2
أحس أنفاسي توشك أن تتوقف وقلبي يكاد يعدل عن القرع. ترهبني صرخة مصطنعة تصدر عن هذه الباغية جواري. كنت دوما أخشى الظلام والظلال، وهذه الأشباح الفزعة أمامي تزيد من إحساسي بالخوف والتشرد والضياع. لاأعلم كم سيستغرق عمر هذا العذاب، لكنه مهما قصر طويل. لو كان بإمكاني لقمت بأي شيء كيما يسترد هذا اللعين عمله ويرتقي بنا حيث كنا نتوجه أو على أقل تقدير ينحدر بنا طبقة أخرى وأصعد الدرج رغم أعباء الجسد وبداية العجز، أو فليعيدني إلى أسفل وأعود في مرة قادمة عل حظي يكون أحسن.
أي حظ عاثر هذا الذي ساقتني إليه قدماي في هذا اليوم البئيس؟
أنفاس واطئة، ورائحة عطر قوية وشبه شهقات مكتومة. صوت رقيق أحسب أن صاحبه هذا البدين الذي ربما بال في سرواله. لكنته غريبة عن حيي، ربما هو من أبناء جزيرة شبه العرب. يقول هامساً لتلك الباغية يريد أن يطمئنها وكأنها الوحيدة التي تعاني ما نعانيه:
- عطل بسيط سيصلح قريبا.
يضاء هاتفه فجأة، تمنيت لو أن نفوسهم الوضيعة تضاء هي أيضا إذن لما شعرت بالخوف والرهبة. تعبث أصابعه الغليظة به محاولة أن تركب رقما مناسبا تقربه من الباغية أكثر. أتساءل ما الذي قادني في هذا اليوم بالضبط إلى عمارة مركز المدينة؟ أنا التي آمنت بلاجدوى الشحاذة هنا بعدما جربتها مرات عديدة في أماكن مشابهة. كنت أعود أكثر حاجة قبل دخولها، وخلصت أنه بإمكاني أن أقصد أماكن حقيقية، بها أناس حقيقيون يحملون بين ضلوعهم قلوبا حقيقية.
لم أكن مخطئة عندما رحت أجوب حواري الحاجة والأمراض والذباب. كنت أعود كل ليلة بما يملئ بطني ويجدد لدي القوة لأتمكن من الاستيقاظ في صباح اليوم الموالي لأقصد تلك الحواري مجددا.
أكتم ضحكة في غير محلها عندما تصلني زفرة يأس مفبركة صدرت عن البدين قبل أن يقول موجها كلامه دوما للباغية متجاهلا وجودي والشاب المسكين الذي لست أدري ما الذي ألقى به إلى هذا المصعد اللعين:
- اللعنة على التغطية السيئة.
أردت أن أرجوه أن يدع هاتفه مضاءً لأني أخاف الظلمة، بيد أني خشيت أن يردني. لم يكن مظهره يوحي بأنه من أبناء حواري الحاجة والأمراض والذباب دع عنك لهجته الغريبة.
كأن الباغية أحست برغبتي فأضاءت هاتفها هي أيضا، وجعلت تنقر أرقامه بعصبية واضحة. أستنتج أنها مثلي تماماً، تخاف الأماكن المغلقة والظلمة القاتمة. تابعت الضوء المنبعث من يدها يرتفع قليلاً حتى يصير لصق أذنها كما تابعت انفعالها وخيبة أملنا في أن التغطية أبت إلا أن تعري ضعفنا.
أخمن أن الشاب الذي بدا في بداية صعودنا مرتبكا وصار الآن أكثر اتزانا يحمل أيضا هاتفا، وتوقعت أن يخرجه هو أيضا إن لم يكن لمحاولة الاتصال بأحد فللتباهي فقط، لكنه لم يفعل لخيبتي الكبرى.
لو كنت أملك هاتفاً إذن لسارعت إلى إضاءته أكثر وقت ممكن حتى يعود هذا المصعد اللعين إلى العمل. كل ذلك فقط من أجل نور قليل يبدد عني بعضا من الوحشة التي يوحي بها المكان، والتي أخذت تزحف إلى نفسي فتصيبها بالضيق والقنوط.
يستلقي الصمت كما العتمة بيننا، ويمضي الوقت بطيئاً كحركات عمال الصيانة إذ افترضت أنهم أخبروا أن عطلا أصاب المصعد، وأنهم منهمكون الآن في محاولاتهم لرفعنا إلى الطابق العلوي أو في أسوأ تقدير لعودتنا السالمة إلى الأرض.
أود أن أقول شيئاً، مادمت لاأسمع شيئاً أو أحداً، لكني لم أجد ما يمكنني قوله لهؤلاء الغرباء. في حقيقة الأمر، لم يكونوا كلهم غرباء عني. أفكر أن ذاك الشاب أكثرهم قرباً مني بطريقة ما. ربما يقطن في أحد حواري الحاجة والأمراض والذباب. أستأجر ملامحه التي علقت بذهني من خلال تلك النظرة التي حدجته بها لما حاول اللحاق بنا قبل أن نصعد دونه. كان بادي الربكة والعرق. عيناه الفارغتان بهما قلق دفين، وفزع من شيء مجهول. بدا لي يحمل شيئاً مني. ربما كنا نقتسم الضياع نفسه أو فقط لأنه ينتمي للقعر نفسه الذي بلغته كما أوحت بذلك ظنوني.
