5
أتنفس بعمق. أحاول أن أخفي ربكتي الجلية، وأستجدي الهدوء من ممالكه الشاردة عله يسعفني، ويأخذ بيدي إلى هدأة نفسي المضطربة.
هكذا نحن دوماً. نحلم بأشياء جميلة ما أن تنجلي أمامنا أو تبدأ في ذلك حتى تخيفنا وتربكنا؟ لكن لمَ الخوف و ممَ؟ لاشيء يستحق ذلك فعلا. ربما يعود الأمر إلى زوجي اللعين. سأعرف كل أسراره، وأسترد حقوقي المسلوبة كاملة مهما كلفني ذلك من ثمن. وللبدء في مشروعي، كان علي معرفة ما حاول إخفاءه عني. كان والدي يعيد على مسامعي دوماً أن معرفة العدو تيسر سبل هزمه، لأجل ذلك هاتفت هذا الصباح مكتب تحر خاص. تواعدنا على الالتقاء في شارع خلفي ضيق. أردت الاعتصام قدر إمكاني بالسرية والحذر. من يدري؟ ربما قيض الخنزير أحدهم خلفي.
لم أتوقع أن يكون التحري بهذه الوسامة والبراءة. كانت الربكة بادية عليه أيضا، مازاد توتري، خاصة أن حارس المرآب لم يكتف بمراقبتنا عن بعد، بل جعل يطوف حول سيارتي أكثر من مرة. في الحقيقة، هو من دفعنا إلى الدخول إلى هذه المقهى البئيسة. ربكة التحري جعلتني أخمن أنه لم يعتد الجلوس إلى امرأة في مكان عام، ربما يفعل كل شيء في السر كما عمله، لهذا لن أفاجأ أن يكون المسكين من ممارسي الجنس السري. يقابله كفه ليلاً ويخجل منه نهارا.
المقهى بحجم علبة كبريت، بالكاد تستطيع تحمل أربعة زبائن دفعة واحدة إذا ما اختار كل واحد منهم الجلوس وحده إلى تلك الكراسي الخشبية المدهونة باللون الأخضر في حين اختير الأحمر للطاولات. يذكرني الأخضر والأحمر بعلم مدينتي المقرفة. المقهى مكان عادي جدا. لاشيء فيه يستحق أن يجلب زبوناً محترماً إلا من وقع بالخطأ في مثل هذا المكان، مثلي تماماً، أو من أراد أن يتحصن من مجهول يتعقبه، مثلي أيضا.
يتقدم منا نادل طويل القامة وقح النظرات، رقيق العظم، غليظ الأنفاس. رائحته الكريهة استطاعت تعكير كل أجواء حواسي. هناك أشخاص هكذا، مجرد رؤيتهم تجعلنا نسقط في شراك فتنتهم وتأثيرهم فنحبهم، (أعترف أني لم أجد أحداً بعد)، وهناك الآخرون الذين يمرقون دون أن نسمع لخطوهم وقع، ودون أن يخلفوا وراءهم أثراً أو ذكرى كهذا الشاب تماماً.
ثم هناك أشباه هذا النادل، الذين ما إن تصطدم بهم حتى تعاود اكتشاف القرف.
مذ وطئت قدماي هذا المكان، واستقبلتني هامته المنحنية ووجهه الذي تنط منه بلادة صافية حتى تسرب إلى مسامي شعور بالضيق والانقباض. كان من الممكن أن أنزع نظارتي لكني آثرت الاحتفاظ بها حتى أمنح لعيني راحة غابت عن نفسي. أخمن أن هذا النادل الغبي يتمتع براحة نفسية كبيرة لعمله، وينام قرير العين. هو بلا شك يقتطع أجزاء كبيرة من إيراد المقهى لجيبه المخروم، ولعاهرة تسد رمق كبته.
أخرج من حقيبة يدي الصغيرة صورة صغيرة لزوجي، أمدها إلى الشاب قائلة:
- هذه لزوجي الذي حدثتك عنه، والذي أشك أنه يخونني. أعتمد على سرية عملك وكتمانك.
فكرت مضيفة وابتسامة واسعة تستلقي على عيني المختفيتين خلف النظارة الكبيرة، ككل الأمور الأخرى الخاصة بك. العادة السرية مثلاً.
