الفصل السادس
الافيال تعرف موتها
يوم الجمعة صباحاً، قررت أن لا أخرج من غرفتي فأريد أن أستفرد بنفسي،
أخذت دشا، ثم أخذت أعيد تشغيل الشرائط الخاصة بياسمين وأنا أشرب الشاي
بهدوء على مكتبي، وبدأت أفكر عند ذهابي إلى منزل فريد النمر لم أعتقد بأني
سأحصل على هذه الشرائط، كل ما كنت أطمع فيه رؤية فريد النمر بكل هذا
الجبروت الذي يحكى عنه، أحسست بأن هناك قوة خفية تساعدني لأمضى في
هذا الطريق، ولكني رغم كل هذا البحث لم أستطع أن أؤكد فكرة إنتحار طارق
ولو أن حديث عباس جعل هذه الفكرة هي الغالبة، فكيف يدخل إلى مبنى
المخازن وهو يعلم أن المتفجرات مزروعة في أسفل المبنى، معنى ذلك أرادهم أن
يقتلوه، فهو يعلم أن المبنى مراقب وينتظرون قدومه، ولكن لماذا لم يقتل فريد
النمر، لولا شهادة عم إبراهيم وحارس المعرض لقلت بأنهم تقابلا ثم قتل فريد
النمر طارق ثم ألقاه في المبنى وفجر المكان، ولكن طارق كان حيا داخل المبنى
وهو يحترق، ثم أن عباس عندما أ راد أن يقتل فريد النمر ذهب إليه مباشرة في
المنزل، فما الذي حدث جعل طارق يختار أن ينتظر داخل المبنى حتى يعطوه ما
يريده، وهو الموت، فطارق بعد قتل الجميع بسببه، أصبح مستحيلا أن يقبل
الحياة، ولكن المهمة ناقصة، كان يجب أن يقتل فريد النمر أولا، ثم يفعل كما
تفعل الأفيال المسنة عادة، تذهب إلى أحد الكهوف وتنتظر الخلاص، هل تخلى
عن قتل فريد النمر من أجل ياسمين، قد يكون ذهب إلى منزل فريد النمر وعندما
راى ياسمين، تخلى عن الفكرة ثم ذهب وإنتظر أجله في مخازن المنطقة
الصناعية هذا التفسير هو الأقرب إلى الواقع ورغم إن عقلي إرتاح من التفكير
بعد وصولي إلى هذا الإستنتاج، ولكني كنت حزينة كنت أريد أن أثبت للجميع أن
طارق قتل، فحرام بعد كل هذا المجهود تكون النتيجة صفرا، خسارة دنيا وآخرة،
كنت أريده أن يموت وهو حاملا سلاحه إلى آخر لحظة، عندها عندما يقتل يكون
بطلا فعلا، فجأة دخلت غرفتي فدوى عثمان وهى تضحك وتقول: خبر بمليون
جنيه. كان بي من الحزن ما منعني من التفاعل معها قمت من مكتبي وسلمت
عليها بفتور ثم إستلقيت على سريري، نظرت إلىّ بدهشة وهى تقول: ماذا ألم بك
تبدين كأنك مريضة.
صمت وقلت لها بصوت خافت: طارق إنتحر.
أخذت تضحك بصوت عالي وجلست على السرير المجاور وهى تقول: فسر الماء
بعد الجهد بالماء. ولكن كيف تأكدت؟.
قلت لها: عباس أخبرني.
قالت: ووصلت إلى عباس كمان، أنا أحسدك على مثابرتك.
قلت: دعينا من هذا، ماهو الخبر؟.
قالت: منى حسين وصلت البلاد، لقد جاءت مع زوجها ولها طفلة وحامل في
الطفل الثاني. فاجأني الخبر هل مضى أكثر من عام ما زلت أذكر وداعي لها
في المطار كأنه أمس. قالت فدوى: أخبرتها بأننا سنحضر إليها فورا، هيا لا
أستطيع أن أنتظر.
قلت: أذهبي أنت، ولكني لا أستطيع الخروج اليوم سأزورها غداً. تفاجأت بردى
ولكنها تركت عنوان منى وقبل أن تخرج قلت لها: سؤال أخير يا فدوى، ماهو
الشيء الذي أخفيته بخصوص طارق و رفضتى أن تخبريني به.
قالت: إنه خاص بمنى يمكنك أن تسأليها، خرجت فدوى من الغرفة ثم عادت
وقالت: منى تشاجرت مع طارق وأعادت له دبلته.
قلت ساخرة: أعرف ذلك لم تأتى بجديد، كنت أعتقد بأن هناك سرًا خطيرًا. خرجت
فدوى وهى تضحك، لم أكن أعلم بأن منى أرجعت إليه الدبلة، ولكن يبدو أن هذا
ما جعل طارق غاضبا من عباس وتشاجر معه، ولكني إندهشت من نفسي عودة
منى لم تفرحني كثيرًا، بل شعرت بالحزن أكثر، لأني أحسست أن الكل يمضون
في حياتهم إلا أنا مازلت أعيش قبل عشرة سنوات، وفاة طارق تخص منى أكثر
منى، ولكنها تابعت حياتها، إلى أين تسيرين يا عزة، أشعر بأني لم أعد أعرف
ماذا أريد، بل أكثر من ذلك بدأت أحس بأني أفتقد عزة الأولى كما قال هشام، لم
يكن لي حل حتى أخرج من الإحباط غير العمل، ذهبت صباح اليوم التالي إلى
الجامعة مبكرة، ثم أكملت محاضرتي، ثم جلست مع الطلبة أجيب عن أسئلتهم،
ولم ألتزم بمادتي فقط، كنت أجيب عن كل المواد، فقد إقترب موسم الإمتحانات،
وشكرني الطلبة كثيرا فقد أصبحت علاقتي بهم كأنني أختهم الكبرى، ولكني كنت
الأكثر إمتنانا فكل ما أعمل معهم ترتفع روحي المعنوية، وسرقني الوقت حيث
تجاوزت الساعة السادسة مساءا، لم أتناول وجبة واحدة منذ الصباح، ولكني
أكثرت من شرب الشاي والقهوة، خرجت من الجامعة إلى عنوان منى مباشرة،
كانت تقيم في منزل مفروش بحي المزاد ببحري حتى تكون قريبة من منزل أهلها
بالحلفايا، وما أن طرقت الباب حتى فتح لي زوجها حسن سريعا، طلب منى
السكوت، فقد إستطاع أخيرًا أن يجعل طفلته تنام، كان يجلس في فناء المنزل
حيث يوجد سريرين وبعض الكراسي، جلست صامته وأنا أراقبه وهو يحمل الطفلة
بحرص وأدخلها إلى المنزل، ثم حضر يحمل عصير قدمه لي وجلس وهو يقول:
منى في الحمام، ستأتي بعد قليل، قلت: كيف أخبار الغربة معك ياباشمهندس؟..
قال: أكبر أكذوبة، أخبرتني منى بأنك كنت مغتربة لمدة عشر سنوات، لو عاد بك
الزمن هل كنت ستذهبين إلى لندن؟.
قلت مبتسمة: لا أعتقد، لأنك تذهب في طلب شيء وعندما تحصل عليه تكتشف
بأنك فقدت أشياء أكثر.
قال: بالضبط، أو إنك تربطين نفسك في مكان وعندما تحاولين الخلاص منه لا
تستطيعين، مثل الثور في الساقية يجب أن تظلي تدوري وتدوري، قال هذه الجملة
بحزن وأحسست بأنه تعيس في حياته، وإستغربت أن مهندس اً ناجحاً يعمل بدبي
ومتزوج من منى حسين التي يحسده عليها الكثيرون يكون بهذه الكابه، فقلت له
مبتسمة: الكثيرون يعتبرونك رمزا للسعادة، أستغرب هذا الكلام منك.
قال بحسرة: منذ أن ذهبت إلى هناك وأنا أجمع في المال لأرسله إلى اهلى، حتى
اننى أصبحت لديهم دفتر شيكات، حتى عندما أحادثهم أصبحوا لا يسألون إلا
عن التحويل المالي، وحرمت نفسي من كل شيء، حتى أستطيع أن أكون نفسي،
وأصبحت أحلم بفتاة أحلامي وأنتظر اليوم الذي أقابلها ومضت أكثر من سبعة
أعوام، وأنا أقيم في معسكر منعت نفسي من كل ما يخطر على البال، ولم يكن
لي غير أن أتخيلها وهى تتحدث وهى تضحك، وعندما تعود إلى بلدك وتجد فتاة
أحلامك وتقدم لها كل ما تملك يعتقدون بأنك إشتريت الحب بأموالك، ولكن
الحقيقة إننى إشتريته بعمري فهذه الأموال هو سنين عمري الذي لم أعشه،
وضعته تحت قدميها، هذا هو قمة الحب، لم أسمعها كلام معسول، أو أوعدها
بشيء خرافي، بل قدمت لها أعز ما أملك، ولكن بالمقابل تكتشف حتى فتاة
أحلامك تنظر إليك كدفتر شيكات ليس إلا، والمطلوب أن تستمر تدور وتدور.
صمت حسن عن الكلام كان الحزن طاغي على وجهه، وأحسست بأنه يطلب
منى بطريقة غير مباشرة الحديث مع منى يبدو أن العلاقة بينهم ليست طبيعية،
وما إن أتت منى حتى إستأذن حسن وخرج، عندما كنت أحضن منى كنت
أتساءل، لماذا إختارني أنا؟. هل لأني أقرب شخص إلى منى، أو لأني عانيت
من الغربة مثله، جلست منى وهى تعاتبني لأني لم أحضر مع فدوى أمس،
صمت كنت أتأمل وجهها، وقلت: لا تبدين سعيدة .
قالت: ولا أنت.
قلت: ولا زوجك.
صمتت لحظات ثم إتكأت على ظهر الكرسي وأخذت تنظر إلى السماء، ثم قالت:
حسن إنسان ممتاز، ولكن طارق حطمني جعلني إنسانة خاوية باردة، جعلني
كالشبح. ثم فجأة سحبت الكرسي الذي تجلس عليه إلى الأمام وأصبح وجهها
أمامي مباشرة وقالت: فدوى أخبرتني بما تفعليه، أتركي طارق يا عزة، سيحطمك
مثل ما فعل معي، أنت لا تدرين إلى أين تمضين.
قلت: طارق مات يا منى.
قالت: طارق حالة عندما تتلبسك، يجعلك كمن أصابته حمى، وأنا أرى أعراض
هذا المرض عليك، أهربى قبل أن تنتهي مثلي.
قلت: ولكنك فسخت خطبتك له، لماذا لم تخبريني بذلك ؟.
قالت وهى تصيح غاضبة: ماذا كنت تنتظرين عندما ترى خطيبك الذي حاربت
الدنيا من أجله يأتي إلى الجامعة وفى يده بنت عمياء يستعرض بها بل يعرفها
على الجميع، جعلني أشعر بأني جاريته ولست خطيبته. يوم حفل واحد وعشرين
أكتوبر بعد أن أعادها إلى منزلها جاء يستعطفني ولكني رميت دبلته في وجهه.
قلت: إذا كنت مقتنعة بذلك فلماذا إنهرت وأنت ترين جثته في المشرحة.
قالت: لأنه خلع دبلتي، كنت أعتقد بأنه سيأتي متوسلا طالبا الصفح ولكنه خلع
دبلتي، كأنه كان ينتظر منى أن أنهى علاقتي به لقد إختارها هي.
قلت: ألم يخبرك عباس بأنه قال ليس له خيار.
قالت: كلام كل ما حصدته من طارق الكلام والكلام فقط. خرجت من منى وقد
حل الظلام، كنت أفكر في كلامها لو إختار طارق ياسمين فهذا يفسر لماذا لم
يقتل فريد النمر، هناك شيء مفقود لا أعرف ما هو، أشعر بأني أنظر إليه ولا
أراه، يجب أن أركز أكثر، ليس على الحديث مع أحد ولكني أحتاج إلى ترتيب
المعلومات، طا رق لا ينتحر ويقولون إنتحر، طارق لا يتخلى عن منى ولكن منى
لم تجد دبلتها في يده عندما أصبح جثة هامدة، أجل السر في المخازن، هشام
قالها، وفجأة قدت السيارة بسرعة جنونية قطعت مدينة بحري في دقائق وعبرت
كبري النيل الأزرق إلى الخرطوم، وقطعت وسط الخرطوم في أقل من دقيقتين،
وإتجهت جنوبا إلى المبنى ستة وستون مخازن المنطقة الصناعية كانت الإضاءة
خافتة في المنطقة فأخرجت البطارية من خلفية السيارة، وما أن دخلت من الباب
حتى وقف عم إبراهيم مندهشاً كان يستمع إلى الإذاعة، ولكني لم أعره إهتماما
وذهبت مباشرة إلى المبنى، إتبعني صامتا، وأخذت ألقى الضوء على الأجهزة
المحروقة، كان البلاستك الأسود يغطى أغلبية أجزاء الأرضية، إلتقطت كوب من
النيكل وصحن كانوا ملتصقين فوق البلاستك الأسود لقد سقطت بعد الحريق وقبل
أن يجف البلاستك، يا لغبائي هذا ما أحضر طارق هنا، كيف مرت عليك يا
دكتورة عزة، جاء طارق للبحث عن جيمس هذه الأشياء كانت لجيمس، فعندما
أخبر عباس طارق بأن فريد النمر فتش المكان ولم يجد أحدا، طارق كان يعلم
بأن جيمس موجود ولكن مخبأه في السقف، حيث كانت هذه الأواني معه، بين
الهيكل الحديدي وبطانة الخشب، لقد ظل جيمس يتصل بأعضاء الإنقلاب ولا
أحد يرد عليه، فقد قتلوا جميعا، ثم جاء فريد النمر إلى هنا، فاختبأ جيمس في
السقف ولكن فريد النمر حاصر المكان، فلم يعلم جيمس ماذا يفعل، وعندما شب
الحريق راى جيمس عم إبراهيم والعسكري ففضل الموت محروقاً، على أن يعذب
على يد فريد النمر، إن عم إبراهيم راى شخصا في الطابق الأعلى فأعتقد بأنه
طارق، إذا طارق لم ينتحر، بل جاء لينقذ زميله، أخذت أضحك بهستيريا، وعم
إبراهيم ينظر إلى بارتياب، أجل يا طارق لست أنت من ينتحر.
في الصباح الباكر كنت في شركتنا أنتظر حضور العمال الذين يتجمعون
أمام الشركة ليذهبوا مع خالد إلى المواقع بسيارة الشحن الصغيرة، وكنت أعرف
أكثر أثنين يعملون معنا دينق وملوال فطلبت منهم مقابلتي مساءاً أمام الشركة
بدون أن يعلم أحد ولا حتى خالد أو أبى، وافقا والدهشة تملأ وجهيهما، ثم ذهبت
إلى الجامعة حيث بقيت حتى الساعة السادسة مساءاً، ثم عدت إلى المنزل
وأخبرت والدتي باني ذاهبة إلى فدوى وسأتأخر هناك، ثم إتصلت بفدوى أخبرها
إذا إتصلت بك والدتي، أن تخبرها بأني خرجت من عندها قبل قليل، فسألتني:
ماذا تنوين أن تفعلى. فقلت لها: لوعلمت لا تهمتينى بالجنون. عندما وصلت إلى
الشركة كانت الساعة تجاوزت الثامنة، وإنتظرت قليلا فحضر دينق وملوال ،
فركبا السيارة معي وإنطلقت بالسيارة إلى مقابر محمد نجيب، كان الظلام حالكا
إلا من أضواء السيارات، ثم أوقفت السيارة بعيدا، وقلت لهم: هناك ذهب مدفون
في أحد هذه القبور أريد أن أخرجه، هل تساعداني؟.
قال ملوال بعربية ركيكة:" أنت مجنون نحفر قبر وبالليل، الكلام ما صحيح".
قلت: إذا وجدنا الذهب فأنا أريد سلسلة وخاتم فقط تخص والدتي والباقي لكم.
قال دينق:" ولو مافى ذهب".
قلت: سأعطيكم أجرة الحفر مرتين.
بعد فترة صمت قال دينق : الحفر الليلة؟.
قلت: بعد ساعتين أو ثلاثة حتى نتأكد من خلو المنطقة، بعد أن وافقا ذهبنا
وأحضرنا عدة للحفر وما أن إقتربنا من منتصف الليل، حتى ذهبنا إلى قبر طارق
كنت أعلم بأنه سيكون مجاورا لقبر ياسمين، فقد دفنّا في نفس اليوم، وإستغربت
بأني لم أراه عندما كنت أبحث عن قبر ياسمين، وبدأ الحفر، وكان الحفر سريعا
فقد كان ملوال ودينق في حالة رعب ليس من أن يكتشف أمرهما ولكن من
الموتى، وما أن ظهر الهيكل العظمى حتى خرجا من القبر خائفين وسألني دينق:
أين الذهب؟..
فقلت له: سأريك. وما أن نزلت إلى القبر حتى شاهدنا ثلاثة أشخاص يركضون
باتجاهنا، ولم أرى دينق وملوال إلا وأطلقا ساقيهما للريح، كنت أعلم بأني لا أملك
طريقة للهرب فقد قبض على لا محال، أمسكت بالجمجمة ونظرت إلى الأسنان
كانت سليمة، حتى الفك السفلى، كنت دائما معجبة بأسنان جيمس البيضاء، لقد
دفنوا جيمس على أنه طارق.
وقف حارس المقابر فوق الحفرة وهو يحمل عصا طويلة وينظر إلى بدهشة
وأنا داخل القبر، بينما زميلاه كانا يحاولان اللحاق بملوال ودينق، كنت أدعو الله
أن لا يتم الفبض عليهم فلو تحدثوا في موضوع الذهب لأصبحت في موقف أسوأ
مما أنا فيه، على الأقل سيقولون الآن بأني مجنونة، أما إذا ذكر الذهب فلن
يصدق أحد بأنه لا يوجد ذهب، ثم شعرت بفداحة ما عملته عندما تذكرت طلبتي
في الجامعة، وهم يتحدثون عن دكتورتهم المفضلة وهى تنبش في القبور ليلا.
