3
إلى بوابة الجامعة، كان يصر أبو الأمين على أن يوصلها، وأن يراها تدخل البوابة الواسعة الكبيرة. عند ذلك كان يتنفس ملء صدره، يتابعها وهي تبتعد وسط موجة الفتيات والشباب.
مرات كثيرة حرمته صافرة شرطي المرور من هذا، فلم تكن هناك ثمة بقعة أكثر ازدحاماً في الصباح، مثل تلك المساحة الضيقة أمام تلك البوابة.
"بدل أن تدخل هذا الازدحام، يمكن أن تنزلني هنا، في الشارع الرئيس، وليس علي سوى أن أقطع الشارع الصغير أمام البوابة".
"مستحيل"، كان يقول لها، "ألا ترين جنون السائقين في ساعة كهذه"؟
كانت منار تصمت، تودعه بابتسامة واسعة، وتترجل، دون أن تفكر في نظرة زملائها وزميلاتها إليها، وهم يحدقون كل صباح بابنة سائق التاكسي.
***
في نهاية السنة الثالثة، تغير كل شيء فجأة، إذ لم يعد أبو الأمين قادراً على إيصال ابنته. راحت قامته تتلوى ألما، كلما هم بصعود السيارة أو الترجل منها، وفي النهاية، لم يعد باب السيارة قادراً على إسناد قامته. ولذا، كان لا بد من أن يأتي ذلك اليوم الذي سيصبح فيه أمام الباب: "أم الأمين"!
وحين أطلت، ورأت قدميه على الأرض، ويده ترتجف أعلى باب السيارة، ومؤخرته كما لو أنها التصقت بكرسيها، أدركت أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت.
حاولت أن تسنده، لكن وزنه تضاعف مع عموده الفقري المعطوب.
بألم قال لها: "ألا يوجد أحد من الأولاد في الداخل"؟ أجابت: "لا" وهي تتلفت حولها باحثة عمن يساعدها، ثم صاحت: "نبيلة، يا نبيلة"!
***
في الغرفة الصغيرة الضيقة، راح يحدق في السقف، كان يدرك أن الدمعة مستقرة هناك في عينه اليمنى، وأنها على وشك الانفجار، حبس أنفاسه، حاول أن يفكر في أي شيء، إلا أنه لم يستطع أن يبعد وجه منار عن مخيلته، كانت أمامه، بقميصها الأبيض وبنطالها الجينز، قابضة على رزمة من دفاترها وكتبها تنتظر قدومه أمام تلك البوابة الواسعة.
حين اطمأن إلى أن الدمعة لن تفضحه، قال لامرأته: "لا أدري كيف يمكن أن تتدبر أمورها إذا ما ساء وضعي أكثر"!
"أولاً لا تفاول على نفسك، لا بد أنها حالة عارضة، أيام، ثم تزول"!
لكنه كان يعرف أن الأمر ليس كذلك، لأنه أخفى على الجميع ما بعد.
"لم أكن أريد أكثر من أن أتم السنة الرابعة، وأتخرج من هذه المهنة، أن نستلم شهادات تخرجنا في اليوم نفسه، أن أوصلها إلى البيت لآخر مرة، وأن أقول لها: ها أنت كبرت بما يكفي لأن تستقلي سيارة تاكسي أو حافلة أو حتى طائرة، طائرة، ولم لا"!
***
أبو الأمين كان أعد العدة لذلك اليوم، طلب من أمين، أن يبدأ بتلقي دروساً في قيادة السيارات، بعد أن وجده مطروداً من عمله، وحين
اعترض أمين، لأن السيارة نفسها لن تعيش أكثر من عام أو عامين. أصر والده. "سنأخذ رخصة، يعني سنأخذ رخصة، لا أريد نقاشاً في الموضوع، على الأقل سيكون عملك سائقاً، أفضل لك بكثير من عملك في أي محطة وقود، لأنه إن حدث وعدت لذلك العمل، ستعيش كل ما عشته أنا في مصنع الاسمنت ذاك: صدر لا يعبره الهواء ولا السيف، بعد أن تحول إلى كتلة خرسانية، لفرط ما استنشق من ذلك الغبار الرمادي القاتل"!
"ولكن من أين لنا بمصاريف تعلم قيادة السيارات"؟
"هذه اتركها علي، رغم ما فيها من مجازفة. سأعلمك القيادة، في الصباح باكراً، أو في الليل، سنختار مكاناً نائياً، أعرف شارعاً جانبياً قرب المطار، سآخذك إلى هناك وأعلمك".
***
بصعوبة استطاع أمين الحصول على رخصة قيادة سيارة خصوصية، وبدا أمر حصوله على رخصة قيادة سيارة عمومية، أمراً مستحيلاً، لأن عليه أن يعرف الكثير قبل أن يتمكن من ذلك، ثم إن عليه أن يعرف المدينة أيضاً، المدينة التي لم يعد يحيط باتساعها الطير لفرط ما ترامت أطرافها في الجهات الأربع.
***
"لو أن ابنك طاوعني، وبذل جهداً كافياً لحصل على الرخصة التي نريدها منذ أشهر، وكانت البنت وجدت من يوصلها إلى الجامعة ويعود بها"!
"عدنا للتفكير في البنت من جديد! يا رجل، ابنتك كبرت، وهي عاقلة، ولا يخشى عليها"!
"أعرف ذلك، ولكن، هناك أيضاً الحر والمطر والأيام الثلجية، والبهدلة في مواقف الحافلات العامة، وفتاة رقيقة مثلها لن تحتمل ذلك كله! فهمت"؟
هزت أم الأمين رأسها وخرجت مسرعة. كانت هناك دمعتان تتفلتان من عينيها، لا تريده أن يلمحهما.