بدا عليه الحماس وهو يقلب الصورة بعينين خبيرتين في حين منحت لنفسي حرية غابت عنها طويلاً لاكتشاف المكان الذي كان ممعنا في هدوئه حد الريبة، كوجه ذاك الرجل الشارد، الذي بدا أنه لم ينم منذ الأزل. نظراته فارغة جداً. وقميصه الأبيض غير مكوي. يكتب بالشراهة نفسها التي يدخن بها. تابعته مذ كان عائداً من المرحاض. لاشك أن سيلان البول يمنعه من النوم ليلا. فكرت أنه عاشق به لوثة في دماغه إذا كان مايزال مؤمناً بجدوى رسائل الحب والشوق في زمن لايعترف إلا بالمنفعة والمصلحة. أعرف حالته جيداً، إذ كادت ترديني مثيلتها إلى موت رأيته في ماضيَ البعيد. كنت على عهدة الحب وزميل لي في مقاعد الجامعة والأرصفة والحدائق العامة والوهم. خانني المأفون واختار أخرى. ظللت مدة طويلة سجينة مماطلته وضغط والدي علي. كان والدي يريد أن يوثقني بفاشل مثله. حاولت مرة أن أنقل لحبيبي الجبان ما كان يدور في بيتنا. لم يمهلني فرصة لأكمل حديثي، إذ عبر إلى الجهة الأخرى مهرولاً. حاولت تعقبه والإبقاء على ما كان بيننا بيد أن السيارات المارقة من هناك بجنون منعتني كما حذائي القديم وخطواته المسرعة. رأيت إحدى تلك السيارات تصدم كلبا وخشيت على نفسي إذ كنت متوهمة أن بإمكاني اللحاق به. ولم أكن أدري أنها المرة الأخيرة التي أراه فيها. حاولت جاهدة الالتقاء به، إلا أنه قام بكل شيء ليتفاداني. كتبت له رسائل بعدد المرات التي قال فيها أحبك، وما أظنه قرأها إذ حسبت أنها ضاعت في الهوة التي خلفها فراره وهبلي. كنا نؤمن بأن طريقينا تتقاطعان هناك حيث الحب. سرت حيث من المفروض أن نلتقي فلم أجد غير الفراغ والغياب.
بعد فترة وجيزة، لمحته ينط من قناة المدينة كمقدم للأخبار، وعلمت من صحف أخبار النجوم أنه تزوج من عجوز ثرية. خمنت أنها تملك علاقات نافذة، وأكثر من حذاء وأقنعة شتى مثله تماما.
كانت أحلامنا بسيطة جداً ولاتحتمل أن يبيع نفسه بتلك الطريقة. لربما العيب في نظري الضعيف وشوقي له. قد يكون اختلط الأمر علي، ولم يكن هو فتى الأخبار، ربما حتى أجد لنفسي عذراً لسقوطي المفاجئ.
لست أدري لمَ انتابتني رغبة ملحة في أن أقوم إلى هذا العاشق المأزوم لأقول له ألا فائدة ترجى من رسائلك الكثيرة. لاترهق نفسك وتستهلك قواك. ستطل عليك حبيبتك الخائنة يوما ما من جهاز التلفاز كمقدمة للنشرة الجوية، حين سيسقط قناعها الحقيقي، وينحسر وجه الحب المشوه. حينها سترغب عن مشاهدة التلفاز وستوليه ظهرك كما صرت أفعل منذ مدة طويلة.
أتساءل دوماً هل كان كل ذنبي أني جمعت الفقر والحب في طبق واحد حاولت اقتسامه مع حبيبي الوغد؟ أكان كل ذنبي أني ابنة رجل فقير، جندي سابق في جيش تحرير المدينة من الغزاة إلى الغازي، حمل السلاح وخرذة من الأفكار للدفاع عن مدينة عاهرة؟
كبرت وأنا أرى المرارة في عينيه هالة تتمطط كل يوم لتشمل حيزاً أكبر. حمل السلاح شاباً وقاوم الغزاة وساهم في طردهم، وشكل ذلك مفخرة للعديدين ومعرة له. كان يردد كل يوم تقريبا:
- لوعلمت أن مآلها سيصير هكذا لما قاتلت. الغزاة كانوا أرحم بنا من أبنائها.
أبصر رفاق الأمس يتحولون عن مبادئهم وشعاراتهم إلى تسابق محموم نحو الكراسي الوثيرة والمنازل الفخمة والأرصدة المكتنزة والنساء الشقراوات بعدما تخلوا عن رفيقات لهم سابقات كما تخلوا عن أحذيتهم العسكرية المغبرة.
كان صمته يغدو مرضيا مع ارتفاع أصوات رفاق الأمس ينظّرون للمرحلة ويطبلون للعهد الجديد.
أخطأته رصاصة في الجبهة، وأصابوه في القلب، ودمروا كل أحلامه الجميلات كما نسف حبيبي الجرو كل أوهامي القديمات.
انتشلتني خطوات حارس مرآب السيارات، وجعلتها مناسبة لأختلس النظر إلى عينيه. أكتشف أنهما مضمختان بحزن أعرفه جيداً. لاشك أنه يتحدر من عائلة مقاوم فعلي حرر المدينة مع من فعل وقدمها قربانا لغاز جديد سيورثها إلى ابنه ومنه إلى ابنه إلى... هم في النهاية متشابهون. ما أسوأ أن يحكمك شخص واحد طيلة حياتك! تذكرني عيناه بأخي الذي تركته في مدينة الجحود المزمن.
