4
الطريق شاقة متعبة، والشمس تلسع رأسي الصغيرة. يلتفت والدي إلى وهني. نظراته لاتفصح عن شيء مبين. العرق والإنهاك يرشحان من جسدي الهزيل كما نظراتي المتوسلة. بيديه الصلبتين يضعني على ظهر أتان بالكاد تتحرك وهناً هي الأخرى. تصلني زفرات حسرة خرساء يفرج عنها صدر أمي متماهية مع نبض غير منتظم.
على عتبات ذاكرتي تقرفص كلمات والدي الأخيرة التي نزلت علينا كتعاليم مقدسة، دونها الجحيم:
- لاشيء نفعله في هذا الخلاء، ستبتسم الدنيا في وجوهنا هناك.
لمح بداية ثورة تنط من عينيها فألقى وريقات خضراء في وجهها قائلا بقرف:
- ترين ما يساويه ما تعتقدينه كنزا.
أحسستها تود أن تقول له (ورائحة أجدادنا، وآمالنا المعلقة على بنينا والغد، والسماء التي وإن أخلفت مواعيدها مراراً لم تتخل عنا أبدا، فلم نتخل عن آخر ما يربطنا بالكرامة؟).
كانت كفيلة بأن تخترق عينيه لتكتشف أن المدينة سحرته كما فعلت مع أغلب رجالات قريتنا، إثر رحلاتهم خارجها حين رابط القحط على جغرافيتها، بحثا عن كلإ يطرد جوعاً مقيما.
كنست القرية سواعدها تباعاً حتى غدت قفرا.
كانوا جميعاً يحلمون، وصرخ العربي في وجوههم أن أفيقوا فما انتبه له أحد. الكل باع وقبض الثمن. وريقات خضراء، نعم مجرد وريقات خضراء في مواسم الخريف. الكل قصد المدينة، حاضنة الآمال الجديدة.
أكاد ألمح طيف الخيبة والانكسار تعفو عنهما عيناه، وكأنه غير راض عن مسيره، بيد أنه ما إن يتفطن للأمر حتى يطرد الحنين ويجدّ في سيره، تتعقبه أتان تحملني، منكسرة كأمي التي تلوك خطوها خلفنا.
تستقبلنا أبنية سامقة، وطرق طويلة وزحمة خانقة، وتحضن دهشتنا الأولى. نافر العينين أحاول عبثا أن أحيط بامتداداتها وظلالها الشاخصة. هذه هي المدينة إذن. على مرمى تعب من قريتنا. نبدو فيها كغرباء لفظتهم حياة أخرى. لاأحد يلتفت إلى قافلتنا الصغيرة الغريبة. العربات أيضا لاتخطئ عناوينها. تنزلق في اتجاهات متفرقة بسرعة محمومة. لاحمار هنا ولاأتان، لاغبار ولارائحة لهذي الأرض.
تنطفئ الدهشة وتسري في مسامي قشعريرة يهتز لها بدني، عندما نلج تكتلا بشريا يسيجه القصدير والروائح النتنة والنظرات الشرسة. وجه مخفي لمدينة بدأت تكشف قناعها. والدي يعرف طريقه جيدا. يقودنا إلى جحر منزو بين فراغات تشبهه.
أشعرني وحيداً جداً هنا. لن أغفر لوالدي أنه عمد إلى ربط كلبنا الذي ودعنا شبه منتحب. غصة مرارة تجتاحني إذ أتصوره يقضي جوعا وعطشا حين لن يجد من يطعمه فيكافئه حراسة ووفاء. العربي لايحب الكلاب، بيد أنه وفي جدا للطين والنخلات.
أذكر النخلة الماردة التي كانت تتوسط بيتنا، وتآلفنا مع الهواء والأرض. لم نعد نملك شيئاً، والعربي يملك إرادة البقاء والحرص على أرضه وهوائها. ودعنا كما ودع كل المغادرين قبلنا وكما سيفعل حتما مع قلة خلفناها وراءنا. كان الغضب ممسكا بتلابيبه، صارخا في وجه والدي:
- جبان. لماذا اخترت الطريق السهلة؟ الأرض تمتحننا.
وكما الجميع. لم يعر والدي أهمية لكلامه، بل تجاوزه كأنه مسحوب بحبل سحري متين إلى هنا.
