطلبة عن أسئلة مقررات تخصهم.
قال: إلتزمى بمقرراتك فقط.
قلت: هى مادة واحدة وعندى وقت فراغ كبير فلماذا لا أفيدهم.
قال: حاولى أن لا تصطدمى بزملائك.
قالت والدتى: حدثها عن الزواج لقد سئمت من هذه الدكتوراة التى لا تأتى إلا
بالمشاكل.
رد أبى معنفاً: كل شىء بوقته.
قالت غاضبة: لقد تخطت بنتك الثلاثين ماذا تنتظر. هى ترفض من يتقدم إليها
وأنت تشجعها. ثم أخذت تبكى وذهبت إلى داخل المنزل، نظر أبى إلىّ وقال:
يجب أن تفكرى بهذا الموضوع بطريقة جدية. ثم قام ولحق بها، بقيت جالسة فى
مواجهة خالد ولكنى تعمدت أن لا أنظر اليه فأعلم بأنه سيقوم باغاظتى، ولكنه
تقدم منى وأمسك بيدى وقال: لا تهتمى، ولا تتزوجى إلا من ترينه مناسبا، وأنا
أضمن لك إنك حتى لو بلغت الستين سأزوجك.
قلت ضاحكة: من الذى سيتزوجنى وأنا فى الستين.
قال: صديقى عوض فهو خريج أثار، فلن يمانع فى الحصول على الأشياء
القديمة. قبل أن يقفز داخل المنزل هذه المرة إستطعت أن أصيبه بفنجان الشاى،
ولكنى كنت أبتسم لأن خالد جعلنى أتخلص من التوتر الذى أعانيه وأنا أفكر قى
عباس، ثم صعدت إلى غرفتى وبدأت فى لبس ملابس ثقيلة، ثم لففت الثوب
حولى وأخذت صور من أو ا رق الإنقلاب داخل حقيبتى،
أخبرت خالد أن يخبر الوالدة بأننى سأبيت مع أديبة، كنت أعلم بهذا الاسلوب
سيعتقدون أننى غاضبة، ولن يتصوروا أبدا بالذي أنوى أن أفعله، أدرت محرك
السيارة وإنطلقت إلى سوبا حيث يقيم فيصل وأديبة، التى وجدتها تسألنى بقلق
عما أنوى أن أفعله ولكنى طمأنتها، بأننا سنعود خلال ساعة لا أكثر، عندما
وصلنا إلى منطقة السكن العشوائى، كنت أتمنى أن أتذكر مكان البيت حيث أنه
خلال الليل أصبح كل شىء غريبا، وفعلا بعد أكثر من نصف ساعة إستطعت
تحديد المنزل، أوقفت السيارة بعيدا، وان كانت حبات من المطر بدأت فى النزول،
وقلت لفيصل أريدك أن تبقى فى السيارة ولا تتدخل إلا إذا صرخت باسمك، فأنا
سأحاول ان أستفز عباس وهو سكران فلا أعلم ردة فعله، فقال: ولماذا لا أكون
معك.
قلت: لو راك لن يتحدث. نزلت من السيارة وأنا أتمنى أن يكون عباس موجودا
داخل المنزل طرقت الباب فلم يجبنى أحد، سمعت صوت غناء وضحك بالداخل،
ثم بعد فترة قتحت الباب امراة فوق الخمسين من العمر، تفحصتنى مليا وقالت:
نعم!.
قلت: أريد عباس نظارة. كنت أخاف أن تقول لى أنه ليس موجودا، ولكنها
أدخلتنى، كان المنزل عبارة عن غرفتين من الطين وأمامهما مجموعة من الأسرة
مرصوصة على شكل مستطيل يجلس عليها ثلاثة فتيات وأربعة رجال ووجدت
عباس يجلس فى الوسط كأنه الزعيم، وقالت له المراة التى أدخلتنى من الباب:
عباس .. ضيوف. كان عباس يحكى لهم فى قصة وما أن إلتفت ورآنى حتى
نهض من جلسته كمن أصابه مس من الجن، ساد الصمت المكان، حاول عباس
أن يعدل من هيئته فلم يكن يريدنى أن أراه بهذه الصورة، ولكنه كان بالكاد
يستطيع الوقوف معتدلا ، ثم حاول أن يبدو جاد اً وهو يسألنى بغضب: ما الذى
أتى بك، ومن أعطاك العنوان. توتر الجو فقد كان الحضور ينظرون إلى بريبة،
فقد كان المكان تفوح منه رائحة الخمر والمخدرات، نظرت إلي الجلوس بتكبر
وقلت: أريد الحديث معك على إنفراد. تراجع إلى الخلف كأنما يخاف منى وقال:
ليس بيننا ما يقال. أخرجت الورقة المذكور فيها أسمائهم وناولتها له، ما أن وقعت
عيناه عليها بدأ الخوف عليه ثم بدأ يتحرك باتجاه الباب وهو يحاول جاهدا السير
بطريق مستقيم، تبعته وعندما أصبحنا خارج المنزل قلت له: أريد أن أعرف لماذا
أنت فقط ما زلت حياً منهم؟. صمت وهو ينظر إلى وقال منفعلا: تركت لكم
العالم بمن فيه وأصبحت أعيش فى الحضيض، وتأتى إلى بكل وقاحة لتتهمينى
بالخيانة، إذا كنت خائنا أليس من المفترض أن أقبض الثمن، وهذا الثمن على
الأقل سيجعلنى أعيش أفضل مما أنا عليه الان.
قلت: أنا لا أتهم أحدا أريد أن أعلم بما حدث، فاذا لم تكن خائناً فلماذا لا تخبرنى
بالحقيقة. كنت أعلم بأننى كل ماجعلته فى موقف الدفاع سيتحدث أكثر، وبدأ
المطر يشتد ولكن عباس لم يكن يشعر به، فقد كان همه أن يحافظ على وقفته
معتدلا ثم إتجه الى الحائط المقابل لمنزلهم وأسند ظهره اليه، كنت أشعر بأنه قد
يتحدث، فقلت بلهفة يا عباس. إتهمتنى بأنى لا أهتم، والآن أنا أعلم كل شىء
عن الإنقلاب لأنى أهتم بما حصل، وعندما آتى إليك فى مكان كهذا لأنى أقدر
أن هناك مايستحق أن يعرف، وأعلم أن هذه القصة فيها من الألم ما جعلك تأتى
الى هنا لتنسى، ولكن الخمر لن تمحو شيئا، أريد أن أعلم متى رايت طارق أخر
مرة وما هى العلاقة التى تربطكم بابنة فريد النمر. كنت أتحدث بصيغة الأمر،
وإندهشت عندما رايت عباس يجلس على الأرض وهو يسند ظهره على الحائط،
كانت الأمطار قد زادت فلم أعد أميز بين وجهه والمطر، أخر ما كان يدور
بخلدى أن يكون عباس كالحمل الوديع، ولكن يبدو أن عماد كان محقا فأن الخمر
تجعل عباس بدون شراسته المعهودة، نظرت الى السيارة التى كانت على بعد
أكثر من مائة متر، ولمحت فيصل داخلها وهو يراقبنى وأنا أقف أمام عباس، وقد
إبتلت ملابسى بالكامل، بدأ المطر يخف تدريجيا، كان عباس مازال ممسكا
بالورقة التى تحتوى على أسمائهم، وأخذ ينطر إليها رغم الظلام فلم يكن هناك
إضاءة فى الشارع إلا من داخل البيوت التى حولنا، وكانت الورقة مبلولة تماما،
ثم ضغط عليها بيده بعنف حتى أصبحت كالكرة ثم قذف بها إلى منتصف الشارع
وقال: لم أكن معهم فى هذا الإنقلاب.