كان شاباً بطموحات أدبية معلنة، ولم يجد فرصة لإبرازها. كتب قصصاً فاشلة ومسرحيات سمجة لم تجد خشبة وممثلين ليجسدوا تفاهته فيها.
يذكرني جلوسي بهذه المقهى البئيسة بجلساتنا الصافية وأحاديثنا الودية في البيت وفي مقاهي مدينتنا التي أجبرت على تركها. لم يكن بمقدوري أن أستمر هناك. رأيت المدينة تباع بكل ما حوت، بأهلها وتاريخها وحضارتها ومستقبلها، لرجل واحد ودفعوا الثمن. حيثما وليت وجهك فثم وجهه. التطبيل بمناسبة وبدونها. كرهت كل الآلهة التي تشبهه. كرهت كل مدينة تشبه مدينتي في استكانتها. وكرهت كل شعب مستسلم يشبه شعبها، سواء أقبل اليد أو الأنف أو الإست.
أشعر ببعض الحرج إذ ألمح حارس المرآب يرميني بنظرة وكأنه اكتشفني في وضع مخل، خاصة أنه الوحيد الذي رآني أصل وحيدة بسيارتي. لاشك أنه سيفترض، كالآخرين تماماً بأني على موعد غرامي مع هذا الشاب الوسيم الذي اضطرني إلى انتظاره خمس دقائق كاملة، قبل أن يصل على دراجته الهوائية. فكرت حينها أنه لايملك قوة كافية ليصل في موعده المحدد. كل قواه استهلكها في رياضة أخرى يمنحها كل وقته. لاشك أني منحرفة قليلاً لأفكر بالعادة السرية مجدداً.
بعد حبيبي الوغد برئت من الحب وتبرأت منه. تركت كل شيء خلفي وقررت أن ألا أعاود النظر إلى الماضي، كما تركت كل أوهامي التي أنجبتها منه. حلمت به دوماً فارسا يأتيني كل ليلة على حصان أبيض لينتشلني إلى جنته الخضراء، ولم أكن لأفاجأ إن تعسرت عليه سبل إيجاد وسيلة نقل ملائمة وحضر على دراجة هوائية بلا لون. ما آلمني في تصرفه أنه خلاني وحيدة في صحراء جرباء تذروني الرياح من كل جانب.
تركت بيتنا حتى لاتفضحني بكارتي أمام عريس فاشل من طينة والدي يرى العذرية كل الشرف. يأتي ليلة الدخلة ليصنع الدهشة بينما به أمراض جنسية لاقبل لها بالعلاج. بعد البيت اتخذت قراري الحاسم. لامكان لي في مدينتنا.
كانت حقيبة سفري حفنة من الذكريات الموجعة، وأسف على عاطفة بئيسة استهلكتني وأحالتني كائناً مفزوعاً يستكين للطرقات. جعلت الوجهة المجهولة تختارني، ورفعت أشرعتي للريح تسوقني حيثما تريد. قاومت أكثر من رغبة، ورددت أكثر من دعوة صريحة ومضمرة. كنت في ميعة الشباب لكن بكسور تشق لملمتها. أقسمت ألا أعاود السقوط مجددا، وقررت الانتقام من جسدي بأن أجعله لعبة بأيدي أجساد دائمة الزغب والشبق. كنت مستعدة للسقوط عند أول منعرج قاتل، بيد أني رأفت لحاله ولم أحمله مسؤولية ما حدث معي. أخذته معي في شرودي إلى الأمكنة حتى ألفينا نفسينا في بلاد الثلج والبياض. حدث كل شيء بسرعة لم أتخيلها، وأنصفتني الأقدار لأول مرة. لم أضطر للنوم في الطرقات والعراء، إذ ما إن وطأت المدينة ذاك الصباح الماطر حتى انفرجت أمامي سماء يشع منها ضوء بلون الأمل. كان الجوع يخز أمعائي، وكنت أملك لاشيء. وقفت أمام واجهة مقهى أرقب زبناءها المرتكنين إلى دفئها. لم أستطع أن أقاوم جوعي والبرد فقررت الدخول، والاعتصام بها. استقبلني النادل بابتسامة واسعة رأيت أنه بالغ فيها. رحب بي بلغة مدينة الثلج والبياض التي لم أجد صعوبة في فهمها إذ كانت تخصصي في سنوات الدراسة الجامعية. قادني بخطوات منضبطة إلى حيث يجلس كهل أنيق المظهر. مد لي يده فناولته يدي التي لثمها قائلاً:
- تأخرت كعادتك عزيزتي.