لكم أشتاق إلى تلك النخلة التي سمعت أن عمرها من عمر أقدم جد لي هناك. سمعتهم يحكون عن نخل قريتنا ويلصقون به الأساطير. فقالوا إنه سحري قام من تلقاء ذاته وكأنها السماء عطفت على أهل قرية كانت بالكاد تتشكل لتحضهم على البقاء هناك والتشبث بكل ذرة رمل فيها. استفاق أجدادي ذات صباح فألفوا النخلات شامخات يقبلن جبين السماء. كم أحن إلى كلبي أيضا الذي أتصوره الآن فضل الموت على فراقي. لكم أفتقده. أتراه يستطيع النجاة أيضا لأحيك حوله الأساطير؟ زفرات حارة وصمت وحلكة تلقي بي إلى هواجس البدايات المقيتة في هذه المدينة المقرفة. أكرهها وأكره أناسها وبناياتها ومصاعدها. تمتزج في نفسي أحاسيس متضادة. الغضب يلعلع بداخلي وتتقد نيرانه لتلظيني، وشعور بأني أنتمي إلى العتمة التي أخرجتني من رحمها نشالا لم تأت المدينة بمثله أبدا.
يغيضني وجودي هنا، ويعمق من إحساسي بالمهانة بينما تفرج نوافذ أملي لعلمي أني قد أجني محافظ وهواتف ملونة وربما بعض السيجار الفاخر.
الندم يجلد نفسي. ربما أخطأت في صعودي هذا المصعد اللعين معهم. لو اكتفيت بحافظة نقود هذا البدين التي سلبتها إياه عند المدخل الخلفي لهذه العمارة لما ألفيتني معلقا بين السماء والأرض، بيد أني بدوت منزوع الإرادة مسلوبها، مشدودا إليهم بحبل متين غير مرئي كذاك الذي أتى بوالدي ذات خطأ إلى هذه المدينة الزانية.
تستطيع عيناي المدربتان تعقب أنفاس من حولي وتحديد الأشكال والمخابئ السرية في السراويل والسترات والحقائب اليدوية.
هم هادئون بعد عصفة الغضب الأولى. أعلم أن دواخلهم تعتمل بالخوف والرهبة والانتظار. ليس لدي ما أخسره.
مبحوحا يصدر صوته موجها إلى مطلية الوجه:
- تقصدين صاحب الطابق العلوي المحترم؟
تشجعه عندما تهمس بنعم فيسأل مجدداً:
- من أجل عمل؟
ويزيد بعد نعمها الثانية:
- أنا أيضاً.
صاحب الطابق العلوي المحترم!
أربعتنا رهن حجرة قصديرية ضيقة. فضلت أمي أن تدير ظهرها لوالدي بعدما جعلتني حاجزا بينهما. لأول مرة أرقد بينهما، بينما احتلت الأتان مكانا قرب مدخل الجحر.
أطياف الليل تعبث بناظري رغم التعب. الغربة تنفخ في روحي. بين إغفاءة وأخرى أتحسس وجيب صدر أمي. أظنها ماتزال مستيقظة. والدي يستسلم لنوم عميق دون مشاكل كأنه نام هنا طول عمره. الظلمة تطبق على كل شيء في محيط قطره غير متناهي. لاشيء هنا يوحي بأننا أصبحنا غير الجلبة الرهيبة التي تصلنا من الخارج، تذكرني بالسوق الأسبوعي وزعيقه. أمي منزوية في ركنها ونشيجها الأبح يطرق حواسي. أتقلب في مكاني. تحس أني أفقت. تشرع ذراعيها. أشعر حضنها يناديني. أدفن وجهي في صدرها. دموعها تبلل شعري وخديّ. خجلا ومبللا أقول لها:
- سامحيني.
مشروخة الصوت بعد زفرة حارة تقول:
- لاذنب لك حبيبي. هو السبب في كل هذا. سيندم على كل حال.
همست وقد ازددت خجلا:
- بللت سروالي أثناء نومي.
يشرع الباب المتهالك مصدرا صريرا مزعجا. يطل طيف والدي. يقول متبرما:
- اللعنة على الأتان. لم تجلب غير دراهم معدودات.