لست أدري لمَ استأنست بوجهه في ظلمتي وخوفي قبل أن تجتثني حركة العاهرة إليها حين أعملت ولاعتها في سيجارة جعلت تأخذ منها أنفاساً متواترة. هي بلاشك مدخنة شرهة. تمنيت لو أنها لم تكن كذلك إذن لمدت في عمر سيجارتها ولما غابت تلك النقطة المتوهجة التي وثبت في مصعدنا العاطل هذا.
لم تطلب منا إذنا، وأظن أنه كان يتعين عليها ذلك، ليس من أجلي أنا أو من أجل البدين، لكن فقط من أجل الشاب الذي أحسب أنه تضايق من هذا المطب بلا دخان فما بالك وقد هرعت إليه أنفاس سيجارتها التي اقتسمناها معها وزحفت إلى خياشيمه. لم أسمعه يكح، لكني شبه ياقنة من أنه سيفعل في سره كما سيسبها ويسب سيجارتها وكل مصاعد المدينة. ما يصلني من دخان كاف لأن يوقظ في ذاكرتي جلسات الليل والسهر والعرق ورائحة الأجساد العارية.
كنت بعد صغيرة أقفز إلى الشباب، عندما بدأت ألج عالما طالت مراقبتي له من المطبخ، لأصير جزءا من بضاعته. هي لاتعرف ما ينتظرها. تظنني ولدت هكذا عجوزا حقيرة. لايمكنها أن تتصور قط أني كنت من أشهر أميرات حي الباغيات. لم أولد كذلك بالطبع، وتدرجت إلى أن اكتسبت جسدا وغنجا أهلاني لذلك، إضافة إلى جرعات من المكر والدهاء والكثير من الحظ.
كنت أشهر من مراكش تلك العاهرة الخلاسية، وأكثر تأثيرا من أكادير العاهرة الموسوسة. جالست الكبار واطلعت معهم ليلا على أسرار نهارات المدينة. كنت أكبر وأتسلق الدرجات أمام ناظري قوادتنا المغربية المجربة. كانت عجوزا ومع ذلك لم تندحر مثلي ومثل أخريات إلى حي من أحياء الحاجة والأمراض والذباب. استطاعت أن تبني لنفسها مجدا بين كل القوادات: شرم ابنة الشيخ المحترفة، وجزيرة بنت شبه العرب البدوية، وسورية التي أحيكت حول جمالها وشبقها الأساطير. قالوا إنها تنام مع الرجال والنساء على السواء، وأقيمت شكوك كثيرة حول علاقتها بلبنان تلك القوادة الأثيرة لرجالات الغروب.
في بداياتي الأولى كنت رهينة قوادتنا المغربية المجربة. منحتني غرفة بعدما كبرت وينع جسدي في مطبخ بيتها. كنت صغيرة بعد، تعدو خطواتي كل ليلة لمحاولة معرفة ما يجري خلف الأبواب الموصدة، والصالونات المريحة. عندما انتبهت لجسدي أول مرة، همست لي أن مستقبلي سيكون مشرقا إن التزمت بقوانين اللعبة. واللعبة بسيطة جدا. رجال يأتون من أنحاء البسيطة تعبين مرهقين لايبحثون إلا عن ساعات دفء قد يمنحها لهم جسد عذراء.
قالت إن الليلة اختبار وعلي أن أنجح فيه، إن أردت النجاح في مهمتي الجديدة، وإلا سأظل أعيش في الزوايا، أمسح وأغسل وأكنس. لهفي على عراق وفلسطين المسكينتين!
سهرت بنفسها على تحضيري لتلك الليلة. أدخلتني حمامها الخاص. كان الماء دافئا وشهيا. دفنت جسدي بالمراهم ووجهي بالأصباغ والمساحيق. استدعت أفضل خبير تجميل في الحي. استشارته وهي الخبيرة واستسلمت لما قرراه. قص شعري، وأعطى إذنه بأن أضع ذاك الثوب الليلكي الشفاف. قبلني على جبيني وهمس حزيناً أنه يتمنى لو كان مكاني الليلة. أدخلتني إلى غرفة مضاءة بضوء خافت وأجلستني على السرير مشجعة. فتح الباب على طيف بدين. كان صوته رقيقا وناعما. حدثني برقة ولطف. قال إنه يحج ولايفوت الفرائض. كنت خائفة مرتعشة. كان طيبا وعاريا فاحت من جسده رائحة المحروقات. أخذ يطمئنني بأن الأمر سيمر بخير، وكل ما يلزمني اكتشاف اللذة التي سيمنحني إياها. أخبرني أنه أمير وأنه دفع لقاء هذه الليلة لقوادتنا المغربية الأصيلة، ربع بئر من آبار كثيرة يملكها. كنت سمعت عن أطفال كثر تخلت عنهم قوادتنا بإرادتها لأحياء الحاجة والأمراض والذباب. وتساءلت حينها: ماذا تفعل بكل مكاسبها إذا كانت تخلت عن أبنائها؟ غابت كلماته حين ولجني بشيئه فصرخت. رفع من الموسيقى ومن إيقاع ولوجي بشيئه واشتد صراخي. غابت طيبته وظل عاريا. ندمت أني تمنيت أن أكبر بسرعة. كنت أظنهن سعيدات بيد أني اكتشفت الألم الذي تخفيه ضحكاتهن البلهاء. ألم فظيع مصدره جسدي، ورعب أصابني عندما اكتشفت الدم ينزلق من بين فخذي دبقا ممزوجا بعرق البدين ورائحة المحروقات. فهمت أن فض بكارتي وزرع الألم في جسدي كانت فريضته لتلك الليلة.
