مقدمة

8 0 00

المطب (رواية)

عبدالسلام المودني

المطب

تحذير لابد منه:

كل تشابه في الأحداث أو تطابق في الأسماء والشخصيات مقصود والكاتب غير مسؤول عنه.

إهداء:

جنان وزهرة..

ومن خلالهما كل من فعل "لا" في وجه الاستبداد.

إن الملوك إذا دخلوا رواية أفسدوها...

أما قبل..

فلتعلموا جميعا أنه لا علم لي بأساليب وطرق الكتابة، ولكني وجدتني داخلها بمحض الصدفة، والصدفة تحمل حكاية، والحكاية بسيطة.

أعمل في هذه المقهى منذ حوالي ستة أشهر. وكل يوم سبت من آخر شهر ونصف من كتابة هذه السطور، بدأت تحضر شابة في أواسط عقدها الثاني، تركت اهتمامها بملابسها وبزينتها في مكان ما. جلست إلى الطاولة نفسها ست مرات. وفي كل مرة، كانت لا ترفع عينيها وقلمها عن أوراقها. كانت تزجي حوالي أربع ساعات، تشرب أثناءها أربعة كؤوس من الشاي الأسود بالليمون. وخلال ساعاتها الأربع والعشرين التي قضتها في هذه المقهى حيث أعمل كنادل لم تكلمني إلا مرة واحدة عند تمريرها أول طلب، بعدها اكتفت بدعوتي بيدها، وهي اليد نفسها التي استعملتها في الإشارة إلى تكرار الطلب من الثاني إلى الرابع والعشرين.

في آخر مرة رأيتها فيها، خرجت مسرعة كأنها لسعت في مؤخرتها. لم تقل كلمة ولم تلتفت خلفها إلى أوراقها التي تركتها على الطاولة حيث كانت تجلس. احتفظت لها بالأوراق في ركن داخل مشرب المقهى في انتظار عودتها. فالزبون ملك، والملك له مسؤوليات كثيرة، قد ينشغل أحيانا عن أمور تبدو تافهة له لكنها ذات قيمة لغيره. ولما طال غيابها. أخذت الأوراق إلى البيت. وفي البيت أكلني الفضول لمعرفة ما حوت تلك الأوراق. أجهزت عليها في ليلة واحدة، مع أني لم أقرأ رواية أبداً في حياتي كلها.

لم يكن انكفائي على قراءة الرواية بدافع المتعة، وهي على كل حال ليست ممتعة، ولكن لأعرف فقط ما كتب عني. نعم فأنا جزء من الرواية. أنا أحد أبطالها. تعرفت علي من خلال ملامحي، وعملي. فوجدت أن هذه الكاتبة كذابة. فالمقهى ليست صغيرة كما أرادتها أن تكون. وهي ليست بشارع خلفي ضيق زد على ذلك أن لها زبائن كثر، وهي مكونة من طابقين، العلوي حيث أزواج العشاق، والبغايا الوحيدات أو مع بعضهن البعض، أو رفقة الضحايا، والأرضي عادة ما يحتل طاولاته المتقاعدون والعاطلون والعاملون على السواء. ولم تكن صادقة إلا في صورة عاهلنا الذي يخزر في آلة التصوير وفي كل المواطنين.

أما عن شخصياتها الأخرى، فقد اختلقت جلها. ولم أفهم سبب غضبها على بلادنا، أجمل بلاد في الدنيا كما يقولون، أو باقي البلدان العربية الشقيقة، وشكرت كل آلهة البشر أني لم أواصل تعليمي لأدخل الجامعة وأنال شهادتها، وبالتالي الشقاء طول عمري. ما لي أنا ووجع الرأس! فليذهب العالم كله إلى الجحيم! أعلم أن بعضهم ينظرون لي كشبه أمي لم يتجاوز المرحلة الثانوية في تعليمه، كما سمعت أكثر من صوت يهمس خلسة لأذن بذلك، إلا أن الأمر لا يضايقني البتة. لي عمل، صحيح أنه مرهق بعض الشيء ويجبرني على الانحناء دائماً، وأبدو كالحمار نهاراً وأقصد بيتي كالكلب ليلاً، مع اعتذاري الشديد لهذين الحيوانين اللطيفين، لكني على خير حال.

حاولت الوصول إلى الكاتبة بيد أني أخفقت في ذلك، فالرواية لم تكن موقعة، ووجه الكاتبة غير معروف ككل كتابنا، على الأقل بالنسبة لجاهل مثلي لايهتم بقبيلتهم المنبوذة. ولما لم تظهر، فكرت أن أقوم بنشرها باسمي مع الإشارة إلى أني لست كاتبها. لأجل ذلك أرفقت الرواية بتحذير لابد منه هو كل ما أضفت إليها مع هذا التوضيح، وهي أني أخلي مسؤوليتي عن كل ما جاء فيها.

وأعتذر أني أقحمت صوتي هنا، لكني كنت أمينا مع نفسي ومع القارئ المحتمل ومع الكاتبة بأن أعلنت ظروف كتابة الرواية ونشرها، وما أضفت فيها.

نعم، فشلت في الوصول إليها، وأتمنى أن يصل صوتها كما أرادت، وأن تظهر بظهور عملها هذا. ولا أخفيكم سراً أني تساءلت عن سبب اختفائها الذي تزامن مع انتهائها من كتابة روايتها التي عنونتها بالمطب، ووجدتني فعلاً في مطب حقيقي. خمنت أن "أصحاب الحال" ربما فازوا بها قبل أن تنشر كتابها، لأنها، وأنا أعترف هنا، تطاولت كثيراً على المقدسات.

ما أكثر المقدسات في بلادنا!

وما أشد ما تلد مقدسات بلادي!

فالله مقدس، والوطن مقدس، والملك مقدس، والشعب مدنس.

أقف قبالتي. أتأملني ملياً. أتأكد من أني أحمل الوجه ذاته. أبلله. ألتقط منشفة. أضغط بها عليه بإصرار. لم يتغير شيء. غاب الماء وظل الوجه يحدق بي ببله. أدرك أن الأشياء تعدو فارة مني، وأنها تغيرت وتتغير بنسق مرتفع، بينما أستمر في حمل جسدي بملامحه الثابتة.

حركة مفاجئة على مقبض الباب. ربما أمضيت ببيت الراحة أكثر من حاجتي إليها. أعلم أنه بيت واحد فقط بينما كثر أولئك الذين يرغبون في الراحة. بطرف شبه ناعس أكتشف خطابات استلقت على ظهر الباب الخشبي قرنت بأرقام هواتف. تبرق في رأسي فكرة أن أدون رقماً منها في حال تعسرت عليّ سبل إيجاد مكان يأويني أملاً في الحصول على عش دافئ في ليل المدينة الباردة.