من كيس أسود صغير، يخرج خبزا وحليبا وزيتونا بلون أيامنا القادمات. تبقى أمي منزوية في ركنها، وأنا دوما برائحة بولي في حضنها. يصرخ في وجهينا:
- هيا قوما واملآ وجهيكما قبل أن نذهب للعمل. المدينة لاتعترف بالخمول. الكل عليه أن يعمل.
لكننا كنا نعمل في قريتنا. هل لنا أرض هنا نعمل فيها؟
مشيرا إلى أمي يستمر:
- سآخذك إلى موقف تعمل به مياومات. تكنسين، تطبخين، تغسلين. تفعلين ما يطلب منك. وأنت...
أزدرد ريقي. أنا طفل.
- ستصحبني لتتعلم كيف تصبح رجلاً؟
أنا طفل.
المدينة تضج بالحركة. سوق يومي هاذر يغري الزائر، لكنها عبء على طفل يلبس سروالا ترشح منه رائحة البول، يقتاده والد واسع الخطوات إلى أتون مجهول ليتعلم كيف يصير رجلا.
أهرول وأمي كيما نلحق به. يقف قرب ساحة اصطفت فيها عشرات النسوة يطل البؤس من عيونهن، ويلبسن الحاجة والذل. يشير إليهن قائلا:
- هنا ستعملين. افعلي ما يفعلنه. سأعود لأصحبك مساء إلى البيت.
البيت؟!
حزينا ألتفت إليها، فإذا هي جامدة بلا حراك، وأطياف مزن داكنة تخز مآقيها. دون أن يلتفت والدي إليها أو إلى خطواتي الصغيرة يتابع سيره، وأبذل جهداً كبيرا حتى لاأضيعه في الزحام. أشرد قليلاً في صورة طفل بمثل سني تمسكه أمه بحرص وحب بيد، وبالأخرى حافظة كتب صفراء رسمت عليها أشكال مغرية بألوان زاهية، كالحياة التي ينعم بها فكرت. أغبطه على محفظته وسعادته وطفولته ومحفظته وسرواله الجاف ويد أمه.
عند إشارة مرور حمراء، يقف والدي كما آخرين كثر. يدور برأسه بحثا عني وفي عينيه لوم على تأخري. لم ألمه على إسراعه، وعدم وضع خطواتي الصغيرة كجسدي في حسبانه. يخرج منديلا أصفر من جيبه. يمده لي قائلا:
- عندما تتوقف السيارات، امسح زجاجها الأمامي، ومد يدك للسائق بتوسل، وسترى كيف أن الدراهم ستنهال عليك. لاتقلق. سأكون بالجوار.
أمسكت المنديل ورجفة باردة تجتاحني. صعد بعينيه إلى بناية سامقة، وأشار بسبابته إلى أعلى نقطة فيها ولمحت ابتسامة بلا طعم عفت عنها شفتاه:
- هنا يسكن صاحب الفضل علينا. هو من اشترى أرضنا وأوجد لي عملا غير بعيد. إنه مالك هذه العمارة، وصاحب الطابق العلوي فيها.
وكما بشرني والدي، انهالت علي اللعنات ونظرات الزراية والاحتقار، والقليل من الدراهم. لمَ القسوة علي وأنا طفل لم أقم إلا بما أوصاني به والدي؟
المكان يضج بأطفال في مثل سني وأكبر مني قليلا. نعرض عاهاتنا ونمد أيادينا كما علمنا أباؤنا. نملك قواسم مشتركة أخرى. اللكنة البدوية الغريبة. الملابس القذرة، ليس كلها بفعل البول، حد الغثيان. الوجوه لونتها الأدخنة والشمس والحاجة. العيون مرجرجة فارغة، متوسلة عند طلب شيء وشرسة إذا ما تطاول أحدهم على سيارة سبقه إليها.
في أول يوم اشتغالي أو ضياعي، حضرت شجارات تفوق بكثير ما شهدته منها في قريتنا طوال سنوات وعيي. عدوى المدينة القاسية تصيب المنتسبين إليها.
قررت أن آخذ حذري منذ البداية. لاأكلم أحدا. لاأستفز بنظراتي أيا منهم. لاأتدخل في شجار، وخاصة لاأمد يدي لرجل يقف أمامه طفل يتعلم كيف يصير رجلا.