قبلتني خالتي، وهو اللقب الذي ينادينها به وصرت مجبرة على ذلك أيضا، بحرارة وهي تخبرني أني نجحت في الاختبار وأن الزبون راض عني. وددت أن أقول لها إنه سارق أخذ أحلامي وأوهامي بالحيلة أولا ثم بالقوة بعد ذلك، لكني لم أجرؤ على تنغيص فرحتها. فهي لا تظفر كل ليلة بربع بئر من المحروقات.
خصصت لي غرفة بمرآة. وقفت عارية أمامها أكتشف جسدي لأول مرة. كان يقف قبالتي كشيء غريب عني لاأعرفه ولاأستطيع أن أحسبه علي، بل إني نظرت إليه بزراية وهي النظرة ذاتها التي صحبتني حتى ذبل ومات. كم أغبطت براءتي وافتراشي لأرض مطبخها الحقير مثل الكثيرات ممن عج بهن بيتها. لكني كنت مؤمنة في قراري أني أجبرت على القيام بالخطوة الأولى ولامجال للتراجع أو النظر إلى الخلف رغم أن ذلك لم يمنعني من البكاء كل ليلة بحرقة خرساء على سريري المستعمر من قبل جسد يهذي طول الليل بكوابيس عن أم سجنته تحت سرير عشاقها.
وجدت بعض السلوى في الشرب والسجائر وقهقهات كانت أقرب للنواح منها إلى أي شيء آخر. أدمنت السهر وسلكت طرقا ما كنت لأعلم بوجودها وحدي لولا خالتي التي بت الأثيرة لديها من بين كل القحاب الأخريات. كنت أحمل لها مزيجا متناقضاً من المشاعر، لكني لم أكن مستعدة أبداً لنسيان أفضالها. صرخت يوما في وجهها أني راحلة عنها. قبلتني ودمعة في عينيها وهي تقول: كنت أعلم أن يوما مثل هذا سيأتي. أنا هنا إن احتجت شيئا.
لم أرها بعد ذلك اليوم طبعا رغم أن فتوحاتها الداعرة كانت تصلني بانتظام من قبل من كانوا زبناء دارها. تجاوزت شهرتها في وقت من الأوقات. ندمت أني لم أحضر احتضارها لكني وقفت أمام قبرها كما عاهرات وفيات كن الوحيدات اللواتي حضرن جنازتها في ذاك الصباح الخريفي المنطفئ.
ولاعة أخرى تطفئ مشاهد ظلمتي، وتومض نقطة أكبر من سيجارة العاهرة. ينبعث دخان كثيف ورائحة أعرفها جيدا تنضاف إلى رائحة عطر العاهرة وعرق الشاب المسكين ورائحة خوفي. لم أفاجأ بها تخبو سريعاً ولاتعود إلى نشاطها إلا عندما تلتصق بشفتيه الغليظتين. أحس زفراته ثقيلة واطئة بها غضب كبير. ربما حوت مجموعة من المواعيد الهامة التي كانت ستزيد من دخل يومه. يفاجئني الشاب وهو يولع سيجارة بدت من رائحتها أنها من النوع الرخيص. الدخان لايطاق وهؤلاء الملاعين، ثلاثتهم، بدأوا يقرفونني. عمر سيجارته قصير جدا. بحجم ثلاث زفرات فقط من البدين الغاضب. العاهرة مستكينة منزوية في ركنها. لست أدري ما الذي يدور برأسها لكني أكيدة أن الرائحة المقرفة التي تسربت إلى حاسة شمي، وهي في الحقيقة أصابت الجميع، سببها خوفها الذي ارتجت له أمعاؤها فعفت عن تلك الرائحة المقرفة. أعرف جدا رائحة الخوف، لها بصمة خاصة. ضراط لايشبه غيره. عندما أتتني أردن، تلك القوادة التي كانت صديقة حميمة لقوادتنا المغربية، بطفلة صغيرة كي تقوم بأعمال المطبخ. كانت في السابعة أو الثامنة. ذاهلة النظرات. وضع لها فستان أكبر من حجمها وسنها. خمنت وقتها أنه تعديل آخر لحظة. لاوقت للقوادات إلا للاعتناء بأنفسهن وأعمالهن والقحاب المدرات للدولار قبل أن يسقط صريعا. قبلتني أردن بحرارة. قدرت أن خالتي، صاحبتها الدائمة حتى في ساعات الأزمات، من بعث بها مع هذه الهدية لتطمئن على حالتي أو لتتجسس علي. كنت في بدايات مغادرتي لها، وكنت أعاني وحدة قاتلة، فمن كان يوفر لي الحماية، وصاحب النعمة علي كان يتأخر كثيرا بسبب مسؤولياته الكبيرة. لكزت الطفلة بعنف وهي تقول لها: قبلي يد خالتك.
كانت أول مرة تتعرض يدي للتقبيل من طرف إحداهن. قبلت أيادي الكثير من القوادات عندما كنت صغيرة. كن يحللن ضيفات على قوادتنا في أوقات فراغهن، وتعرضت للصفع أكثر من مرة، خاصة من ليبيا، كانوا يصفونها بالحمق والعته. عندما كبرت قليلا، ودخلت الليل قبلت أجساد زبائن قوادتنا المغربية. اقتربت الصغيرة مني متعثرة، ومع لثمها ليدي أحسست حرارة تسري في كل جسدي. كنت مزهوة قليلا. لكن رائحة مقرفة استلقت في الجو أزاحت فرحي، وصوت لطمة موجعة استقرت بوجه الطفلة التي ناديتها موريتان بعد ذلك، لتتقهقر قبل أن تسقط أرضا بعين دامعة. في أعماقي كرهت فعل القوادة كما كرهت تلك الرائحة التي ذكرتني بخوفي الشديد. أحسب أن السر ظل مدفونا بيني وبين موريتان. فقد كنا نعرف معاً من صاحبة تلك الرائحة. كم أعشق أن أصفع هذه العاهرة الآن على فعلتها!