قلت: ولكن إسمك مكتوب معهم.
قال: طارق أبعدنى عنه بعد أن كنت مشاركا معه.
قلت: لماذا؟.
قال: بعد خروج طارق من السجن، كان همه الأول تجهيز الإنقلاب، ولم يكن
يريد إشراكنا فى هذا الأمر، ثم واجهته مشكلة الإتصال، فأضطر الى إدخال
جيمس لأنه مهندس إلكترونى فسافر إلى لندن للتدريب على أجهزة الإرسال
والإستقبال، وكان يخبر الجميع أن جيمس فى الجنوب، ثم بعد ذلك إحتاجنى فى
إدخال الأسلحة التى أرسلها دكتور عمر فضل عبر الصحراء وكان مطلوبا منه
إستلامها فى غرب السودان فى ثلاثة شاحنات، وقمنا أنا وطارق وجيمس بقيادتها
إلى حدود الخرطوم بعد رحلة مضنية، ثم قمنا بأدخالها فى عربات صالون صغيرة
إلى داخل الخرطوم حيث خبأناها فى بيوت إيجار سكنية، حيث تم دفنها فى فناء
كل بيت وهى مغلفة بأكياس متينة، ثم بدأنا فى مراقبة فريد النمر وهو كان مسؤولا كبيرًا فى الأمن، كان قد قام باعتقال طارق وتعذيبه فى السجن وكنا نشتبه بأن له
علاقة بوفاة بعض المعتقلين، كما أنه كان المسؤول عن مراقبة كافة أنشطة
الجامعة، وأقنعنى طارق بأن أفضل طريقة للتخلص من مراقبة العميد فريد النمر
بأن نراقبه نحن، وإكتشف طارق أن له إبنة كفيفة تدرس فى أحد المعاهد
الخاصة، وكانت والدتها من مصر غالباً ما تذهب بها إلى المعهد صباحاً وتعود
بها بعد الثانية ظهرا، ثم إستغل طارق خبرته فى الجمعيات الخيرية خصوصاً بأنه
كان مسؤولا عن جمعية الأمل للمكفوفين وإستطاع أن يعقد إتفاقا مع مدير المعهد
بالتعاون فى برامج تعليم المكفوفين وتوفير لوازم المعهد، وأخذ يتردد على المعهد
ووثق علاقته بكل الأساتذة والطلبة بما فيهم ياسمين فريد النمر، كنت أقوم
بترتيب وصول إحتياجات المعهد، وتعرفت إلى ياسمين كانت جميلة، ملاك يمشى
على الأرض، كانت بريئة نقية كل من يراها يعجب بها أى شخص وأصبحت
أ اراها يوميا، حيث أن عملى كمتدرب فى مكتب المحاماة لم يكن يأخذ الكثير من
الوقت، حتى فلم أعد قادرا أن أستغنى عن رؤيتها، وكنت أحس بالسعادة وأنا
أقودها، وكانت عنيدة ترفض أن يقودها أحد إلا عندما يكون المكان جديداً عليها،
ثم تعرفت على والدتها، التى أصبحت تثق فى ثقة مطلقة، حتى أصبحت تطلب
منى فى بعض الأحيان عندما تكون مشغولة، أو أن هناك مشكلة فى سيارتها، أن
أعود بياسمين إلى البيت، وكنت أستغل وجود سيارة الجمعية معى فأقضى بها
كل طلبات ياسمين ووالدتها، ثم طلبت منى والدتها أن أزورهم بالبيت لتعرفنى
بوالد ياسمين، ولكنى خفت أن يعرفنى فريد النمر فكنت أتهرب من زيارتهم، وكان
عندما يأتى والدها فى بعض الأوقات إلى المعهد، أختفى خوفا من أن يتعرف
علىّ مع أنى أعلم أنه لم يرنى من قبل ولكنى كنت أخاف من أسمى فلى ملف
كامل فى جهاز الأمن، وترك طارق لى مسألة جمع المعلومات عن تحركات فريد
النمر، فكانت ياسمين تخبرنى بسفر والدها، أو غيابه من المنزل حتى أستطعنا
أن نكون فكرة كاملة عن تحركاته خلال كل إسبوع، وأصبح طارق يعلم أين يتواجد
العميد فى كل لحظة، ثم فى يوم طلبت منى والدتها، أن أعود بياسمين إلى
البيت، وكنت فى العادة أوصلها إلى الباب ثم أهرب خوفا من أن يرانى والدها،
ولكن فى هذه المرة كانت والدتها تقف أمام الباب فى إنتظارنا، وأصرت أن أدخل
إلى المنزل، ودخلت وجلست فى الحديقة، وأنا أحاول أن يبدو علىّ الإستعجال،
فدخلت ياسمين إلى داخل المنزل، وقالت والدتها التى كانت تجلس أمامى: لابد
أن تتناول معنا طعام الغذاء اليوم، فقد أخبرت والد ياسمين الذى سيأتى بعد قليل
فهو يريد أن يراك. شعرت بالخوف ولكنى إستجمعت شجاعتى وقلت لنفسى
فليحدث ما يحدث، وفعلا جاء العميد وسلم وجلس أمامى يتفحصنى بريبة، وكانت
والدة ياسمين تمدح فى أخلاقى وإهتمامى بياسمين، ولكنه سألنى فجأة وهو ينظر
داخل عينى وقال: عذرا ولكن لماذا هذا الاهتمام بياسمين فهناك الكثير من الطلبة
معها؟.
