مقدمه
أسلوب جديد اتبعه الكاتب يمتاز بالتشويق والغموض، مما جعله
قادراً على الاستحواذ الكامل على انتباه القارىء حتى نهاية الرواية، ساعده
على ذلك الحبكة الدرامية الممتازة وواقعية الشخصيات وتطورها المنطقى
مع الزمن كما أنه استعان بالوقائع التاريخية فى مكانها الصحيح، وأبدع
الكاتب فى الربط بين هموم وأحلام أبطال الرواية والاحداث الوطنية العامة،
وبذكاء مبهر استطاع أن ينقل القارىء من أحداث شخصية الى هموم وطنية،
مستخدماً ايقاعاً سريعاً للأحداث يجعل القارىء يلهث مع بطلة القصة عزة
الرشيد فى البحث عن الحقيقة.
تعتبر هذه الرواية من الاضافات المهمة للمكتبة العربية، ولنهج جديد فى
أسلوب الرواية بعيداً عن الاغراق فى الوصف أو الابتذال والتطويل ، وأتمنى
من المؤلف أن يسعدنا بكتابات مماثلة فى المستقبل.
الكاتب والمورخ
علي الفكي
تنويه
أحداث هذه الرواية وشخصياتها وأسماء شخصياتها
ووقائعها وأماكن وزمان حدوثها والجهات التى تنتمى لها هذه
الشخصيات من نسج خيال الكاتب وليس لها علاقة بالواقع
إطلاقا.. بتاتا.. البته .. سامعين البته.
المولف
شكر
أشكر كل من ساعدنى أوحاول أن يساعدنى فى نشر هذا
العمل، ومنهم عبدالرحيم عبدالله، د.لبابه عبدالله، والكاتب على
الفكى، ود. يوسف العيدابى، د.الطيب أبوسن، واحسان واميمة
محمود، والصديق طارق بن ادريس.
المولف
اهداء
إلى من أعطت أكثر مما يجب، الى الوالدة حفظها الله ..
الى من عانى من الدكتاتورية، الى الوالد رحمه الله عليه..
الى الأخوات نادية ونوال ونازك
إلى من تجيد الإستماع.. إلى إيمان طه ..يجدها بخير
إلى من لم أعتقد أن يصل حتى هذه النقطة ..إلى نورالدين الصادق
المولف
بعض هذا القرنفل
نور الدين الصادق
الفصل الاول
العوده لماذا ؟
ماربل آرش، أخيرا وبعد جهد جهيد، ما أجمل الدنيا عند تحقيق حلم، نظرت إلى
شارع إكسفورد ثم إلتفت إلى ناحية حديقة الهايد بارك وبدأت أتمشى في ممراتها،
أحسست أن جميع من حولي يحتفلون معي اليوم أصبحت دكتورة عزة الرشيد،
دكتوراة في علم الإقتصاد أو بالأصح في رسالتي تأثير العوامل الإقتصادية علي
السلوك الإجتماعي ومن أين من جامعة أكسفورد، الجامعة التي عندما دخلتها
أول مرة مع والدي كدت أن أهرب خوفا منها، واليوم يسبق حرف الدال إسمي ما
أجمله وما أتعبه، إنتابني إحساس بالراحة، لا بل أريد أن أركض، أن أصرخ هل
أفعلها؟ وأخذت أتأمل المارة من حولي كأنني أريدهم أن يشجعونني علي ذلك،
ولكنني خجلت من نفسي وفضلت أن أنظر حولي، وأتأمل في المارة وأنا أتمشى
بهدوء وسط أشجار الهايد بارك، هذا المكان الذي إعتدت أن أتي إليه للتأمل
والتفكير، هذا المكان الذي شهد حلم الدكتو ارة منذ أن وطأت قدمي أرض لندن،
ألا يجب أن يعلم هؤلاء المتنزهين بأنني نجحت، ثم تذكرت أنني لم أخبر أبى
وأمي، هل أخبرهم بالهاتف، أم أتوجه مباشرة إلى الخرطوم، يا لها من مفاجأة بعد
كل هذه السنين، يرونني أمام البيت، أعود إلى السودان ثانية، عشرة سنوات منذ
عام ثلاثة وثمانون، ما أسرع السنين لقد جئت إلى هنا وعمري تسعة عشر عاما،
والآن أنا على مشارف الثلاثين، تذكرت كلام أمي بلا دكتوراة بلا كلام فارغ
البنت آخرها الزواج، كأنما هذه الجملة أتعبتني، جلست على إحدى الكنبات
المتناثرة بجانب الممرات بالقرب من شجرة ضخمة، أسندت أ رسي إلى الخلف
ونظرت إلي السماء كانت صافية على غير عادتها، أعادتني الذاكرة إلى أول يوم
لي في جامعة الخرطوم، أذكره كأنه أمس، كان قد تم قبولي بكلية الإقتصاد،
وذهبت وقد إرتديت إسكيرت أسود وبلوزة أقرب إلي البياض منها إلي الرمادي وجمعت شعري إلى الوراء تعمدت أن أكون في قمة أناقتي وجمالي ولكن بشكل
رسمي، وعند مدخل الجامعة بالضبط نزلت من السيارة وأشار أبى مشجعا
ومودعا، وإبتعد بسيارته مسرعا، نظرت إلى المدخل كان هنالك الكثير من الطلبة
والطالبات متجمهرين أمام المدخل فإذا بهم ينظرون إلى، ورغم أنني ظننت تعودي
على نظرات الإعجاب إلا أنني أحسست بالخجل ولكني تداركت الأمر ورفعت
راسي إلى أعلى بكبرياء فهذا هو أسلوبي في إخفاء خجلي وتقدمت بثقة إلى
مدخل الجامعة، ثم سمعت صوتا يناديني من الخلف كانت صديقتي منى حسين
كنت أعلم قد تم قبولها بكلية القانون، وتهللت أساريري وأخذتها بالأحضان، وبدأت
أشعر بأن هذا اليوم سيكون من أجمل أيامي، وسرنا إلى كلية القانون ووجدنا
بعض الكراسي المتناثرة في الممرات وجلسنا وكل واحدة تريد أن تسال عن أخبار
الأخرى كنا قد درسنا كل المراحل الدراسية معا حتى السنة الثانية من المرحلة
الثانوية، وكان والدها يعمل بوزارة الزراعة وقد تم نقله إلى مدينة عطبرة،
وإنقطعت أخبارها عنى وخصوصا إننا كنا في إمتحان الشهادة الثانوية، ولكني
رايت إسمها بكشوف القبول لكلية القانون و ما أجمل حظي أن كانت أول من
أقابلها، منى إنسانة حالمة وهادئة وجميلة، كان الجميع يحبونها خصوصا
المعلمات، وكنت أغير منها أحيانا، تقدمتنى في الترتيب كثيرا، وتقدمت عليها
مرتين فقط، كانت تسكن في ضاحية برى في أحد مساكن الحكومة، وكنت أسكن
في حي الرياض المجاور، ولكننا كنا نتبادل المبيت في بيتهم وبيتنا، وكانت دائما
تصفنى بالمغرورة والعصبية، سألتها: أما زلت مغرورة وعصبية في رايك. إبتسمت
وقالت:مغرورة نعم، ولكنك تبدين أكثر هدوءا، ضحكنا وبدأنا نسترجع أيام الثانوية،
فجأة سمعت صوت من خلفي يسأل: يا أستاذ كيف يتم التسجيل لكلية القانون،
وإلتفتت مني قبلي لأن هذا السؤال يهمها أكثر منى، كانت الطالبة السائلة بدينة
بعض الشيء تبدو أكبر منا قليلا، وكان الشخص الذي تتحدث معه طويل القامة
يلبس بدله رمادية اللون، تبدو عليه ملامح الجدية في حوالي الثلاثين من العمر
ويمسك بيده دفتر، وأخذ يقلب صفحاته بهدوء، ثم قال لها: جميع الطلبة الجدد
يجب أن يتواجدوا في الساعة الثانية عشر في القاعة الرئيسية.وعلي الفور سألته
بدوري عن طلبة الإقتصاد، إلتفت إلى وقال بسخرية: أفتكر كلامي واضح، على
جميع الطلبة الجدد التواجد في القاعة الرئيسية. وذهب مسرعا، أما الطالبة فألقت
علينا التحية وذهبت وهي تضحك في الإتجاه الآخر، قلت لمنى: سخيف.
إبتسمت بهدوء كعادتها وقالت:العصبية ظهرت، من الواضح أنه أحد الأساتذة
بالكلية وطبعا لازم يبدأ يمارس السلطة على الطلبة الجدد. ثم أردفت: ما زالت
الساعة العاشرة ماذا نفعل ؟.كان هنالك وقت طويل أمامنا فذهبنا إلى كافتريا
النشاط وهو المكان الذي تعلق عليه جرائد الحائط، والتي ليس لها موضوع غير
إنتقاد الحكومة والمطالبة بالحرية، وعودة الحياة الديمقراطية، ثم أخذنا نستمع إلى
أركان النقاش، حيث كان كل متحدث يقف في أحد الكراسي ويبدأ في الحديث في
أي موضوع سواء كان في السياسة أو الكرة أو الشعر وكان أظرفهم شاب في
الثلاثين من العمر يدعى فيصل كسلا نسبة إلى مسقط أ رسه في مدينة كسلا في
شرق البلاد وهو من الطلبة المعمرين في الجامعة كما أخبرتنا إحدى الطالبات
التي كانت تقف بجوارنا والذي كان يلقى قصائد وطنية ثم ما لبث أن تحول نظره
إلى منى، وأخذ يلقى قصيدة مرتجلة يتغزل فيها بمنى التي إحمر وجهها بعد أن
بدأ الطلبة يتجمعون فانسحبت وتبعتها وقلت لها مازحه ونحن نبتعد عن الجمع:
أعتقد إنك سوف تحتاجين إلى حارس شخصي، إبتسمت ولم تقل شيئا كنت أعلم
أنها تضايقت، فهي من النوع الهادىء التي لا تحب أن تلفت الأنظار إليها، وما
يثير غيظي إننى عندما أكون معها تستأثر هي بالإعجاب أكثر منى ولكنني
أعترف أن أسلوبها وحتى لبسها له نكهة خاصة فهي على النقيض منى تلبس
الثوب السوداني والزينة التي ترتبط بالتراث في كل مناسبة كما هي اليوم كانت
تلبس ثوبا أبيض وحذاءا أسود متناغم مع شنطتها، بينما أنا ميالة إلى الأسلوب
الغربي والعملي أكثر، قلت لها وأنا أحاول أن أخرجها عن صمتها، لنجلس في
الكافتيريا، وافقت بإيماءة بدون أن تتكلم، وطلبنا بعض السندوتشات والعصائر،
وسألتها عن أهلها فقالت سيعودون إلى الخرطوم العام القادم وٕانها تقيم مع عمها
في مدينة بحرى، وتريد أن تقيم في السكن الداخلي للجامعة هذا العام وبدأنا
الحديث مجددا عن أيام الثانوية وفجأة إقترب منا شخص رفعت أ رسي لكي أراه،
فإذا هو فيصل كسلا وكان ينظر إلى ثم قال: أرجو أن تخبري صاحبتك أنني
أسف وما أشعر به أقوله على الفور بدون أن أ راعى التقاليد. ثم نظر إليها لبرهة
ثم إبتعد ظللت أراقبه وهو يتفادى الإصطدام برواد الكافتيريا حتى إختفى، نظرت
إلى منى التي بدأت تستعد للنهوض وهى تقول: أعتقد أن الحياة الجامعية ستكون
معقدة جدا هيا نزور مكتبة الجامعة فقد سمعت عنها كثيرا. وبدأنا نتمشى بهدوء
إلى المكتبة، بعد أن سألنا أحد الطلبة عن موقعها، وما أن دخلنا حتى إنتابتني
بعض الخيبة، لا أعلم لماذا، أعتقد أنني كنت أتخيلها شيئا ضخما مع وجود
ممرات لا تنتهي، ولكنها كانت أصغر مما تخيلت، أخذت كل واحدة منا كتابا
وبدأنا نتصفح في بعض كتب التاريخ، وأدركنا الوقت فقلت لمنى: يجب أن نسرع
حتى لا نتأخر على التسجيل. وما هي إلا دقائق حتى كنا قد وصلنا كلية القانون
وسألنا عن القاعة الرئيسية وجدنا حوالي العشرون طالبا وطالبة بها يجلسون
بهدوء مع بعض الهمهمات بينهم، جلست مع منى في آخر القاعة وسألتها؛
أليس من المفترض أن يكون لكل كلية إجرءاتها الخاصة بدلا من جمع كل
الطلبة في مكان واحد، ردت باقتضاب: صاحبك وصل. كان الأستاذ الذي رايناه
صباحا قد حضر وفتح حقيبته وأخرج منها بعض الأوراق، ثم قال بصوت جهوري
أمامكم الأستاذ عباس محمد أدم المسئول عن إرشادكم في الفترة الأولى، سيتقدم
كل واحد منكم ويعطيني عشرين جنيها وصورتين وأسمه واسم الكلية الملتحق بها
وغدا سيستلم بطاقة الكلية وجدول المحاضرات وبعد ذلك سيحاضركم الدكتور
طارق المغربي عن مفهوم الحياة الجامعية، كان حديثه مترفعا أقرب إلى صيغة
الأمر، وكان أول الواصلين إليه الطالبة التي كانت تحادثه صباحا، حيث أخرجت
نقودها وبدأت تمليه بياناتها، ثم ما لبث أن أتبعها كل الطلبة، وبعد نصف ساعة
بالضبط كان الأستاذ عباس قد أغلق حقيبته وأخذ ينظر إلينا ونحن جالسين
بهدوء، ثم إلتفت ناحية الباب وكان يبدو أنه ينتظر الدكتور ومرت دقائق ثقيلة
حيث أن الأستاذ عباس فرض نوعا من الجدية على الحضور، حتى خيّل إلىّ
إننى أسمع أفكارهم، ثم ظهر عند الباب رجل أنيق يلبس بذلة سوداء وربطة عنق
زرقاء فوق قميص رمادي فاتح اللون طويل القامة يلبس نظارة، يعلو شعره بعض
الشيب الذي أضفى إليه مسحة من الوجاهة، يبدو في الأربعينات من العمر له
عينان نافذتان ا زدت من وسامته، كان يحمل شنطة صغيرة، سرعان ما هروّل إليه
الأستاذ عباس مسلما عليه، إبتسم وهمس إليه ببعض الكلمات، بعدها جلس
الأستاذ عباس مع الطلبة في الصف الأول، وإتجه الدكتور إلى المنصة وأخذ
يبتسم وهو يتأمل في الطلبة ثم قال بعد السلام: ملامحكم يبدو عليها الخوف
الإمتحان ليس الآن، بدأ الطلبة بالضحك ونزل من المنصة وبدأ يتمشى بين
الطلبة وبدأ يتحدث عن الحياة الجامعية وهموم وآمال الطلبة، لم أكن أركز في ما
يقوله في البداية الأمر ولكنه بدأ يستأثر باهتمام الطلبة وأسترسل قائلا: أتعرفون
من أنتم؟ صمت برهة وهو يتفرس في الوجوه عن قرب: أنتم مجموعة من
الأحلام، أحلام بالنسبة إلى إبائكم أو أنفسكم أو أوطانكم، قد يتصور البعض منكم
إنه يريد أن يكمل الجامعة ليتأهل إلى الوظيفة المناسبة بدون أي فلسفة للموضوع،
وطبعا الغالبية منكم تنحى إلى هذا المنحى، وقد يعود ذلك إلى عوامل اقتصادية
أو اجتماعية أو غيرها، ولكن أليس بالإمكان توسيع نطاق هذا الحلم أليس
بالإمكان أن أقول اننى أكبر من مجرد طالب من آلاف الطلبة، أليس بالإمكان
أن أأثر بالمكان قبل أن أتأثر به، ولنأخذ مثلا هذه القاعة يمكننا أن نحضر كل
يوم ونتلقى فيها دروسنا ونذهب ونتخرج، وتبقى القاعة كما هي أو ربما أسوأ،
تكون حققت هدفك وتركت مكانا أسوأ، حلمك الأدنى لم يترك لك الفرصة لترى
أبعد أو أوسع منه، وبالمقابل بمكننى أن أتخرج ولكن عندما أتّى كل يوم أتحسس
المكان وأقول لنفسي أن القاعة ليست قبيحة ولكن وجودي فيها يجب أن يترك
بصمة، وجودي يجعل الأشياء أجمل، ويمكن أن نعمم ذلك على الجامعة، إنها
جميلة وسأتركها أجمل ليس لأنني خارقا بل لأنني لست عاجزا، أتعرفون الآن
كيف نضمن للأوطان غدا أفضل، الفرق هو أنت لا تقل لنفسك من أنا لأفعل كل
هذا، لا تبخس نفسك قدرها فأنت كل شيء فأنت اليوم وأنت الغد، وكان قد أقترب
منا عندما قال: أنت تملك الاختيار أنت تملك الزمن، إذن أنت الأقوى وأنت
الأغنى، أصبح الجو حماسيا كان كمن ينفخ فينا ثقة وبدأت أ رى أعين الطلبة
تلمع، كان له أسلوبه في الخطابة، وأصبحت القاعة كأنها ساحة حرب، وعندما
رجع إلى المنصة أختتم محاضرته قائلا الثقة بالنفس تصنع الفرق، الثقة بالنفس
تجعلك تفتح الباب لترى أكثر. وصفق له الطلبة تصفيقا مدويا، وكان يبدو كالأسد
العائد من رحلة صيد ناجحة، لا أعلم لماذا خطر لي هذا التشبيه ولكني أعتقد
نظرته كانت أقرب إلى ذلك، ثم قام الأستاذ عباس وقال أن هنالك حفل عشاء
بدار إتحاد الطلبة إحتفالا بالطلبة الجدد عند الثامنة مساء ثم خرجا سويا، ثم
لحقت بهم الطالبة التي أ ريناها في الصباح كمن تريد أن تسأل عن شيء، إلتفت
إلى منى وقلت: هذه الطالبة تثير أعصابي. ولكنها كانت تنظر إلى الباب وهى
سارحة، قلت لها: ما أ ريك في المحاضرة. ردت وهى تبتسم: المحاضرة أم
المحاضر قلت لها إنه متحدث لبق، ووجيه، ثم عندما إقترب منا لاحظت أنه
أصغر مما يبدو عليه، ردت: فقط.! كانت تتحدث بطريقة خافتة كأنها تحدث
نفسها، كانت كالمسحورة نهضت بتثاقل وقالت: لنذهب حتى نستعد لحفل العشاء،
قلت: ستذهبين معي إلى البيت لا يمكن أن تذهبي إلى بحري وتعودين، هزت
راسها رافضة إقتراحي وقالت: بحرى أقرب إلى الجامعة من الرياض.
قلت لها أمي ستغضب.
ردت: عمى ينتظرني. وأردفت ضاحكة: المبيت يجب أن يتضمن العشاء يا
بخلاء الجاحظ. ضحكنا وإنتظرنا عند مدخل الجامعة حتى جاء أبى، الذي رحب
بها كثيرا وأصر على أن تأتى معنا وأن نتصل بأهلها، ولكنها رفضت بعناد
وإستأذنت، ثم ركبت السيارة مع أبى وبدأت أحكى له عن أول يوم جامعي بفرحة
وهو يشق طريقه بصعوبة إلى البيت.
سمعت فجأة أصوات أطفال يركضون خلف كرة، ووجدت نفسي في الهايد
بارك ثانية إستغربت من نفسي أن أتذكر كل شيء حتى الأسماء، بدأت أتمشى
ثانية كان الجو لطيفا رغم إننا في أواخر شهر مايو، وسقوط أشعة الشمس على
الأزهار جعلها تبدو أكثر فرحا كأنما تحتفل بنجاحي، وعدت بالذاكرة ثانية إلى
حفل عشاء الطلبة الجدد بدار الإتحاد بشارع النيل، كنت قد جئت متأخرة بعض
الشيء، وسألني أحدهم عند المدخل عن إسمي، كان يبدو أنه مسئول عن الدخول
فقلت: أليس من المفروض أن تكون الدعوة عامة، قال: إنها للطلبة المسجلين
فقط، وعند دخولي إلى الحديقة وجدت تقريبا نفس الوجوه التي كانت في
المحاضرة، كانت هنالك حوالي ستة موائد دائرية تتسع كل واحدة حوالي خمسة
أشخاص، ثم أ ريت منى تلوّح لي بيدها وهى جالسة علي إحدى الموائد وبجانبها
شخص أعتقد أنني أعرفه، وما أن سلمت عليه حتى عرفته كان إبن عمها ياسر
عبد الحميد وكان طالبا في الكلية الحربية، قلت: كيف أخبارك يا حضرة الضابط،
قال: ما شاء الله تبدين أجمل مما كنت، أنا متأكد اليوم ستضمنين عريسين أو
ثلاثة. ضحكت وقلت له: اليوم العشاء أهم من العريس فمنذ عودتي من الجامعة
وأنا نائمة ولم أستطع أن أكل شيئا. ونظرت إلى منى وهالني ما رايت فقد كانت
في قمة الجمال، كانت تلبس ثوبا كبدي اللون وتحمل شنطة بنفس اللون وتضع
على وجهها ماكياجاً كاملا لأول مرة أراها بذلك التأنق، وقلت: لم أرك قبل اليوم
تضعين شيئ اً على وجهك. قالت ضاحكة: للسن أحكام.
قلت لياسر: هل تخرجت؟ .