كنت أسمع كثيرا عن حكايا عشق تدمر حياة عاهرة منا إذا خفق قلبها لرجل وسقطت في حبه. دروس قوادات الليل تفيد أن عاهرة منا لايجب أن تمنح إلا جسدها والكثير من الأوهام. رددت أمامي حكايا عن مارقات فقدن عملهن وحياتهن داخل حي العاهرات فقط لأنهن أحببن وخدعن من قبل رجال أخذوهن بالحيلة خارج حماية القوادات، واستغلوهن قبل أن يلقوا بهن إلى ليل المدينة التي لاترحم. فكرت في يَمَن المسكينة.
كنت أعلم هذا وحفظت الدرس جيدا. كان لدي تحد كبير. أن أستغل أول فرصة للاستقلال عوض أن أظل كما كثيرات باغتتهن المرايا ذات صباح وقد تسللت التجاعيد إلى وجوههن، وتكسرت استقامة الأجساد وبزغ عدوها الألد: الشحم. بيد أني أبعدت عن رأسي إمكانية المغامرة، وكان علي أن أطأ أرضا حقيقية. مكثت طويلا مع قوادتنا أتشرب الصنعة جيداً، وطورت من شبكة علاقاتي، وارتقيت بغنجي وأساليبي إلى رتبة أثيرة لدى خالتي التي كانت تأخذ كل شيء مقابل فواتير الكهرباء الذي لاينقطع، والماء الذي نستعمله للاستحمام عقب كل مضاجعة، والزينة وأغلبها كان من هدايا الزبائن، والملابس التي تعرينا أكثر مما تسترنا، والطعام الذي لم نكن نأكله، والسجائر التي كنا نحتال على زوار بيتها لنأخذها منهم والتي كانت تأخذ ما فضل منها دون حيلة، والشراب الذي كان من مقتنيات الزبون...
من بين كل علاقاتي، توطدت إحداها مع وزير داخلية المدينة. كان كلما أمعن في الشرب يستلقي في حضني ويبكي خيانة زوجه له مع صاحب المدينة. قال إنه كان يحبها وهو يعلم حبها له. لكن صاحب المدينة المأفون، هو الذي يقول، يأخذها إلى فراشه أنى شاء، وبمعرفته ليكسر شوكة الرجل، وحتى لايستطيع أن يرفع عينيه في وجهه. كنت أراه بئيسا جدا، رغم الهالة التي تحاول عبثاً أن تضفيها عليه بزته العسكرية وأوسمته التي نالها من بسالته في الحرب الكونية الثانية قبيل استقلال المدينة.
أدمن القمار والشرب كما أدمنني. غمرتني هداياه التي كانت تأخذها مغرب لتسديد الفواتير. حظوتي لديه لم تغير شيئا من وضعي أو في معاملة ربة الشغل. ظلت تعاملني بالطيبة ذاتها.
كان لايثق بأحد، حتى بنفسه. ولكنه لأمر ما اختبر درجة كتماني، والكتمان صفة يلزم التحلي بها لمن أرادت تعاطي مهنة الليل. حدثني طويلا عن علاقته بصاحب المدينة. لم يناده باسمه أمامي أو بأحد ألقابه. في كل مرة يخترع له لقبا من عنده، وهكذا تدحرج صاحب المدينة من الجرو إلى القرد مرورا بكل حشرات وحيوانات معجم الوزير. قال في إحدى ليالي تذمره منه، إنه لولا وجوده لكان الخنزير في عداد سكان جهنم، وهو ليس حيا بالمدينة وإنما هو حي بمدينة الله، لكنه يشبه إلى حد كبير حواري الحاجة والأمراض والذباب. حماه كما فعل من قبل مع أبيه، ومنع عنه تربص ثوار جائعين. كنت ألمح شررا مخيفا يتقد في عينيه كلما حدثني عنه. كان يخيفني رغم هشاشته أمامي. ضحكنا تلك الليلة كثيرا وشربنا أكثر ولم نمارس الجنس. أضاف: اطلبي ما تشائين، وسأكون ابن كلبة إذا لم أنفذه لك.
لم أستغرب أن يكون ابن كلبة فخلاله كلبية بامتياز، وربما ورثها عن أمه. شاهدت تصرفاته على التلفاز عندما يكون قرب صاحب المدينة، وكان أقرب ما يكون إلى الكلب منه إلى حيوان آخر. لكنني تجسرت وقلت بصوت واثق: حمايتك. اتسعت عيناه قبل أن يقلصهما بشكل مخيف جعلني أنقبض في مكاني، نادمة على ثقتي به. كان على وشك الارتماء على مسدسه، متصوراً أني أطلب منه التواطؤ معي على اغتيال صاحب المدينة لأحل محله، لكنه تراجع لما علم أن قضيتي وطموحي أكبر من ذلك بكثير عندما قلت:
- أود أن أستقل عن هذه القوادة.
كان رجلا قويا مخلصا لسيده وللمدينة. اشتهر بعشقه للدم والموت كسيده تماما. فتك بالآلاف عقب كل انتفاضة واحتجاج. ضاق بالثوريين ذرعا فامتدت يداه حتى أتفه حارس لعمارة يقطن بها أحدهم. كان يقبض على الأصل وظلاله إن وجدت، وإن لم توجد اختلقها. تميز بساديته المكتسبة من خبراته الواسعة ومعاشرته للموت وللألم. كان يحدثني مفاخرا بالطرق التي ابتدعها في التعذيب للوصول إلى معلومات قيمة، أو فقط من أجل إشباع رغباته الغريبة. زادت حظوته لدى سيده بعد محاولة يائسة من الثوريين للإطاحة به واغتياله. تصدى لهم بقبضة جيش لاترحم. لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي قد يتوقع البعض كما قال.