تجلد دواخلي سياط جوع أعمى. أعد دراهمي القليلة. أقصد شارعا فرعيا حيث لمحت بعض زملائي عائدين وفي أيديهم خبزا. أهرول بالاتجاه ذاته. أسود بدين بشارب كث يقف خلف عربة نقانق. يغريني الدخان، والجوع مستمر في طرق أبواب مقاومتي. فليغضب والدي أو فليذهب إلى الجحيم. لن أموت جوعا ليرضى عني.
- عمي أعطني شيئا لآكله.
كسرة خبزة صغيرة حشاها بقطعة مما يصنع وطارت دراهمي، وهجع جوعي إلى حين. وجبة شهية جعلتني أقسم أن أعمل بجد كل يوم لأحصل عليها.
في طريق أوبتنا إلى الخربة التي تعرينا أكثر مما تستر حاجتنا، يطوقنا الصمت. الغضب يمشي حذو والدي بعد أن اكتشف أن أمي لم تحصل على شيء، بينما ندمت كثيرا أني لم أشتر لها معي من عند عمي صاحب النقانق الشهية ما يسد رمقها عوض ما منحته والدي من دراهم لم ترضه عني أيضا.
تنسحب الجلبة من الأزقة الخالية، إلا من بعض المساطيل، إلى الجحور المعتمة مع بداية حلول الظلام.
تغير والدنا مذ حللنا هذه اللعنة قبل ثلاثة أيام. أضحى كثير الصمت سريع الغضب، شرسا مع الجميع حتى عندما أشار له محييا عمي صاحب النقانق الشهية الذي اكتشفت أنه يسكن خربة في الجوار. اكتفى بهز رأسه بتضايق ليقول مصرا على أسنانه:
ـ عليك اللعنة أيها الطماع الشره. الأتان لم تدفع فيها إلا قليلا بينما تجني من لحمها الكثير عندما يصير نقانق.
ينفخ النوم هواءه السحري في عيني على ضوء شمعة متراقصة أمامي احتراقا. التعب والغربة يتحالفان ضدي ويسلمانني إلى أرض الكوابيس. تطرق صماخيّ أصوات محمومة. أحسها قريبة جداً مني.
ـ إبتعد عني.
لطمة وشهقة مكتومة تمتزج بآهات لذة ورائحة عرق قوية بحرارة تزحف نحوي. أشرع عيني على ضوء شمعة تتراقص احتراقا أمامي. أبصر أمي تصر على أسنانها. ملامح وجهها منقبضة. والدي يصعد مرتفعاتها وينزل منخفضاتها ويفتك بآخر خطوط مقاومتها، وينشر ألوية الوجع في جغرافيا نفسها وجسدها. تقول متوسلة:
ـ إنك تؤلمني. ليس من الخلف رجاء.
تألف خطواتي الصغيرة خط سيري وحيدا من جحرنا إلى الإشارة الضوئية المعلومة. والدتي تخرج باكرا. دراهمها المعدودات أضحت ترضي والدي الذي صار يغيب ليال طويلة عنا. في كل ليلة يظهر فيها يبدو غريب الأطوار، وتصدر عن فمه رائحة كريهة كرائحة بول الإبل، تقترن بشراسته مع أمي التي ازدادت شحوبا وضمورا كما ازدادت حدة اللطمات على خدها كلما صادف وجوده بيننا. رائحته الغريبة أذهبت بعض شعوري بالخجل من رائحة بولي.
طال انتظاري لمطر تحمله سماء أيامي هنا. أجد أمي تنتظرني في أحد الصباحات على غير عادتها، إذ وما دام كل واحد منا قد عرف طريقه فلم أكن ألتق بأحدهما صباحا. تحضنني بحرارة وتقول بين شهقتين:
ـ ستفهم كل شيء عندما تصير رجلا.
كدت أصرخ في وجهها (لكني رجل يا أمي)، بيد أني خمنت أنها تقصد عندما أشفى من طفولتي وبولي الليلي الذي لازمني مذ حضرت إلى المدينة. ثم إني ألفيتني صامتاً وقد أدركت أن شيئاً عظيماً يحدث حولي أو سيحدث قريبا. خرجت مسرعة دون أن تلتفت خلفها ورائحة دموعها تعفر رأسي ونفسي وجحرنا.