عندما حضر والدي إلى قسم الشرطة كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحا،
كان معه خالد، وعماد آخر شخص كنت أتمنى أن يراني في هذا الموقف ما الذي
أحضره، فهذا يوم الفضائح العالمي، وما هي إلا لحظات أخبر أبى الضابط بأن
طارق المغربي خطيبي وإننى مازلت أعانى من وفاته، فتفهم الضابط المسألة ولم
يفتح محضر بالحادثة، وطلب من أبى الإسراع في علاجي، كنت صامتة حتى
وصلنا إلى البيت، ذهب عماد وركب سيارته وقادها مبتعدا، وجاء خالد خلفنا وهو
يقود سيارتي، عندما دخلت المنزل لم تكن الوالدة تعلم لماذا إتصلت الشرطة بأبي،
ولم يسألني أبى شيئا فقد قال لوالدتي بأني صدمت شخصا بالسيارة، لم يستطع أن
يقول لها أن إبنتها كانت تحفر القبور ليلا، ولكن ما أزعجني أن أبى وخالد كانا
ينظران إلى بريبة كأنني فقدت عقلي صعدت إلى غرفتي وأنا ألوم نفسي، لم أكن
أتوقع أن يقبض علىّ، ولكني يجب أن أنظر إلى الأمور بنظرة إيجابية فلقد نجح
ملوال ودينق في الهرب، فلو قبض عليهم لكنت أمام ذلك الضابط حتى الآن، ثم
أنني لم أكن أعلم أن هناك حراسة على المقابر، أستغرب من هذا البلد يقتلون
الأحياء ثم يحرسونهم.
إستيقظت باكرا، هرباً من أبى فهو سيبدأ التحقيق معي اليوم، إستخدمت
مفتاح السيارة الإحتياطي فقد كنت أعلم أن خالد سيحاول أن يستغل الظروف
ليستولى على السيارة لذلك إحتفظ بالمفتاح الاصلى، واتجهت إلى الشركة حيث
قابلت ملوال ودينق وقلت لهم ضاحكة: أين الرجولة تتركون إمراة وحدها في
المقابر، قال ملوال ضاحكا: أنت تخرجين ولكن نحن ندخل السجن
طوالى.أعطيتهم نقودهم وقلت لهم لم أجد الذهب، فلا أريد أن أكون كاذبة في
نظرهم، عندما عدت إلى المنزل كان والدي قد خرج مع خالد، وعندما عادا مساءا
تظاهرت بأني نائمة. وفى صباح اليوم التالي تعمدت أن أستيقظ متأخرة، بعد
خروج أبى وخالد، ثم قدت السيارة بهدوء فلم يكن هناك ما أفعله في الجامعة،
ولكن ما أثارني عند وصولي أن جميع الطلبة كانوا ينظرون إلىّ ، وإستغربت هل
يمكن أن يكون وصلهم الخبر بهذه السرعة، دخلت مكتبي سريعا، وجلست منتظرة
أن يأتي أحد الزملاء ليسألني ماذا حدث في المقابر، ولكن لم يأتي أحد، ثم دخل
أحد السعاة وفى يده مظروف سلمه لي، كان مكتوبا فيه نعلمكم بإنهاء خدماتكم
لدينا، شكرا لتعاونكم معنا. في حياتي لم أشعر بالمهانة مثل هذه اللحظة، كنت
أريد أن أبكى ولكني تماسكت حتى لا يشمت أحد، أدخلت بعض المراجع التي
تخصني في حقيبتي، وخرجت كنت أريد أن أصل إلى سيارتي في لمح البصر،
ولكن بدت المسافة لي كأنها أميال كان جميع من في الكلية ينظرون إلىّ وما أن
وصلت إلى السيارة حتى لحق بي أحد العاملين في إدارة الكلية، كنت أوصله
بسيارتي في بعض الأحيان وأنا في طريقي إلى البيت، وقال: يا دكتورة هل
تعلمين لماذا تم إنهاء عملك؟.. صمت فلم أكن أريد الحديث في الموضوع،
فواصل حديثه قائلا: لأنك تحرضين الطلبة على التظاهر. تفاجأت فقد كنت أظن
أن له علاقة بيوم أول أمس، قلت له: ولكن هذا ليس صحيحاً قال: منذ إسبوع
تدرس إدارة الكلية هذا الأمر ولكن زملائك لم يدافعوا عنك. لم أستطع العودة الى
البيت، قدت سيارتى إلى شارع النيل، أوقفت السيارة، ونزلت من الشارع كان
يفصله عن النيل مساحة مزروعة ببعض الخضروات، وما أن وصلت إلى حافة
النيل ووجدت نفسى بعيدة عن كل البشر، حتى أجهشت بالبكاء، فعملى فى
الجامعة كان خيط الأمل الوحيد، لم أتذكر فى حياتى بأنى بكيت بهذه الحرقة،
ولمت نفسى لقد تنازلت وقبلت بهذا الوضع، والآن هذا درس لى، التنازلات لا
تأتى إلا بالمزيد من المهانة، أخذت أمسح دموعى بماء النيل ولكن أحسست بأنى
أمسح الدمع بالدمع، كأنما كان النيل يبكى.
عندما عدت إلى البيت منتصف النهار، وجدت سيارة خالد موجودة،
فأدركت أن أبى ينتظرنى كنت أحاول التأجيل ولكن لا مناص، وجدتهم جالسين
ثلاثتهم، أمى على اليمين وخالد على الشمال، وأبى فى الواجهة، لم أعطه فرصة
للحديث ناولته خطاب الجامعة، وإتجهت إلى السلم فقال: لماذا إستغنوا عنك؟.
قلت: لأنى أحرض الطلبة على المظاهرات، وزملائى أكدوا ذلك.
قال: قلت لك أن تبتعدى عنهم.
قلت: لماذا؟.
قال: حتى تبتعدى عن المشاكل.
قلت: لا يمكن أن أعيش من أجل أن أبتعد عن المشاكل، يجب أن يحكمنى مبدأ
الصواب والخطأ، اذا كان صوابا أفعله واذا كان خطأ أحاربه.
قال ساخرا: وهل نبش القبور ضمن هذا المبدأ. نظرت اليه الوالدة بدهشة، لكنه
كان غاضبا لا يهتم بتساؤلها، نهض من جلسته ووقف أمامى مباشرة وهو ينظر
الىّ ..
قلت بتحدى: ليس ضمن المبدأ، ولكنه المبدأ نفسه.
قال: عماد طلبك للزواج، ورغم فضائحك التى رآها بنفسه، ما زال مصرًا على
طلبه، هو شاب متعلم وغنى ومن عائلة كبيرة.
قلت: ومدمن كحول وزير نساء.
قال: لقد أخبرنى بأنه تخلى عن الشرب، وأنا أراه مناسبا لك. كنت أعلم بأن عماد
يصطاد فى الماء العكر مما وترنى وجعلنى أكثر عصبية وأنا أحاول أن أضع
نهاية لطلبه.
قلت: أنت تستشيرنى، أم تعلمنى بقرارك، هذا الموضوع يخصنى وحدى ولا أقبل
بتدخل أحد فيه. كان ردى حادا، فما كان من أبى إلا أن رفع يده وصفعنى
صعدت ركضا على السلم إلى غرفتى، أحسست بأنى مخنوقة ومهزومة دخلت
إلى الحمام، وخلعت ملابسى، وبدأت دموعى تجرى وأنا أقف تحت الدش منتظرة
أن يخفف الماء المرار بداخلى، سمعت صوت والدتى ترجونى أن أفتح الباب،
ولكنى كنت أفكر بأنه قد مرت بى أيام سيئة كثيرة، ولكن اليوم هو الأكثر زلة.
ظللت فى غرفتى الأيام التالية، لا أخرج أو أكلم أحدا، حتى الأكل بعد
مجادلات مستمرة مع أمى، لأول مرة فى حياتى لا أعرف ماذا أفعل غداً، لم يكن
لى هدف أسعى الى تحقيقه، وبدأت تساورنى فكرة العودة إلى لندن، كنت أنظر
إلى نفسى فى المرآة فلا أصدق بأن هذه أنا، لو كنت رجلا لكان لى لحية أهل
الكهف، كانت خصلات شعرى متطايرة فى السماء مثل الساحرات، وحدقات
العيون شديدة الإحمرار فقد أرهقتها الدموع بالبكاء ولون الوجه شاحب، يجب أن
تصمدى ياعزة، لقد مرت بطارق ضغوطاً أكبر ولم ينتحر، يجب أن تكونى أقوى
منه، ثم لإنك لم تخسرى من منطلق ضعف، بل من موقف قوة، رفدوك من
الجامعة لأنهم يغيرون منك، لفقوا لك تهمة حتى يتخلصوا منك، فلماذا تحزنين،
والآن أنت الوحيدة التى تعلم بأن طارق لم ينتحر، لقد نجحت وأثبت بأنك على
حق، لا تجعليهم يهزموك، عماد لا يستطيع أحد فى الدنيا أن يرغمك على الزواج
به، شعرت بأنى بدأت أتماسك، إستلقيت على السرير وأنا أنظر إلى السقف،
وبدأت فى التفكير فى أهم سؤال يحيرنى أين مات طارق؟ بعد أن فارق هالة وعلم
بوفاة الجميع ذهب إلى منى ولكنه لم يستطع الإقتراب منها فذهب إلى عباس
ووجده حياً يرزق، ثم من المفترض أن يذهب الى جيمس، ولنفترض بأنه وجده
مقتولا، فعليه أن يذهب إلى منزل فريد النمر لقتله، ولكن فريد النمر أكد لعباس
بأنه نسف صديقه، لو كان فريد النمر قتل طارق فى مكان أخر لذكره لعباس،
إذن فريد النمر نفسه يعتقد بأن طارق قتل فى الإنفجار، هل يمكن أن تكون جثة
طارق مازالت تحت الأنقاض ولم ينتبه إليها أحد، شعرت بالحماس يدب فى
أوصالى، أخيرًا وجدت شيئاً أفعله غداً.
منذ الصباح الباكر أخذت دشا باردا أنعشنى، ولبست أجمل ما عندى،
ونزلت إلى الصالة، كان ثلاثتهم يشربون الشاى، كانوا ينظرون إلى وقد عقدت
الدهشة ألسنتهم، لم يكن لدى رغبة فى الحديث مع أبى خصوصا، رفعت لهم يدى
مسلمة وخرجت قدت سيارتى مباشرة إلى المنطقة الصناعية، كانت هناك شركة
لرفع الأنقاض إتفقت معهم على رفع الأنقاض بالكامل باستخدام الجرافات
ومعداتهم الثقيلة، رغم إنهم قالوا أن حجم المبنى الذى ذكرته لا يستحق ذلك، كنت
أريد أن أفحص كل شىء بدقة، وعندما وصلت المخازن وجدت عم إبراهيم الذى
كان ينظر إلى بريبة وخوف فهو أيضاً يعتقد بأنى غير متزنة تماما، وما هى إلا
لحظات حتى شاهد الجيش الذى أتى بعدى وبدأت الجرافات بالعمل، ولم أكن
أسمح بشحن الركام فى الشاحنات إلا بعد أن أتأكد بأنه خالى من العظم، كان
الجميع يستغربون عما أبحث، ولكنى كنت أتابع العمل بهمة حتى بلغت الساعة
الرابعة عصرا، كان مكان المبنى قد تحول إلى فسحة خالية من أى شىء، وكان
عم ابراهيم قد ترك عمله فى عربة الكارو التى يعمل بها نهارا، مفضلا أن يرى
نهاية الأمر، ونهاية الأمر كانت نتيجة واضحة لا لبس فيها، لا موتى غير
جيمس فى هذا المبنى، بل قد يكون طارق لم يأتى أصلا الى هنا، إذن أين مات
طارق؟. ركبت سيارتى بغضب، وقدتها بعنف مخلفة سحابة من الغبار وعم
ابرهيم ينظر إلى بتعجب، ما أن وصلت المنزل كانت الساعة قد تجاوزت
الخامسة ووجدت سامية وفدوى بانتظارى كنت أعلم أن سامية لن تستطيع منع
نفسها من الحضور بعد أن أخبرها عماد بحادث المقابر ستحاول أن تسمعنى ما
تبرد به نارها منذ زواج فدوى، وكنت موقنة بأنها أجبرت فدوى على الحضور
معها، فليس هذا هو الوقت الذى تفضله فدوى للزيارة، ولكنى إبتسمت فى سرى
فلو أسرعت سامية بزيارتها يوماً واحداً على الأقل لرات منظرى،كان سيسعدها
لأعوام قادمة، جلست أمامهم ولكن فدوى أشارت إلى ثيابى وسألتنى باستغراب:
أين كنت ؟. نظرت إلى ثيابى كنت مغطاة بالكامل بالتراب، ولمت نفسى فقد
كان يجب أن أنفض هذا الغبار قبل ذلك ولكن إستغراقى فى التفكير منعنى من
ملاحظة مظهرى، وحمدت الله أن والدتى بالمطبخ وخالد وأبى فى غرفهم فسيارة
خالد موجودة فى الخارج، ولكنى لاحظت إبتسامة سامية الصفراء فقلت لفدوى
مبتسمة وأنا أزيل الغبارمن ملابسى: أن لدىّ هواية جديدة فى حفر القبور.
فقالت سامية: يعنى ما سمعناه صحيح وليس إشاعة.
قلت مبتسمة: إن كل الأخبار التى تنقلها لك وكالات الأنباء صحيحة، هذه
الأخبار وما قبلها. كانت فدوى صامتة تنظر إلينا.
قالت سامية بعصبية: والسبب، لابد أن يكون هناك سبب.
قلت وأنا أضحك: هذا سر سيموت معى.
قالت سامية بغيظ: ولكن الناس بدأت تتكلم، الدكتورة أصابها الجنون، والله لم
أسمع بدكتورة أو ربة بيت تنبش فى قبور الناس ليلا .
قلت: ليس مهما أن تنبشى قبور الناس الأهم لماذا نفعل ذلك؟، دكتورة عزة
الرشيد عندما يجدوها فى المقابر ليلا تحفر فى قبر مات صاحبه من عشر
سنوات لابد أن يكون هناك سببا قويا، ياترى ماهو هذا السبب؟، لو أنا مكانك
يافدوى لن أستطيع أن أنام بدون أن أعرفه.
قالت سامية وهى تضحك: إن مايقلق ربة المنزل إن وقتها بالكاد يكفيها للاهتمام
بزوجها وأولادها، فليس لديها وقت للبحث فى الأسباب أو لزيارة مستشفيات
المجانين. قبل أن أرد على سامية جاءت والدتى تحمل العصير معلنة إنتهاء
المعركة، تبادلنا بعض الأحاديث ويئست سامية من أن أتحدث فقد كانت تمنى
نفسها بقصة دسمة ولكنى سأجعل القصة عنوان فقط بدون تفاصيل، فلا أستطيع
أن أتحدث بدون العثور على جثة طارق، وكانت فدوى تريد أن تعرف أيضاً
ولكنها إلتزمت الحياد وظلت صامتة، إنتهت الزيارة وصعدت إلى غرفتى فقد كنت
أحتاج إلى دش بارد والإستلقاء على السرير، ولكن ما أن خرجت من الحمام حتى
وجدت منى حسين تحمل بنتها على كتفها بيد وباليد الأخرى شنطة صغيرة،
وقالت: هل مازال سريرى خاليا يادكتورة؟.
قلت مبتسمة وقد غمرنى الفرح بحضورها: هذا السرير ماركة مسجلة لمنى حسين
فقط ولا أحد غيرها، ولكن أين زوجك؟.
قالت: سافر. سأقيم مع أهلى حتى يستطيع توفير المال الكافى لشراء منزل.
قلت: كم من السنين يلزمه لجمع هذا المال.
قالت بحزن: خمسة سنوات لو ظلت الأسعار ثابتة. تذكرت زوجها حسن وهو
يقول تظل تدور وتدور، مسكين حسن إن الثور لا يترك الساقية إلا ميتا أو عند
سقوطه يعاجلوه بسكين ليأكلوا من لحمه، نظرت إلى منى التى كانت جالسة على
السرير وبجانبها بنتها نائمة، جلست أمامها وأمسكت يديها حتى أخرجها من
همومها وقلت: جميل أن تأتى اليوم.
قالت: صراحة لم تكن فكرتى، إتصلت بك أمس ووجدت والدتك فطلبت منى
الحضور لأن حالتك سيئة جدا، ولكنى أراك بأحسن حال. قبل أن أرد عليها دخل
خالد الغرفة وقال: أخت حامد المغربى ووالدته ينتظرونك، إما أن تحضرى موظفة
إستقبال أو تعطينى راتبا. ضحكنا على تعليقه فقد تجمعت الزيارات فى يوم واحد،
طلبت من منى أن تنزل معى ولكنها هزت راسها رافضة الفكرة، ولكنى ركضت
سريعا وشعرت بالسعادة وأنا أحضن هالة وسلمت على أمها، كانت والدتى سعيدة
وهى ترى إبتسامتى، قلت لهالة: أخيرً!.
قالت هالة: صدقينى على بالى دائماً.
قالت والدتها: إن القهوة ليس لها طعم من غيرك. شعرت بأن هذه الزيارة كان لها
مفعول السحر على حالتى النفسية، حتى إننى كدت أن أخبرهم بأن طارق لم
ينتحر ولكنى تراجعت، فلا أريد أن أسبب نكسة لهذه الأم الثكلى، لم ينتظرا طويلا
فهما تريدان أن تعودا قبل حلول الظلام طلبت من خالد أن يقوم بتوصيلهما حتى
باب منزلهما، عندما صعدت إلى غرفتى وجدت منى تراقبهما من طرف شباك
الغرفة لكى تراهم ولا يروها وهما تخرجان من الحديقة إلى السيارة كانت الدموع
تسيل على خدها، وقفت بجانبها وأنا أمسح بيدى على شعرها وقلت مبتسمة:
أنت من أرسلتها والدتى لتنقذنى، أنت محتاجة فرقة انقاذ. بدأت تضحك ثم
حضنتنى وهى تقول: أشعر أحيانا أن عمرى مائة عام.