فقلت سريعا: لأنى أريد أن أتزوجها. لم أعرف لماذا قلت ذلك مع أننى حتى لم
أتحدث مع ياسمين فى الأمر، نظرا إلىّ بدهشة ثم نظرا إلى بعضهم وساد
الصمت، ولم أستطع أن أحتمل السكوت، فنهضت وإعتذرت عن الغداء قائلا:
صدقونى لا أستطيع أن أكل شيئا، أريد فقط أن تفكرا فى الأمر وتعطونى قراركم،
سلمت على العميد سريعا، ولكن ما أزعجنى أن والدتها كانت تنظر إلى بحزن،
غبت بعد ذلك عن المعهد لمدة ثلاثة أيام، وفى اليوم الرابع إتصلت بى ياسمين
فى المكتب وطلبت منى الحضور إلى منزلهم، فوالدتها تقيم لها حفلا بمناسبة
تفوقها فى المعهد، لم أكن مرتاحا للأمر فقد كنت أتوقع أن تدعونى للحديث
معى بمفردى، ولكنى ذهبت حسب الموعد فى الخامسة مساءاً، كانت ياسمين
تنتظرنى فى الحديقة وإقتربت منها فى هدوء، وكانت تعرفنى من وقع خطواتى
على النجيل فقالت مبتسمة: أجلس ياعباس. فجلست أمامها وأنا صامت، فمدت
يدها وسلمت على وهى تقول: أشكرك بحرارة.
قلت: على ماذا؟.
قالت: عندما يأتى لكفيفة مثلى رجل مثلك ويطلبها للزواج فلابد أن تكون ممتنة،
فأنت لا تدرى فى هذا الظلام الذى أعيشه، أن يقال لك أن أحداً يريدك.
قلت مرتابا: هل هذا يعنى إنك موافقة.
صمتت فترة وقالت: لو كان بيدى لقلت نعم وألف نعم.
قلت: وما الذى يمنع أن تقولى نعم.
قالت: لا أريد أن أخدعك، فكل مشاعرى مع رجل أخر، مع أن عقلى والمنطق
مقتنع بك قلت: هل أعرفه.
قالت: طارق المغربى، صمت ولم أستطع أن أقول شيئاً، ولم أستطع أن أقول لها
بأنه مرتبط فلم أكن أريد أن أصدمها وأنا أعلم بأن قلبها ضعيف، ولكنى فى هذه
اللحظة كرهت نفسى وطارق، فقد أصبحت هذه القصة تثير الاشمئزاز، شعرت
بأننا أصبحنا أسوأ من فريد النمر، وتسألت ماذا سيفعل طارق فهو لن يترك منى
حسين من أجل بنت عدوه، ولكن أليس مخزياً أن يجرح هذه البريئة فى سبيل
ماذا؟. أن ننتقم من والدها، نظرت عند مدخل المنزل فرايت والدتها تنظر إلى،
الآن علمت بأنها كانت تعلم بأن ابنتها متعلقة بطارق ولكنها لم تستطع أن تقول
لى، نظرت إلى ياسمين وقلت لها: أعزرينى يجب أن أذهب.
قالت غاضبة: لن يكون هنالك حفل لو ذهبت، إننى لا أثق فى أحد غيرك
ياعباس، فأنت أخى وصديقى الوحيد فى هذه الدنيا، ولو كنت ستتركنى، فأنا
موافقة على الزواج منك ولكن لا تتركنى، ثم أخذت تبكى، لم أعرف ماذا أفعل،
ولكننى كرهت اليوم الذى وافقت طارق على هذه الخطة، جلست وإنتظرت
المدعويين، الذين حضروا بعد السادسة وكان أغلبهم أساتذة وطلاب المعهد، كنت
أساعد والدة ياسمين فى تقديم الشاى والحلويات فى البهو الكبير داخل منزلهم،
كانت والدتها تشكرنى على مساعدتها، كنت أحس بأنها تحاول أن تواسينى بكلمة
أو نظرة ولكنى لم أترك لها المجال لتبادل الحديث معى، وكانت ياسمين متأبطة
ذراع أبيها، وهى تسلم على الضيوف، وفجأة رايت طارق عند المدخل، كان
مرتدي اً بدلة كاملة، كان فى قمة أناقته، وكان ينظر إلى فريد النمر مباشرة وهو
يبتسم، أدركت فى هذه اللحظة، بأن طارق خطط لكل هذا لكى ينتقم، لقد أستغل
مشاعر ياسمين عمداً ليقف هذا الموقف، وإستغلنى شخصيا لأجمع له المعلومات
حتى يكمل إنتقامه، كان فريد النمر مذهولا برؤيته أكثر منى، ولكنه ظل صامتا
عندما راى طارق يتقدم ويسلم على إبنته، ثم يأخذها ويخرج بها إلى الحديقة وهى
تضحك غير مصدقة وجود طارق معها، ظللت أراقب العميد كان جسمه يرتعد من الغضب
ثم توجه الى المطبخ، فأدركت بأنه يبحث عن زوجته ولكنه ظل واقفاً في مكانه،
فذهبت خلفه حاملا صينية بها بعض الأكواب الفارغة، ولكنه أغلق
باب المطبخ خلفه ولكنى سمعت صياحه مع زوجته يسألها متى تعرفت إبنته على
طارق المغربى، وكانت تقول له بأنه يعرفها من المعهد، ثم أخذ يطلب منها أن
تنهى هذه العلاقة فورًا لأن طارق يريد الإنتقام منه، وكان آخر ماسمعته قول
والدتها يجب التعامل بهدوء لأن إبنتها متعلقة به حتى إنها رفضتنى لهذا السبب،
بعدها قررت أن أهرب من هذا البيت، وما أن خرجت إلى الحديقة قابلنى طارق
كان واقفا مع ياسمين، ولكنى تخطيته وخرجت، وكان يصيح أن أنتظر، ولكنى
ركبت السيارة وذهبت وأنا عازم أن لا أعود إلى هنا ثانية، ولكنى كنت واهما فقد
إتصل بى فريد النمر فى اليوم التالى باكرًا وطلب منى الحضور حالا إلى المنزل،
وشعرت بالخوف بل بالرعب فقد إكتشف ما يدور حوله فلا بد إنه سيبدأ فى الرد،
وفكرت فى أن أخبر طارق ولكنى قلت لنفسى أن طارق أصبح أسوأ من فريد
النمر وهو من أدخلنى فى هذه الخطة فلابد من أتحرك لوحدى، أريد الخروج حتى
لو قتلوا بعضهم فان هذا الأمر لا يعنينى بعد اليوم، وفى العاشرة صباحا كنت فى
منزله، وإستقبلنى فى غرقة مكتبه وأغلق الباب رغم أنه كان كان وحده فى
المنزل، ثم سألنى قائلا:عباس محمد أدم إن لك ملف فى جهاز الأمن، هل
تريدنى أن أعتقد بأن معرفتك بابنتى مجرد صدفة؟. من صيغة سؤاله أدركت بأنه
ما زال يشك فى دوافعى، وأنه غير متأكد من إشتراكى مع طارق، وحمدت الله بأنى
تقدمت بطلب الزواج منها، مما جعلهم يشكون فى إحتمال مشاركتى لطارق، وقد
كنت أتوقع هذا السؤال فرددت سريعا: قبل أسبوع فقط علمت بأنك تعمل فى
جهاز الأمن، ولو كنت أعلم قبل ذلك لقطعت صلتى بياسمين. كنت أتكلم بثبات
رغم أننى كنت مرعوبا منه، فنظر إلى باستغراب وسألنى قائلا: لماذا تتحامل على
جهاز الأمن؟. لولا هذا الجهاز لتحولت البلد إلى فوضى.