أفتح الباب بهدوء. أقرأ اعتذاراً رقيقاً عفت عنه عينا شاب ودود، ربما هو صاحب الرقم الذي دونته متفاجئاً أني أحمل قلماً معي. لابد أن الآخرين أيضاً صحبتهم أقلامهم إلى هنا. نحن نكتب عادة أشياء تشبه الأماكن التي نعلق فيها ما نزعم أننا نود اقتسامه مع الآخرين. كان الاختيار صعبا، إذ شدّت عنايتي إلى أول ما قرأت: (أصم، أبكم يبحث عن رفقة ليلة. الهدف إرواء الجسد). انتقلت إلى آخر (إذا كنت فحلا فأنا في انتظارك على شوق). وقرأت أيضاً (معول يبحث عن أرض يودعها سره). تساءلت لمَ لايتواصل الأخيران، سيشكلان برأيي زوجا رائعا ولو لليلة واحدة، لكن ما شأني بهما، يبقى الأهم في نظري، ليلتي هذه. كيف وأين ورفقة من سأقضيها؟ كلهم تركوا هواتفهم إلا من كتب (احذروا السيدا). لم أستطع الانتقال إلى الجدران والسقف والشقوق، إذ كنت حسمت أمري، كما أنه علي ترك المكان لغيري.

أفكر أن الشاب ودود النظرات أتى المدينة لاجئا مثلي تماماً ينشد دفئاً يغنيه عن غربة قاسية. وددت أن أقول له مشيراً إلى رقم الأصم الأبكم: (رجاءً، لا تعبث مع صاحب هذا الرقم، إنه فرصتي لهذه الليلة). فكرت ألا أعطيه قلمي إن طلبه مني، وليعتكز على ذاكرته إن أراد الظفر بشيء.

تقودني خطواتي العمياء إلى قاعة صغيرة يرشح منها هدوء مريب. في ركن قصي ألقي مؤخرتي على كرسي خشبي غير مريح. على الطاولة أجد علبة تبغ وأوراق بيضاء غير طاهرة. أخرج سيجارة من العلبة. ألتقط فيها أنفاسي وعبثاً بعضاً من هدوئي. تسيح نظراتي المهرولة في المكان محاولة فهم ما يحدث. هدأة هذه المقهى تثيرني وتلقي بي إلى وهاد الحيرة والتساؤل. أخلص إلى أن هناك خلل ما.

بتثاقل يتقدم مني كهل يجر رجليه جراً. أتخيل أنه مراوغ بارع لموت متربص به في كل زوايا الحياة. يبتسم في وجهي بلا معنى وهو يضع قهوة سوداء على الطاولة. أرغب في قول شيء. يصيب لساني شلل طارئ. ينصرف قبل أن أعثر على كلمات مناسبة. وددت أن أجد صيغة لبقة لأسأله: كيف عرف أن القهوة السوداء مشروبي الوحيد وأنا لم أطلب شيئاً ولا أعتقد أن بيننا معاملة سابقة؟

متذمراً أفرغ كأس ماء بارد في جوفي المستعر. أيعقل أنهم لا يدركون الخطر المحدق بنا جميعاً؟

المقهى صغيرة جداً حد أني أكاد أسمع وشوشات زوج عاشق مقابل لي تماماً. خمسينية تضع شالاً أحمر ونظارتين سوداوين للتمويه، (لعلها تخفي بهما بعض كدمات وجهها البشع) تراود عشرينياً يحاول إخفاء ورطة الظهور العلني لصفقة مشبوهة. تدفعني الظروف المحيطة بهما إلى الاعتقاد أنها غير راضية عن الثمن المرتفع الذي وضعه لجسده، كما تلك الذبابة التي ظلت تطوف بها كأنها موثوقة إليها بخيط خفي. لاشك أنها ترى أن العشريني بالغ كثيرا، وأنها تحاول تذكيره أنه ليس الوحيد المتوفر. وبدا أنه واحد آخر ممن عرضوا أجسادهم للبيع في مدينة لا تعترف بغير التجّار الشطّار. لاأعتقد أنها المرة الأولى التي يلتقيان فيها، إذ ومن خلال طريقة الجلوس والحركات والنظرات تبدو زبونة دائمة تجبر دوما على المرور من هذه المرحلة الممهدة للقائهما أو الطقس الإجباري قبل أن تنض عنه ثيابه الرخيصة وتبكي شبابها المولي على جسده العليل.

تباً لهما! أيعقل أن يتحدثا عن مشروع هذه الليلة وكل المدينة في خطر؟ تباً لي أنا أيضاً! فقد فكرت قبل قليل في مشروعي الشخصي لهذه الليلة، إن عفا عني الموت واهتم بآخر غيري، هذا النادل مثلاً.

أبصر الشاب الودود يذرع المقهى بخطوات واسعة، كأنما ليداري عملا غير لائق قام به. أفكر أنه يمكن أن يحل محل بائع الجسد إذا استمر في عناده واستغلال المرأة المسكينة التي لاتطلب إلا جسدا نضراً يمسد جبين وحدتها. لو استطاعت المرأة سماعي، ولو وثقت برأيي لاقترحت جسدي عليها. ماذا سيضيرها؟ هناك بقية من كل شيء، ولن تشعر بفرق كبير بين جسدينا ووتيرة ممارستنا للحب مادمنا نبكي على ما مضى ولانطمع أكثر مما تحت أيدينا. أعلم أن الشاب دخل بيت الراحة بحثا عنها، وراحته تكمن أساساً في كتابة خطاب أو تدوين رقم هاتف. لو ملكت هاتفاً إذن لدونت رقمي أيضاً. فكرت في العبارة المناسبة التي كنت سأضعها في فسحة الإعلانات هناك: (لاجئ يبحث عن مأوى لهذه الليلة، ومستعد لتنفيذ كل رغبات مضيفه).

من عقب السيجارة الأولى أشعل أخرى وأغتال السابقة بسادية وتشف.

مقدم أخبار متجهم الوجه يطل من جهاز التلفاز على الجانب الأيسر. أراه يحرك شفتيه بعصبية واضحة. سمعي على ما يرام بدليل سماعي لهذا الفالس المحلق في المكان وأنفاس الموت المتعقب للنادل ووشوشات محمومة لصفقة أجساد أمامي بيد أني لم أستطع سماعه. أعلم من ملامحه أن المصيبة كبيرة لايستطيع إخفاءها خلف كلماته المكتومة. هم كذلك دوماً. يصرون على الكذب المدفوع الأجر إلى أن يفضحهم خوف وجوههم المحتقنة، أو بلل سراويلهم المستأجرة من عشاق زوجاتهم. غريب فعلاً أن أحداً لم يعره اهتماماً. العاشقين والنادل والشاب صاحب النظرات الودودة والموت، كلهم منشغلون بمشاريع ليلتهم الآتية بخطى واطئة. لو أن أحداً لم يأمر بإخراسه إذن لسمعوه يخبرهم ما حدث لمدينتي، وإذن لانهارت كل مشاريعهم الآتية ولانصبّ كل عملهم على كيفية التودد للموت أو محاولة مراوغته. أعرف شخصاً يبرع في ذلك!

وجيب صدري المرتفع يكسر صمت مدينتي الميتة وأنا أرقب جيوش الغزاة بأحذيتهم الأنيقة وخطواتهم العابثة يغتصبون كل ساحاتها العذراء. الدماء مهرقة على الأسفلت في ليلة مأتمها. ندمت أني عشت خارج جغرافيا تاريخها، وأني ركنت إلى شرودي المزمن. متأخراً أدركت هول مخطط ناري أحيك حولنا بإحكام وشيطنة. أشلاء متناثرة في كل مكان تصطدم بها خطوات فراري. أتعثر مرة بجثة طفل صغير، وأخرى برأس شاردة تبحث عن جسد أضاعته في زحمة الموت.