كان سيده في بيته الكبير الكائن بحارة السيد، يحتفل بعيد ميلاده الأخير لتلك السنة، وكان قد أحضر للمناسبة الكبيرة شيخات بني ملال وازعير وأولاد حدو... وفرق الطقطوقة الجبلية، ومداحي الزوايا والأركان، وأعوانه، وتايغر وودس الأب والعم، وفرق الطرب الغرناطي، وابن لادن، ونجاة اعتابو، وفرق أحواش، وفرق رقصة الكدرة، وفرق الشعبي والأندلسي، لم يحضر باجدوب لنوبة إسهال حادة أصابته، وحفنة من نجوم الفن السابع، من القرن العاشر، وعددا من أصدقائه الجوانين المقدرين بلا صديق، والبرانيين، وهم كثر على كل حال.
ضمت حديقة بيته العامر كل هذا الحشد العظيم، بما فيهم حرسه، ملتفين حول مسبح كبير بمايوهاتهم، حتى وزيره الأول ووزيره الأخير، والعهدة على الراوي. وبينما انشغل سيده بتلقي آخر مهارات وودس الأب في فن العصا الحبيبة إلى قلبه، فاجأهم ثوار بكامل ملابسهم مدججين بأسلحة رشاشة مهددين متوعدين بالقضاء على كل من يتحرك أو يقاوم مدهم. أحس الوزير بورطة كبرى، إذ كان قد تخلى عن سلاحه مع ملابسه في المطبخ. أدرك أنها نهايته وسيده، فتسللا من بين الجموع إلى أقرب مرحاض، وجعلا يرقبان الوضع من ثقب المفتاح وصرير أسنانهما يكاد يفضحهما.
سيطر الانقلابيون على الوضع بعد قتل كل من قاومهم. لم يكن من بين القتلى إلا طباخ وعازف مزمار مغمور، وتاجر حشيش محكوم عليه بالإعدام ظن أنها حيلة من حيل السيد لإضفاء طابع الاحتفالية على المناسبة ولقتل روتين الحفلات التي بدأت تتشابه لكثرتها، فقام مدعيا شجاعة لم تعرف عنه قبل ذلك اليوم، وصفع أحد المهاجمين ليفرغ رشاشه في جسده. وضمت لائحة القتلى أسماء لم يسمع عنها أحد من قبل أو من بعد. كان الوزير ومعه سيده يعلمان أنهما بحاجة إلى معجزة إن أرادا البقاء على قيد الحكم والحياة، وبدا كنمر جريح منعوا عنه مخالبه وسجن في قفص محكم الإغلاق. فسر توتره الملحوظ آنذاك أنه نتيجة طبيعية لرجل حرب راوغ الموت أكثر من مرة في أكثر من جبهة. قالوا إنه خشي على تاريخه إن قتل بمايوه السباحة في حفلة بئيسة بطلقة من رشاش ولد لم يتجاوز العشرين. وسط أكوام الجثث والمحتجزين، بحث الثوار عن السيد فقط. عجباً أنهم لم يبحثوا عن كلبه وهو أخطر! ولما لم يجدوه وظنوا أنه قتل، غادروا البيت تاركين حراسة من ولدين فقط، وقد ظنوا أنهم أحكموا قبضتهم على الوضع، وهرعوا إلى سكنى وزارة الداخلية ووزارة الإعلام الكائنة بحي الوزارات في المنطقة الخضراء. خرج السيد من مخبئه مهددا الولدين بعصاه مجبرا إياهما على التراجع. لم يكونا خائفين منه، ولكن كانا مرتبكين لأنها المرة الأولى التي يرياه مباشرة، بعدما شبعا من صورته على جهاز التلفاز وفي المباني العامة والخاصة. سيطر الوزير على الوضع، واتصل برئيس العسكر ليستنفر رجاله، وخاطب أحد معاونيه ليأتيه بمروحية مقاتلة صعدها بعدما ارتدى ملابسه العسكرية. لم تستمر معركته مع المتمردين أكثر من ثلاث ساعات قضى فيها عليهم، وعلى العديد ممن قادهم حظهم العاثر إلى مكان قريب من أرض المواجهة، وصار الرجل الأثير لدى سيده الذي أغدق عليه من مدحه في خطاب لطمأنة شعب المدينة على أن سيدهم لم يمسسه سوء، لأن الله لم يرد ذلك. لكن كل ذلك لم يحل دون أن يستمر في استدعاء زوجته إلى فراشه أنّى شاء.
لم يكن الوزير الرجل الأول في حياتي، ولم يكن الأخير قطعا. قبله كان رجلا من المتورطين في السياسة وفي تجارة الحشيش. (إذ السياسة والحشيش في المدينة قرينان متلازمين). كان حاد الطبع، ككل الرجال، شرها شبقا قليل الكلام. لكني كنت أدرك أنه يمثل مرحلة مؤقتة في مساري القحبي ومحطة استراحة في انتظار رجل فعلي.
ولم يكن الوزير رجلا فعليا في زمن قل فيه الرجال، لكنه كان خير من توثقت صلتهم بي أو من ارتبطت أجسادهم بفراشي. أدمنني كما أدمن حب السلطة. عندما حدثته بمخططي للاستقلال، لم يبد ممانعة إذ رحب بالأمر شرط أن يختار لي هو بيتاً محترماً من أربعة طوابق، ودائما بحي العاهرات.