قلت وأنا أضمها بقوة : يعنى أصغر منى بمائة عام. بدأنا بالضحك ثم مالبثنا أن
أخذنا نبكى ونحن نحضن بعضنا حتى لم نعد قادرين على الوقوف، جعلتها
تستلقى بجوار إبنتها وإرتميت على سريرى المجاور لها، كنت أنظر إلى السقف
وكانت منى تمسح بيدها على شعر إبنتها وهى نائمة بجانبها، وأحسست أن منى
قمة فى الرقة والإحساس فقد رفضت مقابلة والدة طارق وأخته حتى لا يروا بطنها
المنتفخة قليلا، فيتحسروا على إبنهم، ولكنى إستغربت كيف لم تشعر منى بأن
الجثة ليست لخطيبها، فسألتها: منى ماهو شعورك وأنت تشاهدين جثة طارق،
قالت: لم أذهب للتعرف على الجثة لقد ذهبت فقط لأخذ دبلتى فقد وجدوا ما تبقى
من بطاقته الشخصية فقد كان طارق مغلفها بغطاء سميك فتعرفوا عليه، ولكن
الجثة كانت محترقة لدرجة إن بعض أجزائها كان عبارة عن هيكل عظمى فقط،
كانت تفوح منها رائحة المطاط، فقلت: هل كانت البطاقة ملتصقة بالجثة.
قالت: لا كان دائما يضعها فى حافظة نقوده الجلدية ولذلك لم تحترق بالكامل.
قفزت من السرير لقد كان طارق هناك قبل إنهيار المبنى وقد تعمد وضع محفظته
ليعتقد الجميع بأنه توفى فقد وجد جيمس محروقا تماما، ولا أحد يعلم بأن جيمس
موجود هناك، إذن كان هناك وقت طويل بين الإنفجار وإنهيار المبنى، يا لغبائى
من المفترض أن أدرك ذلك من الأوانى التى سقطت من السقف فقد ظل الحريق
مشتعلا حتى إحترقت بطانة الخشب فى سقف المبنى وسقط كوب الماء والصحن
على الأرضية السائلة ثم بعد ذلك قد يكون بفترة طويلة إنهار المبنى،أحسست
بذلك الشعور ثانية هناك قوة خفية تمدنى بالمعلومات فوجود منى اليوم لم يتم
بترتيب منى، ولكنه القدر أراد إعلامى بما يجدث بدأت أشعر بأن السماء تبارك
محاولتى معرفة الحقيقة، فقد كنت أسعى فى البداية ولا أنجح الآن المعلومات
تأتينى وأنا فى غرفتى، ولكن إذا خرج طارق حيا لماذا لم يقتل فريد النمر، بل
السؤال الأكثر أهمية أن عم إبراهيم هو من جعلنى أعتقد بأن الإنفجار وإنهيار
المبنى متلازمين، معنى ذلك بأنه راى طارق ويعلم بأن من مات ليس طارق، لقد
كذب، أحسست بالغضب، سأريك أيها العجوز ماذا سأفعل بك.
فى صباح اليوم التالى كانت منى ترضع طفلتها أمانى، وكنت أصب شاى
الصباح أمامها، فقد خرج أبى وخالد مبكرين، كنا نجلس فى صالة المنزل وكانت
والدتى تراقبنى من المطبخ، ثم أتت وجلست معنا وقالت لمنى: عندما تكونين معنا
تكون الدكتورة بأحسن حال.
فردت منى مبتسمة: ياخالة ليس هناك خدمة مجانية كما جئت هنا على الدكتورة
سداد الدين تذهب معى إلى الحلفايا.
ردت أمى: يمكن أن تبيت معك اليوم.
فقالت منى: هذا ليس عدلا، لقد جئنا ثلاثة أنا وأمانى ومن فى بطنى، يعنى
مطلوب منها أن تسد ثلاثة أيام بلياليها.
ضحكت والدتى وقالت: هذا بينك وبين الدكتورة. ثم قامت وذهبت الى المطبخ.
أدركت بأن والدتى إتفقت مع منى على هذا الحوار حتى تبعدنى من والدى فقد
يحدث أى إحتكاك، ولأنى كنت أريد البقاء مع منى أكثر وقت ممكن، كما أنى
أريد الإبتعاد عن البيت فرحبت بالفكرة، فهذا أيضاً يساعدنى على تنفيذ فكرة
مجنونة إختمرت فى ذهنى، دخلت غرفة أبى وأمى خلسه وفتحت باب دولابهما
كان به درج صغير فتحته وأخرجت مسدساً للصوت كان أبى محتفظاً به بين
الأوراق القديمة، ثم أعددت حقيبة صغيرة لملابسى وأدخلت المسدس بها، وركبنا
أنا ومنى السيارة، وإنطلقنا كنا فى حالة فرح فوجودنا معا هو الفرح، ذهبنا أولا إلى
شارع النيل حيث جلسنا فى حدائقه ونحن نلعب مع أمانى، ثم تجولنا بالأسواق،
كنت أشترى لمنى وبنتها أى شىء يقابلنى وكانت تشترى لى ألعاب الأطفال
وتقول بأنها متأكدة بأنهم رفدونى من الجامعة لأنهم وجدونى متلبسة باللعب فى
مكتبى فى الجامعة، وعندما وصلنا إلى منزلهم بالحلفايا حضنتنى والدتها وهى
تبكى، وطلبت منى البقاء لمدة إسبوع فحالة منى بعد سفر زوجها لاتسر عدو
ولاحبيب، كانت منى تقيم مع والدها ووالدتها فقط، لأن أخويها متزوجان، أحدهما
يقيم بمدينة عطبرة والأخر مقيم مع نسابته بأمدرمان، وكانت الأمطار فى نهاية
يوليو بشكل يومى، فأصبحنا ملازمين المنزل طول اليوم نتحدث فى أى شىء
فلم يكن مهما غير أننا مع بعضنا، نتسلى بشرب الشاى والقهوة ومتابعة
التلفزيون، فأجلت مشوارى إلى عم ابراهيم لمدة يومين بسبب الأمطار، وعندما
أمطرت فى اليوم الثالث أدركت أنه لا مجال للتأجيل اليوم، فغد اً سأعود الى
منزلنا ولن أستطيع الخروج ليلا عند منتصف الليل كما تستدعى الخطة التى
رسمتها للهجوم على عم ابراهيم، كنت أفكر وأنا أنظر إلى منى وهى تصب شاى
المغربية، إن عم ابراهيم شاهدنى ثلاث مرات، أول مرة عندما حكى لى روايته
الكاذبة عن الحريق وعندها إكتشفت وجود محطة الإتصال بعد أن أزلت ركام
الطابق العلوى، وشاهدنى وأنا أضحك بطريقة مجنونة عندما إكتشفت أن طارق لم
ينتحر، ثم شاهدنى فى المرة الأخيرة وأنا أزيل ركام المبنى تماما، وكنت أبحث
عن جثة طارق، وكنت أظنه يراقبنى من باب الفضول، ولكنه كان يراقبنى ليعرف
هل سأكتشف الحقيقة أم لا، والآن بعد أن رانى وأنا أبحث فى الركام تأكد بأنى
غير مقتنعة بشىء ما، ولكنه غير متأكد بعد إذا كنت قد علمت بأن طارق لم
يحترق هناك أم لا، وإذا ذهبت اليه مباشرة وسألته سيتمسك بروايته فهو يعلم
بأنى لا أستطيع أن أثبت العكس، لذلك يجب أن يكون لقائى به عاصفا تحت
تهديد السلاح وأؤكد له بأنى مجنونة قادرة على فعل أى شىء، ولكن هذه الأمطار
تعيقنى كما أننى ما زلت خائفة إذا كنت قادرة على تنفيذ خطتى وحدى، فبعد
حادث المقابر أى خطأ منى ستكون نتائجه وخيمة، قد تصل إلى حد فقدان
حريتى وزواجى بعماد غصبا، فالكل ينظرون إلى بأنى نصف مجنونة، وينتظرون
منى أى خطأ لتأكيد الجنون التام، فأنا أحتاج لمن يساعدنى، إنتبهت لمنى وهى
تناولنى فنجان الشاى ثم سألتنى وقد إرتسمت الجدية على محياها: ماذا تنوين أن
تفعلى بعد رفدك من الجامعة.
قلت: غالبا العودة إلى لندن.
قالت: والزواج؟.
قلت: لا أستطيع أن أتزوج من أجل الزواج، كل من تقدموا لى لا أشعر بقبولهم.
قالت: ولن تشعرى أبدا.
قلت: لماذا؟.
قالت:لأنك تحبين طارق، تأكدت من ذلك عندما أخبرتنى سامية أنهم قبضوا عليك
فى المقابر تحفرين قبره.
قلت: طارق مات، ولا أستطيع أن أخبر أحدا الآن لماذا قبض علىّ فى المقابر،
ولكن أريد منك أن تتأكدى بأنى لا أسير إلى الجنون، فأنا أوعى من كل من
حولى.
جاءت والدة منى تخبرنى بأن خالد أخى إتصل ويريد الحديث معى، كانت الساعة
تجاوزت السابعة مساءاً، أمسكت سماعة التلفون فقال خالد بأنه يريد محادثتى
بعيدا عن المنزل فقررت الإستعانة بخالد فى خطتى بدون أن يعلم شيئا، فطلبت
منه أن يأتى متأخرًا حوالى الساعة الحادية عشر، رفض فى بادىء الأمر متعللا
بالمطر ولكنى أصريت على موقفى فوافق، فطلبت منه أن ينتظرنى فى الشارع
لأن والد منى ينام مبكرا فلا نريد أن نزعجه، وطلبت منه أيضا أن يحضر عدة
حفر معه موجوده فى الحديقة، إستغرب طلبى ولكنى أخبرته بأنه سيفهم بعد أن
يأتى، وأخبرت منى بأن خالد سيأتى ليلا وسأخرج معه لمدة ساعة فهو يريد أن
يتحدث معى فى موضوع الزواج، وقالت: لماذا لا تجلسون فى الصالون. فقلت
لها قد نتشاجر ولا أريد أن يسمع أحد شجارنا، عندما تخطت الساعة العاشرة
والنصف مساءا كانت منى وبنتها فى سبات عميق ولم أسمع صوت لوالدة منى
ووالدها فى الغرفة المجاورة، لبست ملابس ثقيلة وتلفحت بالثوب بعد ذلك،
وأخرجت المسدس من حقيبة الملابس ووضعته فى حقيبة يدى وتسللت إلى خارج
المنزل، ورايت سيارة خالد التى كانت تقف بعيدا قليلا عن باب المنزل، كانت
الأمطار ثقيلة والرؤيا متعذرة، وما أن جلست بجواره طلبت منه أن يذهب إلى
الخرطوم المنطقة الصناعية، فقال: أسمعى أنا لا أحفر قبور ولا أقترب منها.
ضحكت فقد إفتقدت تعليقاته الساخرة، ثم سألنى بجدية: متى تعودين إلى
المنزل؟.
قلت: غدا إنشاء الله.
قال: ومتى تعتذرى لأبى؟.
فقلت: أنا من يعتذر أم هو .
قال: لا يهم من يعتذر، المهم أن ينتهى هذا الوضع.
قلت: ينتهى بأن أتزوج بمن يريده هو.
قال: أمى حالتها سيئة، وهذا هو بيت القصيد، حاولى أن تتنازلى
قلت: لا تنازلات بعد اليوم، وفى ماذا قرار مصيري مثل الزواج، على أبوك أن
يعلم أى بنت فى الثانوى تخطت مرحلة أن تجبر على الزواج، على العموم
سأترك كل شىء فلم يعد هناك مايبقينى هنا، لا أرى حلا سوى سفرى إلى لندن.
قال غاضبا: أنت تريدين أن تقتلى أمى، لا تذكرى موضوع السفر أمامها.
قلت: هل ترضى بأن أتزوج بهذه الطريقة.
قال: طبعا لا.
قلت: إذن تحدث معه أنت، يجب أن تقف معى. ظل صامتا يفكر وهو يقود
بهدوء، كانت الأمطار قد توقفت عندما إقتربنا من المنطقة الصناعية، وطلبت من
خالد القيادة بهدوء فلا أريد أن يشعر أحد بأن هناك سيارة تقترب من المبنى ستة
وستون، كانت الشوارع خالية تماما ولأول مرة شعرت بفائدة الأمطار فى هذه
الليلة، أوقف خالد السيارة بالقرب من الباب ثم قال: ما هذا المكان؟.
قلت: سأخبرك لاحقا، سأدخل وحدى، يوجد عرشة ينام عليها رجل عجوز على
يمين هذا الباب من الداخل، عندما تسمعنى أناديك، تأتى سريعا ومعك عدة
الحفر، وإذا طلبت منك الحفر تبدأ فى الحفر فورا.
قال وهو ينظر إلىّ بريبه: صراحة أنا لا أثق فى ما تفعلينه.
قلت: ثق بى فأنا دكتورة عزة الرشيد .
قال: لقد قلت لك إن صديقى عوض هو عريس المستقبل، فأنتم الإثنان تحبان
الحفر. ضحكنا فتعليقات خالد ميزتها إنها تهدى من توترى، قبل أن أدخل تأكدت
بأن خالد يقف بجانب الباب مباشرة ومعه عدة الحفر، وقفت بالباب ومددت راسى
إلى الداخل ورايت عم إبراهيم نائما، كنت أعلم بأنه بعد يوم عمل بعربة الكارو
يكون فى هذا الوقت فى سبات عميق، مشيت بهدوء إلى العرشة، كانت الإضاءة
خافتة تأتى من المبانى المجاورة، أخرجت المسدس من حقيبة يدى وإقتربت من
عم إبراهيم كان مستلقيا على ظهره وصوت شخيره يدل على إرهاقه، وضعت
مسدسى داخل فمه، ففتح عينيه، وما أن أدرك المشهد الذى يجرى أمامه حتى جحظت عيناه وهو ينظر إلىّ برعب، كنت أعلم بأنه يشعر بأنى بى لوثة من
الجنون ولكنى الآن أكدت له جنونى التام، قلت كلمة واحدة: تشهد. أخذت أنفاسه
تتلاحق، ثم بدأ يتمتم: لدى زوجة وأبناء. فقلت: لم ترحم طارق، فلن أرحمك، ثم
صحت: خالد. دخل خالد سريعا وتفاجأ بالمشهد وأخذ ينظر الىّ ببلاهة، فقلت
وأنا أنهره: أحفر هنا بسرعة أريد أن أدفنه الآن. بدأ خالد بالحفر وهو يرتجف
فقلت لعم إبراهيم: إن أسرة المغربى لا تترك ثأرها ولو بعد عشرة سنوات، هل
تعتقدنى صدقت بأن طارق مات محروقا، أنت من قتلته أين جثته. كنت أمل أن
يخبرنى بمكان جثة طارق لكن نطق عم إبراهيم بالجملة التى لم أحلم أن أسمعها:
أخوك حى، أخوك حى، والله العظيم أخوك حى.
رغم أن الجو بعد المطر كان بارداً إلا أن عم إبراهيم كان يتصبب عرقاً فقد
شلته المفاجأة كان جالساً أمامى أنا وخالد وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه، كنت
مازلت مصوبة المسدس فوق راسه وأنا أقف أمامه، حاول أن يتحدث فلم يستطع
الكلام فأحضر له خالد ماء من الزير، فشرب وقد سكب نصف الماء على
ملابسه من الخوف كانت يده ترتعش وهو ينظر الىّ، كان مقتنع اً تماماً بأنى
سأقتله، وما أن أكمل شرب الماء بدأ الحديث وهو يلهث قائلا : بعد أن إنفجر
المبنى راينا طارق بالداخل، كان معى حارس المعرض، ثم دخل أكثر من عشرة
رجال إلى هنا ثم بدأوا باصدار الأوامر لكل من يمر من الشارع بالإبتعاد وأخبرنى
الحارس بأنه يبدو عليهم أنهم تابعين للأمن، وطلبوا من الحارس الذهاب إلى
معرضه، ثم أتى رئيسهم وكنت قد بدأت أصب على النار الماء بالجردل، فأتى
وصفعنى على وجهى فسقطت أرضاً وقال لى: هل طلب منك أحد ذلك، أريد أن
تشتعل هذه النار حتى الصباح، وٕ اذا إنطفأت قبل ذلك فستكره اليوم الذى ولدتك
فيه أمك. ثم ذهب مع رجاله، لم أعلم ماذا أفعل فرقدت فى سريرى وأنا أنظر إلى
المبنى مشتعلا، ثم نمت وصحوت على صوت وقوع شىء على الأرض فقمت
ووجدت شخصا ساقطا على الأرض والنار مشتعلة فى ملابسه أسرعت وملأت
الجردل بالماء وقذفته بالماء، واستغربت أن يكون طارق حيا لأننا شاهدناه وهو
يحترق، حملته إلى العرشة، خلعت له جاكيت كان يلبسه وقد إحترق تماما،
وقميصه أيضاً، وكان يحمل مسدساً محشورا بين البنطلون وبطنه، كان جسمه به
حروق كثيرة خصوصا منطقة الظهر ويده اليسرى وكتفه الأيسر وغير الحروق
كان به جروح كمن تعرض للضرب بالسوط، فأنا لى خبرة فى إستعمال السوط، لم
يكن قادرًا على الكلام من الألم، فكان يتمتم بكلمات وعندما لم أفهم ماذا يقول
أصبح ينظر إلى أبو سبعين وهو أغصان العيش نزرعه لعلف الماشية يزرع فى
سبعين يوماً، كان موجوداً ومربوطاً فى حزم بالقرب من العرشة فقد كنت أتاجر به
وأعطيه للحصان، فعلمت بأنه يريد الإختباء هناك، فخبأته رغم أن جلده خرج فى
يدى وأنا أنقله، وغطيته بالأغصان الخضراء، ثم رقدت فى سريرى، كنت خائفاً
وشعرت بأن الرجل الذى صفعنى هو من فعل ذلك بطارق، وإذا كان طارق يريد
أن يختبىء فمعنى ذلك بأن هذا الرجل سيعود، وفعلا قبل الفجر بساعة، أتى هذا
الرجل وأخذ ينظر إلى النار مشتعلة فى المبنى ثم صاح ضاحكاً عندما شاهد جزء
من المبنى وهو ينهار تحت النار، رغم أن النار بدأت تنطفىء، شعرت بالخوف
منه فقد كان مبسوطا بالحريق، ثم ركب سيارته وذهب، وعندما خرجت إلى
الشارع لاحظت أن أحد سيارتهم مازالت واقفة وبها شخصين، فجئت إلى طارق
وهمست فى إذنه وهو وسط الحزم الخضراء، بأنهم ما زالوا هنا فقال كلمة واحدة:
الكارو. ففهمت بأنه يريد أن أخرجه بعربة الكارو فربطت الحصان على العربة
و وضعت حزم أبو سبعين بها، وحاولت أن ألبسه جلابية فقد كان يلبس بنطلونا
فقط ولكنه لم يستطع إحتمال الألم، فتركته كما هو ثم حملته ووضعته فى العربة
وسط الأغصان ثم ربطت حزم ابوسبعين بالعربة، وإنتظرنا قليلا حتى أذن الفجر
فتحركنا، وعندما مررت بسيارتهم سألنى أحدهم هل إنطفأت النار، فقلت لهم
ما زالت مشتعلة رغم إنها بدت لى قد إنطفأت فقد شعرت بأنهم ينتظرون أن
يدخلوا حتى يتأكدوا بأن طارق توفى بالداخل وما أن إبتعدت عنهم دخلت فى أحد
الشوارع الجانبية ثم نزلت من العربة وسألته هل أذهب إلى المستشفى، فهز أ رسه
رافضا فقال هامسا: السكة حديد، كانت محطة السكة حديد الرئيسية لا تبعد عنا
أكثر من خمسة دقائق، فذهبت اليها من الخلف ثم حملته وعبرنا سور قصير،
كانت توجد بعض عربات القطار الخالية ومهجورة تستخدم لنقل البضائع، فقال
لى أن أتركه فيها، وقبل أن أذهب أمسك بيدى وقال متوجعاً: لو علم فريد النمر
بأنى حى سيقتلنى ويقتلك. أقسم لى بأن لا يعرف أحد بأنى حى. فأقسمت له.