المدينة ظلت صامدة في أبواق إعلامنا، ورأيتها في الواقع تترنح قبل أول طلقة.

نحن نسطر مفاهيم جديدة للضعف!

لم تكن الجيوش الغازية رحيمة بنا كما لم نكن رحماء بأنفسنا. كلما ازدادت هشاشتنا، كلما أمعنوا في إذلالنا. استعرضوا عضلاتهم وقوتهم وجربوا فينا جديد أسلحتهم، ومارسوا دورهم كأسياد حرب من طرف واحد. أهدونا الموت بكرم، وجعلوا الشمس ترحل دون رجعة عن سماء مدينتي التي سكنها لون الرماد. "النابالم" و"الفسفور" نثرا أرديتهما السحرية وتمططت أياديهما لتسكن حتى الشقوق.

بصعوبة أتذكر صورة مدينتي كما عرفتها دوما. كانت مسكنا محببا للطيور والحدائق، ومرتعا للأحلام البيضاء رغم أن قدرها أسلمها لأياد طائشة امتدت للرياحين في مساكنها، بيد أنها لم تنجح في اغتيالها. ظل الأمل يحيى في زوايا رطبة تنتظر أن يصلها النور، إذ تعفو عنه صدور الرجال. لم تنتظره من مكان آخر وفاجأتها الدبابات بأوار كشفت قبح الإنسان.

بمدينتي سقط رأسي من أبوين يمتهنان التدريس. شغفت بالأدب صغيرا، وتجرعت منه بنهم. حاولت الكتابة مذ كنت في المرحلة الإعدادية، وشجعني والدي دوما بكلمات من قبيل: "اهتم بدراستك ودعك من هذه الخربشات فهي دون المستوى". كنت أختار الوقت المناسب لأعرض عليه ما أكتب متحينا مناسبات أقدر صفاء مزاجه فيها، فكان يتلقى ذلك مني بصدر رحب وإن كان ذلك يسهم غالبا في صب جرعات كدر على مزاجه. تمنيت دوما أن أصل إلى مستوى أختي الكبرى أو الشاعرة كما كان الكل يلقبها، بما فيهم أبي، وأن أحظى ولو بربع النجاح الذي حققته قصائدها التي أتخمت بها زوجها قبل أن يخرج في أحد الأيام دون أن يعود، وعزت الأمر لنشاط معاد لمصلحة مدينتي بينما ذهبت والدتي في سرها إلى أنه فرّ منها بعدما أرهقت أيامه بقصائدها الجميلة وأربعة أبناء في السنوات الخمس الأولى لزواجها عملا بنصيحة أمي التي لم تكن تجد الوقت لسماعي، وأظن أنها كانت مسألة رغبة أيضا، فما كنت أصرّ على ذلك. لكنها كانت أوقاتا ممتعة جدا، وذكريات مورقة أحن إليها الآن بعدما أحالوا بيتنا كما البيوت الأخرى إلى خرابات تسكنها الريح.

كنا نسكن شقة في الطابق الثاني من عمارة مخصصة للعاملين في سلك التعليم. صغيرا اكتشفت السياسة أيضاً بسبب والدي. كانت سبب طلاقة لسانه قبل أن تلقيه إلى وهاد الصمت الغائرة. كان كل كلامه تذمرا وانتقادا للرداءة، بحسبه، التي تسكن مدينتي، ولم يحاول إخفاء تبرمه من كل شيء. مدينتي مدينة الثورات بامتياز، ولايقر بها نظام أبدا، بل فوضى عارمة. فما إن تصعد شرذمة إلى الحكم حتى تضرب دون تمييز ولاتفرقة، وغالبا ما تأكل أبناءها. ولعل من اخترع تلك المقولة المأثورة كان أحد أبناء مدينتي أو شخصاً درس أحوال بنيها. والدي كان على علم بذلك وانخرط مبكرا في ثورة أمل أن يكون فكها ليقضم إخوته من الثورة الأم، وينقض عليهم بيد أنه أخطأ حساباته وتدحرج إلى القاع حتى قبل أن يتنفس هواء الحكم من القمة.

أخفى الأمر على والدتي، وجعل من شقتنا الصغيرة مقرا للقيادة السرية لأبناء الثورة الأحرار. أحدهم أمر يوما أن يرحل بعيدا عن الشمس. كانوا رحماء به إذ لم يسفكوا دمه، والناس كانوا يموتون في مدينتي لسبب أتفه من كونهم يهتمون بالسياسة.

أما والدتي، فكانت تنظر للسياسة باحتقار كبير وزراية واضحة. كانت تنادي الساسة والمتعاطين لها بالكلاب. وموقفها واضح جدا وهي لاتحتاج أن تشرحه لأحد. وإذا كانت تضع العظم المكسو باللحم، عندما يتوفر على مائدتنا، أمام والدي فليس في الأمر أي إيحاء، فكلنا نعرف أنه يعشق العظم حتى النخاع، لكن وبعد أن اكتشفت انخراطه في الثورة بشكل مباشر، وفاحت رائحة غريبة منه، أضحت تلقي العظام أمامه وتصحبها نظرة لم يكن أحدنا، حتى أبي، ليخطئها. وحين اختطف والدي بكينا أنا وأختي، بينما ظلت أمي رابطة الجأش ولم تزد على كلمة زفرتها بمرارة: "الكلاب".

حين اختفى والدي عشنا عزلة حقيقية. حتى الجيران الذين كانوا يتوددون له بفضل منصبه القيادي في الثورة رفضوا رد تحية الصباح على الرغم من أن العمارة حملت اسمه الشخصي ولقبنا العائلي، بعد أن جادت عليه قيادة الثورة بلقب مفقود الحرية. لم تبال والدتي بكل ذلك بل تحملت عناء تربيتنا بإصرار وحزم، واتخذت تدابير صارمة بخصوص وضعنا الجديد كان أهمها خلو أطباقها من اللحم.

لم تعد العظام إلى البيت إلا حين فاجأتنا شمس أحد الأيام بكتلة من العظام البارزة، ونظرات زائغة وطيف رجل يشبه والدي ممعنا في صمته، وزاهدا في الحديث عن مكان اختفائه وما صنع بجسده وروحه طيلة تلك الفترة. حينها لم تجد والدتي بداً من تقديم عزاء له بتحضير أطباقه المفضلة، وطبعا عادت العظام إلى مائدتنا، ولكن ليس طويلا، إذ حاولت إرغامه على ذلك في البدء بيد أنها استسلمت لعناده ولقراره الأخير، فراق أبدي مع العظام والسياسة.

وعلى الرغم من أنها شقيقتي، تربينا وكبرنا معا، وجمعتنا جدران شقة واحدة، واقتسمنا الأيام بكل ألوانها، إلا أني لم أكن أعرف لها اسما آخر غير الشاعرة. كذاك وجدتهم ينادونها فدعوتها مثلهم.

كانت الشاعرة تكبرني بحوالي سبع سنوات، ولم تكن بيننا ألفة بادية. تفتقت مواهبها كما يبدو باكرا، واستطاعت أن تؤنس ليالي أسرتنا الصغيرة بكلماتها المنظومات. كنت مستاءً جدا من إعجاب والديّ بها، واستغربت كيف وجدت والدتي وقتا لسماعها.