همست بلغة مدينتنا قبل أن أترجم ما قلته بلغتهم:
- عفوا.
ابتسم بود وهو يدعوني إلى الجلوس قائلا شيئاً مثل أني لن أتغير أبداً، وأنه لا علاج لي.
وددت أن أشرح له أنه ربما أخطأ، وأن في الأمر لبس سينجلي عما قريب، بيد أن النادل الذي لايشبه في شيء هذا الذي أمامي هنا، منع عني ذلك حينما وضع أمامي، بحسبه، ما تعودت أخذه كإفطار. أرجأت شرح وفهم كل ما يقع لحين إخراس جوع بطني الذي ما عاد يقاوم.
راقبني أجهز على ما قدم لي صامتاً. كنت أختلس النظر إليه مفتعلة ابتسامة بلهاء. كنت أخشى أن يكتشف خطأه قبل أن أنتهي فيطردني دون أن أكون قد بلغت شبعي، لكني استبعدت ذلك حتى لو كشفني، إذ بدا لطيفا جدا، بعينيه الزرقاوين اللتين يشع منهما صفاء طفولي، وخديه الموردين كعروس خجلى في مدينتنا، وشاربه الأبيض الخفيف كشعر رأسه المصفوف بعناية إلى الخلف. كان يرشف من فنجان قهوته السوداء، متطلعاً إلى تقاسيم وجهي بهدوء أربكني، ما جعلني أطلب إذنه للذهاب إلى الحمام حيث جعلت أرقب وجهي في المرآة. لا يمكن أن أكون أخرى. فأنا أحمل الوجه ذاته منذ رأيته يتشكل أمامي. ولايمكن أن أشبه أحداً آخر غيري. عدت والربكة تمتطيني بعدما وضعت في الحسبان مجموعة من السيناريوهات العاجلة للتخلص من ورطتي إن كشفت. دفع الحساب وهو يقول إننا تأخرنا وإن الآخرين ينتظروننا. ها في الحكاية آخرون إذن!
أسلمت له نفسي بعدما خبت جذوة مقاومتي. صعدنا سيارته واتجهنا صوب مكان سأفهم لاحقاً أنه مسرح المدينة. كان عبارة عن بناية عظيمة استقبلنا حارسها هاشا، ولحظت أنه أحنى لي رأسه مبتسما بود. خمنت أنه خدع في شخصي أيضا، وتوقعت أني ما أفتأ أتورط في هذه الشخصية حتى تظهر الأخرى الحقيقية، واتهم بالخداع. كنت يائسة ومستعدة لفعل أي شيء مشين إلا أن أخدع مثل هؤلاء الناس الطيبين. على خشبة المسرح وجدنا أعضاء فرقة يتدربون. أوقفوا تدريباتهم لما لمحونا ندخل. عاملوني باحترام مبالغ فيه، ما زكى لدي فكرة أن الشبه كبير جداً بيني وبين الأخرى الحقيقية حد أنه أعمى أعينهم عن تلك التفاصيل الصغيرة التي تميز هذا عن ذاك.
ردد أمامي اسم الأخرى الحقيقية فقبلت أن أستمر في لعب دور الأخرى الحقيقية. ألم نكن على خشبة المسرح؟ حتى المخرج الذي كان يقف خارج دائرة لعبهم ويوجههم انخدع في شخصيتي. حمدت الصدف مرة أخرى التي جعلتني أتعرف على المسرحية التي كانوا يتدربون عليها. كنت قد لعبتها صغيرة في المدرسة رغم أني لم أمل للتمثيل، إذ اعتبرني كل معارفي أحمل بذرة الشعر ستكبر لتغمر كل مدن الأرض. فهمت منهم أن الليلة ستكون أول ليلة تلعب أمام الجمهور بعد تحضير دام ثلاثة أشهر. انغمست في الدورين معاً، ونلت تصفيق المخرج والكهل الذي صحبني ذاك الصباح إلى المسرح. انتهينا من وضع اللمسات الأخيرة على العرض، وذهبنا إلى أحد الفنادق للغداء. بعدها صحبني الكهل الأشيب إلى مكان قال إنه منزلي. طوال تلك الفترة كنت أتساءل من يكون؟ وما الذي يلزمه بصحبتي؟
وصلنا إلى المنزل. كان بناء جميلا من طابق واحد. تركني عند الباب وقال إنه سيدعني لأرتاح ساعتين قبل أن يعاود المرور، ليأخذني إلى المسرح. عاتبني مازحاً:
- أليس من الأفضل أن نسكن معا حبيبتي، فتعفينني من عملي كسائق خاص.