فسألته: فريد النمر هو الرجل الذى كان يضحك على الحريق. فهز أ رسه
بالايجاب
فقلت: ولكنهم لن يعثروا على جثتك.
قال: سيجدونها. لم أفهم ماذا يعنى طلب منى الذهاب فذهبت. وإنتظرت خارج
المحطة كنت خائفا أن أعود ويكتشف فريد النمر أن طارق ليس موجودا، فعندها
سيقتلنى، ولكنى فكرت لو أننى إختفيت سيأتى بى هذا الرجل وعندها سيكون
متأكدا بأنى أعرف أين طارق فقررت أن أعود، وعندما عدت بعد شروق الشمس
وجدت سيارة إسعاف تحمل جثة متفحمة، ولكنى شاهدت المبنى بدأ بالإنهيار
بالكامل وتصاعد الغبار، بعد ذلك اليوم لم يعد يأتى أحد إلى هنا غير فريد النمر
كان يأتى كل شهر أوإثنين يتأمل المبنى ثم يضحك، وكنت أخاف إذا ظهر
طارق فسيقتلنى هذا الرجل، عندما يعلم بأنى كنت أشاهده وهو يضحك وأنا أعلم
أن طارق حى فلن يرحمنى، وقد أمرنى بعدم تغيير شىء أو حتى الإقتراب من
هذه اللوحة كما قال لى، لم أعرف صاحب الجثة التى أخرجوها حتى الآن، هذه
القصة كاملة صدقينى لم أقتل أخوك.
نظرت إلى خالد بجدية وقلت: هل تصدقه. فقال وهو يمسك يدى ويبعد المسدس
من عم إبراهيم: نعم، ولكن لو إتضح بأنه كذب سأتى وأقتله بنفسى.
عندما إنطلقنا بالسيارة عائدين إلى منزل منى بالحلفايا كنا نضحك أنا وخالد
على عم إبراهيم، ثم إلتفت خالد الىّ وقال: أنت مجنونة، عندما رايتك تحملين
المسدس وأنت تهددينه كنت مقتنعا بأنك ستقتلينه فعلا .
قلت وقد أخرجت المسدس من حقيبة اليد: كيف أقتله بمسدس صوت.
قال: ولماذا لم تخبرينى منذ البداية بما ستفعلينه.
قلت: كنت ستخاف وسترفض، هذا مسدس أبيك عليك أن تعيده مكانه.
قال: لماذا أنا، أنت من أخذتيه.
قلت: لو رآنى أبى أو أمى أعيده، ستكون مشكلة، وأنت تعلم بوضعى معهم.
قال: ولكن هذا الطارق إذا كان حياً لماذا لم يظهر حتى الآن؟..
قلت: هذا هو السؤال الثانى ياخالد، هناك السؤال الأول وهو الأهم لماذا لم يقتل
طارق فريد النمر فهو لم يكن محتاجاً غير تصويب مسدسه من داخل أبوسبعين
وفريد النمر أمامه على بعد أمتار وهو يضحك شامتاً فى ما ظنه موت طارق.
أنزلنى خالد أمام منزل منى وذهب بعد أن أخبرته بأن يظل ما سمعه
سرا بيننا، تسللت إلى داخل المنزل ودخلت غرفتنا كانت منى نائمة بوجهها
الملائكى وبجانبها أمانى، أخذت أنظر اليها كنت أتمنى أن أخبرها بأن طارق
حى، ولكنى لن أستطع فلابد أن أعرف أين طارق. فى الصباح كانت منى
تراقبنى بحزن وأنا أجمع أغراضى ثم ودعت والديها وخرجت ومنى تتبعنى صامتة
وعندما وقفت أمام السيارة وإلتفت إليها وجدت دموعها تملأ وجهها، دخلت السيارة
وهربت سريعا فلا أحب أن أتذكر أيامى معها إلا بالفرح، وصلت إلى المنزل
قابلتنى الوالدة بحماس شديد وهى ترانى متوردة من جديد فقد نجحت فكرتها
بالذهاب الى منزل منى، صعدت إلى غرفتى وأخذت دشاً ونمت فلم أستطع النوم
ليلة أمس وأنا أفكر فى أين يكون طارق؟، لم أستيقظ إلا وقت المغربية، أفقت
على صوت خالد وهو يقول أن أبى وأمى ينتظرونى أن أشرب معهم الشاى فى
الحديقة، كنت أعلم بأنها جلسة صلح مع الوالد، جلست فى مواجهة أبى بينما
جلس خالد بقربه، وجلست والدتى بقربى، بدأت بشرب الشاى وأنا صامتة، بدأت
والدتى بالحديث قائلة: والدك أفتقد وجودك قال إن البيت من غير الدكتورة ليس له
طعم، كنت أعلم بأنهم ينتظرون تعليقى ولكنى لزمت الصمت وواصلت شرب
الشاى فلا أريد مجاملات لاتنتهى إلى شىء أريد أن أضع النقاط فوق الحروف،
فقال والدى: عندما ترفضين الزواج من شخص يجب أن تقدمى البديل، فلن
نتركك تهدمين حياتك هكذا.
قلت بحدة: أنت قلتها حياتك، قرار الزواج شىء خاص بى كفله لى الشرع، إذا لم
يكن هناك قبول فلا زواج، وبالمقابل إذا أحضرت لكم عريساً لا توافقون عليه فمن
حقكم الرفض، فالزواج لن يتم إلا بموافقة ثلاثية أنا وأنت وأمى، ثانياً وهو الأهم
كيف أكون دكتورة وأنا أضرب على وجهى، أريد أن أعرف الحدود التى من بعدها
ترون أن من حقكم الإعتداء على.
فقال أبى بغضب: عندما تسيئين إستخدام الحرية التى منحتها لك.
فقلت: لا، إنك تقصد عندما نخالف منظورك للأمور، لأنى عندما أرفض عماد
أستخدم الحرية بدون أن أسى الى أحد.
قال: هناك خطوط عندما تتخطيها لا تعتقدى بأنى سأتركك تفعلين ماتشائين.
قلت: وعندما علمتنى، أنا أيضاً وضعت خطوط لنفسى كدكتورة، ومن بينها إننى
لن أستطيع أن أنسى ماحييت بأنى صفعت على وجهى وأنا دكتورة. وقفت
غاضبة وذهبت الى غرفتى، ووالدتى تصيح بأنه يجب أن تحدثى والدك باحترام،
لا أعلم ما دخل الإحترام بما نحن فيه، كل ما أطلبه ليس من حق أحد أن
يضربنى وأنا فى هذا السن وهذا العلم، ولكن أبى يرى أن هناك إطار إذا خرجت
عليه، فمن حقه إستباحت كل حقوقنا وتحويلنا من أبناء إلى عبيد نسمع فنطيع أو
نعصى فنضرب، لا أعلم إذا كانت مشكلة مفهوم أو مشكلة حوار أجيال، لكن من
الواضح أن علاقتنا لن تعود كالسابق.
يوم الجمعة ذهبت إلى السجن مع وصال وأنا أحمل مجهود يومين فى
المطبخ، أحاول من خلال الطعام أن أقول لهشام لست وحدك، فسألنى هشام وهو
يضحك: ذهبت إلى مكان الحريق.
قلت مبتسمة: بالتأكيد نصائحك أوامر.
قال: طارق إنتحر أم قتل؟..
قلت: لن تصدق، لا هذا ولا ذاك، لقد خرج حيا، نظر إلىّ والدهشة مرسومة على
وجهه وقال: لقد حضرنا الدفن.
قلت: لقد دفنتم جيمس.
صاح هو ووصال فى نفس الوقت: أنت متأكدة!. رويت لهم ما حدث بالتفصيل،
وقلت لهم: ما يحيرنى أنه كان بامكان طارق قتل فريد النمر عندما كان مختبئاً
بالقرب من العرشة بين أغصان أبوسبعين فهو يحمل مسدساً، وفريد النمر أمامه
يضحك من إنهيار المبنى، الشىء الثانى أين هو؟. فقط سقط الحكم العسكرى
عام خمسة وثمانين وإنتهى فريد النمر فقد حل جهاز الأمن، فلماذا لم يظهر
خلال فترة الديمقراطية ولا بعد عام تسعة وثمانين مع الحكم العسكرى الجديد، هل
قرر الهروب والحياة من جديد فى مكان آخر.
قالت وصال وهى تعلق لأول مرة: إذا قتل فريد النمر سيقتله رجال فريد النمر
فهم موجودون خارج المبنى إذن هو حريص على حياته ولا يريد أن يموت .
قلت: ولكنه حسب رواية عباس، كان يريد الموت لدرجة أنه أطلق الرصاص على
عباس الذى كان يحاول منعه من الموت. فما الذى تغير.
قال هشام: موت جيمس.
قفزت من الفرح وأنا أصيح وكل من فى زيارة السجن ينظرون الىّ : أجل هذا هو
التغيير الذى حدث يا هشام، إن طارق قال لعباس جملة مازلت أذكرها، حتى
الفشل له إلتزامات، ولجيمس زوجة وأطفال فى الجنوب، لقد ذهب إلى الجنوب،
فقد أصبحت عائلة صديقه بلا عائل، فهو من تسبب فى مقتل عائلها، لذلك طلب
من عم إبراهيم الذهاب إلى السكة حديد، لقد قفز فى أول قطار باتجاة الجنوب.
فأن وقوفه مع أسرة جيمس أهم من قتل فريد النمر.
الفصل السابع والاخير
للجنوب قصة اخيره
طلبت من وصال أن تذهب معى فى مشوار قبل أن أعيدها إلى منزلها،
فوافقت إتجهت مباشرة إلى دلالة السيارات فى الخرطوم، كانت حركة بيع
السيارات المستعملة فى قمتها، فقليل من يستطيعون شراء سيارة جديدة، وإنتظرنا
فى السيارة وأنا أبحث بنظرى عن عباس، حتى وجدته وهو يحاول إقناع زبون
بجودة السيارة التى يريد بيعها، نزلت من السيارة وإقتربت منه، ظللت أسمعه حتى
إقتنع الزبون بالشراء، كانت محادثته للزبون قصيرة ولكن خيل إلى بأنه مارس كل
خبرته فى الجامعة والعمل السياسى والتطوعى فى بيع هذه السيارة، دفع الزبون
عربونا وأخذ السيارة فغدا سيمضون العقد فى أحد مكاتب المحاماة، وبدأ عباس
يعد فى رزمة النقود بدون أن ينتبه بأنى واقفة أمامه، وكدت أن أضحك عندما
رانى فقد إرتبك فهو يتذكر بأنه تحدث معى وهو مخمور والآن هل يعود إلى
العداء من جديد؟، أم يبدأ صفحة جديدة، ولكنه بذكاء وجد طريقة يبدأ بها الحوار
فقال: سنتحدث بصراحة، أنت تعرفين من أين تؤكل الكتف، ولكن إسلوبك غير
أخلاقى.
قلت مبتسمة: وهل هذا خطائى أم خطأ من يشرب الخمر.
قال بعصبية:ما حدث قد حدث، ماذا تريدين الآن ؟. .
قلت: عنوان جيمس فى الجنوب.
قال: قرية اسمها أدك شرق مدينة جوبا، مسافة ساعة بالسيارة.
قلت : ألا تريد أن تعرف لماذا أسأل عن العنوان.
قال: ما تفعلينه لا معنى له، جميعهم ماتوا حتى إذا لم نعثر على جثتهم مثل
جيمس.
قلت مبتسمة: تبدو متأكد اً.
قال: مازلت أعيش فى مخبأ جميعهم يعرفوه، فلو كان أحدهم حياً لزارنى على الأقل.
قلت: فى هذه القرية أسأل عن ماذا بعد أن أصلها.
قال: مطعم جيمس أريل، زوجته إسمها فيفيان.
قلت: يبدو أنك زرت المكان.
قال:عندما تخرج جيمس ذهبنا معه أنا وطارق. لمعت فى عينيه دمعة حزن ثم
ذهب سريعا حتى لا أري دمعته، وأدركت فى هذه اللحظة أن عباس تعمد
معاداتى ليس بسبب الماضي فقط ولكن لا يريد أسئلة تذكره بالماضى، لقد كان
الألم شديدا فاتخذ قرار لا رجعة فيه هو النسيان بأى طريقة حتى ولو كان خمرًا.
تركت عباس وأنا أفكر فى كلامه، كان منطقيا، ولكنى بدأت الطريق فلابد
أن أكمله، أوصلت وصال إلى منزلها، وعدت إلى المنزل وجلست على مكتبى
سجلت عنوان جيمس فى مفكرتى، وبدأت أفكر كيف أسافر إلى الجنوب، فتح
باب الغرفة ودخل خالد وهو يضحك ويقول: يا حفارة القبور، هل عرفت أين ذهب
طارق؟.
قلت: دكتورة عزة لا تلعب. مددت له المفكرة أخذها وقال: أدك فى الجنوب، لا
تقولى إنك ستذهبين إلى هناك.
ضحكت وقلت: طبعاً، هل يمكن أن نعيش بدون أن نعرف تكملة القصة.
قال محذرا: لو علم أبى أو أمى بالفكرة فقط سيقتلوك.
قلت بتحدى: أبى هو من سيطلب منى الذهاب.
خرج من الغرفة وهو يقول: أنت أصبحت مجنونة رسمى وشعبى.
ذهبت إلى مراكز أربعة من منظمات الاغاثة العاملة فى السودان، وسجلت
إسمى كمتطوعة للعمل بدون أجر وقدمت شهادتى بأنى دكتورة فى الإقتصاد،
وحددت المنطقة التى أتطوع فيها، عاصمة الجنوب مدينة جوبا فقط لا غير،
وتركت لهم عنوان أبى وتلفون مكتبه، ثم ذهبت إلى المكتبات فى سوق الخرطوم
وإشتريت كمية من الكتب، تكفينى للجلوس فى غرفتى لمدة شهر حتى أكمل
قراتها، وبدأت فى تنفيذ الخطة وهى البقاء فى غرفتى حتى يعتقدوا بأن حالتى
النفسية سيئة، كنت أغلق باب الغرفة بالمفتاح حتى لا يرانى أحد وأنا أقرا، كنت
أريدهم أن يتساءلوا لماذا أجلس وحدي؟.
كنت لا أنزل من غرفتى إلا وقت وجبة الغذاء، وأتعمد أن لا أكل إلا القليل،
ومشاركتى أحاديثهم بردود مقتضبة، ثم أتركهم وأصعد إلى غرفتى، وبعد خمسة
أيام بالتمام والكمال أتى الفرج، فقد كنت قد مللت الجلوس لوحدى، وما أن جلسنا
للغداء حتى سألنى أبى بما كنت أنتظره: هل قدمت للعمل فى منظمات خيرية؟.
قلت بدون مبالاة: لا أذكر ذلك. ثم صمت لحظات وقلت: تذكرت لقد كانت هناك
منظمات إغاثة تأتى إلينا فى الجامعة وملأنا الإستمارات للعمل التطوعى.
فقال: إتصلت بك منظمة للعمل لمدة اسبوعين بدون أجر.
فقلت: لست مهتمة، فأنا أفكر فى العودة إلى لندن. وكأنى ألقيت قنبلة توقف أبى
عن الأكل وهو ينظر إلىّ بغضب، ووقفت والدتى وهى تصيح: لو كنت تعتقدين
بأنك دكتورة ويمكنك فعل ماتريدين فأنت واهمة، لن تخرجى من هنا إلا إلى بيت
زوجك، أعتقد أن كلامى واضح.