رد سريعا: نعم السنة الماضية، على العموم لا ألبس الزى الرسمي إلا نهارا. كان
ياسر يتعمد أن يخيفنا منذ كنا صغارا يأتينا ممسكا بالحشرات والضفادع، وفى
إحدي المرات أتى بثعبان فما كان من منى إلا أن أغمى عليها، ووقتها ضربه
والد منى ظهرا ووالده مساءا وكان يضربنا أحيانا، كان مجنونا بالعسكرية ولكن
منذ دخول منى الثانوية بدأت معاملته لها تتغير، كان يتعمد في بعض الأيام أن
ينتظر منى عند إنتهاء الدوام الدراسي وهو بالبذلة العسكرية للكلية الحربية وكانت
الطالبات يعجبن به إلا منى كانت ترفض أن يأتي لإصطحابها، وذات مرة إشتكته
إلى أبيها فما كان من ياسر إلا أن أتى بأبيه وطلبها للزواج، ورفضت منى
وأصبح أبيها في موقف محرج بين بنته وأخيه فما كان منه إلا أن قال: يجب أن
تكملا تعليمكما أولا ثم نعقد الزواج. آملا أن تغير بنته رايها آن ذاك، وإبتسمت
في سرى وأنا أنظر إلى منى فقد جبرتها الظروف أن تسكن معه في نفس البيت،
وللحقيقة فأنا متعاطفة مع ياسر، وقد تحدثت معها كثيرا بناءا على طلبه ولكن
منى لم تبدى غير الرفض، وأخذت أنظر إليه كان كل من يراه يجلس بجوارها
يعلم أنه متيم بها كانت منى تخافه ثم أصبح كالخاتم في يدها وأخذنا نتحدث عن
الجامعة وأتى العشاء وكان متكلفا ومتنوعا وأكلت بنهم وقلت: يبدو أن إتحاد
الطلبة يريد أن يضمن الأصوات الإنتخابية الجديدة، وكانت منى تتلفت كمن
تبحث عن أحد، ثم تلاقت أعيننا فقالت: أبحث عن الأستاذ عباس ودكتور طارق
أليس من المفترض تواجد عدد من الأساتذة. تلفت حولي ولمحت الطالبة التي
كانت معهما في الصباح وقلت ساخرة: ا رقبي هذه وستجدينهما.
ردت منى: إسمها سامية، لقد تعرفت إليها قبل حضورك، إنها طالبة بكلية
الآداب، بدأت أتأمل في الحضور كان العدد قليلا بالنسبة إلى كل الطلبة الجدد،
وأبديت لهم هذه الملاحظة فردت منى: إنه من حسن حظ ياسر فلو كان العدد
كبيرا لكان الآن ينتظرنا في السيارة.
فرد ياسر مازحا: لا أعتقد إن دخولي كان مرتبط بالعدد إنما بمن أرافق.
ضحكت وقلت: صراحة اليوم لا أعتقد أن أحدا يمكن أن يرفض لها طلبا. ولكن
منى تجاهلت حديثنا وقالت: سامية إقترحت أن أشاركها غرفة السكن الداخلي.
قلت لها: لا أرتاح لها. ثم أردف ياسر بغضب: قلت لك أنسى موضوع السكن
الداخلي وٕاذا كانت المشكلة في المواصلات فأنا مستعد لتوصيلك يومياً.
فردت عليه منى بحدة: إن مواعيد المحاضرات تختلف من يوم إلى أخر
بالإضافة إلى الوقت الضائع بالذهاب كل يوم إلى بحرى.
رد بحزم: لست موافقا، ماذا تريدين أن يقول الناس عنا، بيت عمك موجود
وتسكنين الداخلية. إلتفتت منى إليه بغضب وهمت أن ترد عليه، فتدخلت بسرعة:
يا جماعه أتركوا الموضوع الآن، دعونا نستمتع بالحفل. وبدأ بعض الطلبة بإلقاء
كلمات تعارف مرتجلة وقصائد وطنية، كان واضحا أنه ليس هنالك برنامج للحفل،
ولم يكن أحد من الأساتذة موجود اً، وكانت منى تشيح بوجهها بعيدا عن ياسر
وكان واضحا إن التوتر بينهما لن يزول، فقلت لمنى: ستذهبين معي اليوم كما
إتفقنا صباحاً.
فردت منى بسرعة كأنما وجدت طوق النجاة: طبعا..طبعا.
فقلت لياسر: لا يمكن أن تذهب إلى الرياض وتعود إلى بحرى. ولكنه أصر كانت
الساعة العاشرة عندما بدأت سامية في إلتقاط صور جماعية للطلبة، ثم بدأ
الحضور بالإنصراف وإتصلت بأبي أبلغه بذهابنا إلى البيت حتى لا يعقبنا، وفي
طريق العودة إلى البيت كان الجميع صامتا وكنت أتوقع ذلك، وعند منزلنا ودعنا
ياسر الذي قاد سيارته بعنف مبتعدا.
بكت والدتي وهى تحتضن منى بين ذارعيها وكانت تهمهم: يا الجافية
أليس هنالك تلفون. قالت منى وعينها تدمع: مشتاقة.. مشتاقة لك كثيرا يا خالة.
وأصرت أمي على العشاء رغم أن منى أقسمت بأنها لا تستطيع أن تأكل،
وإنتظرنا أبى وأخي خالد، وجلسنا نأكل وتعمدت منى أن تحكى لنا عن عطبرة
حتى لا تأكل كثيرا، وصعدنا إلى غرفتي وعندما أوينا إلى الفراش كانت الساعة
تجاوزت الثانية عشر ليلا وقلت لمنى: إنتهى أول يوم جامعي لنا أعتقد إنه يوم
ممتع، كانت مستلقية على ظهرها وهى تنظر إلى السقف ردت بنعاس: سيعتمد
ذلك على الغد. لم أفهم ماذا تعنى ولم أستطع أن أسألها لأن النوم غلبها.
في صباح اليوم التالي رفضت منى الذهاب إلى الجامعة مباشرة لأنها تريد
أن تبدل ملابسها، فذهبنا إلى منزل عمها أولا ثم توجهنا إلى الجامعة، كانت
الساعة قد قاربت العاشرة، وما أن تخطينا البوابة الرئيسية، حتى قابلنا أحد الطلبة
الجدد الذي سجل معنا بالأمس الذي قال لنا محذرا: لاتدخلوا الجامعة اليوم. قلت
مستفسرة: ماذا حدث؟.
قال: ما فعلناه أمس من إجراءات تسجيل وحفل إستقبال كان مسرحية من الطلبة
القدامى، والآن صورنا معلقة في النشاط، إنهم يسخرون منا، وسألته منى د.طارق أيضاً، رد بغضب: انه طالب في السنة الرابعة هندسة مدنية والأستاذ
عباس في السنة الثالثة قانون، والعشاء كان من النقود التي دفعناها للتسجيل،
أنصحكم بعدم الذهاب إلى النشاط الآن، سيضحكون عليكم. نظرت إلى منى التي
إنفجرت من الضحك، أما أنا فشعرت بنار في داخلي حتى أنني لم أستطع أن
أتفوه بكلمة واحدة جعلونا أضحوكة في أول يوم لنا في الجامعة، إن هذا اليوم كان
يعنى لي الكثير لن أغفر لهم ذلك أبدا، وتقدمت بسرعة إلى النشاط وكانت منى
تهروّل خلفي وهى تحاول تهدأتى قائلة: خلى روحك رياضية، هذه الأشياء تحدث
كل عام إنها من عادات الطلبة في الجامعة. عندما وصلت النشاط وجدت تجمعا
من الطلبة حول احدى جرائد الحائط، وتخطيتهم ووجدت صورنا معلقة مع أسمائنا
وأسماء كليتنا، حتى الصور التي التقطت لنا في حفل العشاء، إنها سامية، إنها
معهم كانت تمثل علينا كل هذا الوقت ومتى إستطاعت تحميض هذا الفيلم، لقد
تركناها بعد العاشرة مساءا، ورايت صورة لي وتحتها تعليق: أبناء الأقاليم لهم
عذرهم ولكن بنت الرياض ما عذرها. ولم أشعر الا ويدي تمتد وتنزع الجريدة
ومزقتها في ثواني، سأريكم ماذا تفعل بنت الرياض هذا ما أضمرته في نفسي،
ونظرت حولي كان الجميع يراقبني ورايت سامية واقفة فهمّمت أن أصفعها ولكن
منى أمسكت بي، وقلت متوعدة: هذا الموضوع من إختصاص الشرطة إنها عملية
نصب واضحة. وعدت مسرعة من حيث أتيت، كانت منى تتبعني ثم أمسكت
بيدي قبل أن أصل إلى بوابة الجامعة وقالت: قولي بسم الله، لنجلس قليلا. ورايت
الطالب الذي حذرنا فأشرت إليه أن يقترب، وما أن أتى قلت: نريد أن نبلغ
الشرطة، هل أنت معنا. رد قائلا: هذا ما فكرت فيه ولكن.. ، ثم صمت، إستغلت
منى الصمت وفالت: دعونا نجلس في كلية القانون ثم نفكر. كنت أعلم أن منى
لا تريد أن تصعد الموضوع، ولكني أذعنت إلى رغبتها، وجلسنا وقال الطالب: أولا
إسمي هشام الشيخ مقبول بكلية الإقتصاد، والحقيقة أن إبلاغ الشرطة سيكون له
رد فعل سيء من باقي الطلبة، تعلمون إن هذه المقالب تحدث كل عام، إن ما
يهمني في الموضوع أن يعيدوا لنا نقودنا، فأنا من قرية صغيرة في الجزيرة بالقرب
من مدينة الكاملين، وأبى مزارع العشرون جنيها ليست بالشيء السهل بالنسبة
لنا. أعجبتني صراحته فقلت: إننى أريد أن أبلغ الشرطة لإذلالهم كما فعلوا معنا،
ولا يهمني راى الطلبة.
قالت منى: سأذهب لأحضر لكم عصير ليمون يهدىء من أعصابكم. وذهبت
بسرعة وكنت أعلم أنها كانت تتعمد إضاعة الوقت، قال هشام: على العموم يجب
أن نكمل إجراءات التسجيل ثم بعد ذلك نقرر وسألني عن أهلي فأخبرته بأن
والدي لديه شركة مقاولات وأن لي أخ وحيد في المرحلة الثانوية، ضحك وقال أن
له سبع أخوان ثلاثة أولاد وأربع بنات وهو أكبرهم، وأحسست بأن هشام سيكون
أول زميل لي في الجامعة خصوصا وأنه مقبول معي في إقتصاد، كما أن هذه
المشكلة ستضعنا في معسكر واحد، وأتت منى بعد أكثر من نصف ساعة تحمل
كوبين من العصير وقالت :يجب أن أسكن اليوم يا عزة وأنت تعرفين ذلك جيدا،
ويمكنك أن تفعلى ما تريدين بعد ذلك. كانت منى حاسمة وهى تقول ذلك، وأيدها
هشام وقضينا اليوم بأكمله في استخراج البطاقة والفحص الطبي، وإستطاعت
منى أن تحصل على سكن مع سامية، رغم إعتراضي على سامية، وطالبة أخرى
مقبولة في كلية القانون مثل منى، عندما حضر والدي عرفته على هشام زميلي
في الكلية، وأخبرته منى بما حدث، وبأني أنوى الذهاب إلى الشرطة، ولم يعلق
والدي، استأذنت منى بعد ذلك لإحضار حاجياتها من بحرى، وقلت لهشام مودعة
أعتمد عليك في جدول المحاضرات، رد قائلا: أول أسبوع ليس منتظما، ركبت
السيارة مع أبى وسألته عن رايه فقال مبتسما: الرأي رايك، أنت الآن بنت جامعية
ويجب أن تتأقلمي مع مجتمعك، وتحلى مشاكلك، ولا تنسى إن إبلاغ الشرطة
سيثير عليك زملائك.
في اليوم التالي لم أذهب إلى الجامعة كنت أحس بالهزيمة، فمنى
وهشام ووالدي تقبلوا الموضوع بهدوء، وكانوا على حق لا يمكن إبلاغ الشرطة في
أمر كهذا، ولكن كانت هنالك مرارة في حلقي، وفى المساء كنت جالسة على
مكتبي في غرفتي أرتب دفاتر الجامعة الجديدة، عندما أتت منى كان يبدو عليها
التعب والفرح في نفس الوقت وقالت: يمكن أن أبيت مع الجميل الغاضب. وألقت
شنطة صغيرة كانت تحملها على الأرض وإرتمت على السرير المجاور لسريري،
قلت لها: يبدو أن زميلتك السمينة لم تترك لك مكانا تنامين فيه ضحكت منى
وقالت: أتعرفين ما يعجبني أكثر شيء في شخصيتك، إنك أكثر الناس وضوحاً.
قلت: ماذا تعنين.
قالت: يعنى أنني أستطيع أن أعرف من تكرهين ومن تحبين من جلسة واحدة
معك، بعكسي أنا، فأنا أجامل كثيرا وأتمنى أن تكون لي جراتك في بعض
المواقف.
قلت: تقصدين ياسر!
ردت: لو رايت عمى وزوجته خالة فاطمة وهم يرونني أخذ شنطتى من بيتهم، كانا
ينظرون إلى كأنني أقتل إبنهم، تعرفين لو كنت أنت مكاني لحسمت هذا الأمر
مبكرًا.
قلت: مطرب الحي لا يطرب أهله، لو لم بكن ياسر ابن عمك لوافقت عليه وما
يحزنني أنه يتعلق بك يوما بعد يوم وصدك له يعتبره دلع بنات وعقوبة على ما
كان يفعله بك عندما كنا صغارا. قالت: قد تكونين محقة، ولكنني دائما أحلم بمن
أقترن به قادما من مجتمع آخر يلفه الغموض ومع الأيام يزول الغموض شيئاً
فشيئا قد يكون ما ستعرفينه عنه لاحق اًليس جميلا ولكن يكون هنالك عنصر
التشويق والفضول وهذا هو المهم، أما مع ياسر فأنني أبقى معه منذ ولادتي إلى
مماتي وهذا هو الملل، فأنا أعرف ما سيقوله قبل أن يقوله هو، أحفظ شخصيته
عن ظهر قلب.
فلت: انك تعيشين في الخيال، يجب أن تحكمى على الرجل من صفاته ومواقفه
مثل الكرم، الشجاعة، تحمل المسؤولية وهذه صفات موجودة في إبن عمك.
ردت بعصبية: أنت موكلة للدفاع عنه، حسب الشرع يجب أن يكون هنالك قبول،
وهذا ليس موجودا تجاهه. قلت لها: وهل أنت متيقنة إنك ستجدين شخصا يحظى
بهذا القبول السامي قبل أن تصلى سن الستين. ردت بصوت خافت: أجل، عندما
ترينه لا تعرفين ماذا حدث لك، وعندما تستمعين إليه لا تحبين أن تتحدثي وعندما
ينظر إليك ترتجفين، لماذا هو فقط الذي تحن له روحك، لا تدرى، شيء إلهي لا
يعرف كنهه بشر، كأنما شيء مسطور من قبل أن نولد، وكأنما ما كنت تفعلينه
في حياتك من أجله هو، وما ستفعلينه من أجله هو، وتشعرين قبل لقاءه لم تكن
حياة، وبدونه لا حياة...
قاطعت حديثها: أنت تتحدثين عن شخص بعينه أم..
قاطعتني بدورها: طارق منذ أن دخل القاعة لم أري غيره أتذكرين عندما إقترب
منا وقال: أنت تملك الإختيار أنت تملك الزمن، قلت له في سري أنت الإختيار
وأنت الزمن ولا زمن إلا معك. قفزت من كرسي مكتبي كمن لدغتني عقرب.
وقلت لها: أنت تريدين أن تقتليني غيظا، تسكنين مع سامية قلت لا بأس إن
منى تريد أن ترحل بسرعة من بيت عمها، ثم الآن تقولين أن الشخص الذي
أضحك الجامعة علينا هو الذي يعجبك. لم تهتم منى بثورتي وقالت كأنما لم
تسمعني: أتعلمين عندما كنت معك هنا أول أمس كان يحيرني فرق السن بيننا،
وعندما سمعت هشام يقول لنا أن طارق في سنة رابعة هندسة زغرد قلبي يا عزة،
والسؤال الذي يخيفني هل يبادلني نفس الشعور؟ أم أكون مثل ياسر، كان حديثها
يقتلني ولكني تمالكت نفسي وجلست وتعجبت أن تكون اللحظة التي شعرت فيها
بالنار داخلي، تكون أسعد اللحظات بالنسبة إلى منى ثم نظرت إليها وهي مستلقية
في السرير على ظهرها وقلت لها وأنا أحاول جاهدة أن أنزع ما بداخلها: لنفترض
إنك أعجبت به، ذلك يعنى إنك معجبة بالدكتور، بالشخصية التي جسدها لك،
وليس بشخصية الطالب اللص، إنهم مجموعة نصابين.
إبتسمت منى وقالت: لا أعتقد يا عزة، كل شيء كان مزيفا إلا حديثه كان به
قدر من الإيمان كان يحاول جاهدا إيصال شيء لنا ألم ترى كيف صفق الطلبة
له، ألم ترى نظرته وقتها كان كمن أوصل الأمانة إلى أهلها.
رددت بسرعة: كانت نظرة صياد أجهز على ضحاياه.
ردت منى: والدليل على ذلك إنهم سافروا إلى غرب السودان لتوصيل معونة
للمتضررين من الجفاف كما أخبرتني سامية مما يعنى أنه مؤمن بما قاله لنا في
المحاضرة، ألم يقل يجب أن نجعل المكان أجمل، سرت بسرعة إلى السرير
المجاور لها وقد أحسست بأن لا فائدة من الجدال معها.
وقلت: نامي أحسن لك.
ردت منى بابتسامة: ولكني لم أتعشى.
قلت: لا يتعشى عندنا الخونة، أذهبي إليه سيعشيك على حسابك هذا النصاب،
وفجاءة دخلت والدتي تحمل صينية العشاء وضحكت منى حتى لم تستطع أن
تتحكم في أنفاسها نظرت إليها رغم كل شيء كنت سعيدة أن أراها بكل هذا الفرح.
كانت الدراسة في الأسبوع الأول غير منتظمة ولكن في الأسبوع الثاني بدأت
في الإنتظام ورغم أنني لست ممن يهتمون بالتفوق إلا أنني بدأت أهتم بالد ا رسة
كثيرا، ولم أعد أرى منى كثيرا، بالإضافة إلى أنني كل ما زرتها في كلية القانون
كانت بصحبة سامية والتي حاولت أن تتودد إلى إكراما لمنى ولكنني قابلت
محاولاتها بجفاء ولم تحاول منى الضغط علىّ لتحسين العلاقة، وأصبحت منى
عندما يكون لديها وقت تأتى لزيارتي في كلية الإقتصاد ولكن في نهاية الأسبوع
الثاني وكان يوم الأربعاء علي ما أذكر حوالي الساعة العاشرة والنصف عندما
كنت عائدة من المكتبة إلى كلية الإقتصاد وكان معي هشام سمعت صوت منى
يناديني إلتفت ووجدتها جالسة على النجيل على بعد مائة متر تقريبا من الممر
الذي نسير فيه وكانت جالسة معها سامية وطالبة أخرى وعندما إقتربنا منهم ألقينا
عليهم السلام وتعمدت أن لا يكون باليد قالت منى: أولا أريد أن أعرفك على
فدوى زميلتي في السكن والدراسة أومأت إليها براسي مرحبة، كانت فدوي نحيفة
وطويلة وتبدو من النوع الهادىء وأحسست بأنها ستكون مقربة من منى كثيرا،
وأكملت منى: ثانيا أريد أن أذهب معك اليوم إلى البيت، إبتسمت وقلت: لماذا هذا
الرضا السامي، ردت منى: لا أستطيع أن أراك خلال الدراسة فالأفضل الذهاب
إلى البيت، كنت أعلم بأن منى تحاول أن توفق بين علاقاتها الجديدة والقديمة
وعندما شعرت بأننا لم نتقابل كثيرا خلال هذا الأسبوع، أرادت أن تقوم بنوع من
التعويض عن ذلك، وشعرت بالضيق من ذلك ورايت سامية تلوّح بيدها إلى أحد
ما خلفنا وهي تقول أنظروا لقد عادوا من رحلتهم، إلتفت الجميع حيث تنظر،راينا
ثلاثة طلبة قادمون نحونا.
وسألت فدوى ببراءة: من هم؟.
ردت سامية بحماس وهى تحاول الوقوف: طارق وعباس وجيمس كانوا في رحلة
تطوعية إلى نيالا لمساعدة المتأثرين بالجفاف، عندما إقتربوا كان واضحا الفرق
بين الأدوار التي مثلوها أمامنا وبين الحقيقة كانوا جميعا يرتدون الجينز وقمصان
بيضاء ما عدا عباس كان يلبس قميص أزرق ويحملون حقائب صغيرة على
أكتافهم وكان واضحا أنهم يتقدمون علينا في السن ببضع سنوات وما أن سلموا
حتى إرتموا على الأرض كان يبدو عليهم الإرهاق الشديد، بدأت سامية تعرفنا
على بعض بحكم إنها الوحيدة التي تعرف الجميع ثم قال طارق موجها حديثه إلى
سامية نكاد نموت من الجوع لم نأكل شيئا من أمس. قالت سامية وهى تمشى
ناحية الكافتيريا: حالا أحسن فطور يكون عندكم. كان واضحا أن طارق هو قائد
هذه المجموعة وبعد أن ذهبت سامية لم يجد أحد شيئا يقوله ولكن طارق إستلم
دفة الحديث: أنتم من الطلبة الجدد أليس كذلك، نظر إلى منى وفدوي الجالستين
قبالة ثم رفع راسه ونظر إلىّ وهشام.
قال هشام بحدة: واضح أنكم فخورين بما فعلتم.
قال عباس ولأول مرة أراه مبتسما: يجب أن تتقبل الأمر ببساطة كلنا تعرضنا
لمقالب عند أول يوم لنا في الجامعة.
وسألت فدوى : ماذا فعلوا بكم؟.