كبتت طويلا غيرتي منها، والمكانة التي خصتها قصائدها داخل شقتنا. كانا يعاملانها باحترام مبالغ فيه أحيانا، وكانت مبعث فخر لهما حين يزورنا ضيف، وساهمت في زرع الحماسة في صدور رفاق والدي الذي وجّه شعرها نحو ما يريد، فأضافوا الثورة إلى لقبها الأول، ولم يحذفوه إلا عندما حذفوا والدي من المشهد.

لم أعترف لها يوما بالموهبة، ولم تحركني قصائدها التي وجدتها دون المستوى، وأحسب أنها كانت تعلم مشاعري نحوها، وأنا أكيد من أنها كانت متبادلة، حتى إني كنت السبب في طرقها باب الهجاء مرة واحدة، إذ خصتني بقصيدة عصماء لم يستطع الباطل أن يأتيها من أي زاوية حاولت حشره منها، فسخر مني كل من سمعها، ولست أدري من ساهم في إيصالها إلى زملائي في المدرسة وتداولها بينهم مدة غير يسيرة، بل إني تفاجأت أن بعض الكسالى حفظوها غيبا على طولها وهم الذين ما كانوا يستطيعون ترديد بيتين للمتنبي رضي الله عنه.

بسببها صرت أكره الشعر والشعراء، حتى بت أرى الشعر خراء، كإله مدينتي الذي يكره الشعراء أيضاً وهو سارد بامتياز يستمتع بإطلاعنا على حكاياته في كتابه.

صحيح أني كنت أغار منها، لكني على الأقل لم أسئ لها، ولست أفهم لليوم لمَ خصتني بذاك الشرف دونا عن أولئك الذين أساؤوا لها؟ زوجها مثلا.

لم أستسغ نجاحاتها المتتالية، وصيتها الذي تجاوز العمارة ورفاق والدي وصويحبات والدتي، وحينا وزملائها في الدراسة وأساتذتها. ورغم أني كنت على يقين من أنها سرقت النجاح مني إلا أني أحسست فراغا كبيرا حين غادرت شقتنا. أعجب أحدهم بكتاباتها وكان بلامواهب تذكر، فلم ينتبه لشكلها (كنت أناديها في سري "كيس البطاطس")، على الرغم من جمال وجهها الذي لم يعبه إلا أنفها الضخم الذي لم يكن متساوقا مع فمها الصغير، وجبهتها الدقيقة، وذقنها المحجوب بأكوام الشحم المتربع على كل ملامح جسدها، وشبه حول في عينها اليمنى. اجتمعت كل هذه المزايا كيفما اتفق في وجه مليء بالبثور والشحم.

أبناؤها الأربعة الذين لاأذكر أسماءهم أيضا ولاألقابهم مذ جئت إلى هذه المدينة، لايشبهونها عدا ابنتها التي حملت ملامح وجهها (حول عينها اليمنى كان أكثر وضوحاً)، وبدانتها الخفيفة (نظراً لصغر سنها لم أنادها بكيس البطاطس ليس تعففا مني ولكن وفاء مني للشاعرة)، بيد أنها كانت كوالدها بلامواهب تذكر. ولست أذكر إن أنجبت أبناءها قبل أم بعد زواجها فذاكرتي اللعينة أسقطت كل تلك التفاصيل الصغيرة منذ مدة طويلة. فوجئنا والدتي وأنا، ذات صباح بطرق حاد على باب شقتنا. كان يوم أحد لن أنساه ما حييت. عدوت باتجاه الباب متوقعا أمرا هاما، كأن يعود والدي مثلا، إلا أني فتحت الباب على وجه الشاعرة الذي زاده البكاء بشاعة، إذ كانت عيناها منتفختين. ارتمت على صدري مجهشة، ثم قالت: أخذوه أيضاً.

حاولت عبثاً التقاط أنفاسي إذ كنت على وشك الاختناق لأنها كانت تضمني إليها بقوة، كأنما لتعوض كل سنين الخلاف بيننا لتجهز علي في مناسبة كتلك حيث أخذوا زوجها. لكن من أخذه؟

تسلل أولادها من خلفها مقتحمين الشقة التي لن يخرجوا منها إلا راشدين سنين بعد ذلك. لم يشبه أحدهم زوجها الذي أخذوه، بل إن أحدهم لم يكن يشبه الآخر، حتى إن واحدا منهم كان زنجياً ولست أدري ما علاقة ذلك بحكاية ترجمة إحدى قصائدها إلى اللغة الزنجية.

خرجت والدتي من غرفة نومها. قبلتها بحنو على جبهتها، ومسدت شعرها، ولم تقل "الكلاب". حاولنا تهدئتها وطمأنتها بأنه سيعود منتحلين لغيابه الأعذار، فقلنا لها مثلا (لاشك أنه نسي نفسه قليلاً عند إحدى عشيقاته)، أو (ربما تاه في المدينة وقد يجده أبناء الحلال فيعيدونه لك)، لكنها لم تكن تسمع ذلك منا، كأنها كانت تحس أنه خرج كي لايعود، مستحضرة شجاراتهما الدامية. خمنت أنه ركب البحر فرارا بعدما أضحى يرى صورة الوجه نفسه الذي يراه غيره متفاجئين كيف أمكنه تحمله وصاحبته كل تلك السنين، أو قد يكون صعد قطار إحدى صاحباته، بيد أننا أبعدنا أن يكون قرر الانتحار بتناول جرعات كبيرة من سم السياسة.

لم تكن الشاعرة تشبه أمي في شيء، لأجل ذلك قررت عدم الاستكانة للانتظار، وخرجت بحثا عنه مخلية أبناءها لنا، دون أن تأخذ رأينا، فالمفروض أننا سنتحملهم في المحنة التي يمرون منها. فكرت ساعتها أنها كانت تعيد لأمي نتائج نصيحتها التي لم تجد في جعل زوجها يظل وفيا للحضور.

عادت الشاعرة بعد ذلك مرة فقط لتحضر حقائب ضمت ملابس وكتب وحاجات عيالها، ولم نعد نسمع عنها شيئا بعد ذلك، حتى إنها لم تشهد عودة شبح والدي قبل أن يتلاشى بيننا أياما بعد ذلك. عندما رأيناها في المرة الثانية، كانت بادية التعب كأنها لاتنام الليل والنهار. لم تزفر والدتي بمرارة كما أنها لم تقل "الكلاب".