جلست على الدرج المفضي إلى الباب بعد أن غادر. سيكتشف أمري لامحالة. وصلت إلى مدينة الثلج والبياض هذا الصباح فقط، ومهما كان الشبه الذي يخدع أبصارهم، كيف يمكنني أن أحتل مكان سيدة أخرى، وفوق كل هذا ممثلة مسرحية معروفة. انزلقت من الشارع أكثر من سيارة، ومرت سيارة شرطة في دورية، جعل سائقها ينظر إلي فارتجفت في مكاني. لاشك أنه سيكشف أمري احتكاماً إلى حاسته البوليسية. سيتساءل حتماً ما الذي أفعله أمام بيت أحدهم في هذا الطقس البارد؟
قمت من مكاني. نزلت الدرج محاولة أن أختفي إلى الأبد. شيء ما أوقفني عند نهاية خطوتي الثالثة، وأعادني إلى فوق في مواجهة الباب. وما إن وضعت يدي على مقبض الباب حتى فتح لمفاجأتي الكبيرة. دخلت الشقة بحذر شديد. حاولت أن أكتشف المكان. استقبلتني صورة كبيرة لشابة فاتنة. كانت شقراء بعينين خضراوين وجيد بارز ووجه أبيض بشفتين دقيقتين. كانت فاتنة حقا. خمنت أنها الأخرى الحقيقية. لم تكن تشبهني البتة.
دخلت غرفة النوم فإذا أحدهم مسجى على سرير وثير. اقتربت أكثر محاولة ألا أثير حركة تجعل صاحب الجسد يستيقظ. ضوء كاب عفت عنه ستائر مخملية لنافذة تطل على الشارع جعلتني ألمح وجه الجسد النائم الذي كان نفسه الذي رأيت قبلا على الصورة مع اختلاف ظرفي بسيط. هي إذن نائمة ولابد أنها ستستيقظ ليعرف الجميع أني كنت أخدعهم. مهما يكن، فأنا لم أدع شيئاً، وهم من أرادوا أن ينخدعوا، ولاشبه بيننا البتة، على الأقل من وجهة رؤيتي الشخصية. حزمت أمري على المغادرة مخافة الانغماس أكثر في هذا المطب الذي ألفيتني داخله دون أن أخطط لذلك، بيد أني لم أستطع إذ صدرت عن الجسد حركة مفاجئة ما جعلني أختار التواري في زاوية مظلمة بالغرفة. أخذت الأخرى تتمطى، وهي تشرع عينين مثقلتين بالنعاس، ثم ذرعت الغرفة بخطى وئيدة. تسمرت في مكاني، وجمد الدم في عروقي وأنا أسمع صوتها تدندن بأغنية أحفظها جيداً. عندما استعدت أنفاسي وبعضاً من هدوئي حاولت التسلل، ليس فقط لأغادر بيتها، بل والمدينة أيضاً، إلا أني اصطدمت بها تخرج من الحمام عارية. كانت قد كفت عن الكلام. انتصبت أمامها مباشرة، متوقعة أن تسألني من أكون؟ وما الذي أفعله في بيتها؟ أو أن تصرخ طلباً للنجدة أو تهجم علي، بيد أن شيئاً من كل ذلك لم يحدث، بل مرت أمامي حتى دون أن تنظر إلي. خالجني شك قلق بأنها لم ترني، لكني بحجم كيس بطاطس، وشغلت حيزاً مهماً من الردهة، ثم إني قلت ربما هي لاترى. لكن كل شيء كان يوحي بأنها سليمة النظر بدليل أنها لم تتعثر في مشيتها ولم تجعل يدها إلى الأمام كما يفعل فاقدو البصر عادة في الأفلام. ولو أنها كانت لاترى بالفعل، لما تعذر عليها أن تشعر بوجودي من خلال أنفاسي وخوفي وبقايا عطري. أمسكت بمقبض باب غرفتها الذي تركته مواربا خلفي.
حاولت تفادي طرح الأسئلة العقيمة ومحاولة الإجابة عنها، وقصدت باب البيت عازمة على الخروج مستعينة بالحذر نفسه الذي رافقني في الدخول. أخذت نفساً عميقاً عندما صرت في الشارع، وأقفلت الباب ورائي. استدرت لأفتح عيني دهشة حين وجدت الكهل ينتظرني بسيارته، وهو يقول:
- على غير عادتك. لم تتأخري هذه المرة.
ثم غمز لي بعينه.