رد عباس وهو ينظر إلى طارق ضاحكاً: عندما ذهبنا إلى السكن الداخلي أعطانا
الطلبة القدامى أحسن غرفة لي أنا وطارق، وقالوا لنا يجب أن تخرجوا الأثاث
القديم لأن صاحبه تخرج السنة الماضية وسيأتي ليأخذه وأخرجنا الأثاث القديم
وإشترينا بكل ما نملك أثاثا جديدا، وبعد ثلاثة أيام جاء صاحب الغرفة وكان هو
الحارس على السكن وكان في إجازة في مدينة حلفا في الشمال، وعندما وصل
الخرطوم بالقطار بعد الثانية صباحا، أتى إلى غرفته مباشرة وعندما وجد أثاثه
ملقى في الخارج، وكنا أنا وطارق نائمين ولم نصحو إلا وهو ينهال بعصاه علينا،
وتجمهر الطلبة في لحظات وأمسكوا به لكن طارق أصيب بشرخ في يده وذهبنا
به إلى المستشفى ولم أصب إلا ببعض الكدمات.
قالت فدوى: إن هذه المقالب قد تؤدى إلى مشاكل لا يحمد عقباها.
رد هشام: إنه تقليد سخيف وغير مسئول. هم عباس أن يدافع فقد أحس بأن
هشام يقصد أن يسيء إليهم ولكني عاجلته بقولي: إنها تصرفات لا تليق بطلبة
في ثالثة جامعة.
نظر عباس إلىّ في غضب وقال: إنها تقاليد الطلبة في الجامعة ثم نظر إلى
طارق مستنجدا به، ولكن طارق كان ينظر إلى منى التي كانت تنظر إلى الأرض
في حياء، وكان حضور سامية وهى تحمل الفطور يساعدها صبى من الكافتيريا
أنهى الحديث، فما كان منى إلا أن إستأذنت وقد أحسست أن منى أصبحت تبعد
منى أكثر مع هذه الشلة، وإبتعدت أنا وهشام، وعباس يرمقنا بغضب، وأحسست
أن طارق لم يشارك في هذا الجدل ليس لأنه منشغلا بمنى فقط، ولكنه لا يريد
الإصطدام بي، وقد إرتاحت نفسي لهذا التفسير لأن شيئا داخلي يريد منى أن أرد
الصاع صاعين، ولكن كيف!، هذا هو السؤال!.
كنت قد وصلت إلى الطرف الآخر من الهايد بارك، وقر رت أن أعود إلى
منزل عمى بتاكسي بدلا من مترو الأنفاق احتفالا بمناسبة النجاح رغم غلاء
أسعار التاكسي في لندن خصوصا وإن شقة عمى في منطقة ويمبلدون البعيدة
عن وسط لندن، وما أن وصلت حتى وجدت عمى وزوجته نوال يباركان لي
النجاح، وسألتهم: من أخبركم بنجاحي، ردت نوال: إتصلت زميلتك ميسون لتبارك
لك وقالت إنها ستأتي في المساء وسألني عمى: هل إتصلت بأبيك في السودان؟.
قلت له: لا. أريد أن أفاجئهم وأذهب إلي الخرطوم مباشرة، ضحك عمى وقال: لن
تتركي هذه المقالب حتى وأنت دكتورة، على العموم من حديثي معه بالهاتف
الأسبوع الماضي قلت له إنك لن تنتهي قبل شهر حتى تقضى معنا وقت أطول،
ولكن يبدو إنك لن تعطينا أكثر من يوم أو يومين بالكثير.
قلت له: هل تصدق إننى أكملت عشرة أعوام بدون أن أرى السودان منذ عام
ثلاثة وثمانين.
رد عمى: ولكن إذا كانت أسرتك تأتى إليك كل عامين فما الداعي إلى ذهابك.
قلت: فرصتي الوحيدة للذهاب كانت في عام ثمانية وثمانين ولكن أبى منعني من
الحضور وذلك للفيضانات والسيول التي غمرت الخرطوم، ولكني مشتاقة للسودان
بحيث أنني أحس بأنى سأقبل أرض المطار عند وصولي.
رد عمى: ستفاجئين بما أصبح علية الوضع هنالك.
قلت له: لا أعتقد أنه سيكون أسوأ من نظام مايو، الذي إستلم السودان عام
تسعة وستين وكان السودان من أغنى الدول في أفريقيا وليس عليه دين خارجي،
وسلمها عام خمسة وثمانين وهى مدينة بالمليارات، مع العلم بأنه لم يكن هنالك
حرب في الجنوب لينفق عليها.
قال عمى: ولكن ما سترينه سيجعلك تحبين تلك الأيام، قاطعت نوال حديثنا فهي
لا تحب مشاجراتنا السياسية. قائلة: ولكنك سوف تعودين للعمل هنا، أليس كذلك،
لا يمكن أن تتركينا خصوصا أن البنات متعلقين بك كثيرًا. قلت: لم أقرر بعد
مسألة العمل ولكن يمكنك أن تعطيني البنات ليذهبن معي. ضحكت مع نوال
وعمى، ولكن كان هنالك شيء من الحزن يحيط بنا، كانت نوال أكبر منى بتسعة
سنوات ولكن منذ قدومي إلى لندن أصبحنا أكثر من الأخوات خصوصا أيام
الجامعة حيث كنت أسكن في السكن الجامعي، كانت تنتظرني أيام السبت والأحد
فنذهب للحداثق للنزهة أو التسوق برفقة بناتها سلوى التي بلغت الخامسة عشر
ونجوى أصغر من أختها بسنتين، ولكن السبب الرئيسي كانت مشاكلها مع عمى
بسبب إدمانه الكحول، حيث كان يأتي بأصحابه في عطلة نهاية الأسبوع إلى
المنزل ويسكرون حتى الصباح، وقد إشتكته إلى أبى كثيرا، ونتيجة لهذه المشكلة،
أصر أبى عندما أتيت أن أسكن في الجامعة وعندما رفض عمى ذلك وأصر أن
أسكن معه، قال له أبى: عندما تصبح رجلا يعتمد عليك سأتركها عندك. وقد أثر
هذا الكلام على عمى صلاح، ومنذ ذلك اليوم أصبح يتحاشى أن أراه مخمورا،
وأصبحت أقضى معهم عطلة نهاية الأسبوع، وقد كانت نوال تصر أن أحضر يوم
الجمعة وأذهب صباح الاثنين وبذلك أصبح لا مكان لشلته في البيت، فكان
يقابلهم في الخارج، وعندما يأتي و ينام مباشرة حتى لا أراه مخمورا، والآن لا أعلم
ماذا سيحدث لها بعد ذهابي إلى السودان.. دخلت غرفة البنات لأهرب من نوال
فقد أحسست بأننا سنبدأ بالبكاء، وإرتميت على السرير، وبدأت أنظر إلى الغرفة
نظرة وداع، كان بها ثلاثة أسرة ودولاب حائط وكان بجانب سريري أباجورة صغيرة
كنت أقرا عليها حتى لا أزعج البنات وهن نائمات عندما يكون لدي امتحان يوم
الإثنين، وبدأت أحس بالسودان داخلي، الأماكن والأشخاص وبدأت أنفصل عن
مجتمع لندن وقررت أن أسافر يوم الأربعاء حتى يكون أبى متفرغا يوم الخميس
والجمعة، ونظرت إلى السقف، ورجعت بذاكرتي إلى السودان ثانية، حيث إندمجت
كل واحده منا في دراستها وشلتها، وكانت شلة منى مكونة من طارق وسامية
وعباس وجيمس وفدوي ثم بدأت أري معهم عماد وهو بالسنة النهائية بكليتنا
الإقتصاد، كنت كل ما أذهب إلى كلية القانون، يكون بعضا منهم جالسا هنالك،
وكان أقلهم ظهورا جيمس حيث علمت أنه يعمل في كافتيريا يملكها طارق، ثم
علمت من منى أن طارق له نفوذ مالي داخل الجامعة، فبعض ماكينات التصوير
في الكليات تعود ملكيتها إليه، كما أن عباس ذكر أنه كثيرا ما يستلف من طارق
نقودا لأن أهله يسكنون مدينة الفاشر وكثيرا ما تتأخر مصروفاته التي يرسلونها
إليه، وهذا ما فسر لي سطوة طارق على هذه الشلة، أما نحن في اقتصاد فقد
اقتصرت شلتنا على هشام وأنا وأديبة وهى زميلتنا في نفس الكلية، ثم بدأ ينضم
إلينا في بعض الأوقات فيصل كسلا حيث تربطه علاقة قرابة بأديبة، ثم كان
الحدث الأكبر حفل استقبال الطلبة الحقيقي هذه المرة وكان يوم الخميس، وكان
بنفس المكان باتحاد الطلبة وكان الطلبة بالآلاف، وقد كانت شلتنا تجلس في
المقدمة ثم بعد تقديم الطلبة لبعض الأناشيد الوطنية، تم تقديم فيصل كسلا، الذي
كان يجلس معنا وبدأ يحي الجمهور حيث إكتشفت لأول مرة أنه يتمتع بشعبية
جارفة داخل الجامعة ثم اعتلى المسرح وهو يبتسم، إلتفت إلى أديبة وقلت لها:
يبدو أن قريبك له شعبية كاسحة، وكان الطلبة يهتفون: ضد العسكر.. ضد
العسكر. فالتفتت إلىّ أديبة وقالت: هذه القصيدة أدخلته السجن لأكثر من عامين،
وقد أفرج عنه هذا العام. ولكن فيصل بدأ بنشد في قصيدة وطنية ثم تبعها بقصيدة
غزل ونزل من المسرح وسط تصفيق الجمهور ثم جلس معنا فقالت أديبة: لماذا لم
تنشد طلب الجمهور ضد العسكر، ضحك فيصل ولم يعلق، ولمحت في عينيه
نظرة حزن، فأضافت أديبة: إنه يريد أن يتخرج هذا العام، فجأة ظهرت منى وبعد
السلام قالت: كنت أبحث عنك طوال الحفل، نحن جالسون في الخلف. قلت لها:
أجلسي معنا، ولكنها قالت هامسة في أذني: طارق ينتظرني. وأريدك أن تأتى
معي، ياسر سيحضر، قلت لها هامسة أيضا: لا أستطيع أن أترك شلتي وأذهب
يجب أن تعالجي مشاكلك لوحدك، نظرت إلى بغضب وذهبت، وقلت لفيصل:
لماذا لا تجمع قصائدك في ديوان.
رد فيصل: المفروض كثير، ولكني أريد أن أركز على إكمال الكلية هذا العام.
قال هشام: أن دراسة الأدب أعتقد إنها ممتعة جدا.
رد فيصل: ولكنها لا تسمن ولا تغنى من جوع. بعد ذلك قامت فرقة بالغناء من
الفلكلور الشعبى وكان الوقت قد قارب العاشرة، عندما قالت أديبة: يجب أن أعود
تعرفون أن في الداخلية لا يرحموننا في التأخير، وبدأنا في التحرك كنت أسير في
المقدمة وكان خلفي فيصل وهشام ثم أديبة، وتعمدت أن أسبقهم وأنا أشق جموع
الحضور، كنت أريد أن أعرف ماذا حدث لمنى، لم أعرف مكانها ولكني رايت
إزدحام اً أمام بوابة دار الإتحاد وعندما إقتربت وجدت الطلبة يتحدثون عن مشاجرة
حادثة في الخارج، فجريت إلى الخارج وصدقت توقعاتي فقد كان الطلبة يمسكون
بياسر الذي يبدو أنه أوسع طارق ضربا بحيث أن الدماء كانت تسيل منه ولم
يكن قادرا على النهوض، بينما كان هنالك مجموعة يمسكون بعباس الذي كان
يريد مواصلة القتال بينما الدماء تسيل من عينه، كان ياسر مفتول العضلات،
وكنت أعلم بأن أجادته للقتال لا شك فيها، خصوصا مع التدريب العسكري الذي
تلقاه في الكلية الحربية، وكان واضحا إنه إذا أفلت من الطلبة الذين يمسكون به،
سيفتك بعباس ورايت منى وهى واقفة على بعد وهى تبكى وسامية تحاول تهدئتها،
إقتربت بسرعة من ياسر وهمست في أذنه بصيغة أمره أن يتبعني، وأمسكت بيده
وٕا ندهشت لإنصياعه، وأدخلته إلى سيارته، وقلت له: أن الطلبة لو علموا بأنك
ضابط سيقتلونك هنا، لا يمكن أن يسمحوا لك أن تضرب زميلهم، إنتظرني في
السيارة. وأشرت إلى منى أن تحضر ولكنها ظلت واقفة مكانها، فذهبت إليها
وسحبتها من يدها، كنت أعلم إنها تريد البقاء مع طارق، ولكنها لا تريد أن
تقاومني أمام الناس، فجاءت معي وركبت في المقعد الخلفي، وقلت لهشام أذهب
مع طارق إلى المستشفى وٕ اتصل بنا في البيت لتطمئننا، كنت أعلم أن هذه الجملة
ستجعل منى تذهب معي وتحرك ياسر بالسيارة مبتعد اً، وكنا أنا ومنى ننظر إلى
طارق الذي كان جالساً على الأرض مستندا على إحدى السيارات وقميصه مبلل
بالدماء، وكان فيصل يساعده على النهوض بينما عباس يصرخ متوعد اً ياسر
بلقاء آخر، شق ياسر طريقه وهو يقود بعنف بينما منى تبكى، ولم أنطق بكلمة
وعند نزولي من السيارة قلت له: أرجوك لا تحضر إلى الجامعة هذه الأيام، نظر
إلىّ ولم بنطق بكلمة ولكن عيناه كانتا تنويان على شيء لم أعرفه، ولكني تأكدت
عندها أن ياسر يعتبر ارتباطه بمنى مسالة حياة أو موت. كانت منى تنتظرني
عند البوابة كان واضحا إنها لا تريد النظر إلى ياسر، وٕ انطلق ياسر مبتعدا، بدون
أن ينظر إلى منى، تسللنا إلى غرفتي خلسة فقد كانت حالة منى لا تسمح بأي
أسئلة، وأحضرت لها جلابية، وأدخلتها الحمام بالقوة لتأخذ دشا، ثم إستلقت على
السرير وظلت صامتة، كنت أحس بأنها تتمزق بداخلها من أجل طارق ولكني
للحقيقة كنت مسرورة أو بالأحري شامتة في طارق وعباس، وأحسست بأن الله
عاقبهم من أجلنا، بما فعلوه بنا، وأين في نفس المكان دار الاتحاد، وشكرت في
سرى ياسر لأنه أخذ لي حقى ولو إختلفت الدوافع، وهشام أيضا كنت أعلم بأنه
في داخله فرحان، كان يرسم على وجهه منظر الجدية ولكني رايت بريق عينيه،
وعاهدت نفسي أن أرد الجميل لياسر، سأقف معه للنهاية، ونظرت إليها كانت
خائرة القوة، كانت كالعصفور المبلول الذي لا يستطيع أن يحمى عشه من حبات
المطر، وقلت لنفسي يجب أن أهاجمها وهى في هذه الحالة حتى أستطيع أن
أهزمها، لأنها إذا رتبت أفكارها ستغلبني، قلت بحدة: لم أرى إنسان يحب نفسه
مثلك، طبعا مبسوطة بأن الرجال يتعاركون بسببك، إنتفضت من رقدتها وجلست
في السرير ونظرت إلى مستغربة وهى تقول: ماذا تقولين. أنت بالذات تعرفين أن
ما حدث آخر شيء كنت أتمنى حدوثه، وقد أتيت إليك في الحفل لأني كنت أعلم
انك الوحيدة التي يمكنك أن تتعاملى مع ياسر، ألم ترى كيف ذهب معك إلى
السيارة، فهو يثق في كلامك.
قلت لها مدافعة: وماذا كنت تريدين منى أن أفعل، أقول له خلى روحك رياضية
حبيبة عمرك تحب هذا النصاب، متأسفين.." فوت علينا بكرة"، يا منى أنت لا
تقدرين ما يشعر به ابن عمك، لو تزوجت غيره سيخرج مسدسه ويضعه في فمه،
أتعتقدين بأنه مبسوط أن يأتي إلى حفل لا يعرف فيه أحد غيرك، ويضرب
زملائك، انه يتألم يا منى وأنت تتمادين لدرجة أنني أصبحت أكرهك، أتعلمين إذا
لم تأتى معنا اليوم وبقيت مع طارق، ماذا كان سيكون موقف ياسر وهو يري ابنة
عمه، لحمه ودمه تذهب مع غريب وتتركه، هنالك أصول وقواعد لكل شيء،
ولكنك تتصرفين كطفلة تريد هذه الحلوى وليذهب الجميع إلى الجحيم. كان كلامي
مؤثرا عليها ظلت صامتة ودموعها تنهمر وقالت بصوت خافت: مشكلتك إنك لا
تعرفين طارق.
قاطعتها سريعا: أنا لا أتحدث عن طارق فلنقل بأنه ملاك، ولكنني أعرف من
تربى معي منذ الصغر، ولا أستطيع أن أقول فيه عيبا واحدا، لو لم يكن متيما بك
لتزوجته على الفور. إستلقت منى على ظهرها وهى تفكر في كلامي، نظرت إلى
وجهها وشعرت بتأنيب الضمير، إننى أسمم أفكارها، إنها صديقتي الوحيدة، يجب
أن أتركها تختار حياتها بنفسها، إن حقدي على طارق جعلني أتصرف بغرابة،
إستلقيت على السرير وأغمضت عيني وٕ استرجعت مشهد طارق وهو ملقى على
الأرض وعباس يصيح من حلاوة الروح وهو بلا حول ولا قوة، أين العنجهية التي
يمشون بها في الجامعة ولا أنكر بأنها أجمل ليلة نمتها منذ أول يوم لنا بالجامعة.
إستيقظت في الفجر ورايت منى جالسة على المصلاة وهى تقرا القرآن، ونظرت
إلى سريرها وكان مرتبا فأدركت إنها لم تنم، وشعرت بتأنيب الضمير على ما قلته
لها بالأمس، فتحت نافذة غرفتي وكان الجو جميلا وكان الظلام قد بدأ
بالانسحاب نزلت إلى حديقة المنزل الصغيرة كانت مكوّنة من أربعة أشجار ظليلة
ومستطيل صغير من النجيل يحفه شريط من الأزهار كنت أنا من يهتم بسقايتها
وكان هنالك أربعة كراسي في منتصف النجيل، وبدأت بسقاية الزرع وعندما
أكملت السقاية كانت الشمس قد بدأت تلّوح، ثم سمعت والدتي تناديني، وعندما
دخلت وجدتها ممسكة بسماعة التلفون وقالت: هشام، وأمسكت بالسماعة وقلت:
هشام أين أنت؟. رد: أنا بالداخلية لقد جاء فيصل الآن وقال إن طارق أصيب
بكسر في يده وقد قاموا بتجبيس يده، وعباس جرحه بسيط عبارة عن خدش أسفل
العين.سألته: لماذا لم تذهب معهم؟.
رد ضاحكاً: عباس رفض وشتمني وقال لي المواقف تحددت اليوم. ضحكت،
وسمعت ضحكته وهو يقول: يبدو أن العداء أصبح علنيا، على العموم سأارك غدا
في الكلية. وما أن وضعت السماعة، حتى فوجئت بوالدتي خلفي وهى تسألني:
ماذا يحدث. حاولت أن أتهرب منها ولكنها قالت: وجه منى يقول إنها كانت تبكى
وأنت جالسة في الحديقة منذ الفجر وهذا هشام يتصل الآن، ماذا هنالك.
قلت لها: كانت هنالك مشاجرة في حفلة أمس بين أحد الطلبة وياسر.
قالت لي ولماذا تبكى منى حتى الصباح.
قلت: لان ياسر ضرب زميلها وأنت تعرفين ياسر عندما يغير عليها، لم تبدو
إنها مقتنعة وقالت: سأحضر لكم الشاي في الغرفة. وعندما صعدت إلى غرفتي
وجدت منى غارقة في النوم، وفضلت أن أتركها تنام، وبدأت أراجع بعض
الدروس على مكتبي. ولم تستيقظ منى إلا عند العصر، وأخبرتها بتلفون هشام،
وأصرت أن تذهب لزيارة طارق، ولكني أخبرتها إنه خرج من المستشفى ولا نعلم
أين هو، وفى المساء جلسنا في الحديقة مع أبى، وجاءت أمي تحمل صينية
الشاي، فشاي وقت المغربية من المقدسات بالنسبة لأبى وجلست، وأخبرت أبى
بما حدث لمنى، ونظرت إلى منى نظرة عتاب لأخبارهم هذا الأمر ولكني همست
سريعا في أذنها: تلفون هشام ردت عليه الوالدة.
وقال لها أبى: يجب أن تعرفي أن أي مشكلة تواجهك أنا المسئول عنها حتى
يعود أبوك إلى الخرطوم وأنا أعلم أن ياسر ابن عمك، ولكن أسلوب العساكر هذا
لا يجوز ان يستعمله في الجامعة. وقبل أن ينهى حديثه صاح أخي خالد من
داخل البيت مناديا منى للتلفون، نهضت منى مذعورة وقالت: من يتصل بي هنا،
وركضت داخل المنزل وما هي إلا دقائق حتى جاءت باكية وقالت لأبى أن أباها
يريد أن يتحدث إليك ذهب أبى مسرعا، وجلست منى تبكى وسألتها والدتي: ماذا
هناك، ردت منى بصوت متحشرج: ياسر ووالده سافروا إلى عطبرة لخطبتي
ووالدي وافق بدون أن يكلمني حتى في الأمر، لأول مرة شعرت أن هذا الأمر لن
ينتهي على خير، وصدق حدسي ياسر لن يتنازل عن منى حتى الموت، جاء
والدي وجلس بهدوء، وقال لمنى: والدك طلب منى أن تتركي السكن الداخلي
وتسكني مع عمك ولكني أصريت أن تبقى مع عزة هنا على العموم هو سيأتي
يوم الإثنين، وٕاذا كنت غير موافقة على ياسر لن يجبرك أحد ولا حتى أباك، وأنا
أوعدك بذلك. كانت كلمات أبى كطوق النجاة لمنى التي ردت على الفور: أرجوك
يا عمى أن تقف معي أعرف ياسر سيكون أخبر أبى بأشياء لا وجود لها، كما أن
أبى لا يستطيع رفض طلب أخيه الأكبر. إبتسمت لها والدتي وقالت إطمئني لن
يأتي الا الخير إنشاء الله.