استطعنا بالعادة وبالإكراه أن نألف الوضع الجديد، وتمكنا جميعا من تحمل بعضنا البعض، وعايشت اختيار والدتي لعزلة مقدسة. أقفلت على نفسها أبواب عوالمها الصامتة، ولم ينجح حتى شغب الأولاد في أن يقتحم سياجاتها. قسمت وقتي بين تربية أبناء الشاعرة وأبناء مدينتي الذين يتناوبون على فصلي، وكنت إذا وفرت بعض الوقت أركن إلى الكتابة عزائي الوحيد. تناولت مواضيع متفرقة في قصصي وركزت على التحولات الكبيرة التي ألمت بمدينتي، فقد رأيت الإسمنت يزحف على المشاعر، وارتفع معدل البؤس في عيون الناس، وانتشرت الجريمة بكل أنواعها من التخلي عن الأبناء في الشوارع أو عند الأقارب إلى الكذب السياسي. الشيء الوحيد الذي ظل ثابتا في مدينتي على غير العادة، الزعيم الذي توحد مع الكرسي. فهذا الرجل معمر جداً، ولاتبدو عليه شيخوخة أو وهن. شاخ الكرسي تحت مؤخرته واهترأ، ثم أخذ في التلاشي. لم ينجح في تغيير تكرار المشهد على الرغم من أنه كان بين فترة وأخرى، يغير معاونيه بأن يكنسهم من حواليه دون أن تعرف مصائرهم ويأتي بآخرين يعلمون أنهم سينتهون إلى ما انتهى إليه من سلفهم من معاونين أو مشتغلين بالسياسة، غير أن ذلك ما كان ليمنعهم من الاستجابة لدعوته، لأن أحدا لم يجرؤ يوما على مخالفة أوامر الزعيم، كما أنه كان ينتقيهم بعناية بعدما يدرس أحوالهم وطباعهم، لذلك كان يعرف أنهم لن يرفضوا انتحارهم ذاك مخافة التعجيل بالرحيل أيضا، وهكذا كانوا يعمدون إلى استغلال فترة تواجدهم بمراكز السلطة ليؤمّنوا لذويهم فرص عيش أفضل بعد موتهم. كان الأمر أشبه باستثمار أو مقامرة، ولم يكن الزعيم يلتفت للثروات التي يتركونها لأهاليهم في تواطؤ واضح، كأنما يجعل من ذلك تأمين غياب أو دية تقدم لأهل الراحل.

بعد تجارب قصصية ناجحة، لم يقرأها أحد إذ ظلت كلها حبيسة غرفتي، قررت يوما أني أستطيع كتابة الرواية، ليس لأني أعتبر القصة تمرينا أوليا على الرواية أو انتقاصا من قدرها لكني وددت أن أخلد اسمي بعمل كبير يكون خير تعبير عن التحولات الكبرى التي عرفتها مدينتي. أردتها وثيقة تتحدى الروايات الرسمية، والرؤية الواحدة التي تخضع للكذب والزيف.

شيء آخر كان وراء قراري ذاك. أردت أن أخلق لنفسي عالما موازيا أستطيع الانزلاق إليه فرارا من نمطية حياتي. فالأولاد بدأوا يكبرون، ولاجديد تهتز له حياتي. فحياتي العاطفية مستقرة جدا ومنذ سنوات، لأني وبكل بساطة لم أجد واحدة تقبل بي، لأجل ذلك كنت أتردد على حي الباغيات مرة واحدة في الشهر لمقابلة إحداهن وإفراغ عقدي داخلها. كنت حاسما منذ البداية وذلك باتخاذي لقرار صعب لايعكس توقي للمغامرة ولتجريب أشياء جديدة، بقدر ما يفضح خوفي من السقوط بين أحضان إحداهن. وهكذا انتهى بي الأمر إلى ألا أجامع باغية منهن أكثر من مرة واحدة، وطبعا لم أكن أخشى أن يتعرض قراري للفشل في أن أنتهي من دورتي الكبرى بحي الباغيات لأعاود الدورة الثانية وبالتالي مضاجعة الباغية الأولى التي فضت بكارتي، لأن الحي، ككل أحياء مدينتي، لم يكف عن التمطط إذ كانت حركة التحاق وافدات جديدات عليه لاتتوقف أبدا. وليتسم طقسي بالدقة والتنظيم، عمدت إلى وضع رسم للحي أسعى إلى إضافة أي بيت جديد يطرأ عليه، كما أقوم بوضع علامة تميز البيت الذي أزوره والفتيات اللواتي أضاجعهن فيه. فكنت أقضي في البيت الواحد أحيانا شهورا طويلة لكثرة ما ضم من باغيات، كما أني كنت أحرص على رصد وتتبع حركة الباغيات وانتقالاتهن من قوادة إلى أخرى. ونتيجة لملاحظاتي التي حرصت على إرفاقها كتابا عن حي الباغيات، وجدت أن النساء المنتسبات إليه واللائي ضاجعتهن متشابهات جدا حد التطابق، وهو ما جعل مهمتي غاية في الصعوبة.

استمرت عادتي السرية تلك مدة طويلة، صرت خبيرا فيها بآداب وفنون المعاشرة وشؤون وأحوال الباغيات، ولم أقلع عن تلك العادة إلا عندما دخلت مرة أحد البيوت. أديت عند الباب للقوادة كما تقتضي قوانين البغاء. كان بيتا عاديا من أربعة طوابق ككل بيوت حي الباغيات، ويتشابه معها أيضا في لون الطلاء الذي كان أحمر قانيا، وكان ينادى أيضا في المجالس الرسمية بالحي الأحمر. رحبت بي القوادة وقالت العبارة التي ترددها كل القوادات في مثل تلك المناسبة: (أتمنى لك المتعة أيها العزيز). قصدت إحدى تلك الغرف التي ترشح منها رائحة الشهوة والرغبة. لم تعد تثيرني تلك الروائح كثيرا لشدة ما ألفتها، وكنت قد زرت البيت نفسه أكثر من سبع مرات، وكان بإمكاني أن أزوره أكثر من عشرين شهراً قادماً لكثرة ما ضم من غرف وبغايا. كان الضوء خافتا حتى إني بالكاد استطعت الاهتداء إلى السرير حيث استلقى جسد عار هناك. استشعرت شيئا غريبا عند أول لمسة، عندما وخزتني تلك الأنفاس المصطنعة. كان الجسد أليفا جدا، واستبعدت أن يكون لباغية سبق وأن ضاجعتها. غيرت زاوية جلوسي وأيقظت كل حواس انتباهي. استطعت أن أرسم ملامح وجهها بدقة فانتفضت من مكاني وخرجت مهرولا وسؤال يجلدني بعنف: كيف انتهت رحلة بحث الشاعرة عن زوجها المفقود إلى هناك؟

استبعدت في زياراتي السابقة لحي الباغيات أن أقر أنهن كنّ يشبهنها جداً، بأجسادهن المكتنزة، وطبقات الشحم المتراكم بلا انتظام تحت جلودهن التي تفرز روائح مقززة كأفواههن تماما. لكني لم أستطع وقد قابلتها جسدا لجسد أن أستمر في خداع نفسي والكذب عليها. ولم يبد أن الشاعرة تعرفتني أو تذكرتني، ليس فقط لأن الضوء كان خافتا ولكن، وهو الأرجح، لأنها ككل الباغيات، اضطرتها الحاجة إلى التخلي عن ذاكرتها.

ثم إني ألفيتني بشقتي أتلفح بدثر من غاب من أهلها. فبعد رحيل والدتي الصامت، غادر الأولاد تباعا كل إلى وجهة مختلفة. فحين تعلل الزنجي بأنه سيسعى إلى معرفة جذوره عن طريق رحلة بحث قد تستغرقه حياة أخرى، قرر أصغرهم الانضمام إلى سيرك لايكف عن التنقل دون أن يكلف نفسه عناء شرح الموهبة التي جعلتهم يأخذونه في طريقهم. من جانبي تمسكت بقراري بعدم العودة إلى حي الباغيات أبداً، فقد خشيت أن أصطدم على فراش المتعة الباردة بجسد فتاة ربيتها ونسيت اسمها وكانت تشبه أمها الشاعرة. أما رابع البنين فسأكون كاذباً إن تحدثت عن معرفتي بمصيره. فما إن اشتد عوده حتى غاب كما رحل عن ذاكرتي كأنه لم يوجد أبدا.