جلست جواره مستسلمة لهذا الاحتجاز الجميل. تحدث عن مسرحية جديدة يكتبها، وسأكون كالعادة بطلتها. كنت شاردة في كل ما يحدث معي فقدر أني أنصت لما يقول، فأفاض في الحديث عن دوري والحبكة حتى وصلنا المسرح. قادني إلى مقهى مرفقة بالبناية حيث جلس أعضاء الفرقة من ممثلين وفنيين وكذا المخرج والمنتج الذي فهمت أنه الشخص البدين. لماذا هم بدناء دوماً؟
كان الجو ودوداً وبدوا مرحين جداً ربما للتخلص من ضغط العرض الأول. أما أنا فانقبضت في مكاني مفكرة في طريقة للتسلل من هذا الكابوس الذي أمسك بخناقي دون أن يقرر تركي. لاأستطيع أن أستمر في خداعهم هكذا، وعلى هذا الكهل أن يعود إلى الشقة لجلب الأخرى الحقيقية. ربما ستأتي من تلقاء نفسها حالما تنتهي من تغيير ملابسها وإعداد زينتها. كنت أتوقع أن تدخل في أي لحظة، وظل بصري مشدوداً إلى الباب. لكنها لم تحضر. في أثناء حديثهم قال أحدهم معلقاً على حالتي بأني لن أتغير أبداً، فأنا أعيش الدور يومين قبل يوم العرض الأول. أضافت أخرى:
- حد أنها لم تغير ملابسها منذ يومين.
لم يضحك أحد على تعليقيهما، وإنما اكتفوا بهز رؤوسهم لتأكيد ما قيل. بدوا يحترمونها جيداًُ، وهو ما زاد الأمور تعقيداً علي. كنت أدرك أنه إذا لم تدخل هي لتكشفني فسيتكفل بي عرض تلك الليلة. فعلى الرغم من أنه سبق لي أن مثلت في سنوات الدراسة الأولى، إلا أن جمهورنا كان من الأطفال والآباء الذين كانوا يتغاضون عن هفواتنا الكبيرة، ويتجاوزون عنها، أما الآن فسأكون على المحك.
أخذت هواجسي تتقاذفني، وتلعب برأسي المتعب الذي لم أضعه على وسادة منذ يومين. أخذتني غفوة إذ تذكرت النوم. لم أستفق إلا في سيارة الكهل وقد حل ظلام كثيف لم يمنعه من الحديث عن إجادتي في الأداء، وكيف أني أتقنت تجسيد دوري، وأن المسرح وقف الليلة تقديراً لموهبتي الكبيرة، وأن المعجبين تدافعوا نحوي لأخذ توقيعي. و... استسلمت لحديثه ولطلبه بدعوتي على العشاء في أحد المطاعم الراقية.
كنت شبه غائبة عن الوعي، ولم أستطع مسايرة ما يقوله خاصة أنه تحدث عن حب كبير يجمع بيننا، ومشاريعنا الفنية والشخصية المشتركة وأحلامنا المقتسمة.
اعتذرت بلطف حين وصلنا إلى ما يعتبره بيتي، وأراد الدخول ليشرب معي كأساً كما قال، مخافة أن يفتضح أمري، لكنه لم يقبل اعتذاري بل فاجأني عندما أخرج مفتاحه وأعمله في الباب ليفتح. كنت شاحبة جداً وساخنة ومنفعلة أنه أخذ راحته في الكلام بصوت مرتفع. خشيت أن يوقظ الأخرى الحقيقية التي تنام الآن بلا شك في غرفة نومها. ألا تفعل شيئاً غير النوم والذهاب إلى الحمام والخروج منه عارية؟
صب لنا كأسين، وأنا بالكاد أتابع ما يجري حولي. أمسك بخصري وقبلني قبلة طويلة تفاجأت أني اندمجت فيها بحرارة حتى كدت أنسى من أكون فعلا. همس أحبك جداً. ولم أقو على قول شيء. أخذني إلى غرفة النوم. فتح الباب. تسمرت مكاني وأنا أرى الجسد ذاته مسجى على السرير. قلت هامسة:
- سأشرح لك كل شيء.
لكنه لم يهتم بقولي، وأخذني إلى السرير وكأننا وحيدين في الغرفة. نمنا جوارها. مارسنا الحب جوارها. كنت أحاذر أن ألمسها حتى لاأوقظها. نومها ثقيل وهي لاتصدر حركة أو صوتاً أثناء سباتها العميق. استغربت أنه لم يلحظ وجودها حتى عندما أضاء ضوء الأباجورة وغادر إلى الحمام. استطعت التغلب على انفعالي دون أن أتمكن من استمراء اللذة التي استشعرتها أثناء ممارستنا. بدا جسده أليفاً وأحسستني أعرفه معرفة عميقة.
استسلمت للنوم قبل أن يعود من الحمام.
داهمتني استفاقة مبكرة على صوت الأخرى الحقيقية تستيقظ من نومها. كنا وحيدتين على السرير، وتأكدت أنها لاتراني ولاتشعر بوجودي في حيزها. أزاحت الستائر وفتحت النافذة. التقطت ورقة من منضدة مجاورة. ألقت عليها نظرة وأفرج وجهها عن ابتسامة رضى. كنت محتاجة للنوم فانزلقت إليه مجددا.