في اليوم التالي رفضت منى الخروج حتى إلى الجامعة، بينما تابعت
حضوري إلى الجامعة باهتمام، وقابلت هشام الذي كان منتشيا، وقلت له: عيب
تشمت في زملائك.
فرد قائلا: أنا معترف بذلك، ولكن ألم تفرحى فيهم لقد رايت ذلك في عينيك.
إبتسمت و سألته: لماذا شتمك عباس؟.
قال: كنت أحاول مساعدة فيصل على حمل طارق عندما أتى ودفعني، وإنهال
على بالشتائم، ووصفك بأنك برجوازية جاهلة، وأن المواقف تحددت اليوم، وأنني
تابع لك فما كان منى الا أن صفعته على وجهه وتعاركنا ونحن ساقطون على
الأرض، والحمد الله أتى الطلبة وأمسكوا به لقد كان في حاله هستيرية، في لحظة
كاد أن يخنقني وظننت بأني أموت لولا أن أمسكوا به، وظل يقسم بأنه سيجعلنا
ندفع الثمن. قلت وقد أحسست بأن هذا الموضوع أصبح يتطور بطريقة دارمية:
تعرف أن منى تمت خطبتها، ولا أعتقد أن طارق سيتقبل الأمر، على العموم
سنحاول أن نتفاداهم خلال الأيام التالية، رد هشام: لا علاقة لنا بهم، إن كل ما
يجمعنا بهم هو منى، ولكنه كان واهما حيث رايت سامية قادمة نحونا وقلت
لهشام: دعنى أتحدث معها عليك بالصمت، وما أن ألقت علينا التحية إلتفتت إلى
هشام وقالت برقة: أنا أسفة على ما بدر من عباس لقد كان في حالة غضب.
أشرت إلى هشام أن يلزم الصمت وقلت: حالات الغضب تخرج ما في النفوس،
أرجوك بعد اليوم لا نريد أن يكون لنا علاقة بشلتكم. غيرت من نبرتها وقالت
غاضبة: لا شأن لي بكم ولكنني أسأل عن منى. قلت لها بصوت حازم: منى في
منزلنا، وٕاذا أ ردت أن تتصل بك فهي تعرف كيف تصل إليك. كان ردي حازما
ومحرجا لها فلم تجد ما تقوله نظرت إلى بغضب لدرجة أن عيناها اغرورقت
بالدموع وذهبت، وقال لي هشام ضاحكا: عندما تريدين اذلال شخص فانك
تجيدين ذلك. قلت له: إذا كانت المواقف تحددت فليكن موقفنا هو الأعلى,
وضحكنا، وقلت له: لا تفرح كثيرًا، لأننا يجب أن نذهب إلى فدوى لتنقل لمنى كل
المحاضرات لأن منى لا أعتقد إنها ستكون في الجامعة هذا الأسبوع، قال: مشوار
إلى عرين الأسد، دعينا نذهب غدا حتى تكون النفوس قد هدأت. أكملنا حضور
المحاضرات حتى الساعة الخامسة مساء، وعدت إلى البيت حيث كانت منى
تنتظرني لتسألني عن طارق فأخبرتها بما حدث مع سامية، غضبت منى وقالت
بحدة: أنت الخاسرة، سامية من أظرف الشخصيات التي قابلتها ولكنك لا تريدين
أن تنسى ما حدث في أول يوم، لا يمكن أن تحكمى عليهم من هذا الموقف.
رددت مدافعة: لقد قالوا عنى برجوازية جاهلة ماذا تنتظرين بعد ذلك. صمتت ثم
قالت سأتصل بفدوى في الداخلية. وفعلا إتفقت منى مع فدوى على الحضور إلى
منزلنا حتى تمنع أي إحتكاك بيننا وشلتهم.
ثم كان يوم الإثنين المرتقب وكان الكل يتوقع حضور والد منى، وتعمدت
أن أبقى في الجامعة أكثر وقت ممكن فلا أريد أن أكون طرفا في هذا الموضوع.
وبعد إنتهاء المحاضرات جلست شلتنا بكاملها على النجيل وكنت أنتظر فدوى
لتذهب معي إلى منى، كانت أديبة تحادث فيصل عن أهلهم بكسلا وكان هشام
صامتا يكتب على ورقة مصروفاته حيث أرسل له والده نصف ما كان يجب
إرساله، وذلك لضعف العائد من الزارعة وقد حاولت أن أساعده ولكنه رفض بشدة
كان كل ما أشتد فقرا أشتد عزة بالنفس ولكن حساسيته إتجاه المعاملات المالية
أصبحت أكثر من اللازم. وفجأة ظهرت فدوى ومعها طارق، كانت يده اليمنى
تحت الجبس، وتسألت في نفسي هل أخيرا سيعتذر، أن مصلحته ووضع منى في
بيتنا فرض عليه أن يتنازل من برجه العاجي، وأعجبني ذكاؤه فقد وجد أن عباس
وسامية سيزيدان الوضع سوءا فأتى مع فدوى وما أن وصلا بادرتنا فد وى بالسلام
وجلست على الأرض مثلنا ولكنه ظل واقفا كان ينظر إلى مباشرة، ولكني تجاهلته
ونظرت بعيدا كأنني لا أراه، فقال بصوت ثابت: ماذا قلت لسامية، لقد جاءت
لتعتذر منك من تصرف عباس، ولكن غرورك وجهلك جعلك تفكرين كطفلة.
تفاجأت بكلامه وقد كنت أعتقد بأنه جاء ليعتذر. قام فيصل وهشام على الفور،
وقال فيصل: طارق حاسب على كلامك، فرد عليه طارق بعنف: هذا ما أتوقعه
منك، فمستقبلك أن تترك الشعر وتمسح أحذية الأغنياء.
صاح هشام غاضب اً: لا ننتظر من نصاب مثلك غير هذا الكلام. وهم بأن يتعارك
معه ولكن فيصل أمسك بهشام وأقعده على الأرض. وقامت فدوى وأمسكت
بطارق محاولة إبعاده، ولكنه قاومها وقال لي: قولي لصاحبك العسكري أن بيننا
ثأر لا يحله إلا الدم.
قلت ساخرة: يوم الجمعة كانت خطبته لمنى يبدو أن الشربات لم يصلك.
نظر إلى كأنه يريد أن يقرا الكذب في عيوني، ولم يستطع الكلام وكان يأخذ نفسه
بصعوبة حيث راينا صدره يعلو ويهبط كأنه كان يركض وسحبته فدوى ومشت
معه مبتعدة عدة خطوات وقالت له بعض الكلمات لم نسمعها، ونظر إلى
وأحسست أن كراهية العالم جميعها في هذه النظرة ثم ذهب وعادت فدوى وقالت:
يا جماعة أنا آسفة لم أكن أعرف أن العلاقات بينكم سيئة، عندما كنت قادمة إلى
عزة قال إنه سيأتي معي، ولم أكن أعرف أنه ينوى الإساءة إلى أحد. إبتسم فيصل
وقال: إنه يمر بظروف صعبة. كان فيصل أكبرنا سنا وحتى لو أن لطارق سببا
للتهجم على فلا يمكن أن نغفر له تطاوله على فيصل، وهو الذي كان يحمله إلى
المستشفى منذ يومين فقط، وكان هنالك إجماع في الشلة على رفض تصرفات
طارق، وذهبنا أنا وفدوى إلى الرياض كانت الساعة قد جاوزت الخامسة مساءا،
وصعدت مباشرة مع فدوى إلى غرفتي وأخبرنا أخي خالد بأن منى جالسة مع
والدها ووالدي في الصالون وذهبت إليهم وسلمت على والدها، ثم سمعت والدها
يقول: الخطوبة أو لا جامعة، وافقت منى على مضض، ولكنها أصرت على
البقاء في الداخلية وذهب والدها رافضا إنتظار الغداء لأنه يريد العودة إلى عطبرة
فورا ، وإلتفت والدي لمنى وهو يقول: أرضى بهذا الوضع لأن أباك محرج من
أخيه، كما يمكنك القبول بالخطوبة وبعد أن تستلمي الشهادة ولم تغيري رايك في
ياسر من حقك فسخها.
صعدنا إلى غرفتي وجلست فدوى مع منى تشرح لها ما فاتها من دروس بينما
ذهبت لأساعد والدتي في عمل الغذاء.
وإستمرت العلاقة بين شلة منى وشلتنا على أسوأ ما يكون، شتائم في كل
مناسبة تجمعنا، وقد حاول طارق أن يدفع منى إلى التخلص من خطبة ياسر
ولكن منى أصرت أن يبقى الوضع كما هو عليه حتى تستطيع إكمال الجامعة،
وأصبح طارق لا يأتي إلى كلية القانون كثيرا، وكان يظهر بصحبة جيمس من
حين إلى آخر، وقبل امتحانات نهاية العام قامت شلة من الطلبة بالإعتداء على
ياسر وكان معهم طارق وعباس، حيث كان ياسر ينتظر منى أمام الداخلية
وأصابوه بكسر في يده ورجله ورقد على أثرها في المستشفى لأكثر من شهرين،
مما جعل العلاقة بين طارق ومنى تسوء أكثر، فهي ترفض العنف مهما كانت
مبرراته، ولكن طارق لم يكن لينسى ما فعله بهم ياسر، حتى أن عباس أتى إلينا
في الكلية ليزف لنا خبر وجود ياسر بالمستشفى، وإنتهت السنة وجاءت النتيجة
ولم أتوقعها بالمرة حيث كنت ثالثة الدفعة وكان هشام هو الأول وكان الجميع من
شلتنا ناجحا، وتخرج فيصل أخيرا فى آداب، وأصبح طارق وعباس في السنة
النهائية، وتخرج جيمس فى الهندسة الكترونات، ونجحت منى ولكن بدون أي
تقدير، وعاد والد منى للعمل بالخرطوم، وإلتحق هشام بالعمل في الإجازة حتى
يوفر ميزانية العام القادم. ومع بداية العام الدراسي حدث ما يحدث لجامعة
الخرطوم في العادة تم إغلاق الجامعة لأجل غير مسمى، حيث كانت هنالك
مظاهرات صاخبة في الجامعة ضد الحكومة وتم اعتقال طارق وعباس وعماد،
وإستقلت منى الوضع وإتهمت ياسر بتدبير الإعتقال وقد نفى ياسر ذلك، ولكنها
إستغلت أن الجامعة مغلقة وٕاذا منعها والدها من الجامعة فلن تفوتها المحاضرات،
وجاهرت برفضها لياسر، للحقيقة إن إعتقال طارق أثر في صحتها بصورة
واضحة جدا، حتى إنها إمتلكت الجراة على الذهاب إلى ياسر في بيته وأمام
والديه، وٕ اتهمت ياسر أمامهما بأنه أدخل زملائها السجن، فرد ياسر: زملائك أم
حبيب القلب، فردت عليه: إذا كنت تعرف ذلك فلماذا تريد الزواج بي. فما كان
من عمها إلا أن قال لها، إذا ثبت ذلك سأطرده من البيت. وحاولت أن تزور
طارق في المعتقل ولكنها فشلت، وما يحزنها أكثر أنه عند إعتقاله كان متخاصما
معها بسبب ياسر، وعندما إستمر إغلاق الجامعة، وبدأ طلبة كليتنا إجتماعات
سرية يناقشون فيها كيفية التحرك للإفراج عن المعتقلين، وبدأت أحضر هذه
الاجتماعات، مما أثار مخاوف والدتي، والتي أصرت على أبى أن يرسلني إلى
عمى فقرر أبى أن أذهب لأكمل الدراسة في لندن لأن الوضع في السودان لا
ينبىء بالإستقرار، كان هذا آخر عهدي بشلتي وبجامعة الخرطوم، وبدأت منى
في مراسلتي لفترة قصيرة حيث وصلتني منها رسالة تخبرني بالإفراج عن جميع
الطلبة بعد سفري بشهرين، ثم بعد ذلك أتتني رسالة بأن طارق يرسل لي السلام
والاعتذار متمنيا أن يكون قلبي قد نسى ما بيننا من أحقاد، وكنت أعلم أن منى
هي من ألف هذا الكلام فليس طارق من شاكلة من يعترفون بأخطائهم، ثم
أخبرتني في نفس الرسالة إنها قريبا ستفسخ خطبتها وأن هنالك خبر جميل
ستعلمني به لاحقا وطبعا خمنت أنه سيكون خطبتها من طارق، ثم إنقطعت
رسائلها لفترة طويلة، حتى جائتنى رسالة تصف لي الإنتفاضة التي أطاحت بنظام
نميرى العسكري وكان ذلك في أبريل من عام خمسة وثمانين ومازلت أذكر منى
تكتب في مقدمة رسالتها:
عندما يهتف الشعب في الشوارع،
مقهور و مكسور وجائع..
ويتماسك الشيخ الكبير
بأيدي المعلمة وابن المزارع
ويثور السوق..
مشترى وسمسار وبائع
تعلمي أن الشعب مسحوق..
وأن الظلم في الخرطوم شائع
وأن بعد الدم
زمن الحرية.. بالقوة عائد
كان هذا آخر ما وصلني من منى، ولم أكن حريصة على المراسلة لأنني كنت
أنوى الذهاب إلى السودان في إجازة كل عام ولكن ظروف الدراسة كانت تعاندني،
وعندما أتت امى آخر مرة مع خالد أخي في إجازة إلى لندن في الأيام التي كانت
الخرطوم غارقة تحت السيول والأمطار علمت أن أسرتها عادت إلى عطبرة مرة
أخرى، ولكن والدتي قابلت فدوى بالصدفة في أحد الأسواق وأخبرتها بأنهم تخرجوا
جميعا، وإنقطعت أخبارها بعد ذلك ولم أعرف إن كانت خطبتها من طارق قد
تمت أم لا، لأنها يجب أن ترسل لي على الأقل لأبارك لها وان كان سيكون على
مضض.
فتحت عيني ووجدت نفسي في غرفة بنات عمى، وأدركت أنني غفوت
وأنا أنظر إلى السقف وأحسست أنني كنت متعبة من المشي في الهايد بارك ولكن
الفرحة بالنجاح أعطتني نشاط زائف، وكانت الساعة تخطت السابعة مساء،
ودخلت سلوى ابنة عمى وتبعتها نجوى وقالت الأولى: ماما منعتنا من الدخول
حتى لا نزعجك، ثم هجمتا على وأنا راقدة في السرير وإنهالتا على بالقبلات
ومباركة النجاح، وسمعت أمهم نوال الصياح، وجاءت وهى تعنفهما على أيقاظى
ولكن سلوى أقسمت لها باني كنت مستيقظة ثم صمتنا جميعا برهة وحدث ما كنت
أخافه.. فقد إنفجرنا جميعا بالبكاء، ولم يوقفه إلا صوت جرس الباب وبعد لحظات
فتح عمى باب الغرفة وقال: صاحبتك ميسون وصلت، الحمد لله حتى توقفوا هذه
المناحة. ودخلت ميسون بابتسامتها المعهودة الغرفة وما أن أ رت البنات يبكون
حتى واصلت البكاء معنا، وقال عمى متهكما: حتى أنت يابروتس.
توقف البكاء لحظات كانت كافية لتعطيني ميسون ظرف صغير وقالت: هذا
التلغراف وصل على عنوان الكلية يبدو أن المرسل يعتقد أن كلية الاقتصاد
دراستها عشرة سنوات أو أنه لا يؤمن بذكائك، وضحكت حتى لم أستطع أن
أتمالك أنفاسي، أخرجت نوال بناتها من الغرفة وتبعتهم حتى تتركنا بمفردنا، كانت
ميسون خفيفة الدم يمكنها بتعليق صغير أن تحول الهم إلى فرحة، كانت ساخرة
دائما، جلست على السرير وأحسست أنه من منى فهي لا تعرف عنواني بعد
تخرجي من الكلية وحصولي على البكالاريوس فقد سكنت مع ميسون في مجمع
أغلبه من طلبة الد ا رسات العليا، وفتحته سريعا كانت به جملة واحدة: زواجي
الأسبوع القادم إذا كنت لا تستطيعين الحضور فاتصلي بي على هذا الرقم، وكان
مسجلا رقم هاتفها، ثم الإمضاء صديقتك أبدا أبدا منى حسين، ونهضت سريعا
وسجلت الرقم داخل مفكرتي خوفا من ضياع التلغراف، كيف لا هذه منى صديقة
عمري وقررت أن لا أتصل بها بل سأفاجأها في ليلة عرسها حتى لو كان العريس
طارق سأحضر هذا اليوم يا منى، وضممت الظرف إلى صدري، وشعرت بأن
هنالك خيوط من القدر تجمعنا في هذا التوقيت، وإستغربت أن يكون أول يوم
جامعي لي ألتقي منى وأصطدم بطارق وآخر يوم لي في السلم التعليمي يكون
خبر زواجهما. ونزلت دمعه على خدي وأنا أتذكر منى، ثم سمعت ميسون تقول:
نحن هنا، خلاص وصلت السودان، قلت لها نافية: أنا معك. قالت: أنت وصلت
الخرطوم بالأمارة أكلتى صحن الفول دفعة واحدة. ضحكنا معا. ثم قلت لها:
سأفتقدك بشدة قالت: بلا كلام فارغ، أبحثي لي عن عريس وسأترك الماجستير
فورًا وستجديني في أول طائرة. قلت أكتبى لي المواصفات لفارس الأحلام، قالت:
أولا أن يكون رجلا، ثانياً صمتت برهة ثم قالت: بس لا يوجد ثانيا لأن كل ما
تكثر الشروط يقل المطلوب، وضحكنا، وأخذت أفكر كنت أحلم بيوم العودة منذ
أن جئت إلى بلد الضباب والآن أصبح فراق لندن شيء مؤلم وأخذت أفكر في
أساتذتي مستر فرانك ودكتور شامبرلين المشرف على رسالتي وصديقاتي
وزميلاتي في الدراسة ليزا الإنجليزية ومانويلا الإيطالية وقررت أن أسافر في أسرع
وقت فلا أحب لحظات الوداع.
عندما كانت الطائرة تحلق قي سماء الخرطوم ليلا لم يكن هنالك الكثير من
الأضواء وإعتقدت أن الكهرباء مقطوعة لسبب ما، ولكنني كنت واهمة فمنذ أن
وطأت قدماي المطار وأنا في حالة إندهاش لم يكن ذلك بسبب الخدمات السيئة
في المطار فقط، ولكن في البشر أنفسهم كان السودانيون عبارة عن وجوه تعلوها
علامات البؤس والشقاء، والضعف السمة الغالبة، إن عمى كان على حق، إن
الحرب في الجنوب أتت على الأخضر واليابس، بعد أكثر من ثلاث ساعات،
إستطعت أن أخرج حقائبي من المطار، إستقليت تاكسي إلى البيت مباشرة كانت
الساعة تجاوزت العاشرة مساءا، سألت السائق عن أوضاع البلد رد بحزن: الحمد
لله، في العام الماضي اجتاح الجيش السوداني معاقل المتمردين في عملية
ضخمة اسماها صيف العبور، قلت له يعنى إنتهت الحرب، قال ضاحكا: يا بنتي
الحروب الأهلية لا تنتهي بالسيف. كان السائق فوق الستين من العمر، كان شعره
أبيض وكان يقرب وجهه من زجاج السيارة الأمامى لكي يري بوضوح مع أنه
يلبس نظارة طبية، قلت له: عندما كنت هنا لم يكن في مثل عمرك يعمل ليلا، رد
بهدوء: كنت موظف في وزارة المالية لكن المعاش بعد غلاء الأسعار لا يساوي
شيئاً. ثم سكت كمن لا يريد الحديث، كان يقود التاكسي بهدوء شديد خوفا عليه
من المطبات فقد كان موديل السيارة من أيام السبعينات. تخطينا نقاط تفتيش
عديدة فقد كانت الحواجز العسكرية في كل مكان، وأنزل معي حقائبي بالقرب من
باب المنزل، وقال: الحمد لله على السلامة، هل تحبي أن أنتظر فقد لا يكون أحد
بالمنزل، قلت له لاداعى كل الحى يعرفني. حاسبته بالدولار ومن إبتسامته علمت
إننى أعطيته أكثر مما كان يتوقع، ركب سيارته وظللت أراقبه وهو يقود مبتعدا،
وأخذت أتأمل في شارعنا، بيوت جيراننا كان كل شي كما هو ولكن أقدم ولكن
ليس بعشرة أعوام بل أكثر كأنما البيوت شاخت هي الأخرى، وكان الشارع خاليا
مع أنه كان في مثل هذا الوقت منذ عشرة أعوام يعج بالحياة والمارة ونظرت إلى
الساعة لم تتجاوز العاشرة والنصف، قرعت جرس الباب، أكثر من أربع سنوات
كانت آخر مرة أرى فيها والدتي وخالد وأكثر من ست سنوات عندما جاء أبى إلى
لندن لمدة أسبوع، وإنتظرت طويلا ثم سمعت خطوات أبى وفتح الباب وهو يلبس
نظارته في نفس الوقت، نظر إلى وهو مذهول ولكن دمعته خانت الجدية التي
يرسمها لنا طوال حياته، وكان جسمه نحيلا كأنما كان مريضاً لفترة طويلة لأول
مرة أراه شيخا وليس شابا، لم أستطع أن أتكلم، فارتميت في أحضانه، كانت أول
مرة يحضني فيها أبى منذ أن كنت طفلة، الحقيقة أنه لم يحضني ولكني إنتزعت
حضنه إنتزاعا مستغلة غربتي الطويلة، وشعرت بحسمه النحيل يرتعش من البكاء،
وسألت نفسي هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء، غربة سرقتني يوماً بعد يوم
ذهبت إلى لندن للبكالوريوس ولكن الحياة طمعتني في الدكتوراة، ثم تمالك أبى
نفسه، كأن إبداء المشاعر عيب مسح دموعه وشعر بالخجل منى فأخذ يصيح
لوالدتي وخالد، ودخل سريعا قبلي كنت أعلم أنه يخاف عليها من المفاجأة فأراد
أن يخبرها أولا أتى خالد يجرى وسلم على سريعا متهربا من إفلات المشاعر كأبيه
وأشغل نفسه بإدخال الحقائب، كنت أنظر إليه غير مصدقة سيتخرج من الهندسة
المدنية هذا العام ولكن والدتي أطلقت العنان لحنجرتها من داخل البيت بالزغاريد
وما أن رايتها كانت تجرى باتجاهي وحاولت أن أوقفها فسقطنا معا علي النجيل
وكانت تبكى وهى تحضنني حتى إننى خفت عليها، وأحسست بأني كان يجب
إخبارها مسبقا بعودتي، وما هي إلا لحظات كان الجيران معنا مستفسرين عن
سبب الزغاريد.