عندما استفقت من خدر حزني خرجت محاولا تعقبها. استوقفني منظر أسرة غريبة يمتطي وحيدها أتانا أو حمارا، أقدر أنه سيأكل من لحمه بعد حين عند عمي صاحب النقانق الشهية. أقف مشدوداً إلى الأرض وعيناي لاتتزحزحان عن كلب يتعقب امرأة منكسرة النظرات والخطوات. أفتحهما دهشة وفرحا. نعم إنه كلبي. تنجلي أمامي ملامح العربي الذي بدا كديك منزوع العرف، أو كجندي خسر معركة لم يدخلها. استلقت على جسده أسمال وبعينيه المتورمتين كدمات بادية.
يعدو كلبي في اتجاهي فرحا. ما أوفاه! أعدو في اتجاهه فرحا. ما أسعدني! ذاك أقل ما يجب. أريد أن أضمه إلى صدري كما فعلت دوما. أن أقبله. أن أشم فيه رائحة الأرض والهواء، وأسأله عن النخلة والعربي. أريده أن يحكي لي كيف قاوم الموت وكنسته الحياة إلى هذه القذارة. أريده... سيارة متجهمة اللون تعدو أسرع منا. تعدو بيننا في أقرب لحظة للتوحد بيننا. لم تبال بتاريخنا المشترك أو بأحلامنا وأيامنا الآتية. يتوقف كل شيء أمامي إلا السيارة التي استمرت في طريقها غير مبالية بما أحدثته من شروخ عميقة. الدم يسيح على الإسفلت وجرح قلبي بلغ مداه. أبكي كما لم أفعل من قبل. يقف العربي عند رأسي بملامحه الممسوخة. ألمح البلل في وجهه أيضا. يقول بأسى كبير:
ـ أخذوا كل شيء. مالم ينجحوا في أخذه حيلة استولوا عليه غصبا.
أهيم على وجهي والحزن ينصب ستائره أمامي. في موقف النساء أجد أمي تصعد سيارة متجهمة اللون يقودها شيخ عمّر أكثر من ثمانين خريفا. أفكر أنه سيؤلم مؤخرتها، ولن يؤثر ذلك فيها وهي خريجة أقوى مدارس التعذيب: والدي.
لارغبة لي في الوقوف عند الإشارة الضوئية، واستجداء سائقي السيارات الملاعين. أحدهم أتى على آخر ما كان يربطني بمناطق مشرقة من ذاكرتي. لماذا أتيتم يا عمي العربي؟ كلبي لاقبل له بكلاب المدينة الآخرين.
أعبر الطريق بحذر مضاعف. ألج شارعا خلفيا شبه خال. ألمح والدي يضع قبعة على رأسه يساعد سيارة متجهمة اللون كتلك التي صدمتني ذاك الصباح على احتلال مكان في مرآب يحرسه مقابل لمقهى صغيرة.
كان ذلك آخر عهدي بوالدي. ربما ذاك ما غيب حذري وحرك طيشي لألفيني مع هؤلاء سجين هذا المصعد المتوجه إلى من اشترى أرضنا وطرد العربي وتسبب لي في كل معاناتي. صاحب الطابق العلوي المحترم.
صاحب الطابق العلوي المحترم!
هو أيضا يقف خلف ما يصيبني هنا.
أضاءت مطلية الوجه ولاعتها. اختار كل واحد منا زاوية وركن إليها في صمت. ربما أصاب العجوز بعض الوهن فاضطرت لتمد ركبتيها لتلمس البدين الذي أبدى اعتراضه على ذلك، وأزاح قدميها بحركة عنيفة وهو يقول:
ـ إلزمي مكانك لو سمحت.
أتساءل إن كان سيمانع لو كانت مطلية الوجه من قامت بتلك الحركة. رأيت بخبرة اللص شبقا في عينيه وهما تهرعان لاكتشاف فخذيها المكشوفين. رأيت ذلك مع أن المكان شبه مظلم. شعرت بذلك فأحست ببعض الحرج منا وحاولت إخفاءهما بيديها، لكن ذلك لم يمنعه من التلصص عليها لاغيا وجودي والعجوز التي أدارت رجليها اتجاهي ومددتهما دون أن أمانع.