قلت: ما تعرضت إليه من أفراد هذا الجهاز لايمكن أن أنساه ما حييت.
قال: ومن أخبرك بأنى أعمل هناك؟.
قلت: طارق المغربى. كنت أعلم بأن هذه الإجابة ستقنعه بأنى لا علاقة لى بما
ينويه طارق، فقال: هل تخبرنى كيف تعرفت على ياسمين؟.
قلت: أننا منذ كنا فى الجامعة لنا نشاط فى الجمعيات الخيرية، والمعهد الذى
تدرس فيه ياسمين كان من ضمن نشاطنا فتعرفت عليها هناك.
قال: وهل تعلم بأن طارق يستغل ياسمين لينتقم منى.
قلت: أعلم فقط بأنك قمت باعتقاله وتعذيبه، وما يهمنى فى هذه القصة ياسمين،
فلا دخل لى بعلاقتكم
قال: يمكننى أن أقتله اليوم لو أردت، فلن أسمح له بأن يتلاعب بابنتى. ظللت
صامتا فلم أرد عليه فأنا أعلم بأنه قادر على ذلك. أخذ يتمشى فى الغرفة كان
واضحا بأنه لا يستطيع إتخاذ قرار، ثم فجأة دخلت والدة ياسمين ثم جلست أمامى
وقالت: لقد أوصلت ياسمين إلى المعهد ياعباس لأننى لا أريدها أن تسمع
بماسنقوله هنا، هل فعلا طارق يتلاعب بياسمين؟.
قلت: لا أعلم شيئا بهذا الموضوع.
قالت: أنت تعلم بأن بنتى مريضة، وأن قلبها ضعيف، وطارق أول شاب تتعلق به
فى حياتها. ثم بدأت فى البكاء.
فقال فريد النمر: سأقتله إذا حدث لها شيئا.
فصرخت فيه زوجته بأن يصمت فهو السبب فى كل هذا الأمر، ثم قالت لى:
أريدك أن تكون بقربها فهى لا تثق فى أحد غيرك، وعدتها خيرًا وخرجت، وبدأ
طارق مسيرة الإنتقام فقد كان يأتى إلى منزل خصمه ويجلس مع ياسمين، وكانت
والدتها تتودد إليه، أما فريد النمر فقد كان يشعر بالخوف من طارق حتى إنه
أخبرنى بأن لامانع لديه من تسوية مع طارق أو مصالحة فقد كان يعلم أن طارق
ينوى شيئاً ولكنه لم يكن يعلم ماهو، ثم قمت بأخبار منى حسين بما يحدث فهى
الوحيدة القادرة على إيقاف طارق، وقابلته منى فى حفل واحد وعشرين إكتوبر
وتشاجرت معه ولكن منى لم تستطع إيقافه، فقد أصبح طارق كالقاطرة يأخذ كل
من يقف فى طريقه، وعندما علم طارق بأننى من أخبرت منى جائنى غاضبا،
وشتمنى وتعاركنا، وإنهلت عليه بالضرب حتى خرج الدم من فمه وأنفه، كان
ساقطا أمامى بلا حراك، لم أعلم لماذا ضربته بهذا العنف هل لأنه أخذ منى
ياسمين فأصبحت حاقدا عليه، أم لأننى أتمسك بالمبدأ وأن ما يفعله طارق ليس
من الرجولة فى شىء، فاذا كان يريد الإنتقام من أبيها فيجب أن لا يدخل ياسمين
فى هذا الأمر، أخذته إلى المستشفى بعد ذلك لأنه كان ينزف بشدة وقاموا بعمل
عملية جراحية فى فكه الأسفل حيث أضطر الطبيب إلى خلع أحد الضروس
المهشمة داخل اللثة، وظللت أنتظر أن يفوق طارق من إغمائه حيث كان البنج
غير كافى لاجراء العملية ولكنه أصر على اجرائها، أدركت وقتها أن طارق عنده
القدرة على إحتمال الضغوط والألم أكثر منى، مثل ما لفريد النمر القدرة على
تعذيب الأخرين أكثر من أى شخص أخر، وما أن إستيقظ حتى قلت له: أعذرنى
لما حدث ولكنى لا أقبل أن يجرح أحد ياسمين، أنى متيم بها، هل تقبل ذلك على
منى حسين.
نظر إلى مبتسما وقال: صدقنى أنا أعرف ذلك ولكنى لا أستطيع أن أتركها.
قلت له بغضب: أنت مجنون بمنى حسين، فكيف لا تستطيع أن تتركها؟.
قال: لأنى لو إنتهت علاقتى بها، سيقتلنى والدها، إن ما جعلنى حياً حتى الآن
هو خوف والدها عليها، ولكن إذا إ ستطاعت أن تبتعد عنى، فأول ما يفعله هو
قتلى. كان كلامه منطقيا فقلت له: والحل؟.
قال: الإنقلاب، فلكى أعيش لابد أن أنزع السلطة من فريد النمر.
قلت: وإذا أخذنا السلطة بنفس إسلوب فريد النمر، سنكون أسوأ منه.
قال: السياسة فن التعامل مع المتاح، هل إستطعنا أن نجعل الشعب يثور
ورفضنا؟. ثم صمت لحظات وقال: أريدك أنت وجيمس خارج هذه اللعبة، فأنا من
أقحمتكم فيها.
قلت: أنا معك حتى النهاية.