فقلت مدافعة: لا يمكن أن أظل جالسة بدون عمل.
فقال والدى: إذا كان على العمل فأمره سهل، أبدأى بالعمل التطوعى بدل الجلوس
فى غرفتك، وسأكون قد تدبرت لك عملا فى هذا الوقت. نظرت إلى خالد الذى
كان يجلس مواجها لى فوجدته يبتسم لى باعجاب، فقد كان يعلم بأنى أدرت اللعبة
جيدا، ولكنى أعترف هذه أول مرة أستطيع أن أخدع أبى، فلم أنجح فى ذلك من
قبل.
لم أخبرهم بالطبع بأنى ذاهبة إلى مدينة جوبا فى الجنوب حيث الحرب
مستعرة، فقلت لهم إنى ذاهبة إلى الغرب فى دارفور فكوارث هذا البلد كثيرة بحيث
يمكنك أن تختار الكارثة التى تناسبك، أوصلنى خالد إلى المطار حيث كانت مس فرانك البريطانية المشرفة على الرحلة تنتظرنى كان معها لفيف من الجنسيات
المختلفة ومجموعة من السودانيين، كان العدد الاجمالى أكثر من خمسة عشر
فردا، وكانت المهمة توزيع مواد إغاثة وخيام لمتشردى الحرب فى الجنوب، نظر
إلىّ خالد وهو يودعنى وقال: أنا غير موافق على هذه الرحلة، ولكنى بقيت صامتا
حتى لا تزيد المشاكل بينك وبين أبى.
قلت له: لو كان هناك خطر فى المناطق التى سنذهب إليها لما وافق هؤلاء
الأجانب على الذهاب إنهم حريصون على حياتهم.
قال: لن تمكثى غير إسبوعين كحد أقصى.
قلت: قد أعود بعد إسبوع واحد.
حلقت بنا طائرة روسية الصنع قديمة الطراز، كنت دائماً أتسائل لماذا تكثر
حوادث الطيران فى هذا البلد، ولكن بعد أن بدأت الرحلة تغير السؤال لماذا لا
تقع هذه الطائرات، وكانت الاجابة لأن الله هو الرحمن الرحيم، فليس هناك سببا
منطقيا واحدا يجعلها تواصل الطيران، بعد حوالى ساعتين إنتهت رحلة الرعب
ووصلنا بالسلامة إلى مدينة جوبا ولكنى قررت أن أعود بالسيارة، حتى لو
إستغرقت الرحلة ثلاثة أيام بلياليها، كانت جوبا قليلة البنيان كثيرة الخضرة
والأمطار، كانت الطبيعة خلابة تأثر النفوس، قضيت أول يومين ونحن نسير من
قرية إلى قرية نوزع المؤن والخيام، وسألت مس فرانك عن المغزى من إختيار
قرى بعينها، بينما يتم تجاهل قرى أخرى، فأجابت بأنهم يسيرون حسب خطة
موضوعة سلفاً ولا يمكن تغييرها، لم أشعر بالإرتياح لردها خصوصاً إجتماعاتهم
السرية التى يعقدونها ليلا بعد العودة إلى جوبا بدون حضور السودانيين منا،
فشعرت بأنها إستخبارات حرب وليست مهمة سلام، وفى اليوم الثالث طلبت من
مس فرانك زيارة قرية أدك ليوم واحد، وتفاجأت بقبولها الأمر سريعاً بل إنها
خصصت سيارة بسائق لتوصيلى إلى هناك، وطلبت منى أن أرسل لها عندما
أرغب فى العودة حتى ترسل إلىّ السيارة، ورغم فرحى بهذا إلا أننى أحسست
بأنهم يريدون إبعادى بأى طريقة فيبدو أن أسئلتى الكثيرة لم تجد هوى فى نفوسهم،
كانت أغلبية السيارات المستخدمة فى المنطقة، سيارات الدفع الرباعى أو سيارات
الجيش، فالطرق الطينية الموحلة لا يمكن إجتيازها بالسيارات العادية، وفى صباح
اليوم الرابع إنطلقت مع عبد الرحمن السائق بسيارة جيب مكشوفة إلى أدك، وكان
الطريق ممهدا أكثر مما كنت أتوقع فقال لى عبدالرحمن أن أدك تقع فى طريق
حامية عسكرية من أكبر معسكرات الجيش، ويعتبر هذا الطريق المدخل الشرقى
لمدينة جوبا عاصمة الجنوب، وسألته عن العمليات العسكرية الدائرة الآن فقال إنه
بعد عملية صيف العبور عام أثنين وتسعين وإكتساح الجيش للجنوب أصبحت
هذه المناطق أكثر أمنا مقارنة بأيام الديمقراطية حيث كان المتمردون يحتلون
أغلب المناطق، فقد كان الجيش فى أسوأ حالاته، ظللت أراقب أشجار المانقو
والموز والسيارة تشق طريقها بصعوبة وسط الأوحال، كان الجو جميلا ولكن
السماء تنذر بالهطول فى أى لحظة، فهذه المناطق أمطارها طول العام، إنقضت
ساعة بالتمام والكمال وبدأت القرية فى الظهور كانت عبارة عن بيوت قليلة من
الطين والباقى قباب من القش وخشب الأشجار، تحيط بها أشجار المانغو
والأناناس وسهول من الموز، كانت كأنها قطعة من الجنة، وكان الطريق يشقها
الى نصفين، وقبل أن نجتاز نصفها كان المطعم ظاهرا فهو الوحيد الذى كانت
واجهته من الطوب الأحمر يعلو الواجهة مربع من القماش مكتوب عليه
بالانجليزية إستراحة جيمس أريل، توقفت السيارة أمامه مباشرة، نزلت وإتجهت
إلى الإستراحة بينما ظل عبدالرحمن داخل السيارة، أطلت امراة من داخل
الإستراحة، كانت طويلة لها عيون نافذة جميلة واسعة يزيد من صفائها لمعان
بياض عينيها وجهها الأسود الناعم كالأبنوس، وإبتسامتها المرحبة جعلتنى أتيقن
بأنها صاحبة المطعم فيفيان زوجة جيمس، سلمت عليها بحرارة فأحست بأنى
لست زبونة لمطعمها فسألتها: أنت فيفيان.هزت راسها بالايجاب منتظرة منى أن
أسترسل فى الحديث فقلت لها وأنا أحاول أن أكون أقرب مايكون من عينيها حتى
يتسنى لى معرفة رد فعلها على ما أقوله: هالة المغربى أخت طارق المغربى.
تسمرت مكانها لحظات ثم عانقتنى بحرارة، دعتنى إلى الدخول وهتفت إلى عبد
الرحمن أن يأتى، كانت تتحدث العربية بطلاقة، عندما دخلت إلى الإستراحة
أكتشفت أن الطوب الأحمر للواجهة فقط بينما من الداخل كانت عبارة عن حوائط
من الطين معروشة بخشب الأشجار مكونة صالة كبيرة تتسع لأكثر من عشرة
موائد صغيرة وفى الجانب المفابل للباب حجرة من الطين تمثل المطبخ وبها باب
وشباك يفتحان على الصالة والباب الاخر يفتح على حوش داخلى، أدخلتنا
فيفيان إلى الحوش مخترقين مطبخها الصغير كان بالحوش غرفتان تفتحان على
بعضهما وتربطهما صالة واسعة مفتوحة من الأمام والخلف بها ورود مزروعة
على جنباتها فبدت كالحديقة المظللة، بها كراسى مرصوصة عليها مساند بألوان
الورود المزروعة، وكان هناك حمام فى ركن الحوش، وباب فى الحائط الخلفى
للحوش يؤدى الى الحقول، وحظيرة ماشية فى الركن الأخر، وأن ظهر لى مبنى
وسط الحقول لونه أبيض لم أعرف ماهو، جلسنا على كراسى الصالة، وأحضرت
لنا فيفيان شراب الأناناس والمانجو، كانت تنظر إلى مبتسمة وهى تجلس أمامى
فقلت لها: أريد أن أمكث معك يومين هل هذا ممكن؟.
فقالت وهى تضحك: سنة لو أردت، فهنا الأيام تتكرر لا يغيرها إلا وجود
الضيوف.
إستأذن عبد الرحمن فهو يريد العودة قبل هطول الأمطار، وقال إنه سيعود بعد
يومين، تلفت حولى أحاول أن أعثر على أى شىء يدل على وجود طارق، فلم
أكن أستطيع أن أسأل عن طارق وأنا منتحلة شخصية أخته هالة فلو إنها كانت
تعلم بوفاته كما هو مشاع ولم يأتى إلى هنا ستشك فى شخصيتى فسألتها وأنا
أحاول الوصول إلى هدفى بطريقة غير مباشرة: هل تعيشين بمفردك؟
قالت مبتسمة: مع والدى وأطفالى لقد ذهبوا لصيد الغزال، لا أعلم لماذا تأخروا
حتى الآن، فان أشهر طبق لنا فى المطعم هو لحم الغزال، فكل سيارات الجيش
العابرة تقف عندنا لذلك. شعرت بالخيبة فطارق ليس هنا، أين ذهب إذن، هل
سأقضى بقية عمرى أبحث عن وهم، فسألتها باحباط قائلة: أعذرينى ولكن هناك
سؤال أريد أن أسأله وأخاف أن أسأله، هل جيمس مات؟.
قالت بحزن: نعم.
قلت: كيف؟.
قالت: فى إحتراق مبنى فى الخرطوم.
هذا ماكنت أنتظره لا يعلم بأن من مات فى المبنى هو جيمس إلا أنا وطارق
نفسه، إذن فعلا طارق أتى إلى هنا إشتعل الحماس داخلى، فيمكننى أن أسأل ما
أريد، ولكن نظرنا إلى الباب الخلفى على صوت والدها وولداها مع عربة باثنين
من العجلات يجرها حصان، أصغر من عربة الكارو التى تكون فى العادة على
أربع عجلات، محملين العربة بثلاث غزلان كان صوت ضحكاتهم عاليا ولكن ما
أن راونى حتى صمتوا وإقتربوا والفضول يغمرهم، كان والدها ينظر إلىّ بريبة،
كان جسده نحيلا طويلا وشعره الأبيض يعطى انطباعا بأنه حكيم القرية، فتبادل
والدها مع فيفيان الكلام بلغة محلية لم أفهمها ثم فجأة تغيرت ملامح فيفيان،
ونظرت إلى وقالت غاضبة: من أنت إن أبى يقول إنك لست هالة المغربى.
تسمرت مكانى من المفاجأة، أين راى هذا العجوز هالة حتى يعرف إذا
هى أم لا؟. لم يكن أمامى إلا الإصرار على أنى هالة، فترجمت له فيفيان
حديثى، فثار غضبا ثم دخل إلى الغرفة ثم خرج معه شنطة حديد صغيرة، ثم
أخرج كراسة رسومات من داخلها ثم أخذ يقلب صفحاته نظرت سريعاً الى
محتويات الحقيبة، ولاحظت مظروف أزرق فأخذته سريعاً، وكما إعتقدت إنه من
فيصل كسلا الى طارق المغربى، كانت بعض أطرافه بها أثار حريق كان طارق
يحمله معه يوم إحتراق المبنى، إنتزعت فيفيان المظروف منى وأعادته إلى الحقيبة
وأغلقتها، وأخذت تنظر إلىّ بغضب، ثم مد والدها كراسة رسومات إلىّ مشيرًا إلى
الصفحة المفتوحة، نظرت إلى الرسم وتملكتنى الدهشة فقد كانت هالة المغربى
بكل قسماتها، كان الرسم بقلم الرصاص، إن طارق وصفها له بدقة متناهية لقد
كان يفتقد إخته بشدة، ولكن معنى ذلك أن طارق كان يجيد اللغة المحلية فهذا
العجوز لا يبدو أنه يعرف اللغة العربية ولا اللغة الانجليزية، ثم إن فيفيان تجيد
العربية بطلاقة، فمن غير طارق يمكن أن يعلمها، فجيمس كانت لغته العربية
ركيكة، إذن طارق كان يعيش هنا ولمدة طويلة قد تكون لسنوات، إنتبهت إلى
فيفيان ووالدها وولداها ينتظرون منى أن أقول شيئا، لم يعد هناك مجال للانكار
فالدليل دامغ فقلت محاولة إمتصاص الغضب من عيونهم : هذه فعلا هالة إنك
تجيد الرسم بطريقة مذهلة. ترجمت فيفيان حديثى إليه، فرد عليها بطريقة
مختصرة، فقالت: إنه يقول هذا ليس الموضوع، من أنت وماذا تريدين؟.
قلت: دكتورة عزة الرشيد محاضرة فى جامعة الخرطوم وجئت أبحث عن طارق
المغربى فقد كان زميلى فى الدراسة.
فقالت فيفيان: وكيف علمت بأنه جاء الى هنا.
فقلت محاولة إستمالتها إلى صفى: لأنى الوحيدة التى تعلم بأن جيمس مدفون
مكان طارق، وأعلم تفاصيل ما حدث لجيمس قبل وفاته. فتحدث والدها غاضبا
معها.
فقالت: والدى يطلب منك الرحيل حالا .
فقلت: إلى أين أذهب، أنت تعلمين أن سيارتى ستأتى بعد يومين.
قالت: سيارات الجيش ستعيدك إلى جوبا.
قلت وأنا أكذب: ولكننا جئنا من معسكر خارج جوبا لا أعرف حتى أسمه، صمتت
والحيرة تبدو عليها ثم إلتفتت إلى أبيها وأخذت تجادله ثم قالت: يمكنك الإنتظار.
ثم بدأوا فى حمل غزلانهم إلى المطبخ، وأصبحت معزولة تماما فقد كان والد
فيفيان يراقبنى بصمت، بينما فيفيان تجلس فى المطبخ وأولادها يقومون
بمساعدتها، خرجت وجلست فى صالة الإستراحة ولكن كان كل العساكر الذين
بدأوا بالحضور، ينظرون إلى بدهشة من هذه المراة الشمالية التى تتلفح ثوبها، فما
الذى أتى بها الى هنا، تضايقت من نظراتهم، ثم دخلت إلى الحوش ثانية حيث
وجدت والد فيفيان يراقبنى، خرجت من الباب الخلفى للحوش وبدأت أتمشى، إن
بحثى عن طارق وضعنى فى مواقف لم أكن أتصور يوما أن أمر بها وتذكرت
حارس المقبرة وهو ينظر إلى بدهشة وأنا داخل القبر، إبتسمت وقلت لنفسى إنك
فعلا مجنونة ياعزة، والآن أنا موجودة فى منزل أهله لا يرحبون بى ولكنى مصرة
على البقاء معهم بالقوة، أعتقد بعد كل هذا لو وجدت طارقا حيا لقتلته بنفسى،
ولكنى أحس بأن طارق قريب كأنه ينظر الىّ، ولكن لماذا لم تساعدنى الأقدار
هذه المرة، فلو تأخر والد فيفيان وأولادها فى الحضور لدقيقة واحدة كنت سألت
فيفيان أين طارق وأخبرتنى وإنتهى الأمر فما الحكمة من هذا، أين تلك القوة التى
كنت أحس بأنها تساعدنى فى الخفاء، فهى من أعطتنى شرائط ياسمين، وهى من
أحضرت منى حسين إلى غرفتى فعلمت منها أن طارق تعمد وضع محفظته فى
المبنى المحترق، وهو ما أدى إلى وجودى إلى هنا، إقتربت من المبنى الأبيض
وسط الحقول كان به غرفتين وحولها سور جميعها مبنية بالطوب ومطلية باللون
الأبيض وعندما أصبحت بمحازاة البوابة لاحظت ورود متشابكة فوق حجر من
الأسمنت بالقرب من البوابة من الخارج، أزحت اغصان الورد بيدى، كان كأنه
حجر أساس المبنى، كتب عليه إفتتح المهندس جيمس أريل مدرسة أدك اليوم
بحضور طارق المغربى وعباس أدم، عندما تحدثت مع عباس فى المرة الأخيرة
أدمعت عيناه هل تذكر مشهد إفتتاحهم المدرسة قبل أكثر من عشرة سنوات،
دخلت المدرسة كان الباب يعلوه الصدأ، أصدر صريرا عاليا، إجتزت فناءا صغيرا
ثم رايت جرسا ضخما من الحديد يتدلى منه حبل أمام الغرفة الأولى دخلتها
كانت عبارة عن فصل واسع، وكل شىء مغطى بالغبار، ذهبت إلى الغرفة الثانية
وكانت عبارة عن مكتب واحد ومكتبة بعرض الحائط، ثم سفرة كبيرة تتسع لأكثر
من إثنى عشر كرسياً، كان واضحاً إنها كانت تستخدم كمكتب للمعلم ومكتبة
للقراءة فى نفس الوقت، خرجت من المدرسة وأنا أعود أدراجى بهدوء فلم يكن
هناك ما يدعو إلى الإسراع، قد يكون طارق هو المعلم فى هذه المدرسة ولكن
المدرسة لا تعمل، فهى تبدو مهجورة من سنين فأين ذهب طارق، قضيت بقية
اليوم وأنا جالسة فى الصالة أراقبهم وهم يراقبوننى بدون الإقتراب منى، وإستغربت
لماذا يخافون منى، إن ما أسأل عنه إنتهى منذ عشرة سنوات فلماذا الخوف من
الحديث، ولكن رغم كل شىء كانت فيفيان مضيافة إلى أبعد الحدود حيث كانت
تحضر لى العصائر والوجبات، ولكنهم يتركونى أكل بمفردى، وفى الليل نمت مع
فيفيان فى غرفة ونام أبناها فى الغرفة الأخرى مع جدهم، فما أن تغرب الشمس
وبدون وجود كهرباء أو تلفون لم يكن هناك إلا أن تستمع إلى الإذاعة أو النوم،
وكان حديث فيفيان صحيحاً فى رتابة الأيام فقد تكرر اليوم الثانى بنفس الطريقة
فيفيان تطبخ وولداها يساعدانها فى الإستراحة وهذا العجوز يتمعن فى وجهى
ويراقبنى طول الوقت، من يراه يعتقد أن هناك كنزًا من الجواهر يخاف أن أسرقه
منه، ورغم أننى أحسست بأن فيفيان تريد الحديث معى لا لشىء بل لكسر الملل
ولكن وجود والدها كان مانعاً كافياً، ولم أحاول الإقتراب منها، فان ما كان يشغلنى
هو البحث فى الحقيبة التى أخرجها العجوز فيبدو أن بها أشياء تخص طارق،
يحتفظ بها العجوز لوحده، حتى أن فيفيان لم تدري بأن والدها قد رسم أخت
طارق، أو انها راتها منذ سنوات ولم تهتم بالأمر، فهناك الكثير من الرسومات
يرسمها هذا العاطل، كما أن فيفيان تتذمر من أوامره الكثيرة، وبدأت تخترق راسى
فكرة مجنونة جديدة، كل ما أرغب فيه هو ذهاب والد فيفيان وأولادها إلى الصيد
من جديد، وتكون فيفيان مشغولة فى المطبخ عندها يمكننى البحث فى محتويات
طارق فهى من سترشدنى إليه، ذهبت إلى المطبخ وألقيت نظرة على ما تبقى من
اللحم المملح، لم يكن كثيرًا إذا غداً سيذهبون إلى الصيد، لم أستطع النوم وأنا
أنتظر الصباح، ولكن الصباح كان مخيبا فقد جلس والد فيفيان فى الخارج منتظرا
سيارتى، وإستعجبت من أمر هذا الرجل فهو تواق لرحيلى بطريقة غير إعتيادية،
وشعرت فيفيان بقرب رحيلى فطلبت منى أن أذهب معها لقطف بعض
الخضروات والثمار من الحقول، ولكنى رفضت بحجة أنى أنتظر السيارة للرحيل،
وشعرت بأنها تألمت فلم تكن تريدنى أن أذهب ونحن بهذا الوضع، ولكن لم
يمنعنى من الذهاب معها رغبتى فى السفر بل لأنى أريد أن أمنع السفر، فخرجت
من الإستراحة وتوجهت إلى الحدود الغربية للقرية كنت أريد أن أقابل السيارة بعيدا
وأخبر عبد الرحمن السائق بأن يعود أدراجه ويأتى بعد يومين أو ثلاثة، ولكن
العجوز فطن إلى سلوكى الغريب وأخذ يسير خلفى، فأصبحت أسير بهدوء كأننى
أتمشى ثم عدت إلى الإستراحة فعاد خلفى دخلت إلى الحوش وخرجت من الباب
الخلفى وكان يتبعنى كظلى فرايت فيفيان وسط الحقول فسرت إليها، وما أن
إقتربت منها حتى سألتنى: لماذا غيرت رايك؟.