هل أبالغ إذا قلت أني لم أتذوق نوماً بمثل ذلك الطعم والعمق طيلة حياتي السابقة؟
لست أدري لكني أكاد أجزم أنه كان لذيذاً كقبل الأشيب الوسيم. وجدتني أفكر فيه مذ شرعت عيني. ألقيت نظرة على الورقة التي أخذتها الأخرى الحقيقية صباحا. قرأت فيها: "أيتها العذبة الرقراقة. إبقي دوماً مشرقة بسمائي. البارحة أيضاً أريتني جنتك التي لاتنبت تفاحاً. كم أعشقك! "
قبلت الورقة ووضعتها على صدري. أيعقل ما يحدث؟ هل وقعت في حبه؟ لكني لاأعرف شيئاً عنه. حتى اسمه لاأذكر أن أحداً ناداه به أمامي. الأخرى الحقيقية قرأت الورقة أيضاً وابتسمت. لاشك أنها حبيبته، وأنها ظنت أن الورقة كانت لها وليست لي.
غادرت السرير، والهواجس تتلاعب برأسي. غادرت مدينتنا إثر خيبة حب مزمنة. وفي أول ليلة لي بهذه المدينة الحالمة أسقط في حب كبير أنساني الأول. لكنه حب مستحيل. هو مبني على سوء تفاهم وخلط في الأشخاص. ثم إنه بلا شك يقصدها هي بمشاعره على الرغم من أنه قاسمني البارحة أوقاتاً ممتعة. لاأريدني أن أكون مجرمة وأفرق بين قلبين متحابين إرضاء لأنانيتي. قاسيت جداً من الحب، ومستعدة لتحمل هذه الضربة الجديدة.
بعدما أخذت حماماً أنعشني وساعدني في الوصول إلى قراري الأخير، قصدت دولاب ملابسها. لابأس أن أستعير منها شيئاً فملابسها كثيرة وهي لن تلاحظ ذلك. فرحت جداً لذوق الأخرى الحقيقية. كنا متشابهتين إلى حد ما. فأنا أيضاً أعشق الأحمر والأسود، وأحب أن أزاوج بينهما فيما أضع من ثياب. أخذت حذري هذه المرة، فالمطر لاينقطع في هذه المدينة، وربما هذا يفسر أن زجاجة ويسكي لاتكاد تبرح منضدة الأخرى الحقيقية. قصدت الباب بعدما ألقيت نظرة أخيرة على البيت الذي احتضن البارحة ليلة من أغرب ما قد يصادف إنسان. حاولت فتحه بيد أني لم أستطع فعل ذلك. أعيتني المحاولات، ولم أستطع فهم هذا البيت الذي يمكنني فتحه من خارجه بينما يقفل علي من الداخل. انتهيت إلى أنه يتوجب علي ترك هذا البيت الذي صار أشبه بسجن. فكرت أن النافذة تركت مشرعة. عدوت باتجاهها، وشعور متناقض يتلاعب برأسي، فقد كنت فرحة أني سأستعيد حريتي أو تشردي، ولكن على الأقل سأمسك بقدري من جديد، وحزينة لأني لن أراه مجدداً إذ عزمت على ترك المدينة.
حاولت أن أنط من النافذة بيد أني وجدت سيارة الشرطة نفسها التي رأيتها أول مرة مركونة قبالتي تماماً. وعلى الرغم من انهمار المطر، فقد تمكنت من رؤية وجه الشرطي بابتسامته نفسها. أنا سجينة إذن. استلقيت على السرير متعبة أعمل فكري، وشاخصة في الأحداث منذ بدايتها. في الحقيقة لم أنعم بخلوة أبداً، فمنذ أن سلمني خطوي وجوعي ونصبي والبرد إلى تلك المقهى، وأنا أسيرة في هذه المدينة. هل إلى خروج منها من سبيل؟
كنت مرتكنة إلى هواجسي عندما سمعت باب البيت يفتح. قررت أن أبقى في مكاني المكشوف حتى يُفضح كل شيء، وأستطيع التحرر من كل هذه القيود التي بدأت أمل منها، ولو إلى السجن. دخلت مسرعة إلى غرفة نومها. أغلقت النافذة، وأعادت الستائر إلى مكانها دون أن يبدو عليها أنها لحظت وجودي. الأمر واضح إذن. هي لاتراني، وهو لايراها عندما يكون معي. فتحت دولابها، أخذت تبحث عن لباس تضعه. بحثت كثيراً، ثم زفرت بقوة، وجلست جواري واضعة رأسها بين يديها. كانت غاضبة من أمر ما. صبت لنفسها كأساً أفرغتها في جوفها في جرعة واحدة، ثم سمعتها تقول بصوت مسموع كأنها تحدث شخصاً غير مرئي:
- هذا لايحتمل. سأرحل عن هذه المدينة إلى الأبد.