قال متوسلا : أرجوك لا أقوى على الكلام، جيمس سيعود إلى الجنوب، وأنت لن
تشترك معنا، إعتبره آخر طلب أطلبه منك، ثم نهض من السرير وعانقنى،
أحسست بأنى لن أراه ثانية، فقد كان واضحاً أنه حدد موعد الإنقلاب، أمسكت
بيده حتى باب المستشفى، حيث إستقل سيارة أجرة وذهب، بعدها أتيت إلى هذا
المنزل حيث كنا نتقابل فيه سرًا عند الضرورة، وظللت مختفيا فيه مترقبا خبر
الإنقلاب، وكنت أتصل بالمكتب لأعلم بمن إتصل بى وفى يوم أخبرونى بأن
حامد الأخ الأكبر لطارق إتصل بى يريدنى لمقابلة والده، فذهبت سريعا إلى
منزلهم حيث أخبرنى والده بأنه يعتقد بأن طارق أعتقل، فذهبت أبحث عنه فى كل
مكان ولم أجده، ولكن عندما توجهت إلى المخازن فى المنطقة الصناعية، شعرت
بأن المكان مراقبا، فقد كانت هناك سيارات غريبة على المنطقة تقف على الشوارع
الجانبية، ولم أعلم إذا كان طارق بالداخل أم إنهم ينتظرونه، وكانت هناك طريقة
نستخدمها للدخول عبر العقار الذى يقع خلف المخازن، ثم نقفز السور الفاصل
بين العقارين الى الحوش الذى يحتوى على مخازننا، كان الوقت قد تجاوز
منتصف الليل، كنت أنظر من فوق السور، أحاول أن أعرف إذا كان طارق
موجودا وإنتظرت أكثر من ساعة، ثم رايت فريد النمر، يقتحم المكان مع رجاله،
بدأوا بتفتيش المكان بالكامل ولكنهم لم يجدوا أحداً، فتأكدت بأنهم علموا
بالإنقلاب، وان طارق قد أعتقل ولكنى تفاجأت بأنهم يضعون متفجرات فى
الطابق الأرضى، فأدركت بأنهم سينسفون محطة الاتصال التى أنشأها جيمس
هناك ،ثم خرجوا سريعاً، نظرت إلى العرشة لم يكن عم إبراهيم موجودا، كنت أريد
أن أسأله متى راى طارق آخر مرة، إنتظرت فى الحوش المجاور لأكثر من
ساعتين، منتظرا حدوث الإنفجار، فبعد وقوعة كنت أعلم بأنهم سيذهبون، ولكن
الإنفجار لم يقع، وعم إبراهيم لم يظهر، وكانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحا،
فانتظرت حتى بعد صلاة الفجر حيث بدأت الحركة تدب فى الشوارع، فخرجت
وجئت إلى هنا، لم أعرف من أبلغ عن الإنقلاب، كنت أتصل فقط بالمكتب من
الشارع لأعلم من إتصل بى، ثم من الجرائد علمت بوفاة المشتركين بالإنقلاب من
دكاترة الجامعة فقد كنت لا أعلم شيئا عن العسكريين المشتركيين معنا، فطارق
كان حريصا على أن لا نعرف المجموعة بكل أسماء المشتركين، حتى إذا تم
إعتقال أحد لا يعطى معلومات كاملة، وكنت أخاف أن أذهب إلى ياسمين فيقتلنى
فريد النمر، ثم بعد يوم أو إثنين على ما أذكر، وكان الليل قد إنتصف سمعت
قرعا على الباب، ووجدت طارق كانت حالته سيئة، وقميصه كان مغطى بدمائه،
كان يقود سيارة أجرة وما أن رانى حتى عانقنى بقوة فلم يكن يصدق بأنى مازلت
حيا، وطلب منى الهروب خارج البلاد، فقلت له يجب أن نهرب معا أن فريد النمر
يبحث عنه، ورويت له ماحدث فى المخازن، فقال لى: أنا أبحث عنه أيضا، لقد
قتل الجميع.
فقلت: هو ينتظرك سيقتلك قبل أن تستطيع الإقتراب منه ولكنه أخرج مسدسا من
جيب الجاكت وقال لى: أنا ميت فى كل الأحوال، أريدك أن تهرب، وأن تبلغ منى
بأن طارق يقول لك بأنه لم يكن له خيار، لقد حاولت أن أصل اليها ولكنها تحت
المراقبة. أمسكت به وقلت له نعيش معا أو نموت معا، أما أن تهرب معى أو أتى
معك. دفعنى بعيدا وقال: لا أستطيع، وتوجه إلى الباب قفزت وأسقطته أرضا
ولكنه أفلت منى ونهض وأشهر المسدس فى وجهى وأنا على الأرض وهو يقول:
عباس أنت لا تفهم حتى عندما نفشل هناك إلتزامات يوجبها الفشل، حتى إذا لم
يقتلنى فريد النمر فلا أستحق أن أعيش، ولا أريد أن أعيش، أرجوك ياعباس
أهرب. قال هذه الجملة والدموع فى عينيه، وشعرت بأنه يحمل نفسه مسؤولية وفاة
الجميع، وقرات فى عينيه بأنه يريد الموت، كنت ساقطا على الأرض وهو واقف
أمامى قفزت وأمسكت برجليه ولكنه أطلق النار على يدى، فأفلت منى وخرج،
كانت إصابتى فى اليد اليسرى، فتحاملت وذهبت إلى المستشفى، حيث أخرجوا
الرصاصة، وبلغت الساعة السابعة صباحاً عندما أكملت الشرطة الأسئلة
بخصوص الطلق النارى فقد أخبرتهم أن أحد اللصوص أطلق على النار عندما
إكتشفت وجوده بالمنزل، خرجت من المستشفى، وذهبت إلى المخازن حيث وجدت
أن كل شىء قد إنتهى وإنتظرت حتى العصر ثم إتصلت بالمكتب فأخبرونى بأن
سامية إتصلت تبلغنى بوفاة طارق وأن الدفن غدا صباحا لم أستطع أن أغيب
عن الدفن، رغم علمى بأن فريد النمر قد يكون فى إنتظارى فذهبت وجلست على
قبره وأحسست بأن أحلامنا وعمرنا دفنا هنا، شعرت أن طارق إرتاح وأراح، لم يكن
هناك حلا أخر غير هذا، فقد كان مثل وجع الضرس ظللنا نسكنه بحبات القرنفل
حتى يهدأ، وكنت أنا ومنى وأهله وشلته وياسمين هذا القرنفل نعانى من أحلامه
حبا فيه، ولكن الحل كان فى خلع الضرس، أجل لم يكن هناك حلا لآمال طارق
إلا أن تدفن هنا، ثم أخبرنى زميلى فى مكتب المحاماة وأنا جالس على القبر بأن
ياسمين تبحث عنى، كنت أعلم بأن ذهابى إليها يعنى موتى ولكنى قررت أن