واستعضت عن طقس تلك الزيارات بالعودة إلى دفتر الملاحظات القديم، وبالذهاب إلى مسرح مدينتي. ولم يدر بخلدي لحظة واحدة أن عادتي الجديدة ستكون منعطفا كبيرا سيقلب حياتي كلها، إذ أنني سأقابل الحب لأول وآخر مرة هناك، وأي حب كان!

يجب الاعتراف قبل كل شيء أن رياح التغيير كانت قد بدأت تهب على سياسة الزعيم نتيجة للإكراهات الخارجية. فمدينتي رفعت الانفتاح شعارا في وجه المنتقدين، وكذا لكسب ود المدن الصديقة وتجنب شر المدن المعادية، ولإخماد الأصوات التي تقول إنه يستأثر بالحكم كل تلك المدة، وأنه وزمرة من أتباعه في جزيرة معزولة عن الأهالي الذين يموتون في صمت. من أجل ذلك سمح ببعض المظاهر التي لم يكن مقتنعا بها في البداية، فحث مستشاريه على تشجيع تنظيم معارض فنية ومهرجانات للسينما والرقص، وإرسال دعوات إلى بعض الفنانين والكتاب والمثقفين وفرق مسرحية... إيمانا منه بأنها طبقة مؤثرة في سياسات المدن التي يأتون منها، ولبعث نوع من الحراك وخلق الفرجة للأهالي الجائعين، لتصريف غضبهم في الفرجة تماما كما يفعلون في مباريات الكرة.

وهكذا عادت الحياة لمسرح مدينتي، بعرض واحد في الأسبوع يتدافع الناس لحضوره. واستطعت أن أنظم وقتي وأحضر مرة في الشهر، وهي المرة التي تستدعى فيها فرقة مسرحية من خارج مدينتي لتقديم إحدى عروضها. وطبعا لم يكن الأمر بالسهولة المتوقعة، فنص المسرحية والحوار والشخصيات وما ترمي إليه كانت تمر عبر لجنة للرقابة حتى لاتهدد الأمن العام لمدينتي، وسلمها الاجتماعي والأمن الخاص لصاحب مدينتي وحربه ضد الكل.

وأثبتت اللجنة السرية المكلفة بالرقابة محدوديتها وسعة جهلها، إذ شاهدت أكثر من عرض ينطوي على أفكار لو غاص أصحاب المنع فيها لما اكتفوا بالمنع فقط بل لربما تجاوزوه إلى الإيقاف عن مزاولة الحياة.

وكانت عادتي أن أصحب كل أناقتي إلى تلك العروض، إذ كنت أضع بدلتي السوداء المفضلة وقميصي الأبيض بربطة عنق متجهمة كلون حذائي تماماً، وكنت أحرص على تبليل شعري، وتركه يرقد مستريحا إلى الخلف دون أن أغفل عطري الذكوري الخفيف، وهي الطقوس نفسها التي كنت ألتزمها وأتقيد بها في مرحلة حي الباغيات.

وكما أني كنت أستفيد في زياراتي لحي الباغيات بأن كنت أخرس صوت الحيوان الذي يسكنني، فإن طلعاتي الشهرية للمسرح المديني شكلت لي غذاءً فكرياً وروحياً مهماً أغنى معارفي، وطور من تقنياتي في الكتابة من توظيف ذكي للحوار، وتطوير لتقنية الحكي التي وددت إسقاطها على عملي الروائي المرتقب. وهكذا كنت حال عودتي، أدون ملخصاً عن المسرحية التي حضرتها، وما استنتجته من إعمال للرمز المقنع كقناة لتمرير وجهة نظر الكاتب في حيلة كانت تمر حتى على اللجنة السرية المكلفة بالرقابة، وذلك حتى أفيد منها، لأني كنت أجبن من أن أجازف بحياتي عند أول سطر أكتبه، زد على ذلك أن سوق الكتب لم تعرف إلا كتباً ترمز لزعيمنا ومدينتي التي ترفل في نعيمها، بعد الانفتاح الذي عرفته حياتها الثقافية والفنية.

وهكذا ألفيتني ذاك السبت أقف في الطابور الطويل المفضي إلى مدخل البناية المعدة للعروض. أخذت أخطر في الوجوه البليدة التي كانت توزع الابتسامات فيما بينها في عادة لست أدري من أين تسللت إلى مدينتي. رددت بيني وبيني عنوان المسرحية المرتقبة كما قرأتها على الأفيش "حقيقة ساندريلا"، وهي لفرقة قادمة من مدينة الثلج والبياض. وبطبيعة الحال، كنت أعرف قصة ساندريلا وما قاسته من زوجة أبيها، وابنتيها، وكيف كوفئت على صبرها بيد أني لم أتوقع أن تفصح مخيلة كاتب النص عن حقيقة أخرى لهذه الشخصية الوديعة. كان يود أن يقول من خلال تقديمه لتلك الشخصية أن الشر كما الخير ثاو بصدر الإنسان، وأن السلوك هو نتيجة حتمية للظروف، تتلون بحسبها. فعندما وصف النص الأصلي ساندريلا بالبراءة وتعرضها للظلم، كان يعتكز في ذلك على الظروف المحيطة بها من يتم وتسلط زوجة الأب وفقرها وحاجتها لمن يأويها، وكافأها في الأخير بزواج غير متوقع من أمير البلاد بعد أن أغرم بها في تلك الليلة الراقصة التي عرفت تدخل ساحرة خير.

كانت من المرات القليلة التي استطعت أن أنغمس كلياً في جو العرض، ليس فقط لقوة النص وللطريقة التي كتب بها، وللتناول الذكي لشخصية عليها إجماع وذلك بخلخلة اليقين المتلعق بها، ولكن أيضاً للجدية التي تقمصت بها الشخصيات أدوارها، خاصة سندريلا التي كانت أول من ظهر على الخشبة في زي أميرة في مشهد فردي، تتحدث فيه مع نفسها بصوت مسموع بوجوب الانتقام من كل من أساء لها عندما كانت ضعيفة وبلاسلطة، وانطلقت تحيك الدسائس وتنصب فخاخها لأعدائها الذين ما إن يغيب الموت أحدهم حتى يظهر آخرون إلى انتهى بها الأمر معادية لأميرها الذي صار ملكاً بعدما تخلصت من والديه معا ومستشاريه الخلص.

كنت متأثراً جدا، وشعرت بأن قلبي يكاد ينط من بين ضلوعي، مستغرباً كيف استطاعت صبية تشبه ملاكا أن تجسد دور شيطان يتحرك. لن أخدع نفسي أو أبالغ إذا ما قلت إني أغرمت بها، مع علمي الأكيد أنها نجمة تسطع في سماء بعيدة لن أستطيع ملامستها. فزد على كونها تنتمي إلى مدينة الثلج والبياض فهي أيضاً تصغرني بكثير، ولاأعتقد أن لدي من الجاذبية ما سيسقطها في حبائل عاطفة نحوي إلا الضيق والتبرم، لكني بدوت كالمسحور بعد انتهاء العرض في طريقي إلى شقتي، ولم أستفق إلا أمام بائعة للورد تلاحق شابين عاشقين وتقول:

- الورد هدية العاشقين، سيدي.