سيكتشف بلا شك أن حافظة نقوده سرقت منه، وسيفتعل مشكلة. إذا حدث واتهمني صراحة فسأعمل سكيني في خدوده الموردة. كثر أمثاله في المدينة يأتون إليها لعقد صفقات أجسادهم المشبوهة. يحكى عما يقومون به الشيء الكثير. لو تتركنا دوريات الشرطة ورجال الأمن الخاص نقوم بعملنا على نحو جيد لكنا خلصنا المدينة منهم. لكن وجوهنا موشومة في أرشيفهم، وما إن نقترب منهم حتى نغيب عن الشمس مدة طويلة.
هو صاعد إلى صاحب الطابق العلوي من أجل صفقة بلا شك، ومروره من هذا الشارع الخلفي الضيق يسر لي سبيل سرقته وحبسي هنا. لو مر من البوابة الرئيسية للعمارة لترددت في الاقتراب منه.
أتساءل ما الذي أتى بالعجوز إلى صاحب الطابق العلوي؟ ربما كانت أمه تنصل من رابطة الدم التي تجمعه بها، وأتت لتذكره بها. أما مطلية الوجه فالواضح أنها تقصده تحت الطلب.
تزفر العجوز بحرقة محدثة صوتاً أرادته أن يصلنا جميعا. لاشك أنها ترغب في سيجارة هي أيضا. أستطيع تخمين ذلك. لاأذكر أول عهدي بالسيجارة، بيد أني متأكد أني أدمنتها والحشيش مبكراً جداً كما أدمنت الوحدة والألم. الجوع يقضم أحشائي والضياع يلوكني ويلقي بي من شارع إلى آخر.
متردداً أقف قبالة واجهة زجاجية. يسيل لعابي، وتستيقظ حواسي وأنا أبصر الأفواه الشرهة المشرعة تلتهم الأطباق المتنوعة. لاأحد يرفع ناظريه. لاأحد يبالي بطفل جائع. رائحة شهية تدغدغ جوعي، وتسحبني عبر باب مشرع على الأمل. ببراءة طفل جائع حاولت الدخول. حاولت فقط.
شيء صلب يهوي على قفاي الصغيرة. أترنح قبل أن أسقط أرضاً. تلتقطني قوة عظيمة لألقى بعيدا كشيء غير مرغوب فيه. يزداد ألمي. أحاول الوقوف. قواي خائرة. ألملم جسدي ورضوضه. أتحامل على ضعفي. أستجدي عجزي أن يهجع قليلا علي أستطيع أن أصل إلى بر يقيني صفع أمواج هائجة. مترنحاً أنعطف عبر شارع فرعي ضيق. بغريزة أجدني أفتش أكياس قمامة استلقت هناك.
الشوارع تتزين وتلقي بأوساخها خلف ظهورها. كحال أبنائها. أنيقون بربطات أعناقهم، وبأصباغهم وبابتساماتهم المشبوهة يلقون بمثلي خلف لامبالاتهم. صراع من نوع آخر هنا. من أجل البقاء على قيد الألم، أقتحم فضاءات الكلاب والقطط وكائنات غريبة أخرى تشبهني، لأحصل على أسباب انغماسي في الذل والمهانة.
أمشي. أدور مع الأرض. أدور حول نفسي. الحلكة تغشى المدينة. ليلها موحش كنهارها تماما. مخلوقات ليلية مفزعة تغادر أوكارها، لتحتل أوكاراً أخرى والرصيف.
تجتاحني رعشة برد قوية. أكتشف وجهاً آخر من قبح المدينة. الأضواء والسيارات المنزلقة بسرعة محدثة صخباً عارماً تعفو عنه محركاتها وما أطلق بداخلها من موسيقى تعوي. أكتشف أن هناك مخلوقات ليلية كثيرة ومتنوعة بعضها كان في مثل سني. أخمن أن المدينة أخذت منهم عزيزاً مثلي تماماً. أفكر في كلبي بطبيعة الحال.