قضيت يوم الخميس كله أجب على أسئلة والدتي بدأت بالدكتوراة، وإنتهت
بالسؤال عن صديقاتي ليزا ومانويلا فقد كانتا توصيان والدتي أن تحضر لهم ثمار
المانقو، وكانت تأتى محملة بكرتونة لهم فيهدونها العطور الفاخرة لأنهم كانوا
يرون أنه من الغريب أن يأتي أحد من السودان إلى لندن بهذه الكمية، ورغم
استنكارهم ذلك فقد أصرت والدتي أن تجعلها عادة حتى إنها عندما لا تأتى
أصبحت ترسلها مع من يصادف حضوره من المعارف إلى لندن وكانت تقول:
بنات الخواجات مسكينات لا أحد يهتم بهن. وسألت والدتي عن منى وقالت إنها
كانت تزورنا ثم بعد أن ألغت خطبتها من ابن عمها وإنتقل أهلها إلى عطبرة ثانية
إنقطعت أخبارها وقد أوصتني أن أخبرها بعودتك وأعطتني رقم هاتف الداخلية،
وسألتها عن ياسر قالت لي منذ فسخ الخطوبة طلب نقله إلى الجنوب، وتخيلت
ياسر الوحيد الذي لم يكن يخطط لشيء إلا ومنى معه، وعندما رفضته لم يعرف
ماذا يفعل بحياته، وحزنت له جدا، ثم اتصلت بمنى: كان صوتها متغيرا بعض
الشيء إن السنين فعلت فعلتها مع الكل وكذبت عليها أخبرتها بأني أتصل من
لندن: وباركت لها الزفاف وسألتها أين الز واج لأن والدتي تريد أن تحضر فقالت
بأنه بنادي في الخرطوم وأعطتني عنوانه، وسألتها ألستم بعطبرة. قالت أن أباها
سوى معاشه وبنى بيتا بالحلفاية ببحري وهو قطعة أرض تخص جدهم كان فيها
نزاع ورثة ولكن بعد قسمة الورثة أصبح لهم، وهم يقيمون فيه الآن، ثم صمتت
برهة وقالت: أنا افتقدك بشدة ثم سمعت صوت بكائها. أغلقت الخط بسرعة، يجب
أن أذهب إليها الآن، ثم تراجعت فقد تخيلتها محاطة بشلة طارق هذه الأيام، لكن
هل يفتكرون بعد هذه السنين هذه المسألة، ثم إننى لا أعرف منطقة الحلفايه
جيدا، ثم إستقر قراري على الذهاب إلى العرس مباشرة وهو ليس بعيدا، كما أن
والدتي أخبرتني أن لا أخرج من البيت هذه الأيام لأن كل الأهل سيأتون للسلام
والتهنئة فهم لم يروني منذ أكثر من عشرة أعوام، حاولت أن أجمع معلومات عبر
التلفون عن شلتي لتحضر معي الزواج ولكن يبدو كأنني أسأل عن القرن الماضي
تغيرت أرقام ورحل الكل من مكانه، كان يمكن أن أسأل منى ولكنها ستشك في
أمر وجودي في السودان، وقررت أن أخذ خالد ووالدتي معي الى العرس.وأدركت
لماذا تصر الوالدة على بقائي بالبيت حيث كانت تجهز لي عرسان من أهلها.
كان النادي قرب المطار ليس بعيد اً عنا، وعندما جلسنا على إحدى الموائد،
كان قد بدأ تقديم العشاء، ولم أتعرف على أحد من الحاضرين لم يكن هنالك أحد
من الجامعة، ثم جاءت والدة منى وسلمت علينا وجلست بالقرب من والدتي، ثم
رايت على بعد سامية جالسة وكانت تنظر إلى لم أعلم ماذا أفعل، وقررت أن ألوح
لها بيدي وٕاذا ردت التحية ذهبت إليها ولكنها أشاحت بوجهها بعيد اً، كانت تبدو
أكبر بكثير مما تخيلتها ثم جاء طفل في حوالي السابعة من العمر يتكلم معها، قد
يكون ابنها، كان الجميع ينتظرون وصول العريسين، ثم بدأ الغناء، كان من يغنى
يبدو معروفا لدى الحضور، حيث كان الجميع يغنون معه، وأحسست أنني
كالأجنبية لا أعرف شيئا حاولت بل تمنيت أن أرى ياسر ولكن لم تقع عيني عليه
بل رايت والدته كانت جالسة في الخلف مع إحدي النساء كانت عيناها الحزينتان
تنبىء عن ثقل الواجب الذي أحضرها إلى هنا، كنت أعلم أنها تنتظر منى لتبارك
لها وستذهب على الفور، ثم إستأذنت والدة منى وذهبت إليها، وظللت أراقبهما،
كانتا تتبادلان حديثا لم أسمعه ولكني أعلم مضمونه من كلمات مجاملة فارغة
المعنى لا تمحى حزنا، ثم جاء موكب العريسين ومن وسط الزحام الذي كان
يحيط بهم لمحت وجه منى كانت عروسا ما أجملها، حمدت الله الذي أحضرني
هذا اليوم، ورايت فدوى تمسك لها الطرحة، ولكن كانت المفاجأة كان شكل طارق
مختلفا، لا إنه ليس طارق هذا شخص آخر، أقعدتني الصدمة، ولم أستطع أن
أنهض من الكرسي لأبارك لها، وظللت أراقبهما وهما يرقصان على أنغام
الموسيقى ثم جلسا في الكوشة، وبدأ الناس ينهالون عليهما بالتهاني وظللت أراقب
العريس كان وسيما يلبس بذلة رمادية تبدو غالية الثمن، وما أن خف المهنئين
حتى ذهبت ووالدتي وخالد للمباركة كنت أسير خلفهم فقد أثقلت المفاجأة قدمي،
وما أن سلمت منى على خالد ووالدتي حتى سألت عنى، وقال لها خالد: سلامة
النظر ألا ترين الدكتور الذي يسير خلفنا، نهضت من كرسيها بصمت وهى
تتفحصني من أسفل قدمي إلى أعلى راسي، ثم ظلت صامتة تقدمت منها
وحضنتها وأنا أهمس في أذنها: الحمد لله الذي أحضرني هذا اليوم، تبدين غاية
في الجمال، أجلستها على الكرسي وباركت للعريس، كانت تنظر إلى صامتة،
تلاقت أعيننا كانت هنالك كمية من الأسئلة في عيني وكان في عينيها حزن
عميق جارف. ما أن رجعنا إلى مائدتنا، بدأ الغناء ثانية وظللت أراقب فدوى طوال
الحفل متمنية أن تراني لأنها الوحيدة من تستطيع أن تفسر لي ولكنها لم تفارق
منى كانت تقوم بدور الوصيفة، هذا الدور كان يجب أن يكون لي ولكني مازلت
أحس بأنني غريبة لا أفهم شيئا، وأخيرا جاءت فدوى وهى تقول: لم أعرفك لولا أن
منى قالت لي هذه عزة الرشيد.
سلمت عليها وأجلستها قربى سريعا، وقلت لها: أنا لا أعرف شيئا ماذا حدث؟.
قالت: في ماذا؟.
قلت لها: أليس من المفترض أن يكون العريس طارق.
نظرت إلى باستغراب: ألم تعلمي بالذي حدث!.
قلت: طارق تخلى عنها.
قالت وعيناها تدمع: طارق توفى.
شلني الخبر ونظرت إليها صامتة ثم أضافت: لم يكن هذا قبل عام أو أثنين، هذه
الحادثة كانت أوآخر عام أربع وثمانين. ونظرت إلى منى على البعد، وسألتها
ولكن منى لم تخبرني.
قالت: منى حدث لها إنهيار عصبي وكانت تحت العلاج لمدة سنتين لدرجة أن
أباها إنتقل إلى عطبرة ليبعدها عن كل ما له علاقة بالخرطوم رغم أن بيتهم في
الحلفايا كان جاهزًا، ثم بعد ذلك أكملت الجامعة فقد تخرجت بعدنا بعامين تلاقت
عيني بمنى على البعد، كأنما تقول لي أين كنت، قلت لنفسي يا إلهي لقد كنت
كل هذا الوقت أكره رجلا ميتاً، وسألتها: مات قي المعتقل؟، ردت: لا.. إنتحار،
أو هذا ما يقال.
قلت لها: ليس هو من ينتحر.
قالت: هذا ماظنناه جميعا، حسب رواية الشهود أشعل النار في المبنى، وإحترق
داخله لقد وجدوا جثته وتعرف عليه أهله ومنى أيضاً عندما راته في المشرحة،
وهو ما سبب لها الإنهيار، نظرت إلى منى ثانية وأحسست بأني أريد أن أهرب،
لا أعرف لماذا ولكني كنت أحس بالذنب، وبدأت أرى العرس كأنه مأتم كبير، أو
إحتفال لقبيلة وثنية وكأن العروس ذاهبة إلى المذبح، وكأن الحضور يقيمون
الطقوس لتقديم الضحية ويرقصون رقصة الشيطان حول النار، ونظرت إلى
العريس الذي كان يسوق منى إلى السيارة كأنما هو من يسوق الضحية إلى مثواها
الأخير، ونظرت إلى منى العروس الجميلة التي يتم ذبحها تكريماً للآلهة، أه من
الغربة ما تأخذه منا لا نعرفه إلا لاحقاً.
لفصل الثاني
تحت الرماد
فى الأيام التالية ظللت حبيسة الغرفة، وأصبحت لا رغبة لي في معرفة
أخبار الشلة، فقد أحسست أنه لن يكون هناك خبر مفرح، وأخذ أبى أوراقي للتقديم
في عدة وظائف، وكانت والدتي فرحة لجلوسي في البيت حتى تعجرضني في سوق
الز واج لأقاربها. دخل خالد الغرفة وقال: بدري على جلوسك هنا.
قلت له مبتسمة: هل تراني أشد في شعري.
رد: هذه مرحلة لاحقة لن أدعك تصلى إليها.
قلت: ليس لديك جامعة اليوم.
قال: أنت نسيت أنني في السنة النهائية، مشروع التخرج هو أساس العمل، هيا
نذهب إلى الجامعة ألا تريدين رؤيتها. أحسست به يريد شيئا منى، خرجنا وركبت
السيارة وقلت له: لماذا لم يأخذ أبى السيارة.
قال لي: أبوك أصبح من النادر أن يسوق، أنا أوصله يوميا إلى الشركة وأعود
به. كان يسوق السيارة بهدوء ثم ذهب إلى شارع النيل متخطيا الجامعة ثم أوقف
السيارة نظرت إليه مستفسرة، قال: هنالك بعض الأشياء لم يخبروك بها وأريدك أن
تعرفيها. نظرت إلى خالد كنت دائما أنظر إليه كطفل، ضحكت وقلت: ما هذا
التشويق، قل ما عندك.
قال: يجب أن تعرفي أن وضعنا المادي في البيت سيء جدا، مكتب أبى لا يأتي
بالكثير وأنت تعرفين والدك لا يعرف لغة السوق من عمولة ورشوة وخلافة حتى
ينال عقود، بالإضافة إلى إن صحته ليست على ما يرام حيث أن قلبه ضعيف،
وقد إتفقوا على إخفاء الأمر عنك، حتى إنه باع الأرض الزراعية ليكمل نفقات
علاجه و دراستك. تفاجأت بكلامه ونظرت إليه لقد كبر خالد ثم أردف قائلا: أنا
أحتاج إليك هذا العام حتى أتمكن من إدارة المكتب بعد التخرج ثم بعد ذلك،
يمكنك التفكير في الزواج، وأترك أبى في البيت. ضحكت حتى إستلقيت على
المقعد وقلت له: من قال لك أنى أبحث عن عريس.
قال: أمى تبحث لك عن واحد، ثم إنى رايتك في زواج منى حزينة، وتجلسين في
الغرفة وحيدة دائما. قلت له: أولا أنا أملك أكثر من عشرين ألف جنيه إسترلينى،
لشغلي في مراجعة الحسابات لبعض الشركات أثناء دراسة الدكتوراة وهو بدوام
جزئي كما تعرف، ثانيا مسوؤلية البيت لا تهتم بها فأنا المسئولة عن ذلك ثالثا من
يوم غد أنا من سأذهب مع أبى إلى المكتب رابعا أنا حزينة لأن منى توفى
خطيبها ولم أعلم بذلك إلا يوم العرس، ومتى كانت تعانى من إنهيار عصبي ولم
أكن أعرف عنها شيئا. نظر إلى بدهشة: معك عشرين ألف إسترلينى.
قلت له: يعنى لو أخبرتموني بالحقيقة كنت أرسلت لكم من هناك، لكن أعجبني
حديثك كبرت يا خالد.
رد قائلا: السودان يشيب الصبي، ضحكنا، وعندما عدت إلى البيت وجدت فدوى
في إنتظاري وقالت: منى مسافرة مع زوجها إلى دبي الليلة وتريد أن تراك. كانت
فدوى تسوق سيارة قديمة، وكانت تعمل في مكتب محاماة وسألتها عن العمل
قالت سيء جدا ولكن بعد أن أكمل ثلاث سنوات القادمة يصبح عندي حق
التوثيق وهو يدر علينا دخلا جيدا، ووصلنا إلى حيث كانت منى تسكن شقة
مفروشة مع عريسها، وقد إستقبلنا بتهذيب شديد وإستأذن منا للذهاب لوداع أهله
وخرج، وأخيرا جلست مع منى وقلت لها مازحة: وأنت أليس لديك أهل تودعيهم.
ردت ضاحكة: كانوا هنا صباحا، ثم نظرنا إلى بعضنا كانت كل واحدة تحاول
دراسة وجه الأخرى بعد تغييرات السنين قلت لها: لا أعرف إسم عريسك وكيف
تعرفت عليه قولي الحكاية بالتفصيل الممل.
قالت: أحكى لك عشرة سنوات في ساعة، على العموم إسمه حسن عبدالله وكانت
أخته متزوجة وتسكن بجوارنا في عطبرة، ويعمل مهندسا في دبي، وأتى من
شهرين يبحث عن عروس ورشحوني له، ووافقت هذه كل الحكاية.
سألتها : وماذا حدث لطارق؟ .
قالت: الله يرحمه، لكل أجل كتاب. كانت لا تريد الحديث في الموضوع ولكني
أصررت، وقلت: أنا تركته في المعتقل ماذا حدث بعد ذلك؟.
قالت: خرج هو وعباس وعماد، ولكنه كما قال لنا عباس تعرض لتعذيب شديد
داخل السجن حتى إنه لم يعد يتحدث كثيرا ولا يأتى إلى الجامعة كثيرا ولكننا إتفقنا
على الخطوبة، وذهب إلى أبى ليخطبنى ولكن والدي قال له بعد أن تتخرج منى،
ولكننا لبسنا الدبل أمام أبى، ثم أصبحت لا أ ا ره كثيرا وقد كان أغلب الوقت مع
جيمس حيث أخبرني إنهما بصدد عملية تجارية ضخمة، ثم جاءنا خبر وفاته،
أحسست إنها تتعمد إخفاء شيء، وسألتها: متى كانت أخر مرة رايته فيها قالت
في حفل في الجامعة قبل أسبوع من الحادث.
قلت: وطوال الأسبوع لم تريه.
قالت: كان جيمس في الجنوب حيث لديه زوجة وطفل فكان يذهب لهم كل ستة
أشهر وفى هذه الأيام يكون العمل بأكمله على طارق لذلك كان يعتذر عن
الحضور للجامعة، وإستمر هذا الوضع حتى أكملنا الامتحانات وكان قد تخرج
هو وعباس، ثم إختفى هو وعباس وجيمس في فترة الإجازة حيث قالوا إنهم ذهبوا
إلى مصر لإحضار بضائع، ولكني أعتقد إنهم كانوا معتقلين لأن صحتهم كانت
سيئة جدا. كما إنه في العادة إذا سافر طارق كان لابد من وجود جيمس.
قلت لها: ما هو المبنى الذي مات فيه.
قالت: كان في المنطقة الصناعية بالخرطوم، وكان جيمس وطارق مستأجرين
هذا المكان لتخزين لوازم الكافتيريا حيث كان فيه أنابيب الغاز وجوالات الفحم
والبصل والبطاطس بالإضافة إلى بعض البضائع التي يتاجران فيها.
قلت: ربما كان حادث إنفجرت إحدى أنابيب الغاز لماذا يقولون إنتحار.
قالت: إثنين من الشهود شاهدوه عندما وقع الإنفجار وإشتعلت النيران، كان واقفا
وسط اللهب وكانوا يصيحون فيه أن يرمى نفسه من النافذة ولكنه ظل واقفا حتى
سقط.
قلت: المبنى كان من عدة طوابق؟.
ردت: كان من طابقين الإنفجار كان في الطابق الارضى وهو كان في العلوي.
قلت لها: ولكني لا أصدق أن طارق يمكن أن ينتحر.
قالت: ولا أنا ولكن الشهود ليست لهم مصلحة خصوصا عم إبراهيم كان يعمل
على عربة كارو وقد كان يسكن في الفناء الملحق بالمبنى وينام في عرشة صغيرة
هناك، ثم أصبح غفيرا للمكان وكان طارق يعطيه راتب شهري نظير حراسته
المخازن ليلا والثاني كان عسكري الحراسة لمعرض سيارات مجاور، على العموم
أتمنى أن يكون حادث.
قلت لها: أشعر بالذنب لأن علاقتي معه كانت سيئة.
قالت: لذلك تعمدت أن لا أخبرك بوفاته.
قلت: هل فعلا إعتذر منى كما ذكرت في رسالتك، إبتسمت وقالت: كنت ذاهبة
إلى البريد وقابلني عند باب الجامعة مع جيمس وأخبرته بأني سأرسل لك رسالة
وقلت له: هل تريد أن تشتمها، ضحك وأخرج ورقة وكتب بيت شعر وقال:
إعتذري لها، وعندما تعود أريدك أن تعرفينا على بعض من جديد.
قلت: ولكنك لم ترسلي بيت الشعر قالت ضاحكة: ما محبة إلا بعد عداوة، كان
بيت شعر يتغزل بك، مزقته على الفور أمامه وضحكنا حتى أن جيمس قال لي
بعربية ركيكة: أنت صعب. ضحكت معها وقلت: كانت وفاته صعبة عليك.
صمتت وقالت بصوت حزين: الله يرحمه.
ودعنا منى وعريسها في المطار وطلبت من فدوى أن تبيت معي
ولكنها رفضت قائلة: أنت مازلت تفتكرين إننا طلبة أنا عندي محكمة غدا. ولكنها
وعدتني بأن تأتى في يوم آخر. منذ الصباح أخذت أبى وذهبنا إلى الشركة وكانت
الملفات مكدسة في غرفة المحاسب، وقلت لنفسي لكي أفهم الحاصل لابد لي من
شهر، وجلست مع أبى في مكتبه وعاتبته على عدم اخبارى بمرضه وعلى
الضائقة المالية التي كان يعيشها وقلت له: اريد منك أن تكمل العقود التي
مضيتها فقط، ولكن لن ندخل في عقد جديد، حتى أكشف الوضع المادي للشركة
وهذا قد يتطلب شهرا، ضحك أبى وقال كل ما لدى عقد لتكملة فيلا صغيرة، قلت
له كم يلزمك لتخليصها، قال: من الوقت أسبوع ومن حيث المال حوالي عشرة
ألف دولار، لأني لو أخبرتك بالسوداني، لن تعرفي أن تحسبي شيئا، قلت له:
أريدك أن تكمل هذا العقد ثم تقعد في البيت وتترك لي المكتب إلى أن أدعوك بعد
شهر، قال غاضبا: تريدين أن تحيليني إلى المعاش، قلت له نافية: أريد أن أنظم
العمل، وصدقني أنا أعرف أن صحتك لا تتحسن إلا بالعمل، ولكني أريد أن
أدخل كمبيوتر في الحسابات فقط وأعمل نظام للتسويق سيقوم به خالد. رضخ
أبى للأمر الواقع وكان سعيدا وهو يرى طفلته المدللة بقربه، وأصبحت أذهب
صباحا إلى المكتب وأجلس مع المحاسب والسكرتيرة إلى المساء، ثم غيرت من
ديكور المكاتب، وكان هنالك فناء صغير أمام الشركة قمت بز ا رعته فأصبحت
كما الشركات الأوربية، وكنت أحتاج إلى من يراقب الحسابات، ويتعامل
بالكمبيوتر لأن المحاسب تخطى الستين وقد رفض والدي التخلي عنه، وأصبح
خالد ملما بشؤون التسويق من إعلان في الصحف إلى الاتصال بجميع سماسرة
الأراضى فلهم نسبة من المكتب لأي زبون أشترى قطعة أرض وينوى بناءها،
وعندما أعود إلى البيت كنت أري أمي قد رتبت لي موعدا مع أحد أقربائها
للزواج، وكنت لا أستطيع أن أرفض لأنها ستبدأ بالبكاء وٕاعادة الاسطوانة القديمة:
زملائك كلهم تزوجوا. وما أن تذهب الوالدة لإعداد الشاي كنت أتعمد أن أتحدث
عن الدكتوراة كثيرا فيهربون على الفور.