أنتقم لطارق سأقتل فريد النمر بنفسى، عدت إلى هنا وأخذت مسدساً، وعندما
وصلت منزلهم كان الوقت ظهرا ووجدت ياسمين جالسة فى الحديقة وما أن
سمعت خطواتى أمامها حتى صاحت: عباس أين أنت أنا أبحث عنك، لا أستطيع
أن أعثر على طارق، ثم رايت والدتها تخرج من المنزل على صوت إبنتها،
ونظرت إلىّ كانت يدى ملفوفة ومعلقة برباط معلق برقبتى، وأدركت بأن شيئا قد
حدث، وضعت يدها فى صدرها وهى خائفة، نظرت إلى ياسمين ولم أعرف كيف
أخبرها بأننى دفنت حبيبها قبل قليل وسأقتل أبيها بعد قليل، إنهمرت الدموع على
وجهى وأنا أراها تحرك يديها أمامها وهى تحاول الوصول إلىّ، وما أن أمسكت
بيدى المربوطة حتى شعرت بأن هناك شيئا ثم أخذت تبحث عن وجهى بيديها
الإثنتين وما أن شعرت بدموعى على يديها قالت: طارق. ظللت صامتا، أمسكت
بقميصى وهزتنى بعنف وهى تصرخ: لا ..لا ثم أخذت أنفاسها تتلاحق وقبل أن
تسقط، كنت أحملها بين ذراعى ركضت والدتها ناحيتى ثم طلبت أن أحملها إلى
غرفتها، ولكنى عندما وضعتها على السرير كانت جثة هامدة، كانت والدتها
تناديها بصوت خافت وهى جالسة بقربها بالجانب الأخر من السرير، وكنت
أمسك يدها وأنا جالس على الأرض ثم وضعت وجهى على يدها وبكيتها وبكيت
طارق، بل كنت أبكى كل ما أردته فى هذه الدنيا، وما أن حانت صلاة العصر
حتى كنا فى المقابر للمرة الثانية فى نفس اليوم كنت أقف أمام القبر وفريد النمر
أمامى مباشرة من الناحية الأخرى للقبر كان مسدسى تحت القميص محشورا بين
ظهرى وحزام البنطلون، وكان مسدسه أعلى ذراعه الأيسر تحت الجاكت، كانت
عيناه تقول ليس الآن، لأول مرة أرى الحزن فى عينيه، ولأول مرة أراه رجلا
عجوزا، أحسست بأنه إكراما لياسمين ليس الآن، غادرت المقابر سريعا وجئت بعد
أن تأكدت بأن لا أحد يراقبنى وإختبأت هنا لمدة ثلاثة أيام، كنت أريد أن ينفض
العزاء فى بيته، ثم ذهبت ليلا إلى بيته وقفزت من السور وكان جالساً فى بهو
المنزل، أخرجت المسدس وإقتربت منه، ظل صامتا ينظر إلى، ثم شعرت بأنه
كان ينتظرنى، وسألته عن زوجته فقال بأنها هجرته وعادت إلى مصر، فتشته فلم
أعثر على سلاح، رفعت المسدس أمام وجهه مباشرة، أغمضت عينى فلم أمارس
الإعدام من قبل حاولت أن أضغط على الزناد ولكنى ترددت، فتحت عينى
ودهشت فقد رايته أطبق بفمه على فوهة المسدس، كانت دموعه تنهمر على
وجهه، لم أعلم لماذا هذه الدموع، هل هو نادم، أم إنها دموع الخسارة، سحبت
المسدس من أمامه، إذا كان يريد الموت فلن أعطيه له، أخرجت الطلقات من
المسدس وضعتها فى جيبى، وألقيت المسدس على الأرض، فصاح: جبان
ياعباس. .ألا تستطيع أن تكون رجلا مرة واحدة فى عمرك، لقد نسفت صديقك
من الدنيا، خرجت إلى الحديقة، وكان يصيح خلفى: جبان ياعباس، نظرت إلى
منزله قبل أن أغادره فقد كانت يسكنه الظلام والوحدة.
صمت عباس وإشتد المطر، فلم أعد أميز بين دموعه والمطر، بدأت أفهم
لماذا عباس كان الأكثر إنهيارا لم يفقد صديق عمره فقط ولكن حبيبته أيضا، فقد
ماتت بين يديه فلم يعد لديه الرغبة فى مواصلة حياته، وشعرت بأن عباس قمة
فى التضحية، أحبت ياسمين طارق ولكنه كان يكفيه أن يراها سعيدة أمامه، لم
يطلب الكثير ولكن حتى القليل لم ينله، مددت يدى إليه حتى ينهض وقلت له:
إشتد المطر ستصاب بالبرد يجب أن تدخل، مد يده إلى وكانت هذه أول مرة
ألامس يد عباس فلم يكن بيننا يوماً سلام.
قضيت ليلتى مع أديبة وفيصل وهما يتجادلان بعد أن حكيت لهم القصة
كاملة، فقالت أديبة أن طارق كان يجب أن يأخذ عباس ويهرب، بينما فيصل يرى
أن الهروب ليس من صفات طارق فكان لابد من أن يواجه الموقف، وفى الصباح
بعد أن أوصلت أديبة إلى مكتب أبى قررت أن أقوم بزيارة منزل فريد النمر لم
أكن أعلم إذا كان حيا أم توفى ولكن كان لابد أن أشاهد هذه الشخصية، وكنت قد
أخذت العنوان من عباس، وكان منزله قريب من بيتنا بالرياض مما شجعنى على
هذه الزيارة، عندما وصلت إلى المنزل لاحظت بأنى مررت به أكثر من مرة
ولكنى لم أكن اعلم بأنه منزل فريد النمر، قرعت الجرس جائتنى سيدة كبيرة فى
السن وسألتها عن فريد النمر هل هو موجود ضحكت وقالت: طبعا، أين يذهب.
علمت بأنها مدبرة المنزل جاءت بعد رحيل زوجته وتقيم معه هى وزوجها الذى
يعمل كسائق وجناينى فى نفس الوقت، عندما دخلت إلى الحديقة بدأت أستعيد
الأحداث التى رواها عباس، ثم أدخلتنى إلى بهو المنزل ثم إتجهنا إلى غرفة
بالقرب من السلم الذى يؤدى إلى الطابق العلوى وما أن فتحت الباب حتى قالت:
سيادة العميد زيارة. كان هناك رجلا عجوزًا يرقد على السرير وبجوار السرير
كرسى بعجلات، كانت كمية من الأدوية موضوعة بجانب السرير، أخذ ينظر إلىّ
من خلف نظارته باهتمام، فقد كان واضحاً أن لا أحد يأتى إليه، ولكن من هيئته
يمكننى أن أقسم بأن ما يحكى عنه مجرد أكاذيب، فقد كان جسمه قد هده
المرض، لا أعتقد بأنه قادر على حمل ورقة، الآن أدركت بأن عباس إنتقم منه،
سألنى بصوت خافت: من أنت؟.