كانت زياراته الأولى كل ليلة، ودوما يرافقه رجال يجلبون معهم صاحباتهم. خمنت ساعتها أنهن زوجات رجال أقل رتبة في سلم العمل والمجتمع. أشرفت على طاولة قمار كل ليلة، واتسعت دائرة اللاعبين والزبائن، وغدا بيتي قبلة كل باحث من علية القوم عن متعة تنسيه أعباء يومه وأخطار منصبه. كانوا متشابهين كلهم. كانوا مرهقين وتائهين دوما، وبهم خوف مستتر. حصلت من عملي على مبلغ محترم ظننته سيحصنني من تقلبات الأيام وغدرها، مستفيدة في ذلك مما حدث مع جزائر المسكينة التي رأيتها تتدحرج من عل. كانوا ينادونني بأميرة الحي، وأشهد أن جسدي نضج كثيرا. لكني لم أكن لغير الوزير في البدء إلى أن حدث ما جعل كل عالمي الجديد يرتج ويصيبه الصدع فيهوي أمام ناظري فوق رأسي.
رن جرس الباب صباحا، وأتتني من أشك أن قوادتنا المغربية أرسلتها لي هدية تخبرني أن هناك زائرين بالباب. تفاجأت الأمر فأنا لم أعتد استقبال أحد في مثل ذلك الوقت. تزينت بسرعة وخرجت لألفي زائري الصباح غير المرغوب فيهما.
كانا رجلين يلبسان السواد. قال أحدهما بعد أن حياني بأدب أنهما رسولا صاحب المدينة الذي يطلبني إليه على الفور. كنت متوجسة من الأمر كله. فكل ما يتصل بصاحب المدينة يبعث على الرهبة والرجف.
كان كل شيء يوحي بالجاه والترف في داره. كانت زيارتي الأولى لمكان مشابه. تركني أنتظر ساعتين سمعت فيهما وجيب صدري المرتفع. أخبرني الوزير مرة أنه يتعمد ترك من سينالون شرف لقائه ينتظرون بالساعات والأيام أحيانا، وأنه كلما قصرت مدة الانتظار بدت حظوة المستقبل لديه، ولم يسلم من الأمر حتى أصحاب مدن مرموقة. وسمعت أيضاً أنه وفي أحد الأيام وبينما كان في سيارته، وضع سائقه شريطاً أطربه، فسأل عن صاحبه، فأخبره السائق أنه (عبد من عبادك يا مولاي، يسكن الجزء الشمالي من مدينتك). فأمر بإحضاره من هنالك على الفور. وأنزل في فندق تابع لوزارة الداخلية، وجعل المسكين ينتظر بزيه الشمالي كل صباح أن يناديه سيده لكنه لم يفعل. ولما اشتد به الحنين إلى أهله وعياله، وكانت قد انقضت ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، اشتكى لأحدهم همسا، فطمأنه بأنه سيحاول فعل شيء. وبلغ الأمر أقرب معاونيه، وكانوا على دهاء ومكر كبيرين، فطلبوا من سائقه أن يعيد وضع الشريط له، وذلك ما حدث بالفعل فتساءل صاحب المدينة أين هو هذا المطرب؟ فأخبره أنه (بانتظارك يا مولاي منذ طلبته). كنت أخشى أني أتيت ذنباً لم أعرفه، وجعلت نفسي تغلي على مرجل الانتظار. حاولت طمأنة نفسي. فهو من سن قوانين تجارة الأجساد في مدينته، وأنا أؤدي الضرائب بانتظام وأساهم في الاقتصاد المحلي بوسائلي الخاصة. ظلت الهواجس تتقاذف برأسي الصغيرة حتى أطل بقامته المتوسطة، ووجهه المشرب بلون العسل المالح. كان في سروال قصير، وبدت عيناه ناعستين. توقعت أنه طلبني في حلم استفاق منه لتوه!
وقفت احتراما له مصطنعة ابتسامة لست أدري كيف استقبلها. انحنيت على يده ألثمها كما رأيت الآخرين يفعلون في جهاز التلفاز. قال لي برضى لما لحظ خنوعي واستسلامي المعلنيين:
- أنت أجمل من وصف أولئك الملاعين.
وددت أن أقول له إنه أسوأ من صوره المبثوثة في كل البيوت والجرائد والمجلات والتلفاز والحانات والمواخير بيد أني قلت:
- شرف عظيم لي أن أحظى بشرف لقائكم.
كانت ملامحه عصية الاختراق وهو يغادر الفراش باتجاه الحمام.
مازلت لليوم أذكر رائحة جسده النتنة عندما امتطاني. كان شبقا حيوانيا في كل شيء، حتى عندما أراد أن يعلم ما يقوله عنه وزيره في غيبته. عرفت اللعبة وادعيت أنه يذكره بكل خير وأنه أعرب لي في أكثر من مناسبة عن تفانيه واستعداده لدفع حياته ثمنا لحياة سيده ولصالح المدينة التي يحب. كنت شبه متأكدة من معرفة صاحبي بأن سيده استدعاني مثلما يستدعي زوجته، وأنه لو طارح نملة لأتى بها أيضاً إلى فراشه بعد أن يرسل إليها رجلين يتشحان السواد.