كانت مثل لطمة تلقيتها على خدي، فهرعت إليها مشترياً كل ما فضل معها مستغربة، وقاصداً الفندق الكبير لمدينتي المخصص لكبار الزوار والذي توقعت أن تكون الفرقة نزلت ضيفة فيه.

بدوت كالأبله أمام عاملة الاستقبال عندما سألتني إن كان باستطاعتها مساعدتي، فقلت بربكة ظاهرة:

- ساندريلا.

فتحت عينيها بين الاستفهام والشك في رجاحة عقلي قبل أن أضيف:

- من تلعب دور ساندريلا في تلك المسرحية.

لم تقل شيئاً هذه المرة بل اكتفت برفع حاجبها الأيمن كأنما تطلب مني توضيحا فأردفت:

- ألا تقيم هنا تلك الفرقة المسرحية القادمة من مدينة الثلج والبياض.

اعتدلت ملامحها قليلاً وهزت رأسها بالإيجاب مستعيدة الابتسامة التي أقدر أنها صحبتها منذ أول درس لمقابلة الزبناء تلقته في معهد السياحة والفندقة الخاص بمدينتي. تجاهلت ذلك وقلت لها:

- أريد أن أقابل بطلة المسرحية.

بدا أنها تنتبه لأول مرة إلى سلة الورد التي أحمل في يدي، وكأنها استنتجت أني مجنون آخر يلهو بملاحقة النجمات، فقالت دون أن تنزع ابتسامتها الباردة:

- للأسف سيدي لم يعودوا بعد.

اضطررت إلى إخراج ورقة نقدية محترمة من جيبي وأودعها الفتاة التي لم تعترض، بل إنها مدتني بورقة وقلم طلبتهما منها لأخط عليها: "إلى ساندريلا الحقيقية.. جعلتني الليلة أستفيق". أخذت منها وعداً بأن تعطي الورد الذي زرعت الورقة وكلماتي بها، وجعلتها ظاهرة لفتاتي، وانطلقت في طريق عودتي.

هل كنت أستطيع العودة إلى شقتي وأنا على تلك الحال؟ طبعاً لا. فما مضى من حياتي كان هادئاً ذاك الهدوء الذي يسبق العاطفة. والحب وهي كلمة كبيرة فعلاً، جعلني أفقد اتزان خطوي وإعمال عقلي، وإلا لكنت على الأقل ألقيت نظرة على الأفيش لأعرف اسم فتاتي. وما إن خرجت من الفندق حتى وجدتني أنتصب أمام بوابته مباشرة، بعدما عبرت إلى الجهة المقابلة، منتظراً وصولها.

وهل كنت محتاجاً فعلاً لأن أبقي عيني متيقظتين كيما ألمحها عندما تحضر؟ طبعا لا. فقلبي كان سيعلمني بقدومها حتى قبل أن تدخل مجال رؤيتي، ومع ذلك، أبقيت كل حواسي متوثبة ترقب كل محيط الفندق.

ثم هل كان بإمكاني أن أحدد الوقت الذي وقفته هناك في انتظار طلتها؟ طبعاً لا. لأني وبكل بساطة كنت أنتمي إلى منطقة خارج الإحساس بالوقت وإدراك ما يدور حولي، ومع ذلك فإني أستطيع أن أجزم أني وقفت هناك فترة طويلة قبل أن أراها تصل في كامل أناقتها مرفوقة بآخرين خمنت أنهم أعضاء فرقتها وزملاؤها في المسرحية مع أني لغيتهم كلهم واستطعت أن أتتبعها وحدها، لأني وبكل بساطة قدرت أنها نقطة الضوء الوحيدة في الكون.

كان نبض قلبي شديداً كطرق على باب خشبي متهالك، وكنت شبه سكران غير منصت لصوت العقل الذي حاول أن يوقفني متذرعاً بأشياء رأيتها واهية من قبل (ماذا ستقول لها؟)، أو (إخجل ستجعل من نفسك أضحوكة، ليس فقط أمام أصحابها بل أيضاً أمام كل من سيشهد لقاءكما؟). انطلقت شبه مهرول عابراً الطريق، وغير منتبه لسيارة كادت تصدمني، وغير مكترث بصوت بوقها الغاضب. دخلت الفندق، وفي اللحظة التي أرادت أن تسلمها رسولتي لتلك الليلة الورد وكلمتي، كانت يدي تلامس السلة لتسحبها العاملة متفاجئة من حضوري. التفتت ساندريلا إلي، وقبل أن أقول شيئاً لمحت اتساع عينيها دهشة لتصرخ غير مصدقة:

- مستحيل!

ارتمت في أحضاني مجهشة، وتمكنت من رؤية زملائها وقد تحلقوا حولنا، والدهشة تعقد أعينهم وتعقل ألسنتهم ليقولوا فيما بعد بعبارات مختلفة ما معناه:

- مستحيل!

استفاقت من وصلة نشيجها، وأخذت تحدق بي دامعة العينين، وراحت تمرر يدها على وجهي قائلة:

- أين اختفيت كل هذه المدة؟

حاولت أن أشرح لها أن بالأمر لبس، وأنها ربما سكنت مناطق مظلمة من نفسي لم تنقشع إلا بعد أن رأيتها في عرض تلك الليلة، لكني جبنت عن ذلك، فلذت بالصمت مخافة فقدانها.

أخذتني إلى غرفتها، وأجلستني على كثب سريرها، وبعدما ملأت وجهي قبلاً قالت:

- لو تدري كم عانيت طيلة مدة غيابك.

استجمعت كل شجاعتي، وسمعتني أقول لها إني لست من تعتقد، وإنما حضرت إلى الفندق مفتوناً بها وبالدور الذي لعبته قبل ساعات على خشبة مسرح مدينتي، لكن يبدو أنها لم تقتنع بذلك تماماً، وتركتني أفهم أني أتصرف بغرابة تماماً كعهدها بي دائما، فجعلت تحكي لي عن حياتي السابقة وحبنا ما أكد لي أنها واهمة.

قالت إني تعرفت على والدتها التي كانت تكبرني بحوالي عقد ونصف عقد، وأن والدتها كانت ممثلة مشهورة جداً أغرمت بي وآمنت بمواهبي في الكتابة، وأني عشت معها سنين طويلة تحت سقف واحد بعد أن هاجرت من مدينة لم تكن تعرفها أنها مدينتي تلك، حين كانت سندريلا الحقيقية فتاة صغيرة. قالت إنها فتحت عينيها علي في البيت فتعلقت بي كأب قبل أن تقضي والدتها بسبب إفراطها في الشرب. أعلمتني أيضاً أننا ألفينا نفسينا وجهاً لوجه في البيت. كانت في ميعة المراهقة ولم تعرف غيري رجلاً فأحبتني وبادلتها الحب أيضاً لأني كما صرحت لها، رأيت فيها عزاء عن فقدان والدتها التي كانت تشبهها جداً، وتناسيت أني كنت أكبرها بحوالي عقد ونصف عقد. عشنا معاً ثلاث سنوات وخرجت يوماً، ولم أعد، ولم تستطع أن تنساني كما لم يكن بمقدورها أن تفسر سبب رحيلي الذي دام ثلاث سنوات.

في أثناء غيبتي، أخذت تبحث في أشيائي علها تجد جواباً لغيابي، فعثرت على مخطوط مسرحية بعنوان "سندريلا الحقيقية"، فقررت أن تجمع أعضاء فرقة مسرحية وتقوم بجولة بها في كل المدن علها تنجح في تكريم ذكراي.