قلت: كنت معلمة ياسمين فى المعهد، وسافرت إلى الخارج وعندما عدت علمت
بوفاتها، أحسن الله عزاءكم، إبتسم ونظر من النافذة وقال: ياسمين، كان ينظر
كمن يراها تلعب أمامه وظل على هذا النحو لفترة، نظرت إلى مدبرة المنزل التى
قالت إنه هكذا يتبادل الحديث بكلمة أو إثنين ثم يبدأ بالسرحان. شعرت بخيبة أمل
فلا أستطيع أن أخذ منه أى معلومة، خرجنا من الغرفة، وشعرت بأنى لن أستفيد
شيئا من هذه الزيارة ثم قلت لمدبرة المنزل: كانت هناك صور تجمعنى بياسمين
ووالدتها، هل يمكن أن أخذها، فقد كانت تحتفظ بها والدتها. كنت أحاول أن أجد
أى عذر للبقاء، صمتت المدبرة لحظات ثم قالت: لا أعلم شيئا عنها. قلت هل
يمكننى رؤية غرفة ياسمين؟. قالت: طبعا، فلا أحد يأتى لزيارتنا يمكننى أن أريك
المنزل كاملا ، صعدنا إلى الطابق العلوى، وأدخلتنى أول غرفة وقالت: هذه
غرفتها كما هى فقد رفض العميد تغيير أى شىء فيها. ثم سألتنى ماذا أشرب
فقلت لها قهوة، حتى تتركنى أكثر وقت ممكن، كانت الغرفة بها سرير ودولاب من
بابين ومكتب صغير فتحت أدراج المكتب ووجدت كتب مطبوعة بطريقة برايل،
فتحت الدولاب كان به ملابس مرتبة بطريقة جميلة وأحسست بأن والدتها كانت
تهتم بكل التفاصيل، ثم لاحظت وجود حقائب يد أخذت أفحص محتوياتها ووجدت
مسجلة صغيرة فى أحداها، وتذكرت أن سامية ذكرت بأنها كانت تسجل أصوات
من تتعرف عليهم بها، بدأت أبحث عن الشرائط فلابد أن يكون هناك كمية منهم،
ولكن كان الدولاب خاليا منها، ثم المكتب كذلك، أين يمكن أن تخفى بنت كفيفة
شيئاً خاص بها، بدأت أبحث فى السرير و وجدت درجا على جانب السرير
الخشبى، ولكنه كان مغلقا، بحثت فى شنط اليد ووجدت مفاتيح، شعرت بخطوات
مدبرة المنزل على السلم، فأسرعت وجلست على السرير، ما أن دخلت قلت لها:
هناك شرائط نستخدمها فى تعليم اللغة، كانت ياسمين قد طلبتها منى، هل
تستطيعين أن تبحثى لى عنها، أعطتنى القهوة ثم أخذت تبحث فى الدولاب ثم
المكتب، أشرت لها على الدرج بجانب السرير فلم تستطع أن تفتحه، ولكنها كانت
تعلم أن المفاتيح فى شنطة اليد فأحضرتها وفتحت الدرج، كان به أكثر من
عشرين شريطا مرتبة بطريقة جميلة، فقالت المدبرة : المال الحلال لا يضيع.
قلت: سأنسخها وأرجعها لك.
فقالت: لا داعى فلا أحد سيستخدمها هنا. وضعت الشرائط فى كيس ثم ناولته
لى، كنت قد شربت القهوة على عجل، شكرتها ووعدتها بزيارة العميد ثانية. ما أن
دخلت المنزل وجدت والدتى تقول غاضبة: لايمكن أن تتركى المنزل كلما حدثتك
فى موضوع الزواج.
قبلتها وأنا أبتسم وصعدت مباشرة الى غرفتى فقد كنت أتشوق لمعرفة ما يوجد فى
الش ا رئط.
أحضرت جهاز التسجيل وفنجان شاى، وبدأت أستمع لكن خاب أملى قليلا
وأنا أجد معظم الشرائط خاصة بالمعهد، ثم وجدت شرائط خاصة بمعرفة أصوات
من تتعرف إليهم، وقد كان صوت عباس معها فى أغلب الزيارات، فقد كان
واضحا بأنها لا تزور مكان إلا وهو معها فقد كانت أغلبية التسجيلات فى المعهد
و الجامعة، ثم عثرت على شريط تتحدث عن يومياتها، كان واضحا بأن لديها
الوقت لتسجيل أى شىء فقد كانت تتحدث عن زيارة الأسواق وإحساسها بملمس
القماش على أناملها، وإنطباعاتها عن الندوات الشعرية وتعليقها على بعض برامج
الإذاعة ولكن فجأة تحدثت عن ما يفعله والدها فبدأت تقول: إن لوالدى هواية
غريبة فما أن تحدث مظاهرات فى مكان حتى يأتى ويأخذنى من المعهد خوفا من
أن يحدث شيئا لى، ولكنه لا يعيدنى إلى المنزل، بل يظل يسير حول مكان
المظاهرة ثم يتوقف للطلبة الهاربين من شرطة مكافحة الشغب بحجة مساعدتهم،
ثم يبدأ بسؤالهم عن منظمى المظاهرة، وكانوا يثقون فيه فيبدأوا بالحديث عن
زملائهم، وما أن يشعر بأن لديه معلومات كافية حتى يسلمهم للشرطة، ثم يبدأ
بالضحك على منظر الدهشة على وجوههم، وكان يطلق عليهم لفظ الأغبياء،
كنت أستنكر ذلك منه ولكنه أخبرنى بأن من واجبه حفظ الأمن فقلت له ولكنك
تعطيهم الأمان فيقول الحرب خدعة، ولكن اليوم تكرر الأمر مع اختلاف بسيط،
بعد أن سلم أبى الطالب لم يبدأ الطالب بالصراخ وكيل الشتائم لأبى و لم يضحك
أبى بل ظل الصمت يغطى المكان، حتى بعد أن تحركت السيارة ظل أبى صامتا
لم أعرف لماذا وقد سألته لماذا لم تعلق هذه المرة ولكنه ظل صامتا. ثم بدأت فى
الحديث عن زملائها فى المعهد، ثم تعليقها على أساتذتها، كانت تتمتع بنبرة
ساخرة على الأحداث وكانت لا تهتم بذكر تاريخ الأحداث، إلا إذا كانت هنالك
مناسبة محددة بتاريخ، ظللت أسحب الشريط فى جهاز التسجيل إلى الأمام كل
ما كان الموضوع ليس مهما بالنسبة لى فقد كنت أتمنى أن أسمعها تتحدث عن
طا رق أو عباس أو والدها، وقد كان لى ما أردت بل أكثر مما توقعت عندما
قالت: اليوم تعرفت على طارق المغربى، سمعت عنه من زملائى كثيرا، وهو
المسؤول عن جمعية الأمل للمكفوفين، هو مهندس مدنى تخرج فى جامعة
الخرطوم ولكن ما أعجبنى فيه أنه يجيد الإستماع، حتى إننى بدأت أكون حذرة
فى إستخدام الكلمات عندما أحسست بأن هناك من يصغى، تحدثنا عن الشعر
وعن برامج الإذاعة، ولكنى أشعر بأنى قد سمعت صوته من قبل. ثم بدأت