مضى أكثر من ثلاثة أشهر حتى إستطعت أن أكمل عملي في شركة أبى
وليس شهرا كما كنت أعتقد، وزارتني بعد كل هذه المدة يوم الخميس فدوى كما
وعدت بالمبيت معي، وكانت الساعة بعد العاشرة ليلا ، وجلسنا في غرفتي نتذكر
أيام الكلية وقالت: أعلم انك تريدين أن تعرفي كل شيء عن الشلة ولكنني لا
أعرف أماكنهم، قلت لها: أين عباس قالت: عباس نظارة، هذا لقبه منذ وفاة
طارق يسكن في بيوت مشبوهة، وأغلب الوقت يكون سكران وحتى يخفى عينيه
من إحمرار السكر يلبس نظارة سوداء، ولم يمارس المحاماة، فهو يمارس السمسرة
في بيع السيارات المستعملة، قلت: وجيمس قالت: لقد عاد إلى الجنوب، ولا أعلم
ماذا يفعل مهندس إلكترونات في هذه الحرب. على العموم هذا بالنسبة إلى شلتنا
أما عن شلتكم فأعرف أن هشام يعمل في وزارة العمل، وأن فيصل وأديبة تزوجوا
منذ أكثر من أربعة أعوام ويقيمون في سوبا جنوب الخرطوم وفيصل يعمل معلما
في إحدى المدارس، وهو يأتى أحيانا إلى الجامعة لحضور بعض الندوات. نظرت
إلى فدوى ملياً وقلت لها: في حديث منى أحسست إنها أخفت شيء عنى، وأنت
كنت حاضرة، ما هو الشيء الذي كان يجب أن تذكره ولم تقله.
إبتسمت فدوى وقالت: أنت درست إقتصاد أو إسكتلنديارد، ضحكنا ثم صمتت
برهة وقالت: لا أعلم لماذا أنت مهتمة بهذا الأمر، الرجل مات، الله يرحمه
وإنتهت القصة، ثم إنك كنت عدوة له ولم تكوني صديقة، أحمدى الله على إنك
كنت في لندن وإلا كانوا إتهموك بقتله. ضحكنا ثانية سألتها: من أكثر من تأثر
بموته بعد منى.
قالت على الفور: عباس.. فقد تحول على الفور الى معاقرة الخمر وترك كل
شيء يذكره بالجامعة حتى الشهادة من القانون لم يعمل بها، وإن كنت سمعت أنه
يترافع عن بائعات الهوى اللاتي يعيش معهم. قلت لها: يبدو أن شلتكم الأكثر
تحطماً.
قالت وهى تقف: لا تتفائلى إنها ليست قضية شلة إنها تحطم جيل. أخذت أفكر
في كلامها بينما قامت هي لتأخذ دشا، وعندما عادت قالت: أين العشاء يا
كولومبو.
نظرت إليها بتأمل وقلت لها: هل تعرفين إنك تذكرينى بمنى كثيرا، وما زلت
أذكر عندما رايتك أول مرة وأدركت وقتها بأنك ستكونين صديقتها.
قالت: هو نفس اليوم الذي قابلت فيه باقي الشلة، وكانوا مفعمين بالحياة كأنهم
سيغيرون الكون، تعرفين كل ما أتذكر المرحوم طارق، لا أصدق انه يمكن أن
يهزم فالإنتحار هزيمة، ثم إنه رجل مؤمن بالله.
قلت لها: هناك شيء مفقود، صمتنا للحظات، فقالت: أعتقد أن عباس أكثر واحد
يمكنه معرفة إذا كان إنتحارا أم لا. قلت لها وكيف الوصول إليه. قالت: طبعا
ليس حيث يسكن، ولكنه يأتى الى دلالة السيارات يوم الجمعة في الخرطوم، قلت
لها أريد أن أزور فيصل وأديبة فعباس لو رآنى لقتلني.
قالت: يمكن أن نذهب غدا.
قلت لها: إذن أحسن عشاء سيأتيك حالا.
في صباح يوم الجمعة، إتصلت فدوى بعماد تستفسر عن منزل فيصل، ثم
ركبنا عزيزة سيارة فدوى كما تسميها، وكان خالد يضحك من أن هذه السيارة لن
تصل لنهاية الشارع، وكانت فدوى تدافع عنها باستماتة، وظلت تقود بهدوء وأنا
جالسة بقربها، وكنت أسأل نفسي لماذا أهتم بهذا الموضوع وأصحاب طارق تقبلوا
الأمر الواقع، هل هو إحساسى بالذنب لأنني أكره شخصا مات وشبع موتا، أم
أنني أريد تعويض ما فاتنى في الغربة وأريد أن أعيد تتابع الأحداث، وأعجبني هذا
التفسير خصوصا وأنني ليس لي وظيفة حتى الآن، كما أن عملي في شركة أبى
إنتهى، وأستلم خالد مع أبى الأمور، عندما وصلنا الى بيت فيصل كان واضحا
من الخارج إنه يحتاج صيانة وترميم، وطرقنا الباب، وما هي إلا لحظات، حتى
فتحت لنا أديبة الباب وهى تحمل طفلة على جنبها، وما أن أ رتنى حتى قذفت
بنتها الى فدوى، وانهالت علىّ بالقبلات والأحضان وهى تبكى. كان منزلهم مكون
من غرفتين وصالة طويلة تمتد أمام الغرفتين، ومطبخ على جانب إحدي الغرفتين
والحمام في نهاية الفناء الذي كان كبيرا، ولكن المنزل رقم فقره وبساطة فرشه كان
مزينا بالأشجار والورود، عندما تراه تعرف أن هناك شاعر يسكنه، كانت إحدى
الغرفتين تستخدمها لإستقبال الضيوف، فتحت لنا الغرفة التي كانت مرتبة كان بها
سريرين وأربعة كراسي جلوس ومكتبة بها كمية كبيرة من الكتب تمتد من أول
الحائط الى آخره وقالت: تفضلوا.. فيصل يعطى دروس خصوصية صباح
الجمعة في العادة ولكنه يعود قبل الصلاة الجمعة بساعة حتى يجهز لها.
قلت لها: أصبحت ست بيت بمعنى الكلمة.
قالت: البيت ليس مشكلة، المشكلة في الأولاد، غير أميرة عندي طارق ثلاثة
سنوات وهو يلعب عند الجيران. ثم ذهبت وأحضرت لنا عصير ليمون، سألتها
فدوى: لم تحصلي على عمل. هزت راسها نافية، قلت لها: رزقك من السماء،
أبحث عن محاسب لمكتب والدي، ولكن يجب أن تكوني جيدة في الكمبيوتر.
قالت: منذ أن تخرجنا وأنا في كورسات الكمبيوتر، أحاول أن أعمل لأساعد
فيصل، تخيلي أنهم لم يستلموا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وبعد أن ينتهي من عمل
المدرسة يذهب لتدريس الإنجليزى في المعاهد، ثم يوم الجمعة والإثنين للدروس
الخصوصية. حاولت أن أخرجها من شكواها وسألتها: خبر زواجك بفيصل كان
مفاجأة لي، كنت تحبينه في السر.
ردت: من جانبي أنا منذ أول يوم ولكن هو كان خارجا من السجن ولم يكن يفكر
إلا في التخرج، ثم بعد ذلك إقتنع، باع منزلهم بكسلا والأراضى الزراعية بعد وفاة
أبيه وإستلف مبلغا بعد كل هذا ليشترى هذا المنزل، وكما ترين يحتاج صيانة
وبناء صالون أمامي.
أعجبتني فدوى وهى تسألها: ألم يتغير بعد الزواج.
قالت وهى تبتسم: عندما تتزوجين شاعرا تكونين ملكة عندما يفرح، ووحيدة عندما
يحزن فهو قد لا يتكلم لمدة أسبوع، ولكنه يحترمك في جميع الأحوال، وأخبرتها
فدوى بزواج منى، فقالت: أخبرني فيصل فقد علم من عماد ولكنه كان حزينا
بسبب المرحوم طارق.
استغربت ذلك وقلت: ولكن علاقته بطارق لم تكن جيدة.
قالت: لا أعلم ولكنه أغلق هذه الغرفة وأخذ يبكى للصباح، وأنا أذكر بأنهما كانا
في الجامعة لا يتحدثان مع بعضهما ولا حتى يلقيان السلام، وحتى انه أصر على
تسمية ابنه باسم طارق، نظرت الى فدوى التي كانت مستغربة مثلي، ثم إستأذناها
وطلبت منها أن تقابلني في الشركة غدا.
أثناء عودتنا قالت لي فدوى يمكننا أن نمر على الدلالة لترى عباس
ترددت ثم وافقتها، وأوقفت السيارة وظللنا جالستين فيها فقد كان مجتمع رجالي لا
توجد فيه إمراة واحدة، وكنا نراقب الناس يتفحصون السيارات المستعملة، وتحاول
فدوى أن ترى عباس، ولكننا ظللنا أكثر من نصف ساعة منتظرين ولم يظهر
عباس، وجاء أحد السماسرة وعرض على فدوى مقايضة سيارتها بأخرى على أن
تدفع الفرق، قلنا له من باب التسلية أن يحضر السيارة الأخرى، وما هي إلا
لحظات كان قد أحضرها، كانت سيارة بيضاء أحدث من سيارة فدوى ببضع
سنوات ولكن كان منظرها أجمل أعجبت فدوى بالسيارة، وما أن جربتها حتى
أخذت تفاوض في المبلغ الواجب دفعه، وقد رفض السمسار إقتراحها بتأجيل الدفع
بشيك مؤجل، فسألته عن عباس فأرسل أحد الصبية يبحث عنه، أتى عباس من
بعيد وكان منظره مخالفا عن ما كنت أذكره عنه، إختفت الأناقة في ملبسه، كان يلبس بنطلونا أسودا وقميصا بنيا فضفاضا يكاد يصل الى ركبتيه، ويرتدى نظارة
سوداء وكان يحمل سيجارة، ثم راى فدوى ورحب بها، ثم أخذ يقنع السمسار بقبول
الدفع خلال فترة شهر وهو ضامن للدفع، وأصرت فدوى على أخذ السيارة الآن
حتى لا يأخذون منها شيئا على أن يأتيها السمسار في مكتبهم غدا لكتابة عقد
المبايعة، نزلت من السيارة لأركب السيارة الجديدة فوقع نظر عباس على لأول مرة
تقدمت إليه وسلمت علية بابتسامة، ظل صامتا ولم يرد التحية، قلت له برقة:
أحسن الله عزاكم في المرحوم طارق، لم أكن أعلم بوفاته إلى أن حضرت إلى
السودان منذ أكثر من ثلاثة أشهر. لم يرد على بل إلتفت مودعا فدوى وذهب،
فصاحت فدوى: عباس.. فوقف على بعد أمتار منّا.
قالت فدوى: أريد أن أسألك سؤال واحد. نظر إليها صامتا. قالت: طارق هل
إنتحر؟. هز أ رسه بالإيجاب، قالت: كيف تأكدت.
قال: هو أخبرني ذلك. ثم أضاف: عندما يكون الناس على شاكلة من أتت
معك، يكون الموت هو الحل. عرف عباس كيف يجرحني في الصميم، قالت
فدوى معنفة ومحاولة رد الإهانة: هذا كلام جارح، وليس مفترض أن يصدر منك،
ولكن يبدو أن البيئة التي تعيش فيها أثرت عليك. كان كلامها هجوما مباشرا على
عباس، الذي بدوره نزع النظارة بغضب وقال صارخا: أتعرفين ما هو الجارح، بعد
الإعتقال والتعذيب والدم والموت وكل ما فعلناه لهذا البلد، أكون أنا المهزوم، وهذه
هي المنتصرة، صدقيني طارق إرتاح ، كانت عينه تلمع بالدمع، فلبس
نظارته وذهب سريعا. نظرت إلى فدوى كانت كمن تعتذر عنه، قلت لها: كنت
أتوقع أكثر من ذلك، ما يغيظ عباس كلما إجتمعنا في مكان يكون موقفي أعلى
منه. ويكون هو في أسوأ وضع. ركبنا سيارة فدوى الجديدة ونحن عائدون الى
البيت، قالت فدوى: لا أصدق أن يقول طارق لعباس أنى سأنتحر لا أحد ينوى
الإنتحار يقول ذلك.
قلت لها: هنالك شيء حدث جعل عباس يؤمن بفكرة الإنتحار، وهو نفس
إحساسى عندما تحدثت مع منى، لا يمكن لعباس أن يهدم حياته لأن صديقه
مات، هناك شيء مفقود، ولنقل إنه إنتحر فلماذا ينتحر مهندس مدني حاصل
على شهادته للتو، أنا أرى أن الحقيقة ليست مع عباس بل مع جيمس، وصلنا
إلى البيت وقبل أن تغادر فدوى قالت لي هناك شيء لا أعرف دلالته ولا أعرف
إن كان يصح أن أقوله، قلت لها متحفزة: ما هو. قالت في يوم الحفلة التي قالت
لك عنها منى كان طارق معه بنت عمياء كانت تمسك زراعه، وكانت الحفلة
بمناسبة ثورة واحد وعشرين أكتوبر التي يحتفل بها الطلبة لسقوط أول نظام
عسكري بالسودان عام أربعة وستون وكانت الحفلة بالميدان الشرقي للجامعة،
وكان الميدان مزدحما بالحضور، ولكني كنت واقفة مع عباس ومنى وسامية
وعندما أتى طارق مع هذه البنت، ذهب عباس قبل أن يصلا إلينا وترك الحفلة،
وقد شعرت أن هناك مشكلة بينه وبين طارق، ثم بعد ذلك كانت منى تتناقش مع
طارق بصوت منخفض غاضب، وترك طارق الشلة بصحبة هذه البنت، وكانت
منى صامتة بقية الحفل.
قلت: إذن طارق فعل شيئ اً أغضب منى وعباس. ثم سألتها: ولم تري هذه البنت
ثانية.
قالت: هو عرفنا بها ولكني نسيت إسمها ولكن أظن أن سامية تعرفها من قبل
لأنها كانت تتحدث معها. قلت لها ضاحكة: مقابلة عباس أسهل بكثير من
سامية، قالت لي معاتبة: سامية ظريفة جد اً، وأنت متحاملة عليها. وسنذهب لبيتها
لأثبت لك ذلك يوما ما. وقبل أن تكمل جملتها جاء أخي خالد وهو يضحك وقال:
أين عزيزة وردت عليه فدوى ضاحكة وكاذبة: أعطوني هذه السيارة ومعها نقود
مقابلها. قال خالد: لابد أن يكون من إشتراها خبير آثار، ضحكنا وذهبت فدوى
مبتعدة.
في اليوم التالي قابلت أديبة في شركة الوالد، وجلست معها لأعلمها
إستخدام البرنامج الخاص بالحسابات، وكان المحاسب سعيدا بإحضار من
يساعده في العمل، وكان خالد سعيدا بإحضار عملاء للمكتب ولكنه كان غاضباً
لأن أبى رفض طلبه بالإشراف على المواقع، حيث كان راى أبى أنه سيبدأ
تدريجيا بتركه يشرف عليها، ومضت الأيام التالية بطيئة ومملة، كنت أهرب من
البيت بسبب الوالدة وحديثها عن الزواج، وكان الوالد يسعى لإلحاقى بالجامعة
بدوام جزئي بعد أن تعزر التعيين بدوام كامل، وكان شرط الخدمة الإلزامية أو
الولاء للنظام هو الفيصل في كل شيء، وكان التدريس في الجامعات هو الأمل
الوحيد أمامي بعد أن رفضت الشركات طلبي لعدم الحاجة الى درجة الدكتوراة
لهذه الوظائف، وأحسست أن هذه الدكتوراة أخذت منى أكثر مما أعطت، فهي
قللت فرصي في الزواج والعمل كما تقول الوالدة.
في يوم من أيام الجمع جاء لزيارتنا فيصل كسلا وأديبة مع أبنائهم طارق
وأميرة وجلسنا في الحديقة وأتت والدتي حيث كان خالد ووالدي قد خرجوا للعزاء
في أحد المعارف، وقدأحضر فيصل معه كمية من الهدايا الملفوفة والحلويات،
وبدأ حديثه معي بالإعتذار عن تأخير هذه الزيارة ولكن زحمة العمل لم تترك له
فرصة، ثم شكرني على تعيين أديبة فهم كانوا في حاجة ماسة الى الوظيفة كثيرا،
وما أن بدأت أديبة والوالدة في إدخال الحلويات لإعداد الشاي، حتى بادرت فيصل
بتعزيته في وفاة طارق كنت أريد أن أستغل وجودنا بمفردنا لأخذ أي سر منه،
ولكنه ظل صامتا، تأكد لي أن فيصل يعلم شيئا، ولكنه لن يبوح به، فسألته: لماذا
ينتحر.
قال: طارق لم ينتحر.
قلت: كان حادث.
قال: جائز، تم بدأ بسؤالي عن لندن متهربا من الموضوع. وأثناء تناولنا الشاي
أخذت أنظر الى فيصل متفحصة، كان الشيب والإرهاق قد بدا على وجهه
وتذكرت إهانة طارق له: مصيرك أن تترك الشعر، وتمسح أحذية الأغنياء، ثم
فيصل يقول: أن ظروف طارق صعبه. إن طارق تعمد أن يهين فيصل ليس لأنه
دافع عنى ولكن لشيء بينهما، وفيصل يعذره رغم شدة الاهانه ولمن لشاعر قاوم
وإعتقل رفضا للإهانة، ولكن لماذا يسمى فيصل إبنه باسم طارق، ذلك إن دل
فيدل عن حب وليس حبا عاديا، لدرجة عندما سمع بزواج منى أخذ يبكيه، أو
ربما هو ليس حبا ربما ندم، فيصل فعل شيئا وندم عليه وطارق ظل يهينه عليه،
هذا الأمر محير فعلا، وطوال وقت الزيارة كان فيصل يبعد نظراته منى، ولكنني
وأنا أودعهم في الباب عزمت أن أعرف أكثر.
ولكنني خلال الأشهر التالية بدأت العودة الى العمل مع والدي وذلك لأن
حملات التجنيد الإجباري كانت قد بدأت باصطياد الشباب من الشوارع وحافلات
المواصلات، فان الحرب تريد وقودا، فكان لابد من أن يأتوا بالمدنيين للقتال، مما
دعي الوالدة الى حبس خالد في المنزل، وأعجبني حجم علاقات خالد في العمل
في مدة قصيرة حتى إن أبى أصبح يوزع العملاء على مكاتب معارفه، وأصبح
خالد يخرج الى المواقع عند الفجر ويبدأ بصب الخرسانة للأساسات والأعمدة ثم
يأتى أبى نهارًا للمراجعة واستكمال التشطيبات، ودخل علينا عام أربعة وتسعين،
ونحن في قمة الانشغال بالإعمال وكنت طوال اليوم حتى المساء أكون جالسة
بالمكتب أستقبل المغتربين فهم وحدهم من كل السودان لهم قدرة على البناء،
ووالدي وخالد يتناوبان على المواقع، وما أن أكملنا شهر فبراير حتى إشترى أبى
لخالد سيارة، ولكنه لم يكن يستعملها نهارا، مما مكنني من تملكها نهارًا، وأصبحت
أزور بها فدوى وأديبة، حتى جاء اليوم الذي أقنعتني فدوى بالذهاب معها الى
سامية، كنت مترددة وخائفة من ردة فعلها، ولكن فضولي للمعرفة كان أقوى من
خوفي منها، كانت سامية تسكن بحي المهندسين بأم درمان وأوقفت السيارة بهدوء
أمام منزلهم الذي كان يبدو عليه الفخامة، وقرعنا الجرس وماهى إلا لحظات حتى
فتحت لنا سامية الباب، فسلمت على فدوى ثم نظرت الى لحظات ثم تذكرتني،
فما كان منها الا أن أخذتني بالأحضان كأنني كنت صديقتها، وإحمر وجهي
خجلا من إستقبالها، وجلسنا في الصالون الذي كان فخما، وجاء زوجها دكتور
عبد القادر وسلم علينا وخرج على الفور، وقد تذكرته فقد درسنا إحدى مواد الكلية،
ولكنه لم يتذكرني فقلت لها: لم أكن أعرف إنك تزوجت من الدكتور عبد القادر،
قالت: لقد كان يعرفه عماد وعندما مرضت منى توسط لدى دكاترة كلية القانون
محاولين تأجيل الامتحانات لها وعندما فشلنا في ذلك ساعدنا في طلب تجميد
الدراسة لها، ثم بعد ذلك بدأت الأمور تتطور وما أن تخرجت حتى تزوجنا على
الفور. قلت لها: لديك إبن في السادسة أو السابعة من العمر. قالت: وائل ثم
بنتين أسماء أربع سنوات ودلال ثلاثة. قلت: رايته معك في زواج منى، قالت: لم
أرك في الحفل. لماذا لم تسلمي على. صمت لحظات وقالت فدوى: كانت خائفة
منك.
ضحكت سامية وقالت: هذا الموضوع بسيط جدا لكن أنت صعبة جدا، والغريب
أن المرحوم طارق قال: بنت الرياض لن تغفر لنا هذا المقلب إلا بعد سنين.
قلت لها: أحسن الله عزائكم.
قالت: هذا حال الدنيا.
قلت لها: هل تصدقين أنه إنتحر.