فقلت: هناك أشخاص عندما ترينهم تعرفين بأنك يمكنك كسب صداقتهم لو
وجدت الوقت لذلك وأنت منهم.
تأثرت بكلامى وقالت: صدقينى لست غاضبة منك.
قلت: سؤال واحد أريد إجابته أين ذهب طارق؟. وسأذهب بعدها.
قالت: لقد ذهب.
قلت: الى أين.
قالت مبتسمة: لقد قلت سؤال واحد. أخذت سلة الخضار وبدأت طريق العودة،
كنت أسير خلفها وأنا أقول: ألا يمكن أن تقدرى بأنى قدمت من الخرطوم من أجل
ذلك وسأعود اليوم بدون معرفة شىء. قبل أن ترد كان العجوز قد إقترب منا وهو
ينظر الى بنته بغضب، تابعنا العودة والصمت سيد الموقف، جلست فى الصالة
أنتظر حضور عبد الرحمن ولكنه لم يأتى، وحتى المساء لم يأتى، وشعرت بالفرح
لأن مس فرانك تريدنى بعيدا منعت عبد الرحمن من الحضور، كان العجوز
غاضبا لعدم حضور سيارتى، ثم فى المساء بدأ بالشجار مع فيفيان التى كانت
تصيح فى وجهه، لم أتدخل بل ذهبت مباشرة الى سريري، رغم أنى لا أعلم اللغة
التى يتحدثونها ولكنى كنت أعلم محتواها فهو يريدنى أن أغادر بأى سيارة ولكن
فيفيان أصرت على حضور سيارتى، وفعلا هذا ما أكدته لى فيفيان فى الصباح،
وبدأ واضحاً أن العجوز لا يريد الذهاب إلى الصيد ويتركنى مع فيفيان، ولكن
فيفيان جعلت إبنيها يجهزون العربة، وأخيرًا إضطر والدها الى الذهاب للصيد فلم
يعد هناك ما يقدمونه للزبائن، بعد أن أعطى فيفيان الوصايا العشر بعدم الحديث
إلىّ، وبدأت تنفيذ خطتى باخبار فيفيان بأنى أريد أن أنام قليلا حتى تحضر
سيارتى، وبعد نصف ساعة تأكدت من انهماكها فى تنظيف الاستراحة، تسللت
الى الغرفة المجاورة وفتحت الحقيبة، أول ما أثار إهتمامى جرائد مطوية بعناية،
كانت عبارة عن خمس جرائد فى فترات زمنية متباعدة فى فترة الثمانينات،
تصفحتها سريعاً لم أجد خبر يثير الإهتمام، فأرجعتها ثم وجدت صندوق صغير
من القطيفة فتحته ووجدت به دبلتين، ما زال محتفظا بها، أه لو تعلم منى كم
أحبها طارق، ثم كراسة الرسومات، تصفحتها كانت هناك رسوم لفيصل وعباس
وجيمس وشخصيات لم أعرفها، ثم كان التمييز بصورة منى وبها دمعة على خدها
كانت قمة فى الروعة، منى كما يراها حبيبها، من كثرة خطوطها أدركت أن طارق
جلس مع هذا العجوز وقتا طويلا فى هذه اللوحة، كان هناك مصحف وكتاب فى
شعر المعلقات وكتاب عن تاريخ الخرطوم، ثم فتحت قصيدة فيصل الموجودة فى
المغلف الأزرق وقراتها وهى تقول: إهداء من فيصل إلى طارق
ضد العسكر ليس إلا...
بأى لون وأى حزب وأى ملة
لأن حكم الفرد ظلم ..
لأن حكم الفرد زلة ..
لأن العدل فى الجمع سنة
ضد العسكر ليس إلا..
بأى لون وأى حزب وأى ملة
فى الشتاء وفى كل الفصول
وعند الشروق وعند الإفول
ومنذ ولادة الطفل الرضيع
الحرية يا خلق فطرة
لا نقول يا شعب جود
أتعب الجلاد من سلخ الجلود
أو نقول ياشعب ناضل
سنعيدها غرس المشاتل
بل نقول ياشعب إقرأ
بل نقول ياشعب إقرأ
ضد العسكر ليس إلا..
بأى لون وأى حزب وأى ملة.
كان هذا الظرف هو الشىء الوحيد الذى جاء مع طارق من الخرطوم، ودبلة منى
لابد انه كان يلبسها فى أصبعه مع دبلته، لو علمت منى بأن طارق لم يخلع
دبلتها أبدا ولكن لماذا لا يلبسها الآن هل توفى وهم يحتفظون بأشيائه من باب
الذكرى، ولكن إذا كان قد مات فلماذا يخافون منى، فاذا كان حيا فخوفهم مشروع
فقد أتى هاربا من الخرطوم ويريدون حمايته من أى غريب ولكن ألا يعلمون أن
الإنتفاضة أسقطت النظام ولا خوف على طارق، هذا شىء محير فعلا . أغلقت
الشنطة وأعدتها مكانها وعندما عدت إلى غرفة فيفيان كنت أسأل نفسى لماذا
إحتفظ طارق بهذه الجرائد لم يكن بها خبر يثير الإهتمام، والآن ما العمل بحثى
فى الشنطة لم يجب على تساؤلاتى بل ا زدها، بدأ اليأس والغضب يتسربان إلى
نفسى فقد وصلت إلى طريق مسدود، ولا شىء يمكننى فعله، ولكن عندما لا تجد
ما تفعله فهى إشارة من القدر بأن عليك الإنتظار، سأحاول أن أتقرب إلى فيفيان
أكثر، ذهبت إليها وبدأت أساعدها فى تقطيع الخضار، وغسيل الأوانى وبدأت
أحكى لها تاريخ حياتى وهى تستمع باهتمام، وحكيت لها عن سبب عداوتى مع
طارق، وبدأت تضحك وهى تقول أن طارق لم يروى لها شيئا عن الخرطوم غير
أحداث وفاة جيمس ولكنه لم يكن يحب حتى التطرق الى حياته الماضية فسألتها:
ماذا قال لك عن وفاة جيمس .
قالت: لقد أخبرنى بأنه طلب من جيمس الإنسحاب من الإنقلاب الذى كانوا
يعدون له ولكن جيمس رفض ثم تشاجرا، فأخفى جيمس كل شىء متعلق بالأجهزة
الخاصة بالإتصالات مما إضطر طارق إلى قبول إشتراكه، وأخبرنى أن الإنقلاب
تسربت أخباره فتم تصفية الجميع، ولكنه عثر على عباس حيا وطلب منه
الهروب، ولكن عندما ذهب إلى جيمس وجده محترقاً بالكامل، ولكنى علمت بأن
هناك شيئاً حدث عندما أتت سيارات الجيش إلى هنا ووضعنا تحت الرقابة لمدة
ستة أشهر حتى إندلعت أحداث الإنتفاضة وسقط العسكر.
قلت: ثم جاء طارق بعد ذلك؟.
قالت: لقد أخبرنى بأنه جاء إلى هنا مباشرة، ولكنه وجد سيارات الجيش ثم ذهب
إلى غرب السودان حيث عاش مع راعى للماشية، حتى سمع بسقوط النظام ثم
أتى إلى هنا حيث قام بالتدريس وإدارة المدرسة، وأصبح يساعدنى فى زراعة
الخضروات، و يذهب إلى الصيد مع والدى، ولكنه كان حزيناً وقد طلبنا منه
العودة إلى الخرطوم فقد كان واضحاً بأنه يفتقد أهله وحياته ولكنه رفض وشعرت
بأنه كان يمارس عقوبة على نفسه بالبقاء هنا فقد كان يشعر بمسوؤليته فى وفاة
جيمس رغم أنى أخبرته بأن جيمس هو من إختار هذا الطريق.
قلت: لم يخبرك بأن من قام بالإبلاغ عن الإنقلاب والده.
نظرت الىّ بدهشة وقالت: هذا يفسر لى لماذا كان يشعر بالذنب لما حدث، ثم
بدأت تبكى بحرقة، نظرت إليها لماذا كل هذا البكاء هل كانت تعشقه هى الأخرى
وسألتها: لماذا ذهب من هنا. بقيت صامتة وهى تمسح دموعها ظللت ألح عليها
ولكنها رفضت الحديث، شعرت بالغضب وقلت وأنا أمسك بكتفيها وأهزها بقوة:
أخبرينى أين ذهب وسأذهب على الفور.
فصرخت: لو علمت لن تذهبى أرجوك لا أريد مزيداً من المشاكل.
لم أفهم ماذا تعنى، وسمعت صوت سيارات جيش كثيرة وقفت بالخارج ولكنى لم
أهتم فقد كانت كلمة واحدة من فيفيان تنهى لى هذه القصة فواصلت هز كتفيها
وأنا أسألها أين ذهب طارق؟. ولكنى توقفت عندما رايت نظرة الرعب فى عينيها
وهى تنظر خلفى، كانت مجموعة من العساكر دخلوا إلى الاستراحة، وقال أحدهم
وهو يقف عند باب المطبخ: فيفيان، سيادة المقدم يريد سؤالك عن المراة الشمالية
التى تقيم معك، ثم سكت بعد أن وقع بصره علىّ، نظرت الى فيفيان ولكنها لم
تكن تنظر الى العسكرى ولكن بصرها تخطاه إلى شىء خلفه، كان الخوف فى
عينيها فالتفت الى الخلف وجدت سيادة المقدم بدأ الدخول إلى الإستراحة كان
يلبس نظارة شمسية ولباسه العسكرى مرصعا بالنياشين، فرض هيبة على المكان،
ولكن ما أن أنزل نظارته من عينيه حتى أدركت أن الأقدار لم تبقينى فى هذا
المكان عبثا، صحت وأنا مذهولة: ياسر عبدالحميد؟..
ولكن تصرف ياسر لم يكن مرحباً أبد اً، فما أن رانى حتى إستشاط غضبا
وهو يصيح وقد برزت عروقة فى وجهه: عزة الرشيد ماذا تفعلين هنا، جئت
تبحثين عن طارق بعد أن قالوا لك بأنه مات، وأنا حى والكل يعلم بأنى حى ولا
أحد يفكر حتى أن يتصل بى.
لم يترك لى فرصة الرد فقد أمر الجنود بتحطيم المكان والقبض علىّ، وما هى
إلا لحظات كنت جالسة فى المقعد الخلفى لسيارة جيب مكشوفة تابعة للجيش
ويداى مقيدتان أمامى بقيود حديدية، كانت فيفيان واقفة فى عرض الشارع وهى
تنظر تارة إلى إستراحتها التى سويت بالأرض، ثم تنظر إلى تارة أخرى، ثم أخذت
سيارات الجيش بالتحرك باتجاه جوبا، ولكننا توقفنا فى عدة قري فى الطريق
فالعثور على كان خارج المهمات التى خرجوا لها، وما أن وصلنا عاصمة
الجنوب قبل غروب الشمس، توجه الموكب إلى معسكر للجيش، ثم أدخلت مبنى
جانبى مكون من غرفتين، أحدى الغرف مكتب واسع، والأخرى زنزانة يفتح بابها
على غرفة المكتب، أدخلنى العسكرى الى الزنزانة، كان النور يأتيها من شباك
صغير به قضيبان يفتح على الخارج وفتحة صغيرة فى باب الحديد تدخل قليل
من الضوء من غرفة المكتب، جلست فى ركن الزنزانة لم أكن خائفة، لأنى أعلم
بأن مايفعله ياسر من إحساسه بالجرح من تصرفى، فالعتاب على قدر العشم،
وشعرت بتأنيب الضمير فعلا لقد نسيت ياسر تماما على الرغم من أن علاقتى
معه قديمة، منذ أن تعرفت على منى أو منذ أن وعينا على الدنيا ثم يأتى
ويجدنى أبحث عن غريمه شىء مهين فعلا ، انه يشعر بأنه فقد الكل بسبب
طارق، طارق الذى إنتصر عليه وحصل على منى حسين إبنة عمه، فكان قراره
الهروب إلى الجنوب منذ أكثر من عشرة سنوات، كان يتوجب على السؤال عنه
حتى ولو بمكالمة تلفونية، فقد كنت حليفة ياسر وعدوة طارق والآن دارت الأيام،
وأصبحت حياتى كلها تدور فى ما فعله طارق، أهيم خلفه كأنه من بقية أهلى،
هشام كان محقا لقد فقدت عزة الأولى، أصبحت شخصية ثانية مرمية فى زنزانة
فى أقصى الجنوب، ماذا تريدين يا عزة، وماذا تفعلين هنا، غلبنى التفكير فنمت
على الأرض، عندما إستيقظت كان الظلام حالكاً فى الخارج، ولكن غرفة المكتب
مضاءة، نظرت الى ساعتى كانت قد تجاوزت الثالثة صباحاً، ثم سمعت صوت
بكاء خافت، وقفت وإتجهت إلى الأمام ونظرت من فتحة الباب، وشعرت بقلبى
ينفطر وأنا أ رى ياسر يجلس على المكتب بلباسه العسكرى وقبعته موضوعة أمامه
على المكتب، كان راسه بين يديه ويبكى كأنما يرثى حاله فقد كنت أنا من جعلته
يشعر بأن طارق هزمه، كنت أريد أن أقول له أى شىء يخفف هذا الألم النازف
من سنين، ولكن الموقف لم يكن يحتمل الحديث، فعدت وجلست مكانى وبدأت
الدموع تسيل على خدى، منذ أن عدت الى السودان وأنا أبكى كل من أقابلهم
وأصبحت مثل طارق كما قال عباس يسبب الألم لكل من حوله، بعد فترة ليست
قليلة سمعت الباب يفتح، ثم جاء عسكرى وأمسكنى من يدى وأخرجنى الى
المكتب حيث كان ياسر جالساً وأقعدنى فى كرسى مقابل لمكتب سيادة المقدم،
فقال له ياسر: فك الحديد. أطلق العسكرى سراحي من القيود الحديدية وخرج، ثم
جلسنا لمدة دقيقة ننظر الى بعض، كان وجه ياسر قد تغير، أصبح قاسياً جافاً
ولكن عينيه كانت هى الحزن نفسه، ثم قال بصوت خافت كأنما يحدث نفسه: عزة
الرشيد لماذا لم تقتنعى مثل بقية خلق الله بأن طارق إنتحر فى الخرطوم.
قلت: أنت تعلم مثل طارق لا ينتحر، ولكن صدفة غريبة أن تتقابلا ثانية فى
الجنوب.