صرح لي بعدها أنه أتى بي فقط ليعرف آخر أخبار رجله لكنه افتتن بجسدي، وأنه عازم على احتجازي حتى يشبع منه، ولم أبد اعتراضا لعلمي أنه يملك المدينة وأجساد بنيها. كنت أنوي أن أسأله سؤالا واحدا فقط: هل سيدفع لي كما الآخرين أم أنه سيأخذ عرقي كما هي عادته مع غيري؟
تنثال من غوري المظلم هذه الأحداث محاولة الاستئناس بها هنا في انحشاري مع هؤلاء الملاعين. كنت أظنهم ارتضوا الصمت والاستكانة مثلما فعلت لكني أتفاجأ بلغطهم وانكفائي إلى غيبتي التي أبعدتني عنهم.
أصواتهم المرتفعة تصعد إلى صماخي. أتساءل إن كانت المنطقة التي أقف عليها من المصعد عملت وارتفعت بي حيث صرت بينما ظلوا في مكانهم. أشرع عيني لأطفئ الذاكرة اللعينة، وتستقبلني العتمة وأصوات المنحشرين السفلية. أحاول أن أصغي لبعض لغطهم. علي فهم مايقولون. ركبتاي تخزانني في إعلان ألم كبير. هي بداية العجز والوهن. أستسلم لتعبي ونصبي. بيأس أسلم مؤخرتي إلى أرض المصعد العاطل. أكتشف أنهم جلسوا قبلي. أخمن أنهم تعبوا من الوقوف أيضا. اشتبك البدين والشاب في جدال أدركت عقمه في حين اعتصمت العاهرة بالصمت. يقول البدين بقرف جلي:
- أنت السبب المباشر في هذه الورطة. لو تستطيع أن تحدد لنا دافعا مقنعا يجعلك تصعد معنا هذا المصعد.
يرد عليه الشاب بعصبية:
- بل أنت ووزنك وشبعك السبب.
أكاد أن أصرخ في وجهيهما أن المصعد يتحمل ضعف أوزاننا جميعا، وألا أحد سببا فيما يحدث معنا. ربما أنا واهمة، لكني حاولت أن أتدخل لأهدئ من صخبهما. أقول:
- عوض إلقاء اللوم على بعضنا البعض، علينا أن نحاول إيجاد مخرج لنا من هذه الورطة.
تصيبني البغتة والعاهرة تقول بصوت يحمل الكثير من الحقد:
- لو لم تكوني أنت أيضا هنا بوزنك الثقيل لما حدث ماحدث.
بصوت مرتفع أرد عليها:
- اصمتي أيتها العاهرة. أنا أولى منك بالصعود، وقد دخلت المصعد قبل الجميع.
تقف والغضب ممسك بتلابيبها وهي تقول:
- السيد معه حق. ماذا يصنع وضيعان مثلكما هنا في طريقهما إلى صاحب الطابق العلوي المحترم؟
صاحب الطابق العلوي غير المحترم! أعرفه جيدا أكثر مما يمكن أن تتخيله عاهرة مبتدئة مثلها.
بعدما صرت صاحبة حظوة الأسر لدى صاحب المدينة لثلاثة أيام، نام معي خلالها مقدار عدد المرات التي مورس علي النوم طيلة مدة خدمتي بتلك المهنة، أخذ يهديني لكل من رغب في حاجة عنده. فمرة عند سفير بلاد ماوراء البحار، وطورا لدى زوجة صاحب مدينة العظمة، إلى أن أرسل لي مرة رسوليه الدائمين، زائري الصباح ودوما بقتامة تلك الملابس ذاتها، المنسوخة لكل رجالاته القريبين. أخبرني أحدهما أنه يأمرني أن أتزين لأني سأقابل رجلا استثنائيا. علمت بخبرة العاهرة أن الأمر جدي، فكل الزبائن الذين يقدمني لهم استثنائيون جدا، وهم لايدفعون لي بالمرة. ليسوا كصاحبي الوزير الذي ماعدت أراه وسمعت أنه تعرض لحادث سير قضى على إثره، كما غابت أسرته التي ستنبت فيما بعد من جوف الأرض. وصرت بلا حام حقيقي، لكني اكتسبت قوادا يأكل كل عرقي أكثر من قوادتنا الأصيلة مغرب. تساءلت دوما: ألا ينتميان للبلد نفسه؟
مستسلمة أذعن لكل أوامره التي لاتعرف إلا طأطاة الرأس وقول نعم. في تلك الليلة علمت أني تفوقت على حظي إذ اقتسمت فراشي وجسدي مع صاحب الطابق العلوي. كان أشقر، بعينين زرقاوين، ناعم الجسد واللسان. منحني عدة وعود لم يخلف أحدا منها لأني ما عدت أذكرها، لكنه لم يقدم لي شيئا يذكر غير لقاءات وكلمات تغزل بجسدي وطريقتي في الرقص عارية على أنغام موسيقى شيخات خنيفرة. حاول معرفة أسرار صاحب المدينة بيد أنه لم يجد شيئا لدي، ليس فقط بسبب خوفي من بطش الثاني ولكن لأني لم أكن أعرف شيئا عنه عدا شبقه.
كم دامت صحبتنا؟ حقيقة لست أدري.
جل الذي أذكره هو أن صاحب المدينة كان راضيا عني بعد ما رضي عنه صاحب الطابق العلوي ومنحه قرضا بفوائد مغرية.
وتقول هذه العاهرة أنه رجل محترم. لوكان محترما أيتها العاهرة غير المحترمة لمنحني أجرة صحبتي وهي كل وعوده.
ولو كنت تعلمين حكايتي معه لما سعيت إلى هذا المصعد في يوم الشؤم الذي يشبه وجهي.
ولو كنت تعلمين أني سبقتك إلى هذا المصعد الذي ظل على حاله مذ كنت في مثل سنك إذن لما تجرأت علي ونعتني بأقذع وصف، لأنك بذلك تسبين نفسك بعد أقل من عقدين فقط من الآن.
