1
بفرح شديد كانت منار تبتسم وتبكي وهي تراه يتقدم فوق كرسيه المتحرك صوب الغرفة الصغيرة.
النساء والأغاني تفتح له الطريق، ودمعته معلقة بطرف ابتسامته.
وصل العتبة، أوقف الكرسي، واتكأ على حلق الباب محاولا الوقوف، امتدت يد امرأته نحوه لتساعده، لكنه أبعدها برفق وهو ينظر إليها ويهز رأسه بحنان.
في ذلك اليوم رقص أمامها كصبي صغير غير مصدق أي هبةٍ تلك التي منحة الله إياها بعد هذا العمر الطويل، غير مصدق جسده، جسده الذي استجاب له بصورة لم يكن يتخيلها. وكلما هم بأن يتوقف استجابة لإلحاح زوجته أم الأمين وزوجة ابنه نبيلة، اندفع في الرقص أكثر وهو يرى ذلك الكرسي يحدق فيه وينتظره باسطاً ذراعيه المعدنيتين الباردتين أمام الباب.
بفستان عرس أبيض جلست على اللوح، وبدا أن الزهور البلاستيكية المحيطة بها قد امتلأت بالحياة فجأة، أما أمها، فكانت تتطاير في فضاء الغرفة الضيق كفراشة، ولم يعد البيت سوى حقل نور.
صوت عبد الحليم، لم كن جميلا هكذا في أي يوم مضى، وبدا أن والدها أبو الأمين، لم يسمعه من قبل وهو يردد تلك الأغنية كمن يغني للمرة الأولى في حياته:
وحياة قلبي وأفراحه
وهناه بمساه وصباحه
ما لقيت فرحان في الدنيا
زي الفرحان بنجاحه
***
أبو الأمين، كان على حق، حين رفض، تزويجها لأول طالب قرب، ظل يردد: "البنت صغيرة"! حتى كرهه أخوته الخمسة الذين كانوا يرون في منار الفتاة الأجمل والأكثر أدباً اللائقة بأولادهم.
سالم شقيقه الأكبر، قال له: "عنادك هذا سيوصلك إلى نتيجة لا تحمد عقباها"! لكن أبو الأمين أصر: "هذه البنت ستتعلم، وستنجح، وسأرفع رأسي بها"!
"من لا يرفع رأسه بأولاده لن يستطيع أن رفعها ببناته"! رد سالم. "هذه ليست أي بنت، هذه ابنتي"!
"مبروكة عليك، فالبنات على قفا من يشيل"! قال سالم، قبل أن يغادر البيت.
لم يأت سالم لتهنئة أخيه، لكن امرأته حضرت، بل ورقصت، وهي تنظر لمنار بثوبها الأبيض بحسرة، كما لو أنها تقول: "ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن ابننا انتظر هذه اللحظة ليتقدم إليها؟ ألا تستحق فتاة كهذه أن ينتظرها، واحد مثله، العمر كله"؟
كانت زوجة سالم أطيب من أن تحقد، بل وبدت في لحظات كثيرة، وهي تتأمل أبو الأمين بأعوامه الستين يرقص خارج قدميه الثقيلتين وعموده الفقري الذي أنهكته سيارة التاكسي على مدى سنوات وسنوات، بأنها معه أكثر مما هي مع زوجها، أبو الأمين الذي ظل يعمل ليل نهار حتى استطاع أن يوفر لها كل ما تحتاجه من أجل أن تكمل تعليمها.
... وصدق وعده:"سأزفك كعروس، وأرقص يوم نجاحك على رموش عيني لو لم أستطع الرقص على قدمي"!
***
هدأ الليل فجأة، تقدمت أم الأمين ورفعت ساق زوجها المتدلية أمام السرير. كانت مسحة حزن تظلل وجهه، مسحة لم تستطع الظلمة إخفاءها، وعندها سمعته يقول: "أترين، ها قد عدت إلى عمودي الفقري المتآكل من جديد، تعرفين، ما كان علي أن أتوقف أبداً عن الرقص"!