فكرت في استغلال الوضع أيضا والرحيل معها. ذرعت الحجرة محاذرة أن أصدر صوتاً. وجدت المفاتيح قرب الباب لكني لم أستطع الحركة إذ فتح على الأشيب الوسيم. حبيبي.
ارتميت عليه وقبلته بحرارة. قال وهو ينظر إلى عيني:
- شكراً لأنك وضعت الثوب الذي أحب.
تذكرت الأخرى الحقيقية. تذرعت بإحضار شيء من غرفة نومها. تفاجأت أن النوافذ مشرعة والستائر مزاحة والدولاب مفتوح دون أن يؤخذ منه شيء، والسرير فارغ. اقتربت أكثر من النافذة. كانت سيارة الشرطة قد غادرت.
تساءلت لوقت طويل عن السبب الذي أجبرها على الرحيل، لكني خمنت أنها ربما تذمرت من شيء. أمضيت كل حياتي المتبقية بمدينة الثلج والبياض. بعد مدة قصيرة انتحر حبيبي لأسباب مجهولة، وترك في أحشائي قطعة منه. فتاة منحتها كل وقتي وحبي. غامرت كثيراً، وأحببت في كل مرة شخصاً مختلفا. ازدادت نجوميتي، واستقرت بي أشرعة الحب في مرفأ أحدهم. كان لطيفاً جداً، ولم يبال بفارق السن الذي كان بيننا.
لم أشأ أن أغير بيت الأخرى بعدما أصبت شهرة ومالا، لأن غرفة نومها، وتحديداً سريرها كان جسراً يمكنني من خلاله رؤية ما حدث معها، فقد أخذتها ظلالها المفزوعة، وألقت بها وليداً في حياة أخرى لم تعهدها من قبل. حانات ومواخير وأجساد رجال. وضعت أربعة أبناء لم تعرف لهم آباء. اكتشفت يوما أنها تملك عائلة في المدينة التي استقرت بها. لم يستغرقها وقت طويل لتعلم لغة تلك المدينة. أودعت أخاها أبناءها ورحلت في أعقاب رجل آخر قرر خيانتها. كانت بلا مال، وكان الجسد المقابل الوحيد لكل ما يمكنها الحصول عليه حتى كرهته. أضحى سلعة موحدة تتقاضى من أجلها أوراقاً نقدية ملونة وبلا لون، مكتوبة وغير مكتوبة، سليمة ومزورة. بعدما أدركها الوهن فكرت في قبول عرض أحد المخصيين. كان العرض بسيطاً وواضحا. كان يريد امرأة يداري بها خيبته الكبرى. هو أيضاً اشترى جسدها بقسيمة زواج، وبمباركة الله.
كان يعلم أنها تخونه كلما استبد بها الشوق إلى إذلال وتعذيب نفسها، ولم يقل شيئا. أخذ يطلب منها أن تساعده في صفقاته، موظفة رأسملها الوحيد، جسدها، والحصول على حصتها.
رأيت في الأخرى الحقيقية ما كان ينتظرني، وعشت معها كل دقائق حياتها. تألمت معها حين كانت تتألم، واقتسمت معها أويقات سعادتها. أحسست أنها تعرف بأمري كما أعرف بأمرها. لكنه سرنا، وحديقتنا الخلفية المشتركة التي نسيج فيها أغراسنا. من يدري، ربما كنا شخصاً واحداً انشطر نصفين ليعيش في مكانين مختلفين، حتى إني أحكي حكايتها.
أردت نجدتها وحضرت هاهنا لمعرفة تحركات الخصي، بخصوص أحد المشاريع الكبرى حين وصلها أنه يريد الاستئثار بها دوناً عنها.
ألحظ حركة غريبة. يشير لي التحري السري إشارة خفية بعينه في اللحظة نفسها التي ألمح الآخرين يحولان عنايتيهما خارج المقهى. تشرع عيناي دهشة لما اصطدمت به. كان زوجي أو زوج الأخرى الحقيقية يتعقب فاتنة تمشي خلف أمها بينما يتبعه حارسه الشخصي كظل ممسوخ.
أزدرد ريقي بصعوبة بالغة. الأمر فاق شكوكي إذن، فهو لم يكتف فقط بمحاولة الاستئثار بصفقة لوحده خلافاً لما اتفقنا عليه من قبل، بل هو يدبر لإيجاد شريكة جديدة، ويسرق مني تعب السنين. أتابعهم حتى يبتلعهم المدخل الخلفي لتلك العمارة التي دخلوها، بينما التحري السري يزفر بارتياح لأن مهمته أنجزت في زمن قياسي. بقي علي الدفع الآن. أتساءل:
- كيف يحب أن يقبض الثمن؟