عدت اليوم إلى سلك الطريق نفسها إلى الأعلى ليس لأمنح جسدي، فقد ذبل في غفلة مني للأسف. عدت فقط لأمارس مهنتي الحالية بعدما تنصلت مني مهنتي الماضية. أنا اليوم هنا لأمد يدي كما تفعلون أنتم وأسيادكم.
- أنت وقحة ولاتفهمين شيئاً.
قلت بعدما وقفت والمرارة متحلبة في فمي.
يقف البدين والشاب أيضا، كديكين يستعدان للاقتتال. ينتشر بيننا صمت ثقيل واطئ تمزقه زفرات مرعبة تصدرها صدورنا.
تعود نقطة حمراء لتبرز في محيط المصعد، بعدما أعمل البدين نار ولاعته في بقية سيجاره المنطفئ. أحاول أن أتذكر ملامحه عندما دخل المصعد في أعقاب العاهرة. لم أعثر لوجهه على تضاريس معينة في بيد ذاكرتي القريبة. المأزق يطرق الماضي ويشرع نوافذه في وجهي. هو من جزيرة شبه العرب. كثر هم الزبائن الذين أتوا من الجزيرة على مراكب الحرائق. حيثما داست أقدامهم يخلفون الخراب. المال لايلملم بعثرتنا أسيادي. هو الذي شتتنا ويوسع الهوة بيننا بأنانيته المفرطة. ترون اليوم أبناء الجزيرة على وفرة مالكم تصعدون معي المصعد نفسه لتمارسوا إحدى مهنتيّ الملتصقتين بجسدي كالوشم. العهر أو الشحاذة. لاأشك أنكم تبرعون فيهما معا، فمؤخراتكم تزداد امتلاء إثر كل صعود إليه، وأياديكم ممدودة على الدوام، وإن بالمال لتشحذوا الرضى والمباركة.
يقرر الشاب أخيرا أن يخرج هاتفه النقال. كنت على صواب عندما خمنت أنه مثلي ينتمي إلى حارات الحاجة والأمراض والذباب، فهاتفه النقال كان بلون واحد هو وسط بين الخضرة والصفرة جعل المسكين يغالب خجله وينقر بأصابعه أرقاما ويدني جهازه الباهت من أذنه قبل أن يرجعه إلى غمده مهزوما مكدرا، مصحوبا بابتسامة شماتة اخترقت العتمة لتصلني في خط مستقيم من البدين إليّ مباشرة. فكرت لو أننا تنازلنا عن بعض غطرستنا الكاذبة، وتكلمنا لغة واحدة لاستطعنا ربما أن نجد لأنفسنا حلا ومخرجا من هذا المطب. ولو أننا عوض التلاسن وإلقاء التهم مجانا على بعضنا البعض، حاسبنا ذواتنا أولا واعترفنا بأخطائنا وزلاتنا وضعفنا ونقائصنا لما كنا ربما وصلنا إلى هذه الورطة التي نحن من صنعها في النهاية، والتي قد تكون أيادي صاحب الطابق العلوي غير المحترم قد دفعتنا إليها، كما هي عادته حين يقدم لنا على الدوام خدماته الجليلة لشق هوة واسعة بيننا.
أقر الآن أني كنت مخطئة في جملة أشياء فعلتها في ماضي الأسود. خطيئتي الكبرى هي نفسها تلك الغشاوة التي تعمي بصيرة هذه العاهرة. تظن كما ظننت أن الشباب يدوم. عندما طردني حي الباغيات لم أجد أحدا يسند خطوي. الألم والخيبة والانكسار يهصرون قلبي، والندم يصفع قفاي. أما الوحدة فكنت أعلم أني على موعد قريب معها وهي تختلف عن تلك التي عشتها وسط الناس.
تمثلت صورتي وأنا أضع وليدي. كان من صلب تاجر أقمشة ألقاه الليل في طريقي واعتاد جسدي في فجر ممارستي لمهنة العرق. أيامها كنت ما أزال تحت وصاية خالتي. منحها كما فهمت لاحقا مالا كثيرا ليحتكر جسدي مدة طويلة. كانت راضية جدا عنه حد أنها لم تعنفني عندما برز للجميع أني حامل منه نتيجة سوء تقديري وعدم خبرتي، كما أنها لم تأمرني بإسقاطه كما فعلت مع المسكينة سودان.
أملت على عكس الجميع أن أرزق بولد رغم علمي بقوانين حي الباغيات القاضية بالتخلي عن الطفل بعد سنتين من وضعه، ويترك هكذا إلى الشارع حيث تتلقفه حواري الحاجة والأمراض والذباب. كنت أريده أن يجرب حظه بعيدا عن حياة عشتها مجبرة تتحكم فيها قوانين جائرة على الأنثى التي تولد من فراش غير طاهر حسب الآخرين. تظل مع والدتها ثلاث سنوات قبل أن تنتزع منها بالقوة وتخفى في مطبخ إلى أن تصير في يوم من الأيام حاملة لجسد يدر مالا، ويستدعي شهوة الرجال كما حدث معي ومع كثيرات مثلي. فكرت دوما في الأمر، وقدرت أني ابنة إحدى القوادات صومال أو تونس.
لو كنت وضعت أنثى إذن لكانت في مثل سن هذه العاهرة المتعجرفة، لكني وضعته ذكرا وهو في مثل سن هذا الشاب المسكين الذي ربما يشبه تاجر أقمشة ألقاه الليل في طريقي، واعتاد جسدي في فجر امتهاني لمهنة العرق.