بالحديث عن الألوان قائلة: كل من أعرفهم أجمعوا بأن لون البنفسج من أجمل
الألوان، فى هذا الظلام لافرق عندى بين مايدعونه لون أحمر أو أخضر، ولكنى
أتمنى أن أرى لأعرف لماذا هذا اللون أجبر الناس على إحترامه. ثم بدأت
بالحديث عن الطعام وأن حالتها النفسية هى التى تتحكم فى كمية أكلها وليس
جودة المذاق، ثم بدأت ثانية بالحديث عن المعهد، ثم بدأت بالحديث عن طارق
المغربى قائلة: اليوم أتى طارق المغربى الى المعهد، وقابلته ولكن ما يحيرنى أنه
ظل يراقبنى لمدة قبل أن يعلمنى عن وجوده، ولكنى علمت بوجوده من وقع
خطواته، والآن أنا متأكدة من أننى سمعت صوته من قبل ولكن أين، ولكنه ما زال
يؤثرنى بحديثه أن أجمل ما فيه أنه يعاملك بندية وليس بشفقة. ثم بدأ الحديث عن
طارق يشغل أغلب أجزاء الشريط، وفى الجزء التالى قالت: تحدثت اليوم مع
طارق عن الأمل، كان يقول بأننا من نصنع الأمل ثم نبدأ بتحقيقه بما نملك،
وليس الأمل من يصنع تحركاتنا، وقلت له ماذا أفعل للدنيا إذا كنت لا اراها، قال
لى إذن لا تريها، أشعري بها حسى بنبضها، فكثير من الناس يرونها ولا يشعرون
بقيمة ما فيها، حاولى أن تستغلى ما عندك لا أن تتحسرى على ما ليس عندك،
وأنا متأكد أن لديك الكثير، بدأت أشعر أن الجلوس مع طارق يخيفنى، فقد جعلنى
أفكر فى أشياء خطرة كالأمل والطموح، ولكنه شعور أثارنى أخرجنى من رتابة
حياتى. ثم بعد ذلك إحتوى الشريط على موسيقى هادئة حتى النهاية، أبدلت
الشريط بأخر وبدأت ياسمين الحديث قائلة: وعدنى طارق أن يحضر لى قصيدة
اليوم ولكنه لم يظهر، شعرت بالغضب منه فلم يكلف نفسه الإعتذار عن
الحضور، وما أغضبنى أكثر أننى كنت متلهفه لحضوره كأن الحديث معه نوع
من الإدمان، قد أكون عمياء ولكنى لست ضعيفة،عليه أن يعرف كيف يعاملنى
باحترام، لن أدع هذا الأمر يمر بسلام. ثم بدأت مقطوعة موسيقية، ثم قالت: جاء
اليوم طارق إلى المعهد سلم علىّ وذهب سريعا، من يظن نفسه، حتى أنه لم
يعتذر عن عدم حضوره سابقا، فى المرة القادمة لن أتحدث اليه ،ثم مقطوعة
موسيقية حزينة، ثم ياسمين تقول: حضر طارق اليوم أحضر معه بعض
الحلويات، تحدثنا فى كل شىء ولكنى لم أستطع أن أعاتبه، وجوده كان كافيا عن
أى اعتذار، أشعر بالفرح وأنا أسمعه، حتى أننى لم يعد لى رغبة فى الحديث أريد
أن أستمع فقط، ثم بدأت الموسيقى ثانية، ثم ياسمين تقول: كنت أجلس مع طارق
ثم فجأة سمعت صوت خطواته تبتعد بدون أن يقول شيئا، ثم جاء أبى الآن
علمت أن صوت طارق هو صوت الطالب الذى قبض عليه فى سيارتنا، يا إلهى
إن لقائنا لم يكن صدفة، ماذا يريد منى، إن تعلقه بي لم يكن إلا خطة رسمها
هو، ماذا أفعل إذا كان أبى سيئاً فطارق أسوأ منه يجب أن أبتعد عنه، ثم موسيقى
صاخبة كأنما تعكس حالتها النفسية، ثم ياسمين تقول: اليوم أخبرتنى أمى أن
عباس طلبنى للزواج، لم يخبرنى أنا وأخبر أهلى، يقضى معى اليوم بأكمله ولا
يستطيع إخبارى، كنت أشعر بأنه مهتم بى، بل يعشقنى، عباس يا ليت الأمر
بيدى فلن أجد أحسن منك، ولكنى أفكر بطارق، مضى إسبوع وأنا أمنع نفسى
من أن أراه ولكنى أشعر بأنى مدمنة طارق إذا لم أراه سأموت. ثم تسجيل لقطعة
موسيقية، ثم صوت ياسمين: اليوم كانت حفلة تفوقى فى المعهد، عباس كان يريد
أن يتركنى بعد أن علم بأنى لا أفكر إلا بطارق، ولكنى بكيت وتوسلت له أن لا
يذهب وإنتظر لأنه يحبنى، وطارق يعاملنى بنفس الطريقة وأنا أغفر له، اليوم
عندما أتى الى الحفل كنت أمسك بيد أبى فجأة لاحظت أن جسم أبى يرتعد
ودقات قلبه تزداد، وعندما سمعت صوت طارق أدركت أن أبى يخافه، إنهم
يتربصون ببعضهم، لا أعلم ماذا أفعل؟. ولكن ما أحزننى أن عباس ذهب حزينا.
ثم تسجيل موسيقى، بعدها صوت ياسمين: اليوم كانت حفلة واحد وعشرين
أكتوبر، قابلت أصدقاء طارق، كانت ضمن الحضور طالبة تسمى منى حسين،
يبدو أنها على علاقة بطارق، كانت غاضبة منى لقد أعطانى طارق إحساس لم
أتصور يوما أن أصل إليه كانت تشعر بالغيرة منى، أنا العمياء التى قتلها الشعور
بالشفقة، أجد نفسى فى موضع غيرة من ما يقولون أجمل بنات الجامعة، شكرت
طارق فى سرى، فليفعل مع أبى ما يريد يكفينى ما أشعر به الآن معك، إن كمية
المشاعر التى جعلتنى أشعر بها فى هذه المدة القصيرة لم أختبرها طوال حياتى،
ولكن عندما عدنا من الحفل، وترك منى غاضبة لاحظت بأنه كان يقود السيارة
صامتا فقلت له أين نحن فقال بصوت خافت بالقرب من المطار، كنت أعلم أين
نحن ولكنى كنت أريد أن أحدد موقع وجهه فمددت يدى إلى وجهه فأحسست
بالدموع تجرى على خده، إنه يعشقها، أوقف السيارة ورمى وجهه فى مقود السيارة
وأخذ يبكى، كأنه يطلب العفو، كان يتعذب بين رغبته فى الإنتقام وإستغلاله لى
وحبه لمنى، مررت يدى على شعره وأنا صامتة، فلا أطلب منك الكثير، أفعل ما
تريد فقط لا تتركنى، سأموت لو تركتنى. ثم بدأ تسجيل موسيقى إلى نهاية
الشريط. بدأت فى تبديل الشرائط ولكن كان هذا كل ما تحدثت عنه، مسكينة
ياسمين كانت تعرف أن طارق يستغلها ولكن لم تستطع أن تفعل شيئاً، يا إلهى ماكل هذا الأنين.