4
لا ينكر أبو الأمين، أن مولد منار كان أجمل يوم من أيام حياته، إذ كان يحس أن البيت الذي لا توجد فيه فتاة هو بيت فارغ لا معنى له، لا يمكن أن تنبت فيه شتلة ريحان أو شتلة نعناع أو يتفقده الله برحمته!
لكن أم الأمين، عانت الكثير من أجل إنجاب ولدها الثاني عبد الرؤوف، فلسبب لا يعرفه إلا الله، باتت على قناعة من أن أمين سيكون ولدها الأول والأخير، هي التي أضناها ترديد زوجها لتلك الجملة الحارقة: "لن يمر وقت طويل قبل أن أتحول إلى عمود إسمنت"!
هذا الهاجس كان يقلقه، فكم مرة رأى نفسه في طريقه لعمله عموداً يسند بناية جديدة، وحين ينظر للأعمدة الأخرى كان يجد رفاقه في العمل، يؤدون الدور ذاته.
في الطريق إلى ذلك المصنع، كان ينفض رأسه، يحدق في وجوههم يبتسم بمرارة، دون أن يستطيع أي منهم إيجاد معنى لابتسامة تلك.
***
بعد ثلاث سنوات عجاف أطل عبد الرؤوف، ولم تكن فرحته به أقل من فرحته بولده الأول، لكنه وهو يحمل صغيره، نظر إلى امرأته وقال: "إذا كان الله يحبني فعلا، فسيرزقني ببنت"!
ردت زوجته: "بنت"؟!
اللي ما له بنت بخت"! قال لها.
ولم تفعل أم الأمين أكثر من أن تهز رأسها مخافة أن تفسد اللحظة بنقاش لا معنى له.
***
وجاءت منار.
قال لزوجته: "إذا بذلت قليلا من الجهد فستأتيننا ببنت أخرى"!
شهقت أم الأمين: "بنت أخرى؟! ألا تكفيك واحدة"؟
"صدقيني، اثنتان ستغيران حياتنا، و (من له ابنتان حياته سعادة وأمان)"!
"ومن أين أتيت بهذا المثل الذي لم أسمع به من قبل"؟!
"صحيح أنك لم تسمعي بهذا المثل، ولكني متأكد أنه موجود"!
اكتفت أم الأمين بابتسامة صغيرة، وقبل أن تلملم شفتيها أنجبت آخر العنقود: أنور.