قالت: عندما سمعت الخبر لم أصدق ولكن عندما قابلت أهله صدقت، فقد كنت
أول من علم بالأمر حيث جاء عسكري الى كلية الهندسة يسأل عن معارفه فدلوه
الطلبة الى عباس، وكنت أجلس في كلية القانون، وعندما كان يبحث في الكلية
عن عباس أعتقد الطلبة بأنه أتى ليعتقله، فأخبروني أن أذهب الى عباس لأحذره،
ولكني كنت أعلم إن الإعتقالات تتم في الليل حيث يداهمون الناس في مساكنهم،
ولكني أحسست بالخوف لأن عباس أخبرني قبلها بيومين أنهم تحت رقابة صارمة
من الأمن وطلب منى أن أبتعد عنهم في هذه الأيام، وذهبت الى العسكري، الذي
أخبرني بأنه يريد أن يخبر عباس أن صديقه توفى ويريد من عباس أن يدله على
أهله، فقلت له ما إسم صديقه، فقال لي: طارق المغربي، فسقطت على الأرض.
توقفت سامية عن الحديث وأخذت تبكى كأن طارق مات اليوم، ثم ما لبثت أن
جارتها فدوى في البكاء، حاولت أن أنهى هذا الموقف سريعا فقلت لسامية وأنا
أحاول الإبتسام: لم تقدمي لنا شيئا ولا حتى ماء بارد. فذهبت وهى تبكى، نظرت
الى فدوى التي كانت مواصلة البكاء، وأحسست أن الفاجعة بموت طارق وما
سببه من ألم كان هو السبب في أن لا أحد يريد أن يعرف أكثر، لقد مات وتألموا
وحتى لا يزيد الألم أغلقوا هذا الملف سريعا، ولكن لم يأتى أحد ليستفسر من
الأخر عن الأسباب، وعادت سامية بأكواب العصير وصمتت لحظات ثم قالت:
أخذت العسكري الى بيت طارق وكان في منطقة الصحافة بالخرطوم، ثم دخلت
بعد أن تركت العسكري خارجا، كانت لهم صالة واسعة عند مدخل البيت، وكانت
تجلس في السرير أخته هالة، تم أبيه جالسا علي الكرسي، وأخيه حامد كان
واقفا، وعندما راوني صمتوا كأنهم يتوقعون شيئا لم أستطع أن أخبرهم فقلت لهم
أن أحد العساكر يريد أن يقابلكم، فصمتوا فذهبت وأدخلته فمد العسكري يده
مصافحا والد طارق وقال: أنت والد طارق. فهز أ رسه بالإيجاب. فقال العسكري:
البركة فيكم، الدوام لله. فصرخت هالة، وخبأ والده وجهه بين يديه وهو يستغفر،
وظل حامد صامتا، قال العسكري: الجثمان بالمشرحة في مستشفى الخرطوم. ثم
خرج، صمتت سامية لحظات، فراودني نفس الإحساس عندما أحسست أن منى
تخفى شيئا، فقلت لها بصيغة حادة: ثم.. نظرت الى كأنما لم تكن قادرة على
الكذب: صرخت هالة في وجه أبيها وأخيها: أنتم السبب، أنتم السبب، فأمسك بها
حامد وأدخلها الغرفة بالقوة، فما كان منى الا أن خرجت، ولم أعد اليهم إلا مساءا
حيث قابلت والدته التي ما تزال حتى الآن تعتقد أن طارق سيعود، صمتت سامية
لحظات ثم قالت: كانوا يتوقعون الخبر، كأنما طارق أخبرهم، ولكن مهما كان
الأمر فهو شيء خاص بينه وبين أهله لا يحق لنا أن نتدخل فيه. فاحسست أن
سامية تقصدني بالجملة الأخيرة، وهذا يعنى أن فدوى أخبرتها بنيتي في البحث في
الموضوع، فقالت فدوى سريعا: أنا أخبرت سامية بما سمعناه من أديبة. فسألتها
عن سبب سوء العلاقة بين طارق وفيصل .
قالت سامية: سألته مره عن هذا الموضوع، فقال لي إن الشعراء يقولون مالا
يفعلون، ثم طلب منى ألا أتطرق لهذا الموضوع ثانية، فسألتها عن البنت العمياء
التي كانت معه في حفل واحد وعشرين أكتوبر. فقالت: إنها ياسمين بنت في
غاية الجمال ولكنها كفيفة، رايتها فبل ذلك مع عباس في كافتيريا النشاط.
قالت فدوى: كنت تتحدثين معها يوم الحفل.
قالت سامية: سألتني عن من يقف معنا، وسألت عن عباس، ثم تكلمنا عن
معرفة الأشخاص بالصوت حتى إنها كانت تحمل معها آلة تسجيل صغيرة تسجل
بها الأصوات حتى تحفظ أصوات الأشخاص التي تتعرف عليهم.
قلت لسامية: هل تزورين أهل طارق.
قالت: طبعا حتى هالة أخت المرحوم كانت معي منذ يومين. فهي خريجة كلية
الآداب مثلي.
قلت: هل تعرفيني بهم.
صمتت لحظات وقالت: يا عزة أنا أحترم مشاعرك وهذا يدل على نبل أخلاقك
ولكن هذه العائلة ما زالت تتألم لما حدث حتى أن هالة إشتكت أن والدتها ما زالت
تعتقد أن طارق سيعود بعد كل هذه السنين، وأنا أخاف من أسئلتك لهم.
قاطعتها قائلة: إننى أريد فقط أن أقوم بواجب العزاء. لم تصدقني ولكنها وعدتني
أن تأخذني يوما ما إليهم.
خرجت من بيت سامية وأنا أحمل أسئلة أكثر مما دخلت بها، كنت أقود
السيارة وأنا صامتة فقالت فدوى: إنها مشكلة عائلية.
قلت لها: هناك نقاط لابد من اجلائها أولا خلاف عباس وطارق ما سببه، وأنت
تعرفين أن العلاقة بينهما قوية جدا إذن لابد أن يكون الخلاف على شيء كبير
وهذا الأمر لا يعرفه غير عباس وهل غضب منى من طارق مرتبط اً بهذه
المشكلة، ثانيا أن معرفة المشكلة بين طارق وفيصل وهذا يعنى أن فيصل لابد أن
يتكلم، ما هو الشيء الذي فعله فيصل جعل طارق طوال هذه المدة غاضبا من
فيصل رغم مرور سنين حتى وفاته حتى إنه لا يخبر سامية به وهى أقرب
شخصية إليه، ثالثا ما الذي جعل هالة تتهم أخاها وأباها بالتسبب بموت طارق،
وحيث أنني لا أعرف كيف أجعل فيصل يتحدث، وعباس لن أستطيع الإقتراب
منه، يتبقى لي الإتصال بهالة، ردت فدوى: لا أعتقد أن سامية متحمسة لهذا
الموضوع، فلت لها: بها أو بدونها لابد أن أصل اليهم.
نظرت ا لَىَ فدوى باستغراب وقالت: عزة إن هذا الموضوع تتابعه من باب الفضول
فقط ولكني أرى إنك بدأت تندمجين أكثر من اللازم.
قلت: فدوى أنا مستاءة من هذا الإحباط الذي يحيط بالكل، وقبول أي شيء
على إنه أمر واقع، كلنا نعلم أن طارق ليس هو من ينتحر، ثانيا حتى لو كان
إنتحر ما هو السبب لم يقول لنا أحد حتى الآن ما هي المشكلة التي أدت الى
انتحاره أو على الأقل مازالت مخفية، ثالثا أستغرب من موقفكم السلبى وأنتم
أصحابه ، إذا كنتم لا تعتقدون بانتحاره فمن واجب طارق عليكم تبرئته من هذه
التهمة. حتى لو كان لأهله دخل في ذلك يجب أن تتوضح الحقائق، إننى لا أنكر
إننى أشعر بالذنب تجاه طارق، ولكنه كان شخصية لها ثقلها في المشاركة في
أنشطة الجامعة، لم يكن يعيش لنفسه فعلى الأقل إكراماً لمشاركته الناس يجب أن
نقف موقف أكثر ايجابية.
قالت فدوى: تعرفين أن طارق كان على حق. نظرت إليها مستفسرة، فقالت:
عندما تشاجر معك طارق وقابلته في اليوم التالي وبخته على هذا الموقف وقلت
له إننى سأرتب لقاء مصالحة بينكم على الأقل إكراما لمنى فقال لي: إن
شخصيتك لن تقبل المصالحة قبل مرور سنين. فقلت له: لماذا. فقال: لأن لك
نفس شخصيته ومن سماتها إنها لا تعتذر بسهولة ولا تقبل الإعتذار بسهولة،
والآن وأنت تتحدثين شعرت إنك تتكلمين بنفس الطريقة التي كان يتحدث بها هو
عدم القبول بالواقع ومحاولة التغيير مهما كلف الأمر. قلت لها وقد أشعرني
كلامها بالراحة: إذن ستواصلين معي المشوار مهما كلف الأمر، قالت: ليس لدى
ما يمنع، ولكن يجب أن تلاحظي شيئا، أن منى وعباس وأهله إقتنعوا سريعا
بانتحاره هذا يعنى أن هناك شيء يعرفونه ونحن لا نعرفه، فمثلا سامية عندما
علمت أن أهله يعلمون شيئا لم تتطرق الى هذا الموضوع ثانية حفاظاً واحتراما
على خصوصية أسرار أسرة طارق، مما يعنى أنك ستواجهين مواقف ليست جيدة.
قلت لها: ولا يهمني.
قالت: لقد مرت سنين على هذه الحادثة فما الفائدة من ظهور أي معلومات
أخرى.
قلت: الحقيقة هي الحقيقة حتى بعد مرور قرن.
كنا قد عبرنا كبرى النيل الأبيض الفاصل بين مدينة أمدرمان والخرطوم، وكنت
أقود السيارة بهدوء حتى نستطيع الحديث بروية، ونظرت الى فدوى الجالسة
بجواري وكانت تفكر بصمت وشعرت أن كلامي أثر بها، فجأة قالت: معك حق
نحن مقصرون، أو على الأقل أنا بدون أن يكون لدى أي معلومة عن ما حدث
أخذت نفس مواقفهم، يجب أن نذهب الآن لمقابلة هالة أخته.
نظرت إليها وقلت: الآن الساعة تجاوزت الثامنة مساء، وبدون سامية، قالت: ولا
يهمنى. وإبتسمنا لبعضنا، وأطلقت العنان للسيارة متجهة الى الصحافة.
وطرقنا الباب وفتح لنا الباب رجل به ملامح طارق، وقالت فدوى: السلام
عليكم يا حامد، فعرفت أنه حامد الأخ الأكبر والوحيد لطارق، فرحب بها حامد
ترحيب اً شديد اً، ودخلنا إلى صالة كبيرة كانت هالة الأخت الصغرى تجلس تشاهد
التلفزيون، رحبت هالة بفدوى كثيرا كان واضحا أنهم يكنون معزة كبيرة لفدوى،
جلسنا وسألت فدوى عن والديها فقالت هالة: أمي نائمة فهي تأخذ علاجات
تساعد على النوم، ووالدي ذهب الى صلاة العشاء في الجامع المجاور حيث
يقابل أصدقائه هناك، قالت فدوى: أعرفكم على الدكتورة عزة الرشيد زميلتنا في
الجامعة ولكنها تركت السودان منذ عشرة سنوات حيث أكملت الدكتوراة في لندن.
فقلت: أحسن الله عزائكم لم أعلم بوفاة المرحوم طارق الا بعد عودتي.
رد حامد: الحمد لله على كل حال، قامت هالة للذهاب الى المطبخ، ونظرت إلى
حامد وقلت يجب أن أستغل عدم معرفته بي وأهاجمه، فقلت له: أحزنني جد اً خبر
وفاة طارق فقد كان أخا عزيزا، لكنى مستاءة جدا من ما يقوله الناس عن إنتحاره،
كيف تسمح يا حامد أن يقال هكذا عن أخيك، وجد حامد نفسه في موقف دفاع
وقال: لم يكن لنا خيار في توضيح سبب الوفاة وقد كان قرار الوالد بأن طارق
ورط نفسه فليتحمل هو وحده عواقبها. تلاقت نظراتنا أنا وفدوى وأحسسنا أن حامد
يمكنه أن يكون مصدر معلومات فقلت له سريعا: أي ورطة تتحدث عنها.
رد: إن اسمه ورد في محاولة إنقلابية، وتعلمين وقتها إذا قلنا هذا للناس فقد كان
يمكن أن يأخذني الأمن أنا وأبى بتهمة المشاركة في الإنقلاب فلما إنتشر خبر
إنتحاره منعنا أبى من التحدث في هذا الأمر مع أي كائن من كان، وبعد قيام
الإنتفاضة وبعد سقوط نظام نميرى، حاول أبى أن يأتى بأوارق من الأمن تثبت أن
إبنه قتل ولم ينتحر ولكن لم يجدوا أي مستند يثبت ذلك. وقع كلام حامد علينا
كالصاقعة، ولم أستطع أن أقول شيئا ونظرت الى فدوى التي دمعت عيناها
وقالت: كان يجب على الأقل أن تخبرنا نحن بذلك.
رد حامد: أبى كان يعلم بأن زملائه قد يحاولون فعل شيء في الجامعة إذا إنتشر
الخبر وقال لي بالحرف الواحد: لا نتحمل أن يموت منهم شاب أخر يجب أن
يظل الأمر سرًا. لم يكن سهلا علينا أن يقول الناس إن ابن حاج المغربي مات
كافرا، ولكن لم يكن هناك حلا آخر، وعلى العموم طارق في النهاية هو من
أدخلنا في هذه المشكلة، ومحاولة الإنقلاب على النظام هي في الأصل إنتحار.
كان واضح اً أن حامد غاضباً من أخيه فقالت فدوى بحدة: لا يمكن أن تلوم
المقتول ولا تلوم القاتل.
رد حامد بغضب: أترين ماذا ترك لي أم قاربت على الجنون وأب مقهور أمام
الناس، هو مات وإرتاح وترك لنا الحسرة، لماذا لا يعيش مثل الجميع، مهندس
وكانت له خطيبة ووضع مادي على أحسن ما يكون، ما دخله إذا كان النظام
سيئ اً أم لا، ألا يراعي مسوؤليته أمام أسرته التي كافحت لتعليمه.صمت أنا وفدوى
للحظات حتى يهدأ، فقد كان حامد قد وصل الى ذروة الغضب، وجاءت هالة
تحمل الشاى، فاستأذن حامد فقالت فدوى محاولة إثارة المرح في الزيارة: أتذكرين
يا هالة بنت الرياض التي كان عباس يخوف بها والدتك بأنها ستبلغ الشرطة في
طارق، هزت أ رسها بالإيجاب، فأشارت فدوى لي وقالت: هي دكتورة عزة، قالت
هالة مندهشة: ورغم سوء علاقتك به عندما علمت بالوفاة أتيت للعزاء.
قلت: انه الواجب.
قالت: هذا يدل على أصلك الكريم، ولكن فأنا مبسوطة منك، فقد رايتهم هو
وعباس وسامية هنا في هذه الصالة يتحدثون عن إمكانية إدخالهم السجن بتهمة
النصب، وقد كنت أتشفى فيهم لأن عباس وطارق عندما يجتمعان على المقالب
فلا أحد يقدر عليهم.
قالت فدوى: قابلت عباس في الدلالة مع عزة.
قالت: الوالدة مازالت تسأل عنه.
قلت: ألم يأتى لزيارتها.
ردت هالة: منذ وفاة طارق لم يأتى لقد كان من أشد المتأثرين بوفاته. نبهتني
فدوى بتأخر الوقت، وودعتنا هالة عند الباب وطلبت منها أن تزورني في البيت
فقالت إن خروجها صعب نظرا لظروف والدتها الصحية وسألت هالة فدوى: أين
عزيزة؟.
قالت: بوجود سيارة الدكتورة لا بد من ستر العو ارت، فضحكنا وكانت هذه أول مره
أشاهد هالة مبتسمة.
ما أن أوصلت فدوى الى بيتهم في حي أركويت حتى كسرت حاجز الصمت
بقولها: مفاجأة من العيار الثقيل، قتل ولم ينتحر.
قلت لها: هناك شهود على إنتحاره.
قالت: من منهم يكذب.
قلت لها: يجب أن نتحدث مع هالة بعيدا عن المنزل، لابد أن نعرف لماذا قالت
لهم: أنتم السبب.
قالت: وٕاذا كان لأبيها وأخيها دخل في ذلك لا أعتقد أنها ستقول لك ذلك.
قلت: هناك أمر جلل حدث جعل من ممكن أن ينتحر طارق، بدليل أن منى وأهله
وعباس بالتحديد، صدقوا ذلك، ما علمناه من حامد هو أن طارق كان متورط مع
جماعة إنقلابية، ولكن ذلك لا ينفى إنه إنتحر أم تمت تصفيته، ولكن هناك سؤال
أخر إذا كان هناك إنقلاب لابد أن يشارك عباس في ذلك فطارق وعباس
متلازمين.
قالت: إذن لابد من إنتظار هالة.
قلت: أنت حاولي أن تدبري هذه المقابلة بأسرع ما يمكن، بالمناسبة أنا لاحظت
أن علاقتك بأهل طارق أكثر من ممتازة.
قالت: إننى مواظبة على زيارتهم منذ أن كان طارق يدعونا الى الغداء في بيتهم
كل شهر، ووالدته تعرف شلتنا فردا فردا.
قلت: ولكنك أعطيتني إنطباع بأن سامية هي من تعرفهم أكثر.
قالت: صراحة لم أكن أنوى أن أدخل معك في هذا الموضوع. ولكن بعد ما تبين
إن هناك إحتمال قتل فمن واجبي أن أستمر لا تنسى بأني محامية.
مر أكثر من شهر وأنا في انتظار زيارة هالة وفدوى، ولكن لا حياة لمن
تنادى فقررت أن اتخذ طريقا أخر، وكان السبيل الوحيد هو فيصل، ذهبت إلي
بيته قبل ساعة من صلاة الجمعة، استقبلتني أديبة بدهشة حيث كنت معها
بالأمس في المكتب ولم أخبرها بقدومي اليوم، وأجلستني في غرفة الضيوف
وقالت أن فيصل في الحمام، قلت لها: لن أخذ من وقته الكثير أعلم أنه سيخرج
الى الصلاة. جاء فيصل و لأول مرة أراه مرتديا جلابية وعمة وشال ملقى على
أحد كتفيه، رحب بي كثيرًا، ولكني رسمت الجدية على وجهي وقلت له: أحتاج
لمساعدتك قي شيء قد تراه شخصياً ولكني أرى بأنه يفيدني، صمت وبدأ عليه
الفضول لمعرفة الاتى من الحديث، فقلت: أريد أن أعرف لماذا كانت هنالك
قطيعة بينك وبين طارق. صمت دقائق ثم قال: ليس من حقك هذا شيء بيني
وبين المرحوم.
فقلت له: اننى أحاول معرفة إنتحار طارق، وأريد أن تحلف لي أن ما تخفيه ليس
له علاقة بوفاته وإنه ليس لديك معلومة في هذا الشأن، وعندها فقط أستطيع أن
أجزم بأن علاقتكم شيء خاص بكم.
صمت ثانية ثم قال: لا أعرف كيف مات ولا حتى المكان الذي مات فيه،
صدقيني، إختلافنا كان سياسيا بحتا.
فقلت سريعا: ألم تعلم بأنه يدبر انقلاب.
نظر الى بدهشة وقال: من أخبرك؟. .
تجاهلت سؤاله وقلت: عندما حدثت الوفاة كان الجميع يخاف من جهاز الأمن
وقتها ولكن الآن يمكن بسهولة إثبات إنها كانت تصفية، من حق طارق علينا
ذلك. ظل صامت اً يفكر، دخلت أديبة تحمل العصير، فقمت من مقعدي وإتجهت
الى الباب وقلت: كنت أظنك ستتعاون معي. كنت متعمدة أن تسمعني أديبة وأنا
أقول ذلك، وظل فيصل صامتا وتبعتني أديبة وهى تصر أن أشرب العصير،
ولكني رفضت بإصرار، مخلفة ورائي إحساس لديهم بأني خرجت غاضبة، ركبت
السيارة وقدتها بعنف وأديبة تراقبني وهى تشعر بالحرج، تأكدت من هذه الزيارة من
شيء واحد فيصل يعلم بالإنقلاب، لأنه كان يجب أن يسألني عن الإنقلاب ولكن
دهشته كانت في من أخبرني، ولكن هل كان سوء العلاقات بينهم تمثيلية أمام
الناس والأمن وهم يرتبون الموضوع سرا، على العموم سأنتظر أديبة غدا في
المكتب فهي تشعر إنني أحملها الكثير من الجمائل فلن تدع فيصل ينام الليلة
حتى تقنعه بالحديث، ورغم إنني أحسست بأني إستخدمت وسيلة ضغط رخيصة
أمام فيصل إلا إنني كنت أنتظر يوم الغد بفارغ الصبر.
صباح اليوم التالي إندهش أبى وهو يراني جاهزة قبل ساعة من موعدنا،
وفى الطريق أخبرني أن جامعة الخرطوم وافقت على تعييني بدوام جزئي حتى
يجد وا لي شاغرا بدوام كامل، قلت له: لا أوافق، أنا مؤهلة أكثر ممن يدرسون
الآن، ولست محتاجة ماديا فلماذا أتنازل.
قال: ولكن هذا هو المتاح حاليا.
قلت: سأواصل العمل معك حتى أجد عملا بشروطي، أم إنك تريد الاستغناء
عنى.
ضحك بصوت عالي وقال: أنت من سوف تستغنين عنى، ولكني أشعر إنك
تريدين العمل في تخصصك.
قلت: هناك إنهيار كامل في نظام الخدمة المدنية والجامعات وكل شيء، ولكني
لم أصبر على الغربة وأتميز في الدراسة كل هذه المدة، وآتى وأقبل بما يفرض
على، إذا كان هناك خطأ يجب أن أصححه ولكني لن أجاريه.
نظر الى أبى بشفقة وقال: أخاف عليك من هذا الراس العنيد، إذا لم تتبنى طريقة
أكثر مرونة في الحياة فأن الدنيا ستحطمه لك.
أوقفت السيارة أمام المكتب وقلت له: أنا أخاف أن أحطم الدنيا براسي.