يلقي بي نصبي إلى زاوية بحديقة مظلمة تبعث على الفزع. أتمدد مغالباً قسوة البرد جوار شجرة أقدر أنها لاتشبه نخلة في شيء. أتكوم على نفسي. تأخذني موجة نوم عميق إلى بر بعيد. أكتشف أني وحيد جدا هنالك. أرنو إلى خشخشة جواري. يصيبني خوف يكتم أنفاسي. أعدو بكل فضلات قوتي. الحجر يدمي قدمي. لاأبالي. أنزل منحدراً بسرعة كبيرة. شيء يتعقبني مسرعا. أشعره قريباً مني. هو بلاشك خلفي تماما. أجتاز بركاً مائية صغيرة. أحاذر أن يسقطني وحلها. أتعثر مرة تلو أخرى، وأقوم في كل مرة بعزيمة أكبر. ملاحقي يكاد يمسك بي. أشعر أنفاسه تقترب مني أكثر. أنظر إلى السماء. البدر مكتمل، والنجوم تتفرج على عجزي. يكاد قلبي يتوقف، وأنفاسي توخزني. أصعد جبلاً. تلوح لي نخلة تقف بشموخ. كإلهة أفكر. تهتاج دواخلي، وتشحن بالحنين والقوة. أعدو وأعدو، وملاحقي خلفي. أدنو من النخلة. ملاحقي خلفي. أقترب منها أكثر. يقترب مطاردي مني أكثر. أكاد أشعر أنفاسه. يتوقف كل شيء. ألتفت خلفي. لاأصدق ما أرى. كلبي يحاول اللحاق بي، وأنا أفر منه. أقف بينه وبين النخلة. أضحك ملء نفسي. أحس كل شيء يضحك معي. الهواء والأرض والكائنات والسماء التي تقرر أن تحتفل معنا فترسل مطرها الذي يهوي من عل فوق رأسي مباشرة. أحسه مختلفاً. نشواناً. ساخنا. أشرع عيني. أسمع غناء يصدر عن سمائي. كان ثقيل اللسان. ألأن ساكن السماء لايجيد الغناء يكرهه؟ السماء ماتزال تحتفل معنا والمطر ساخن جدا. البلل يصيب أسمالي وجسدي. أغير من وضعي. ركلة قوية من السماء تصيب مؤخرتي، وصاحب اللسان الثقيل يقول:
- أفزعتني يا ابن الكلب، وأذهبت سكري.
ساكن السماء يسكر أيضاً؟ هذا يفسر وعده للمؤمنين بأنهار من النبيذ. حاول أن يمسك بي، بيد أني أطلقت ساقي للريح. أحسسته يتعقبني وسبابه يكسر هدأة الليل ويصعد للسماء التي لم تمطر ولم تحتفل معنا. يصيبه التعب، فيتوقف ويقول:
- سأتبول داخلك في المرة القادمة وليس فوقك.
أفكر أن أعود أدراجي إلى جحرنا بيد أني كنت قد ابتعدت كفاية حد تمكني من إضاعة طريق العودة. أدرك أيضاً أن الوقت خانني ولا يمكنني العودة.
البرد والتعب والنوم ورائحة البول وكابوسي الأخير رفقائي، والحذر والخوف والأسئلة في أعقابي.
ما أطول الليل هنا!
قاس جدا، وممعن في حلكته. يهتز جسدي الصغير فزعاً عندما يطرق صماخي عواء السماء. أظنها ترثي لحالي وتتألم لألمي. وحيدة هي مثلي تماما. رغبة ملحة في البكاء تحاصرني. تشرع السماء في بكائها الهاذر. لم أعد أقوى على الصبر. وجهي يغتسل وضوءا لاطاهرا. يختلط عليه مطر عيني ودمع السماء. يصيبني البلل ويطوق كل جسدي. أصعد بضع درجات مقابلة لي تماماً. أختبئ هناك ونشيجي من رعد وسخاء السماء. قشعريرة باردة تزحف إلي. تأخذني غيبة إلى كابوس آخر. أشرع عيني على ابتسامة مشرقة أضاءت العتمة حولي. يقول لسان ونظرات تقطر صفاء ومحبة ورقة ولطفا و...:
- ماذا تفعل هنا يا صغيري؟
أدعك عيني. لا. لست أحلم. شيخ ثوب البياض تداعب أصابعه شعري والأخرى مستمرة في نقر سبحة أنيقة.
أمسك يدي بحنو ظاهر. أخرج من فتحة بجلبابه مجموعة من المفاتيح. أعمل أحدها في ثقب باب كبير كنت قد أسندت ظهري عليه. يقدم رجله اليمنى في دخوله، ويقول بصوت جهوري كأنه يخاطب أحدهم ضعيف السمع:
- باسم الله.
يسحبني خلفه برقة. نتجاوز قاعة كبيرة استلقت زرابي مزركشة على أرضها، وتوسطها محراب يتثاءب.