قال: ليست صدفة غريبة، لقد قابلته بعد خمس سنوات من حضوره إلى الجنوب،
عندما حضرت الى هنا كان من ضمن مهامنا فى الإستخبارات العسكرية مراقبة
أى شمالى قادم الى الجنوب، لأنه إذا لم يكن تاجرًا، فاما أن يكون شيوعياً متعاوناً
مع التمرد أو تاجر سلاح، وكان لى صديق إسمه هاشم معى فى الجيش، كان
مسوؤلا عن مراقبة قرية أدك للبحث عن جيمس أريل، وذلك بعد أن جاءت
إخبارية من الخرطوم بالقبض على جيمس حياً أوميتاً لضلوعه فى محاولة
إنقلابية، وكنت عندما نكون متحركين إلى المعسكرات الشرقية أزوره فى قرية
أدك، هذه هى القصة التى جعلتنى أزور المكان لأول مرة وكان ذلك فى عام
خمسة وثمانين، ثم قامت الإنتفاضة وجاء عهد الديمقراطية التى كانت وبالا علينا
فقد تعرض الجيش لهزائم متتالية، نتيجة لصراع السياسيين على السلطة، وأصبح
المتمردون يحتلون أغلب المناطق فى الجنوب، وأصبحنا كالنساء نحتمى بالمدن
الكبرى، وعندما غرقت الخرطوم عام ثمانية وثمانين تحت الأمطار وسيول كان
إيذانا بأن الحكومة غارقة لا محال، وفعلا فى عام تسعة وثمانين أمسك الجيش
بزمام الأمور، وبدأت الحياة تدب فى الجيش من جديد، ثم جاءتنا إخبارية فى
عام تسعين بأن هناك شمالى يعيش فى قرية ادك بصورة دائمة، وكنا مجموعة
من الضباط المكلفين بهذه التحريات فتطوعت لهذه المهمة لعلمى بالمكان جيداً
خصوصاً بأنه يذكرنى بصديقى هاشم الذى قتل قبل عامين فى إشتباك مع
المتمردين، قدت السيارة الى أدك بنفسى كان معى عسكرى واحد، وتخيلى المشهد
عندما دخلت الإستراحة وجدت فيفيان وسألتها عن الشمالى الذى يقيم معها،
فقالت بأنه زوجها، وإنه يعمل فى المدرسة خلف الإستراحة، إستغربت أن يأتى
شمالى ويتزوج من جنوبية أرملة بأطفالها ويقيم معها هنا، فاذا كان يريد الزواج
من هنا لماذا لم يتزوج فتاة لم يسبق لها الزواج، كما أن الخوف الذى كان واضحاً
على وجهها جعلنى أشعر بأنى أمام شىء مريب فأنا أعلم بأن زوجها جيمس
مفقود فى محاولة إنقلابية، فذهبت وخلفى العسكرى إلى المدرسة وفتحت باب
الفصل، نظر الىّ الطلبة ولكن المعلم كان يكتب على السبورة وما أن إلتفت ورآنى
أصابت الدهشة كلانا سقطت قطعة التباشير من يده وأخرجت مسدسى فى الحال،
لو سألونى وقتها ماذا تتمنى فى هذا العالم لما تمنيت غير هذا المشهد، طارق
المغربى بشحمه ولحمه هنا أمامى، غريمى من حطم أحلامى بين يدى، أذكر
أخر مشهد بيننا عندما إنهالوا علىّ بالضرب بالقرب من السكن الداخلى للجامعة،
وحتى بعد أن تركونى جثة هامدة ملقى على الأرض وشرعوا بركوب السيارة
للهروب عاد طارق وركلنى فى بطنى وقال لى الدم بالدم، الآن ستعرف ماهو الدم
يا طارق، إبتسمت وأنا أصوب مسدسى نحوه، أنزل نظارته بيديه فلاحظت بأنه
يلبس دبلتين بيده مثلى فأدركت بأنه خسر منى حسين، فشعرت بالراحة لم أخسر
لوحدى، أمرت العسكرى أن يضع القيد على يديه، كنت أظنه سيقاوم ولكنه كان
مستسلما تماما، سار أمامنا وخلفه العسكرى ثم أنا ومن خلفى الأطفال، كان
الفضول يقتلنى ماذا جعل طارق المغربى يترك منى حسين ويأتى الى هنا، عندما
وصلنا أمام الإستراحة وجدنا سكان القرية متجمهرين وفيفيان تصرخ بأن نترك
زوجها فأمرت العسكرى بتجهيز سلاحه الرشاش الذى كان معلقاً على كتفه، كنت
على إستعداد لقتل أى أحد يفكر أن يأخذ منى هذا الصيد الثمين، وأمسكت طارق
وأجلسته فى المقعد الأمامى بجوار العسكرى وجلست فى المقعد الخلفى وأنا
مصوب مسدسى إلى راس طارق فتراجع الجميع عن السيارة وإتجهنا إلى جوبا،
وأنا أشعر بأنى أسعد صياد على وجه الأرض.
ما أن وصلت إلى هذا المكتب حتى أمرت العسكرى بوضعه فى الزنزانة
وبخلع ملابسه حتى نبدأ بسلخ جلده بسياطنا، ولكن العسكرى عاد وأخبرنى بأن
السجين جلده مسلوخ أصلا، فدخلت إلى الزنزانة كان طارق واقف صامتا وهو
بسرواله الداخلى فقط، و رايت جسده به آثار حريق قديم أو ماشابه، وأثار الأمر
فضولى فسألته عن سبب هذه العلامات على جسده ولكنه ظل صامتا فصفعته
وبدأت بضربه ولكنه رفض الحديث، فقررت تأجيل تعذيبه حتى أجمع معلومات
عنه فيبدو أن هناك أمرًا خطيرًا حدث ولا أعلم عنه شيئاً، وإتصلت بزملاء لى فى
الخرطوم للتحرى عن طارق المغربى، وبعد أسبوع واحد فقط تجمعت لدى
معلومات لم أكن أحلم بها، فطارق مثبت بأنه توفى فى حريق مبنى فى الخرطوم،
فأدركت على الفور بأن من مات هو جيمس وطارق كان مشاركاً فى هذا
الإنقلاب وإنه أتى هاربا، إذن أصبح هذا السجين ملكى فلو قتلته اليوم لن يسأل
عليه أحد، وبدأت معه رحلة عذابه، ظل مسجوناً هنا لمدة شهرين حتى إنهارت
صحته، فأطلقت سراحه حتى يستعيد عافيته وعينت له رقابة فى أدك، ولكنه لم
يحاول الهروب، فقد كان منشغلا بمدرسته وزراعته وصمته، ثم أصبحت كل ما
أعود إلى جوبا بعد كل مهمة، أرسل فى طلبه، ولكن مع مرور الوقت شعرت بأنه
يستلذ العذاب أو إنه يطلب الموت، ثم الغيت الرقابة عليه فى أدك منتظرا أن يهرب، ولكنه لم يحاول، مما جعلنى أقل متعة وأنا أضربه، وبدأت أشعر بأنى
أضرب شخصاً ميتا، إستمر هذا الوضع حتى بدأنا الإستعداد لعملية صيف
العبور، وجاءتنا الأوامر فجاءة بالتحرك فى مهمة تستغرق يومين، وكنت قد أمرت
العساكر باحضاره من أدك، فطلبت منهم أن يضعوه فى الزنزانه حتى أعود،
وعندما عدت سألت عنه العسكرى إن كان قد قدم له شيئا للأكل، فقال العسكرى
بأن السجين رفض الأكل وطلب كوب ماء فقط، دخلت الزنزانة ووجدته جالسا فى
ركن الزنزانة يبتسم بسخرية وهو ينظر إلى النافذة كان كوب الماء الزجاجى فارغ
نصفه، و ضوء الشمس ساقطا على وجهه، كانت احدى رجلية ممددة على
الأرض والرجل الأخرى مثنية حيث كان يسند يده التى تمسك بنظارته على
ركبته، ولكنى عندما إقتربت منه لم يتحرك، ركلته بحذائى على رجله حتى ينظر
الىّ، ولكنه مال على جنبه وسقط ميتا، تحسست جلده كان دافئا لقد مات قبل
وصولى بلحظات. أخرج ياسرعلبة سجائره وبدأ فى إشعال سيجارة، كنت أنظر
إليه ودموعى تسيل بصمت فسألته: مات فى هذه الزنزانة؟.
قال وهو ينفخ الدخان من فمه: فى نفس الركن الذى كنت تنامين فيه الآن.
قلت: هل شعرت بالسعادة بموته.
قال: السعادة كلمة ملغية من قاموسى، ولكن منذ أن رايته بالجنوب تبدل شعورى
بالهزيمة الى نصر، إلى أن قابلتك، أشعرتنى بالهزيمة مجدداً، فالإنسان ما هو إلا
ذكرى فى نفوس الأخرين، ونجح طارق ميتا فى إحضارك إلى هنا، فيما فشلت
في ذلك حياً، ولكنى وقت وفاته سألت نفسى هل كان ممكناً أن نكون أصدقاء لوتقابلنا فى ظروف أخرى.
قلت وأنا أغالب البكاء: أين دفن؟.
قال: أخذوه العساكر إلى فيفيان، حيث إختارت أن تدفنه فى الحقل الواقع خلف
المدرسة.
لم يكن لدى رغبة فى الحديث فقلت لياسر: هل يمكننى الذهاب.
فقال: طبعا... الى الخرطوم؟.
قلت: أجل ولكن على العودة الى أدك أولا .
قال: أليس لديك تعليق على ما سمعتيه.
قلت: أنت تحمل طارق مسوؤلية فشل علاقتك بمنى حسين، ولكنك خسرتها لأنك
اعتبرتها ملكية خاصة، وهو السبب نفسه الذى جعل طارق يخسرها، عندما بدأ
يفكر بنفس الطريقة.
أمر ياسر العسكرى باعادتى الى أدك، عندما خرجت من مكتب ياسر كانت
خيوط الفجر قد لاحت ولكنه كان فجرًا حزيناً، مات طارق المغربى فى سجن
غريمه، كل ما إنتهيت إليه أن طارق لم يتوفى منذ أكثر من عشر سنوات من
عودتى إلى السودان، بل مات قبل عام من العودة، يا لفرحتى بهذا الإنجاز، ماذا
كنت تأملين ياعزة، أن تجدينه حيا ويهلل لك لبحثك عنه، ركبت السيارة الجيب
فى المقعد الخلفى، وما أن تخطينا بوابة المعسكر حتى رايت فيفيان جالسة بالقرب
من البوابة، طلبت من السائق التوقف، تركت فيفيان إستراحتها المحطمة، وأطفالها
وجاءت تبحث عنى، كانت تعلم المكان الذى سيأخذنى إليه سيادة المقدم، كم مرة
إنتظرت زوجها طارق هنا، جعلوها أرملة مرتين، وما زالت تزرع وتقلع، وتحافظ
على أجمل إبتسامة رايتها فى حياتى، نزلت من السيارة، التى كانت قد تخطتها
بمسافة فعدت إليها جرياً، وحضنتها، كنت أبكى على كتفها بحرقة، لم أعرف هل
بكائى عزاء لها أم لى، قلت لها: لماذا لم تخبرينى بأن طارق مات؟.
قالت وهى تحاول أن تمنع دموعها من النزول: لا أريد مشاكل مع الجيش، فأبى
يقول بأنك إذا علمت بوفاته ستخلقين مشاكل مع الجيش أو تأخذين إبن طارق
فهو يعتقد بأنك قريبة طارق وقد جئت لأخذ الطفل منا إلى الخرطوم.
أدركت الآن ماهو الكنز الذى يخاف عليه هذا العجوز، لماذا لم الاحظ أن عمر
إبنها الصغير يدل على إنه ولد بعد وفاة جيمس، ولكننى لم أتخيل أن يتزوج
طارق من هنا، إنطلقت بنا السيارة، كنت أمسك بيد فيفيان فى المقعد الخلفى، لا
أعلم لماذا أشعر بأنها الأقرب إلى فلبى، ظل الصمت يحكمنا طوال الطريق
فالأحزان تفرض نوعا من الرهبة والإجلال، عندما وصلنا أدك كان الحال يغنى
عن السؤال وكانت الأمطار قد بدأت فى إنزال رزازها، الإستراحة مدمرة تماما
وبسببي، دخلنا الحوش الخلفى كان والدها وأولادها ينظرون إلينا بصمت، أمسكت
بيد إبن فيفيان الصغير وأنا جالسة على أمشاط قدمى، والعجوز يراقبنى بخوف،
منذ حضرت إلى هنا وأنا أشعر بأن طارق ينظر إلىّ، لم يكن طارق ولكنه إبنه له
نفس عيون أبيه، كان فى حوالى الثامنة من العمر أصغر من أخيه بعامين
أوثلاثة فلست خبيرة بأعمار الأطفال، سألته: ما إسمك.
نظر الى جده كأنما يستأذنه وقال :أدم.
فعلا لابد أن يسمى طارق إبنه أدم فهو الأول، أراد أن يبدأ هنا من جديد، ولكن
الماضى كان ثقيلا على كاهله فلم يستطع الصمود، طلبت من إبن جيمس أن
يقترب منى إقترب بحذر وهو ينظر إلى جده فقلت له: ما إسمك.
فقال: جوزيف جيمس أريل. نفس ملامح جيمس، أخذتهم فى حضنى احسست
بأنى مسوؤلة عنهم كفيفيان تماماً نظرت إلى الاستراحة المدمرة، لابد أن أبنيها أنا
فأنا من حطمتها، أمسكت فيفيان بيدى وسحبتنى إلى الحقل، حاولت أن أسحب
يدى منها ولكنها كانت مصرة أن تجعلنى أتيقن موت طارق، كنت أقاومها فلا
أريد أن أرى قبره الان، ظللت أبحث عنه كل هذه المدة، والان لا أريد مواجهة
الحقيقة، كانت فيفيان حازمة وهى تجرنى خلفها بالقوة، كانت يدها بقوة يد المزارع
وكنت كالطفلة مسحوبة سحبا خلفها، تجاوزنا المدرسة و رايت أشجار نخيل فى
منتصف الحقل، وإستغربت إن ينمو النخيل هنا وما أن إقتربنا منها حتى بدأ لى
القبر وحيدا وقفت أمامه وفيفيان خلفى تراقبنى كان المطر يزداد فأخفيت دموعى
بين رزازه، كنت أحاول التماسك فلا أريد أن أكون ضعيفة أمامها، جثوت على
ركبتى، ألم يكن بامكانك يا طارق الإنتظار قليلا، الآن أدركت أن منى حسين
محقة، لقد كرهتك حيا وأحببتك ميتا، وما أسوأ أن تعشق ذكرى، أدخلت يدى داخل
تراب القبر كأننى أريد أن أخرجه منه، لابد أن تسمعنى لم يأتى غيري للبحث
عنك، أتسمعنى ياطارق، أجل أنا أحببتك وأنت هارب من العسكر لتحتمى بفريد
النمر، كمن يستجير من الرمضاء بالنار، أحببتك وأنت ملقى فى المخزن تضرب
بالسياط كالعبيد، أحببتك وأنت تفتحم النار لتنقذ صديقك، لقد أعطيت كل ما
عندك، ولم تجنى غير الألم، لم تكن فاشلا لكن الفشل أ رادك، ألا يمكن أن يعود
الزمان قليلا، والله العظيم أحبك، أسمعنى ياطارق لابد أن يسمع الموتى ما يقال،
أخذت أصرخ أنا عزة الرشيد ياطارق وأنا متمرغة فى التراب الذى حولته الأمطار
الى طين، بدأت أشعر بقبضة من الوجع فى قلبى ثم وجهى يرتطم بالطين
وشعرت بفيفيان تحاول أن ترفعنى ولكنى فقدت الوعى فلم أعد أحتمل الوجع.
إستيقظت فى غرفة فيفيان، كانت فيفيان تجلس بجوارى، وكان الليل قد خيم
على المكان، أعطتنى ماء شربته وأحسست أن روحى بدأت بالرجوع الى جسدى،
سألتها: كم مضى من الوقت وأنا هنا.
قالت وهى تضحك: منذ الصباح حتى الآن، لقد غابت الشمس منذ قليل.
أعطتنى حبة وقالت: أحضرنا لك طبيبا من جوبا وقال يجب أن تأخذى هذه
الحبوب يومياً.
شعرت بأنى أصبحت عبئا على فيفيان، فقلت لها: من بنى المدرسة؟ .
قالت: عباس وطارق وجيمس.
قلت: من أين أتوا بالطوب الأحمر.
قالت: صنعوه بأنفسهم، وما تبقى منه بعد إكمال المدرسة إستخدموه فى بناء
واجهة الإستراحة.
قلت: غدا سنبدأ فى بناء الإستراحة من جديد،
ابتسمت لى وهى تقول : ألا تيأسين أبدا، نامى الآن فغدًا يوماً آخر.
منذ الصباح بدأنا فى تحضير الطين وتخميره، كانت فيفيان تخبرنا بالخطوات
اللازمة فقد قامت بصناعته مع جيمس وطارق وعباس عند بناء المدرسة، بدأنا
العمل نحن الخمسة ولكن بعد قليل انضم لنا أهل القرية، ولم يمضى إسبوع واحد
إلا كان الطوب جاهزا، ثم بدأنا أعمال البناء، أكملنا الإستراحة وبنينا مطبخ كبير
لفيفيان، ولكنى شعرت بأنى أخرجت من قبر طارق حزناً وصمتاً إستقر فى
جسدى كأننى تسلمت إرث طارق، ورفعنا فوق الإستراحة اللافتة الخشبية التى
صنعها والد فيفيان مكتوب عليها استراحة جيمس أريل، وبدأت فيفيان فى توزيع
الوجبات مجاناً فرحاً بالإستراحة الجديدة، ولكن ما أن غربت الشمس حتى كنا فى
سبات عميق فقد كان يوم الإفتتاح مرهقا، وفى الصباح بينما كنا نشرب الشاى
فاجأنى والد فيفيان بلوحة لى وأنا أحمل الطوب كانت اللوحة رائعة، لقد رسمنى
أجمل من الواقع، ولكنى قلت محاولة أن أغيظه: أنا أجمل من اللوحة. ترجمت له
فيفيان تعليقى فأخذ يضحك، فتذكرت شنطة طارق فقلت له: هل يمكننى رؤية
محتوياتها دخل غرفته وأحضر الشنطة، أخرجت الجرائد وبدأت أتصفحها بهدوء
هذه المرة، ولكن لم يكن هناك أى خبر يثير الإهتمام، فسألت فيفيان: هل جمع
طارق هذه الجرائد؟.