ضحك أبى ونزل من السيارة، كنت أعلم أن ضحكته مرتبطة بعمله كلما كان
الوضع مستقرا في العمل كلما زادت ضحكاته. وما أن دخلنا الشركة حتى وجدت
أديبة تنتظرني بفارغ الصبر، ورغم إحساسى بتأنيب الضمير إلا أنني كنت
متحمسة لسماعها، وجلسنا في مكتب خالد.
فقالت بسرعة: فيصل طلب منى أن أترك العمل.
أصابني كلامها بالإحباط، فقد فشلت خطتي تماما، فيصل شخصية غير قابلة
للضغوط تحت أي مسمى، ونظرت الى أديبة التي كانت تنتظر منى أن أتحدث،
فقلت: لماذا؟.
قالت: لا أعرف، ولكني سألته لماذا خرجت عزة غاضبة، فقال ليست غاضبة
ولكنني لا أحب أسلوب الضرب تحت الحزام، ويجب أن تتركي العمل عند والدها.
قلت لها: كلام فارغ، وقولي له أن عزة تقول لك إنها تعرف أديبة قبل أن تعرفك
فعملك هنا لا دخل لك فيه.
نظرت أديبة الى وهى محتارة بيني وبين زوجها، وظلت جالسة أمامي تفكر.
فقلت لها: يا أديبة أنت صديقتي وكنت تريدين العمل، وبصفتك صديقتي حصلت
عليه وليس لأنك زوجة فيصل، والآن إذا كنت ترغبين في تركه، عليك أن
تعطيني فرصة شهر حتى نأتي بأحد غيرك، ولكنه في النهاية قرارك، فكرى في
الموضوع لمدة يومين ثم أعطيني ردك.
خرجت أديبة الى مكتبها وهى صامتة كنت أعلم أن هذا أول قرار ستتخذه
بمعزل عن فيصل، وأعلم أن فيصل يظن أنني سأتى إليه معتذرة بعد أن أعلم أن
أديبة ستترك العمل، ورغم إنني أعلم إنني مخطئة ولكن كما قال طارق ليس من
السهل أن أعتذر، ولكني أحسست أنى سأموت لو لم أعرف ما بين طارق
وفيصل، وأحسست بأني فشلت هذه المرة، ثم قلت لنفسي أحسن طريقة للخروج
من الهزيمة هي أن تحرز نصرا حتى لو كان صغيرا، لم يكن هناك الكثير لأفعله
في المكتب فقد حددت المواعيد للعملاء، وإغتنمت فرصة أن أبى سيظل جالساً
في المكتب، وذهبت الى منزل المرحوم في الصحافة، وقابلتني هالة وهى تعتذر
لعدم زيارتها لي بسبب الوالدة، وقالت: الآن نحن ننتظر حامد أن يأخذنا الى
المختبر لفحص الضغط والسكري، حتى نعرضه على الدكتور مساءا.
فقلت لها: دعي حامد في عمله، سأذهب معك.
إتصلت هالة بأخيها بأن لا داعي لحضوره، وأخذنا والدتها الى المختبر الذي لم
يكن بعيدا عن منزلهم ولكنه كان مزدحما فجلسنا في غرفة الانتظار وعرفتني
لوالدتها التي بدأ عليها الإندهاش وقالت: ولكنها تلبس ثوبا. ضحكت هالة ثم
إلتفتت إلى قائلة: كان طارق دائما يحكى لها مقالبهم في الجامعة، وعندما أخبرها
عباس بأن هناك بنت من الرياض ستدخل طارق السجن، وكان يحاول تخويفها
بذلك، فصدقت كلامه وقالت لطارق: أي بنت لو عرضت عليها الزواج ستنسى
الإساءة حتى لو رفضت طلبك.
فقال لها طارق: ولو وافقت.
قالت: خير وبركة.
فضحك طارق وقال لها: ولكنها لا تلبس الثوب السوداني إنما تلبس على
الموضة.
فقالت: في هذه الحالة لا داعى للزواج.
فقال طارق: ولكنها ستدخلني السجن.
قالت: السجن للرجال.
والآن وأنا أذكرها بهذه الحادثة قالت لي: إنك تلبسين ثوباً يعنى أن طارق كذب
عليها ليهرب من الزواج. ضحكت مع هالة وأبديت لها إندهاشي من قدرة والدتها
على التذكر، ردت هالة: فقط بما يتعلق بطارق.
قلت لها: طارق لم يكذب فقد أصبحت ألبس الثوب فقط بعد عودتي الى السودان.
قالت: هل هذا نوع من الحنين إلى الوطن.
قلت: أعتقد أن الإنسان لا يعلم بقيمة ما لديه الا بعد أن يفتقده.
قالت: أعتقد أن الغربة في لندن أجمل من الحياة في وطن يحطم أبنائه، على
الأقل تستطيعين تحقيق أحلامك.
قلت: أنا الآن حققت حلمي، ولكني لا أستطيع أن أمارسه في وطن متخلف يعانى
من الجوع والمرض، فالوطن يحتاج الى مزارع أكثر من حاجته الى دكتوراة في
الإقتصاد قالت: كل له مجال عمل يخدم به وطنه.
قلت: ما فائدة أن يكون لديك طبيب متخصص والمريض لا يمكنه شراء الدواء،
فسيموت المريض في كل الأحوال.
قالت: هناك فائدة، سيكتب اسم المرض في شهادة الوفاة.
ضحكنا فان شر البلية ما يضحك، أخذت هالة تتأملني ثم قالت: تعرفين أنك
تفكرين بنفس طريقة التي كان يفكر بها طارق.
قلت: المشكلة التي أعانى منها الآن، عايشها طارق وهو طالب في الجامعة، فقد
علم أن كونه مهندسا ناجحا لن يفيده في بلد فاشل، لذلك فكر في التغيير.
صدقيني إذا لم نستطع وضع حدا للفقر فلا فائدة من كل الألقاب.
أكملنا الفحص لوالدة هالة وعند وصولنا الى منزلهم أصرت والدتها أن
أشرب قهوتها، وجلسنا ثلاثتنا حول موقد صغير للنار تحت شجرة في الفناء
الخلفي للبيت، ومنعت فدوى والدتها عن شرب القهوة حتى المساء بعد زيارة
الطبيب، التي أخذت بدورها ترفض بعناد، كان منزلهم مكون من غرفة منفردة عند
مدخل البيت على اليمين تستخدم لإستقبال الضيوف، ثم صالة مغلقة كبيرة تفتح
عليها غرفتان، ثم غرفة خلفية تفتح على الفناء الخلفي والمطبخ الذي يفتح بدوره
على هذه الشجرة التي نجلس تحتها، وكان هناك باب صغير بينهم وبين الجار،
لاحظت هالة أنني أنظر الى الباب فقالت: إن البيت الذي يلينا تابع لنا ولكن أبى
فصله حيث كنا نؤجره وهو عبارة عن صالون كبير قسمناه الى غرفتين وبنينا له
مطبخ وحمام وكما ترين بنينا غرفة منفردة لإستقبال الضيوف أمام المدخل عوضا
عن الصالون القديم. ثم بعد ذلك أجره لجيمس .
قلت: جيمس كان يسكن هنا.
قالت: ليس بالضبط، طارق كان لديه كثير من الزوار ويأتي بهم في ساعات
متأخرة من الليل، مما جعل الوالد يتشاجر معه كثيرًا فما كان من طارق الا أن
أتى بجيمس إلى الوالد طالب اً أن يؤجر المنزل حيث أنه كان قد تخرج من الكلية
وترك سكن الداخلية، وقد كنت أعلم أن طارق هو من يدفع الإيجار، لكنني لم
أخبر أبى لأن هذا الوضع أراحنا من الشجار اليومي بين حامد وطارق.
قلت: يبدو أن المرحوم طارق كان متعب اً جد اً.
قالت والدته: السمندل راجع، هو دائما يتأخر ولكنه راجع.
قامت هالة وقالت: تعالى حتى أفرجك على البيت. تبعتها الى بيت المجا ور
وهمست في أذني بأن لا أذكر طارق بلفظ المرحوم لأن والدتها تغضب من ذلك،
وفتحت هالة الغرفة الأولى التي كان بها ثلاثة سرايرخالية من أي فرش ودولاب
وكان الغبار يغطى كل شيء، وفى الغرفة الأخرى كان يوجد سفرة كبيرة حولها
حوالي ثمانية كراسي، قلت في نفسي هنا كانوا يرتبون لإنقلابهم. فسألتها: يبدو أن
لا أحد دخل هنا من سنين.
قالت: منذ وفاة طارق أمي رفضت أن يؤجر أبى البيت لأن طارق سيعود.
قلت: لماذا تعتقد أمك لهذه الدرجة إن إبنها عائد إنها تبدو متأكدة.
صمتت هالة لحظات ثم قالت: لأن طارق أعطاها قبل أسبوع من وفاته ملكية
دكان كان يملكه في السوق العربي فكتبه باسمها وعندما سألته لماذا قال لها انه
قد يسافر والدنيا غير معروفة، وهى تقول أن طارق لم يكذب عليها أبدا فهي
تعتقد إنه سافر.
قلت لها: ولماذا لم يعطى الدكان الى والدك في العادة تكون هذه الأشياء بين
الابن و والده.
قالت: طارق كان دائما الإبن المتمرد على سلطات الأب على عكس من حامد
فهو المقرب الى والدي حيث أن هم حامد الأول والأخير هو إرضاء أبى حتى أن
طارق كان يتهمه بأنه نسخة مكررة من أبى، بينما الوالدة كانت تتحزب الى طارق
حتى لو كان مخطئا ولذلك فالعلاقة بين طارق وأمي كانت خاصة جدا.
قلت: وأين أنت من كل هذا؟.
قالت: أنا كنت حمامة السلام بين المعسكرين، فأنا البنت الصغيرة الوحيدة
المدللة، وكنت أستغل الموقف عندما أطلب شيء من حامد ويرفض أقول له أنى
ذاهبة الى طارق فهو لا يرفض لي طلب فيستجيب لي على الفور، والعكس
صحيح عندما أذهب الى طارق يفعل نفس الشيء، كانت بينهم غيرة عمياء،
ولكن حامد هو من تحمل نفقات هذا البيت، فقد كان راتب والدي قليلا، فترك
حامد الجامعة وسافر الى السعودية حيث إستطاع أن يشترى لنا هذا المنزل الذي
كنا ندفع إيجاره، ولكنه منذ أن عاد لم يستقر في عمل بينما طارق كان ناجحا في
التجارة وفى الجامعة، وأصبح هو من يتحمل النفقات البيت، مما جعل حامد
يتحرش به وهو من جعل الوالد يمنعه من الحضور متأخرًا ليلا ، فما كان من
طارق الا أن سكن هنا وكان جيمس يأتى يومين أو ثلاثة للمبيت حتى يعتقد
الوالد أن جيمس هو من يدفع الإيجار، والغريب أن حامد فتح دكان طارق وجعله
لتجارة مواد البناء والآن أصبحت أوضاعة ممتازة حتى انه إشترى سيارة أخر
موديل.
قلت: والكافتيريا لقد سمعت أيام الجامعة إنها كانت تدر مبلغا خرافيا.
قالت: إنها ملك جيمس، مع أن عقد الإيجار باسم طارق، وذلك لأن صاحب
العقار رفض تأجيرها لجيمس.
قلت: والمخازن في المنطقة الصناعية مؤجرة باسم طارق؟.
قالت: إنها ليست إيجار، بل ملك لجيمس.
قلت:هذا غريب، كيف يؤجر كافتيريا ويتملك المخازن من المفروض أن يكون
العكس هو الصحيح، وأين أموال طارق أليس له غير الدكان الذي تركه لوالدتك.
قالت: طارق كان يصرف كثيرًا على الجمعيات المشارك بها ولو كان له دخل
آخر لأخبره لوالدتي. كنا تقف خارج الغرفتين ولاحظت أن هناك غرفة في الخلف
فذهبت وفتحتها كانت عبارة عن مخزن به بعض الأثاث المحطم، ولاحظت أن
هالة لم تأتى معي بل ظلت تنظر الى من بعيد فشعرت إنها تظننى فضولية أكثر
من اللزوم، رجعنا وجلسنا مع والدتها وبدأنا في شرب القهوة، التي قالت بدورها أن
السمندل كان يشربها معها يوميا ويخبرني بما يحدث له في الجامعة قلت: لماذا
تنادينه بالسمندل.
قالت هالة: يعنى طائر الليل الحزين. لأنه كان يعود دائم اً متأخرًا ليلا .
قالت والدته: كان يساعد زملائه في مصاريف الدراسة، وكان مشتركا في جمعية
المكفوفين، وجمعية بيوت العجزة، كان فخري وكان سندي، ثم أخذت تبكى
وأحسست بأنها بدأت تقتنع بوفاة ابنها، لم يقطع صوت بكائها إلا صوت التلفون
قادما من داخل البيت فذهبت هالة وجاءت بعد لحظات وهى تقول: حامد يسلم
عليك ويقول لابد أن تنتظريه وأبى على الغداء.
قلت: لا أستطيع تعلمين أنني يجب أن أعود بأبي الى البيت.
قالت: على العموم هو يريدك في أمر هام.
إستغربت ذلك وقلت لها: في أى وقت يتصل بي سواء في المكتب أو البيت. ثم
ودعتهم ووالدتها تدعو لي بالصحة والعافية.
كنت أقود السيارة بسرعة فقد تأخرت على أبى وكنت أفكر في ماذا يمكن أن
يريدني حامد ووالده لا بد أن يكون وصلهم خبر أنني أسال الناس في موت طارق
وشعرت بالخوف لابد إنهم غاضبون خصوصا وأن هالة قالت إنهم السبب في
موت طارق، وما أن وصلت الى المكتب أخبرني أبى بأن حامد المغربي إتصل
بي وسألني من هو فقلت له: إنه أخ أحد زملائنا. كنت أتهرب منه فلو علم بما
أفعله لن يدعني أخرج من البيت ثانية.
فقال: أعرف زملائك جميعا أى واحد منهم.
قلت: طارق المغربي، نظر الى باستغراب وأردف سائلا: كان معكم في الكلية؟.
قلت: كان في كلية الهندسة.
قال: لا أذكره، مع أنني سمعت هذا اسم من قبل. فشعرت بأن أبى سيعلم به
لاحقا فمن الأسلم أن أخبره أنا، فقلت: إنه كان خطيب منى حسين.
قال: ألم تتزوج منى.
قلت: تزوجها مغترب يعمل بالأمارات. كنت أحاول أن أبدو مشغولة بجمع أوراق
من المكتب حتى نغادر .
قال: نعم، لقد قال لها والدها هذا الإسم عندما جاء الى بيتنا، وأصر على
تزويجها الى إبن أخيه، ولكن لماذا تركته؟. شعرت أنني كل ما أجيب على سؤال
أتورط في سؤال أخر.
قلت: توفى في حادث. وإتجهت الى الباب وما كان منه إلا أن تبعني صامتا
ولكنني شعرت بأنه يشعر بأن هناك شيئا لا يعرفه ولا أرغب في الحديث فيه.
وما أن وصلت الى البيت حتى قابلتني والدتي قائلة: إتصل بك واحد
إسمه حامد المغربي، وشعرت بالندم لإعطائى أرقام التلفونات لهالة، ثم أردفت:
أخذ منى عنوان المنزل وقال إنه سيأتي بعد صلاة المغرب. نظر أبى وأمي الى
منتظرين توضيحا ولكني قفزت الى السلم وإتجهت الى غرفتي، وأحسست أن
حامد مصر على مواجهتي اليوم وتمنيت لو بقيت للغداء معهم، لإنتهى الموضوع
بدون أن يعلم أهلي، جاءت والدتي بعد دقائق وجلست أمامي وهى تنتظر منى أن
أتحدث، وعندما لم أتكلم قالت: والدك قال إنك تركت المكتب منذ الصباح، والآن
هذا الرجل سيأتي بعد المغرب هل هو موضوع زواج. ضحكت من أعماقي
فصحيح كل في همه.
وقلت لها: لا أعرف لماذا هو قادم.
قالت وخيبة الأمل على وجهها: من هو؟.
قلت: إنه شقيق المرحوم طارق خطيب منى حسين، وصدقيني لا أعرف لماذا هو
يريد مقابلتي، لقد قابلته مرة واحدة عندما ذهبت مع فدوى الى بيتهم للعزاء.
قالت: قد يكون أعجب بك، ماذا يعمل؟.
قلت: لا تتعبي نفسك فهو لم يكمل الجامعة. خرجت من الغرفة وهى تلعن اليوم
الذي جعلتني أدرس في لندن، جلست في غرفتي خائفة وأنا أحضر دفاعي لابد
أن أكون حازمة معه ولن أترك له فرصة إتهامي بشيء.
أفقت من النوم على صوت خالد يقول لي: هناك عريس في الحديقة ينتظرك.
قلت له باسمة: لماذا تعتقد إنه عريس.
قال: سيارة آخر موديل أمام منزلنا، ويلبس جلابية وعمة وشال وحذاء من جلد
النمر من النوع الفاخر، لا أعتقد أنه جاء ليذهب معي الى السينما.
قلت: هل جاء لوحده.
قال: مثله لا يحتاج مرافقين.
حمدت الله أن والده لم يأتى معه، أخذت دشا سريعا ونزلت وأعطتني أمي
صينية الشاى ووجدت والدي جالس مع حامد في الحديقة سلمت وجلست في أبعد
كرسي توقعا لمشاجرة، ولكن حامد كان مبتسما ويتحدث مع أبى بهدوء عن إنتهاء
الشتاء وبداية أشهر الصيف. وأخذ أبى يصب الشاى بهدوء كأنه يرسم لوحة
بيديه، ظللت صامتة فترة من الوقت منتظرة الفراغ من المواضيع الجانبية، ثم
إلتفت الى حامد قائلا: كنت أريد أن أدخلك طرفا في موضوع خاص بي.
شعرت أن ما كنت أفكر فيه ليس صحيحا، فأكمل قائلا: أنت تعلمين أنني كنت
قد تقدمت لخطبة فدوى عندما كانت طالبة في الجامعة، ولم توافق حينها لأني لم
يكن لي عملا ثابتا، بالإضافة الى إنها تريد إنهاء دراستها، والآن الأوضاع تغيرت
وقد إنتسبت الى الجامعة وسأكمل العام القادم إنشاء الله، فأردت منك أن تكلميها
في الموضوع. وشعرت أن فدوى خدعتني لم أكن أعرف هذا الأمر، وقلت في
نفسي يبدو أنني أحتاج لمعرفة الكثير، لماذا كل شخص أقابله لا يقول الحقيقة
كاملة، قلت: ولماذا إخترتني أنا، سامية هي أقرب الى فدوى منى.
قال: لأن سامية وكل شلة طارق لم يكونوا متحمسين لي خصوصا وٕانهم شاهدوا
مشاجراتنا أكثر من مرة، ولكنك لم تكوني على علاقة جيدة مع طارق.
قلت: طارق لم يكن موافقا؟.
قال: لم يتدخل، ولكنه لم يكن متحمسا لأنه لم يكن لدى عمل ثابت. شعرت
بالتعاطف مع حامد ترك مستقبله في سبيل أسرته، وعندما فكر في نفسه لم يقف
معه طارق.
فقلت: طارق كان من المفترض أن يقف معك.
قال: الحقيقة هو عرض على أن أدخل معه في التجارة ولكنني رفضت أن أقبل
عملا منه. إبتسم والدي وقال: الغيرة بين الإخوان شيء عادى.
رد حامد سريعا: خصوصا عندما تأتى المساعدة من الأخ الأصغر.
قلت: لماذا لم تطلب من أختك هالة أن تفاتح فدوى مباشرة.
قال: هالة رفضت لأنها فاتحتها المرة الأولى ولم توافق فقالت إنها لا تريد أن
تحرج نفسها أو فدوى.
قلت له: سأساعدك في هذا الموضوع ولكن بشرط.
قال: ما هو ؟
قلت: سأطلب منك المساعدة لاحقا فلابد أن تساعدني.
نظر حامد وأبى إلىّ باستغراب. وقال حامد : بدون أن أعرف نوع المساعدة.
قلت: نعم وأريد منك وعدا صريحا أمام أبى.
فرد والدي مبتسما: ولكن هذا ليس عدلا.
قلت: عليه أن يقبل أو يرفض.
صمت حامد قليلا ثم قال: هل ما ستطلبينه يمكنني فعله.
قلت: لو لم يكن بمقدورك لما طلبته منك.
قال: إذا أنا موافق. ثم قال مبتسما: أنت فعلا بنت الرياض التي أخافت شلة
طارق كنت معجبا بك قبل أن أراك.
قال والدي: لماذا كانوا يخافون منها.
قال حامد: كانوا قد دبروا مقلب قي الطلبة الجدد، وبلغهم من سامية أن عزه ستبلغ
الشرطة عنهم بتهمة النصب، وقد سمعت عباس يتشاجر مع طارق وهو يقول:
لقد قلت لك لا داعى لأخذ عشرين جنيها منهم، لأن ذلك سيضعنا تحت طائلة
القانون ورد طارق: بأنه صرف ضعف المبلغ الذي أخذه منهم على العشاء،
وكانت سامية خائفة: وهى تقول لابد أن تذهبوا لتعتذروا منها، فرد طارق: إنهم
ذاهبون غداً إلى دارفور وعندما يعودون سيرون ماذا يحدث، وخرجت سامية
غاضبة لأنهم تركوها وحيدة.
قال والدي: هو طارق من ضحك عليك في أول يوم من الجامعة.
قلت ضاحكة: أرايت كيف أرعبتهم إن إبنتك لم تكن لقمة سائغة.
فسأل أبى حامد: هل توفى المرحوم في حادث سيارة. وأخذت أنتظر حامد أن يرد
على السؤال، فقال وهو يقف وينظر الىّ : حادث حريق في مبنى. وخرج وأبى
يوصله إلى الباب وأنا أقول له في سري سأطرح عليك هذا السؤال لاحقاً ولكن لن
تكون هذه هي الإجابة.