استمرت في الحديث دون توقف إلى أن ثقل لسانها لكثرة ما قالت ولانفعالها، واستبعدت أن تكون نصف زجاجة الويسكي التي أجهزت عليها سبب ذلك، لكني رأيتها تنطفئ أمامي كمشهد مسرحي درامي، عندما أطبقت جفنيها واستسلمت لنوم عميق. أخذت قلماً خططت به على الورقة نفسها التي كنت قد دونت عليها كلمتي من قبل، عنواني ثم طبعت على جبهتها قبلة أبوية، لأنسحب والحيرة ترافقني.

لم يكن مرد حيرتي أني شككت في هويتي الحقيقية، لأني كنت على يقين من أن الأمر لايعدو عن تشابه بيني وبين حبيبها، إضافة إلى مجموعة من المصادفات والتفاصيل الصغيرة التي ما كانت لتخلخل ثقتي بنفسي، وبمن أكون فعلاً. فأنا أعرف أني كنت أعيش وحيداً في شقتي التي ولدت بها، منذ ثلاث سنوات عندما غادر أولاد الشاعرة، زد على ذلك أني بدأت زياراتي لمسرح مدينتي منذ الفترة نفسها، لكن بعد أن أجبرت على مغادرة حي الباغيات، ولدي دفتر الملاحظات الذي يثبت ذلك، والإثبات الفعلي يوجد في أوراقي الرسمية، مع أني لاأثق كثيراً بكل ما هو رسمي في مدينتي. أما لغة مدينة الثلج والبياض التي أتت منها تلك الشخصية، فأنا أتكلمها بطلاقة لأني درستها أزيد من عقد ونصف عقد، وهي اللغة ذاتها التي أدرسها للأولاد في المدرسة، في حين أني أميل إلى الرواية، رغم أني لم أكتب رواية من قبل، وعلى الرغم من أني جربت القصة من قبل، بيد أني لم أكتب في المسرح أبداً. أما سني، فصحيح أني أكبرها بأكثر من عقد، لكني لست متأكداً من أن الفارق السني بيننا هو نفسه الذي كان بينها وبين الآخر. لم أعد أذكر كم قضيت من وقت في محاولة للملمة بعثرتي، وإعداد دفاع أثبت به هويتي الحقيقية حتى تمكن مني النوم أخيراً.

كانت ليلة غريبة تخللتها كوابيس مزعجة لم ينقذني منها إلى جرس الباب الذي أخذ يلح علي كيما أستفيق. قصدت الباب بخطوات متثاقلة. فتحته لأجدها شبه نائمة بملابس الليلة الماضية. لم تلق تحية أو تبتسم في وجهي. كل ما بدر عنها صوت حاسم في قولها:

- لن أسمح لك بالهرب مني مجددا.

فسحت لها المجال لتدخل، وبدا لي أنه من غير المعقول أن أستمر في معاندتها، منتهياً إلى الاعتقاد أنه من المستحيل أن نبدّل قناعات الآخرين، حتى عندما يتعلق الأمر بنا، فقط لأننا نختلف معهم في ذلك. فهم يروننا بعيونهم، ولن ننجح مهما حاولنا، في جعلهم ينظرون إلينا كما نريد أو كما نظن أننا عليه في الواقع.

اخترقتني تلك الفكرة في ثانية، وتركتها تعتقد أني الآخر، ولم نفترق بعد ذلك إلى أن دخل الغزاة مدينتي وسووها بالأرض، وأحالوها موتاً مقيما.

لو علمت مصيرنا لما سمحت لها بأن تقيم معي هناك، إذن لما تعثرت بجسدها وأنا أحاول الفرار كجرذ بئيس يحاول البحث عن موت شريف آخر في حياة مدنسة.

يوقظني النادل إذ يرفع الكأس الفارغة بعدما وضع أخرى ممتلئة. تخترقه عيناي هذه المرة، أجد عينيه ناعستين جداً. أقدر أنه ولد بهما وأنه بليد قديم مثلي تماماً. اندس في قميص أبيض غير طاهر. ضامر البطن لجوع دائم. رقيق العظم. وجهه بلا ملامح تقريباً. طويل القامة، منحني الهامة. من عُبّاد العصر الحديث. سرواله الأسود أخلف موعده مع طوله غير المتوقع، لكنه ليس مستأجراً من عشاق زوجته. تصورت أنه زوج منهك جداً. تخونه امرأته مع أصابعها في الحمام وتدعي القداسة كل يوم أحد. يبتسم لي بلا معنى مجدداً، يسألني:

- المطب؟

نعم أيها العدمي، أنا في مطب حقيقي، وهو المطب فعلاً. قدمت فاراً من مدينتي التي أكلتها الديدان وجئت هاهنا لائذاً لليلة أو لليلتين علنا ندبر سبل المقاومة أو الفرار كعهدنا أو لتقديم درس لهم باحترام الموت كما لم تحترمنا الحياة. لكن أملي خاب إذ وجدت أن مدينتكم نخرها السوس حتى أعدمها. جل ما أخشاه أن أكون في قلب كابوس مخز، وما أنتم إلا أمواتاً وأطيافاً بعيدة بعثتم لي في خيالاتي وشطحاتي إمعاناً في تعذيبي.

نعم أيها الميت الشقي، أنتم أيضاً في مطب حقيقي وهو المطب فعلاً. تحسبون أنكم بمنأى عن الخطر وهو أقرب إليكم من الموت الذي سكنكم. لا أشك أنك صاحب فكرة هذا الفالس الذي يشبه ترنيمة الوداع الأخير.

نعم أيها الجسد البائد، أنت في مطب حقيقي وهو المطب فعلاً. تظن أنك تراوغ الموت وأنه في أعقابك ولا تدرك أنك في كل خطوة تزداد التصاقاً به وتوحداً معه.

وددت أن أوقفه لأتقيأ كل غبني وغضبي في وجهه دفعة واحدة، لكني لمحته ينصرف عني كأنه يراوغني أنا أيضاً، وهو بارع على كل حال في الفرار والمخاتلة. كدت أسبه وفعلت في سري بأن قلت، ابن... العبد. نظراتي اللاهثة تتعقبه بيأس. يلتفت إليّ. يوجه نظره خارج المقهى حيث ألمح أطيافاً أربعة تفر من شيء أو تعدو مسرعة علها تمسك بآخر.

عجوز بادية الضعف تهرول وفي أعقابها فتاة مسرعة يتبعها بدين أنيق ينط خلفه شاب نزق غير ودود النظرات.

كما هنا، الكل هناك يحترف الفرار.

أتساءل دون أن أقول كلمة: (ما الذي يجمع أولئك الأربعة ليختاروا المرور في الوقت نفسه من هذا الشارع الخلفي الضيق؟). تزداد دهشتي وأنا ألمحهم يقصدون ظهر إحدى العمارات ليدلفوا من بابها الخلفي واحداً في أثر الآخر.

أنظر ملياً إلى النادل المبتسم ابتسامة ذات معنى. أسحق ما فضل من سيجارتي. أخرج قلماً كنت قد دونت به رقم لجوئي لهذه الليلة بمدينة الموت هذه. ألطخ بياض أوراق غير طاهرة. بخط عريض على أولاها أكتب: "المطب".