قالت: نعم وقد كان حريصاً عليها جدا وكنت أرى دموعه كل مرة يتصفحها تحت
أشجار النخيل التى زرعها بنفسه، ولكنى لم أعرف لماذا، وقد سألته ولكنه رفض
الإجابة.
إستغربت فلا شىء يمكن أن يكون له علاقة بطارق، ثم بدأت أقرا فى الإعلانات
وفجأة إستوقفنى ما كنت أبحث عنه، إعلان مكتوب فى الجرائد الخمسة،
"السمندل والدتك فى إنتظارك"، والدة طارق هى الوحيدة التى ا رهنت بأنه حى، يا
لقلبك ياطارق، ألم يكن بامكانك أن تراها ليوم واحد فقط، ولكنى أدركت الآن إنك
كما فقد زملائك حياتهم قررت أن تفقد حياتك الماضية مثلهم، وإلتزمت بذلك رغم
نداء أمك، لم أرى فى حياتى إلتزاما بهذه القسوة، لم أرى جلدا للذات كما فعلت،
أخذت أبكى، خطفت فيفيان منى الجرائد وهى تسألنى: ماذا وجدت؟. قلت لها وأنا
أشير إلى الإعلان: انها والدته كانت تسميه السمندل. بدأت دموع فيفيان تنزل
على خدها، فجأة سمعنا تصفيقا فى الخارج كان هناك من يريد الدخول إلى
الحوش حيث كنا نجلس، خرجت فيفيان وثم عادت وهى تنظر إلى بحزن ثم ظهر
خلفها عبد الرحمن السائق وهو يعتذر عن التأخير بسبب مس فرانك، وقف والد
فيفيان غاضبا وأمسك بيدى طالباً منى البقاء، قبل أن أقوم من الكرسى قفز أدم
وجوزيف فى حضنى لمنعى من الذهاب، وقفت وقلت لعبد الرحمن بحزم: يمكنك
العودة بدونى.
قال محتجاً: مس فرانك لا يمكنها العودة للخرطوم بدونك.
قلت وأنا أبتسم: قل لها أن تحجز راتبى. ذهب عبدالرحمن وهو غير مصدق،
نظرت إلىّ فيفيان بدهشة، فقلت لها: طارق قال الفشل له إلتزامات، وأنا أقول
البحث عن الحقيقة أيضا له التزامات.
قالت: لا أفهم.
قلت: تعالى معى.
أمسكت جوزيف وأدم كل بيد وخرجت بهم الى المدرسة وفيفيان ووالدها يسيرون
خلفى، وعندما أصبحنا داخل المدرسة، أمسكت بحبل الجرس فقرعته كان صوته
مدويا، وما هى إلا لحظات حتى تجمع أطفال القرية وقلت لفيفيان وأنا أبتسم: عزة
الرشيد مدرستكم الجديدة. أخذت فيفيان تضحك وهى تشرح لوالدها ما أقول،
أدخلت الأطفال الفصل وأنا أقول لفيفيان: إذا لم تعجبنا وجبة الغداء فسنأتى
بطباخ غيرك، أمسكت فيفيان بيد والدها وهى تطلب منه مساعدتها فى المطبخ
فقد خسرت مساعديها الإثنين فى يوم واحد.
تكررت الأيام التالية بنفس النسق، فيفيان تدير الأستراحة، وأنا أدير المدرسة
والعجوز يذهب إلى الصيد كل ثلاثة أو أربعة أيام، وفى هذا اليوم يذهب معه
جوزيف أو أدم، كان لدى من الوقت الكثير، فقد كان راى فيفيان أن أدرس اللغات
فقط فهى تريد أن يفهم ابناؤها العالم ويفهمهم العالم، ولكنى لم أغير شيئا فقد
وجدت المنهج موجودا كما تركه طارق، وأصبحت أساعدها فى الإستراحة عندما
أفرغ من المدرسة خصوصا يوم الخميس والجمعة حيث لا أعمل فى المدرسة،
وأحياناً أذهب معها للزراعة، ولكنى اليوم بعد إنتهاء الدراسة كنت مصممة على
كتابة رسالة إلى أبى، فقد كنت أتهرب من كتابتها، فجلست على مكتبى والأولاد
يراجعون أمامى، لم أعرف كيف أخبره بأنى قررت البقاء فى الجنوب، لم أستطع
كتابة كلمة واحدة فقد كنت أشعر بردة فعل هذا القرار عليهم، ثم بدأت كتابة
رسالة إلى فدوى أخبرها بوجود إبن طارق فى الجنوب لتخبر عائلة المغربى،
وتخيلت حاج المغربى وفدوى تخبره بوجود إبن طارق بالجنوب فلابد أن يخفف
هذا الخبر إحساسه بالندم تجاه طارق، ولكنى مزقت الرسالة فلا أريد أن أسبب
مزيد اً من المشاكل لفيفيان، ثم حاولت أن أكتب إلى منى حسين أخبرها بأن طارق
توفى بالجنوب ولكنى تذكرت حسن عبد الله وعذابه فى الغربة من أجلها، فما
الفائدة من إخبارها وطارق توفى فى جميع الأحوال، وكانت المحصلة أننى لم
أستطع كتابة رسالة واحدة، فقررت أن أترك الأمور تجرى كما سيرتها الأقدار
فلن أتدخل فقد إنتهت القصة بأحزانها، والتى دفعت أنا فقط ثمنها، ياليتنى سمعت
كلام هشام وتركت الأمر برمته، فقد فقدت عزة الأولى وسكنت روحى أحزاناً لم
أعهدها من قبل، وضعت كتبى داخل الدرج وأمرت الأطفال بالإنصراف، ثم قمت
باغلاق أبواب المدرسة، وسرت بهدوء إلى البيت وبجوارى أدم ممسكا بيدى فقد
ذهب اليوم جوزيف مع جده إلى الصيد، عندما دخلت الحوش وجدنا فيفيان
تنتظرنا جالسة فى الصالة أمام غرفتها، أمرت إبنها بالإستحمام، وما أن ذهب
أخبرتنى بأن أدم سيكمل الثامنة يوم الخميس القادم وهى تريد أن تحتفل بهذه
المناسبة، شعرت بأنها تريد أن تشيع جوا من الفرح فى المكان، ليس من أجل
إبنها فقط بل من أجلى فلم تقيم حفل عيد ميلاد من قبل، تحمست للفكرة وقلت
لها: سنفاجىء أدم بأجمل حفل عيد ميلاد، بدأت أفكر فى الهدية التى يجب أن
أحضرها فذهبت يوم الخميس صباحا إلى جوبا ومعى فيفيان بعد أن تركنا والدها
يهتم بأمر الإستراحة حتى نعود، وأخذت فيغيان فى الشراء كل شىء من السوق
وقمت بشراء مولد كهربائى بكل النقود التى أحضرتها معى من الخرطوم فلم
أصرف منها شيئا فمن يعيش مع فيفيان لا يحتاج لشراء شىء، وذهلت فيفيان من
هذه الهدية، واخذت تضحك طوال طريق العودة وهى تكاد تطير من الفرح
ووتتخيل منظر الإستراحة مضاءة ليلا، ومع تشغيل الكهرباء وقت المغربية،
إضاءت أنوار الزينة الإستراحة والشارع، الذى حوله أهالى القرية ومعهم جوزيف
لإلى كرنفال من الرقصات الشعبية فلم يكن عيد ميلاد أدم يمكن أن يكون أجمل
مما راينا مع إن أدم نفسه غلبه النعاس ونام على أحد كراسى الإستراحة ولكن
فيفيان ووالدها، قاموا بتوزيع الطعام على أهل القرية التى لم ينام أهلها حتى توقف
المولد عن العمل بسبب لإنقطاع الوقود فلم نحضر معنا وقودا كافيا بل إننا لم
نكن نعرف مايحتاج إليه المولد من الوقود، كانت الساعة تجاوزت الثانية صباحاً
عندما خلدنا أنا وفيفيان إلى النوم، همست فى إذنى قبل أن تنام: لن أنسى لك
هذا اليوم ما حييت. ولم أستطع أن أرد عليها فقد غلبنى النعاس، لم أدرى كم
ساعة إستقرقنا فى النوم، حتى إستيقظنا فجأة على صوت فى الخارج خرجت
فيفيان لترى ما يحدث فقد كان صوت والدها عالياً، وأتت سريعا وهى تقول خائفة
: العسكر يطلبونك.
قلت وأنا لا أستطيع أن أفتح عينى: ماذا يريدون؟.
قالت: لا أعلم .. ولكنهم يطلبون منك الحضور سريعاً.
خرجت وأنا أتلفح ثوبى ومعى فيفيان وجدت عسكريا ينتظرنى على باب الإستراحة
والأخر جالس فى السيارة ووالد فيفيان يحمل بندقية الصيد متحفزا، فقلت له: ماذا
تريد؟.
قال: سيادة المقدم يطلبك.
قلت: لماذا لا يحضر هو؟.
نظر إلى بحزن: لا يستطيع فهو مصاب. شعرت أن الأمر خطير ركبت السيارة
مع فيفيان فى المقعد الخلفى وكنت أنتظر من السائق أن يتجه إلى جوبا ولكنه
إنحرف بالسيارة وإتجه إلى المدرسة ثم تخطاها باتجاه قبر طارق حيث كانت
هناك سيارة أخرى ومجموعة من العساكر يتجمعون أمام السيارة التى كان نورها
مضاء، عندما إقتربنا رايت ياسر راقدا على الأرض وبجواره جالس عسكرى
يحاول الضغط على بطنه لوقف النزيف، عندما جلست بقربه أدركت أن إصابته
بالغة فقد كان ينازع فى الروح والدماء تغطى جسمه، ووجهه يتصبب عرقا، عندما
رانى حاول أن يرفع يده المغطاة بدمه، كان قابضا عليها بقوة، فتحتها ووجدت
دبلتين، قال بصوت خافت: قولى لبنت عمى لن يحبك أحد مثلى. بدأت دموعى
تنزل وأنا أقول: ياسر حاول أن تصمد، هز راسه بأن لا فائدة، بدأت أمسح العرق
من جبينه بثوبى وقلت: لماذا إخترت أن تدفن هنا.
قال بصوت متقطع : الجنود يدفنون مكان المعركة.
أخذ شهيقا وأسلم الروح و راسه بين يدى، أخذت أصرخ ياسر.. ياسر، أمسك بى
العسكرى وأبعدنى عن الجثة وبدأ زملائه يحفرون قبره بجوار طارق، كان جسمى
يرتعد فلم أرى أحدا يموت أمامى من قبل، وأخذت أنظر إلى فيفيان وهى تثور
مطالبة بعدم دفنه هنا أمسك بها العساكر، وأبعدوها الى الإستراحة بينما كنت
أنظر إلى حفرة القبر وهى تتسع، ثم يحملون ياسر داخلها بعد أن صلوا عليه
صلاة الجنازة، وما أن أكملوا الدفن قراوا الفاتحة على قبره، وصافحونى للعزاء
وركبوا السيارتين وذهبوا، كان الأمر سريعا فقد تعودوا أن يدفنوا بعضهم كل يوم،
كان كالحلم ولكن رؤية القبرين أمامى تؤكد حقيقة ما حدث، بدأت خيوط الفجر
تضىء وهواء بارد بدأ يهز أغصان النخيل، كنت واقفة وحيدة وأنا أسأل نفسى كم
فجر سيمر على حتى أخرج هذا الحزن منى؟.
مرت الأيام التالية وقمت بارسال رسالة الى أبى أخبره بقرار بقائى فى
الجنوب، ولم أزر القبرين غير مرة واحدة حيث أقمت شواهد على القبور "المرحوم
طارق المغربى توفى عام أثنين وتسعون" "المرحوم ياسر عبد الحميد توفى عام أربعة وتسعون "، وتعمدت الإندماج مع الأطفال والزراعة، فبهما تكبر مساحة
الفرح ويتقلص الحزن بداخلى، ولكنى لاحظت أن فيفيان تخفى عنى شيئا فقد
بدأت تختفى من الإستراحة هى ووالدها، وبعد عدة أيام إنكشف المستور فقد عدت
من المدرسة ووجدت كمية من الطوب الأحمر وأكياس الأسمنت فى الحوش،
وفيفيان تضحك وتقول لى: سأبنى لك غرفة وحمام خاص بك يابنت الرياض.
قلت مبتسمة فلم أسمع هذا التعبير منذ أيام الجامعة: أين صنعت هذا الطوب.
قالت: فى الحقول وقد ساعدنا أهل القرية فهم جميعا يحبونك لقد أصبحت أغار
منك فقد كنت بنتهم المدللة
قلت وأنا أضحك: أنت تريدين التخلص من شخيرى ليلا .
قالت والدموع فى عينيها وهى تمسك بيدى: أصبحت لا أتخيل المكان بدونك.
مرت الأيام التالية وقد بدأت حوائط غرفتى تظهر من باطن الأرض، وقد
زودت ساعات عملى بفتح فصل لتعليم الكبار، الذين كان تعليمهم أصعب من
الأطفال، فقد كان الأطفال يتقبلون أى معلومة بينما الكبار يجادلون فى كل
شىء، وبينما أنا منهمكة فى تدريس اللغة العربية للاطفال، فجأة فتح الباب
بعنف، نظرت إلى الباب وجدت أبى ينظر إلى بغضب، وقفت جامدة من
المفاجأة، كان خالد واقف خلفه وهو يبتسم، أحسست بأن أبى سيفرغ غضبه ويبدأ
باهانتى أمام تلاميذى، فحملت كتبى وطلبت منه الحديث فى الخارج، خرجت من
المدرسة وأبى وخالد يسيرون خلفى، كنت خائفة منه لم أعلم أين أذهب بهما فلا
أريد أن يسمع شجارنا أحد، ولكنى إتجهت إلى القبور كأنى أستنجد بالموتى وقفت
أمام قبر طارق وياسر وبدأت أقرا الفاتحة حتى أستطيع أن أمتص غضب والدى،
وقف والدى و خالد يقراون الفاتحة ثم شرعا فى قراءة المكتوب على الشواهد،
وساد الصمت فترة، حاول خالد أن يكسر حاجز الصمت فهو يعلم أن المعركة لم
تبدأ بعد وقال: مبروك أخيرا وجدت طارق.
قلت بحزم: ليس مهما أن أجده الأهم ماذا بعد أن وجدته.
قال أبى ساخرًا: بعد أن وجدته تحرسى قبره. ثم أضاف: أعطيتك حرية كافية
لتفعلى ما تريدين، والآن حان وقت العودة، ستعودين معنا وستتزوجين من نختاره
لك وهذه هى نهاية القصة.
قلت بتحدى: أتظن إنها قصة ألف ليلة وليلة، نتسامرها ليلا وننساها صباحاً، من
يرقد فى هذه القبر كان بامكانه أن يتزوج ويخلف كالبهائم، ولكنه عاش بهدف
ومات من أجله، أنظر الى هذه المدرسة، وهذه الحقول، هذا مجتمع كامل أنا
مسؤولة عنه الآن ، أترك كل هذا من أجل ماذا؟.
قال: لم أتى الى هنا للمناقشة، بل لأخذك معنا إذا شئت أم أبيت.
قلت بعناد: وأنا لن أذهب. فليس هناك قوة فى الأرض تجبرنى على فعل مالا
أريد.
صاح والدى: خالد قيدها. تسمر خالد مكانه وهو ينظر إلىّ مرة ثم إلى أبيه مرة
أخرى فصرخ فيه ثانية: قلت لك قيدها. أخرج خالد الحزام من بنطلونه فصرخت
فيه متوسلة: لا ياخالد. أدمعت عيناه ولكنه بدأ تنفيذ اردة أبيه فصفعته على
وجهه وأنا أقول: ستندم ياخالد، يجب أن تقول لا. ولكن خالد ووالدى هجما علىّ
وسقطت على القبر وسقطت الكتب من يدى والهواء يتصفحها، كنت أقاوم محاولة
تقييدى بكل قوة وأنا أتعارك معهم وغطى الغبار المكان، ولكن النتيجة كانت
واضحة، فأمسكا بيدى خلف ظهرى ووجهى مغروزا فى التراب، وقيدانى ثم أمسكا
بأعلى ساعدى ورفعونى من الأرض وهما يسحبانى كما تسحب النعاج، وشعرت
كأننى طارق ملقى فى المخزن مضروبا بالسياط ما أسوأ الإحساس بالقهر،
وإتجهنا إلى الإستراحة، حيث كانت سيارات الجيش تملأ المكان، وكان أهل
القرية جميعهم ينظرون صامتين، فلم يعتادوا على رؤيتى بمثل هذه الذلة، كأننى
بنت فى العاشرة من عمرها سيعاقبها والدها على ذنب إغترفته، نظرت إلى فيفيان
كانت دموعها تنزل فى صمت وهى تمسك أولادها من اللحاق بى، قلت لها:
سأعود أكملى الغرقة. إبتسمت لي كأنني أعانى من الهذيان، فحالي يقول بأني لا
أملك أي قرار، أجلسني خالد بقربه في المقعد الخلفي، وجلس والدي بقرب
السائق، وتحرك موكب السيارات، هل كان إعتقالي يحتاج إلى كل هذه الحشود،
كنت أنظر إلى فيفيان والدموع تملأ عيني والسيارة تبتعد خارجة من أدك، بدأت
أنظر إلى السماء ثم إلى الحقول، يا أشجار المانقو والأناناس وسهول الموز
والباباى، أيتها الشمس المختفية، يا قطرات المطر النازل، يا أحرار العالم، لن
أتزوج عماد، فالشرع يعطيني حق الرفض والقبول، سأتزوج من يأتي بي إلى هنا،
فقط من يأتي بي إلى فيفيان،أجل هذا هو مهري، فمن يقدرعلى مهري؟، من
يمهرني السلام ؟.. يا ترى ..من يمهرني السلام ؟.
.........تمت بحمد الله......
نور الدين الصادق
الي اللقاء مع روايه اخري ان شاء الله
عمر محمد صديق كريما
روايات سودانيه