وقفنا في ساحة كبيرة احتلت فسقية كبيرة مركزها. أشار لي بيده جهة باب مشرع ثم قال:
- نظف نفسك هناك يا صغيري.
الرائحة لاتطاق. بول السكير، وبولي، وبول السماء وصفة لاأنصح بها أحدا.
أما الشيخ الطيب فقد كانت تفوح منه رائحة الطيب والمسك. أدخل الميضأة. أشرع في رش وجهي وأخلل بأصابعي شعر رأسي وأذني. يصلني صوته العذب يقول:
- إنزع ثيابك يا وليدي، وطهر كل جسدك.
أبدأ في التخلص من أسمالي. أمرر يدي المبلولة بالماء البارد على كل جسدي. أكتشف أني أحمل أكثر من يدين في الوقت الذي تطوق المكان رائحة طيب. أحس قوة غريبة تطرحني أرضا، وجسدا يمتطيني ويمزقني. أنفاس قوية تخز قفاي. شيء صلب يفتك بؤخرتي. ألمي الكبير الذي لازمني مذ وصولنا هاهنا يتألم. أشهق. أود أن أصرخ. لطمة على خدي تمنعني من ذلك. مستجدياً أقول:
- إنك تؤلمني. ليس من الخلف رجاء.
سائل ساخن يسيح بين فخذي. مؤخرتي ملتهبة، حارقة. تجلدني. أبكي ألما. لاأفهم لمَ يفعلون بي هذا؟ أنا طفل، ولم أسئ لأحد. لماذا؟
من مكبر صوت ينتشلني صوت الشيخ الطيب يدعو الناس ليستفيقوا من نومهم ليغنموا. أتساءل: هل ليلحقوا بي في الميضأة؟ لا. أنا أتألم. رجاء. لاأحد بعدك أيها الطيب. لن أستطيع تحمل المزيد. يقف على رأسي، وأنا مستمر في انزوائي وانكماشي على بللي وجرحي. يقول بصوت آمر:
- تختبئ هنا. وحالما أفرغ من عملي سأعود إليك.
هناك عودة إذن يا شيخ. أين ذهب صوتك الآخر؟ لم يمهلني وقتاً بل استدار عائداً إلى القاعة الكبيرة التي أخذت تمتلئ برجال يتثاءبون. يقفون صفوفا خلف الشيخ الذي يطلق صوته البشع منشدا كلمات غريبة. يقوم بحركات لاتقل غرابة فيقلدونه. أراهم جميعاً ينطحون الأرض بجباههم. لاشك أنهم يكرهونها ويكرهون سكانها. هم أتباع ساكن السماء إذن!
قشعريرة باردة تملأ فراغات جسدي وروحي. أحس قلبي يرتعش ويكاد يقفز من بين ضلوعي. تجتاحني رغبة في أن أرتمي في حضن أمي. نحن متشابهان إلى حد بعيد.
أذكرها مشرقة الوجه في قريتنا. لاتغادر البسمة محياها. أين تراها الآن؟
ترتفع أصوات منكرة في الجوار. حلقة توسطها شيخ ترطن بكلمات لم أتبينها. أذكر شيئاً مثل هذا في قريتنا. كنت بعد صغيراً بيد أن ما حدث ذاك اليوم ما كان لينسى حتى من قبل الأجنة.
أسرة صغيرة تقتات الحاجة وتلوك الضجر. أمعن القدر في جلدها بأن أصابها في صغيرة بالكاد قبّلت ربيعها الحادي عشر. كانت تنتابها نوبات تفقد على إثرها وعيها، وتترك أبويها في وهاد الحيرة السحيقة. ينداح أمر الصغيرة بين الجيران إلى أن يصل حدود قريتنا الملمومة على نفسها، خاصة بعد أن تطاولت أيادي أزماتها لتمسك بخناقها خارج بيت أسرتها.
وفي كل مرة، يتحلق الجميع حولها، ونظرات الأسى وقلة الحيلة وعدم الفهم تنط من عيونهم. كنت شاهداًَ على ذلك أكثر من مرة.
كان الرأي الغالب يقول بأن روحاً شريرة تلبست بالصغيرة، وهي تجد متعة لاتقدر في تعذيبها أمام الناس.
عمنا الشيخ، وهذا لقبه في قريتنا ولايعرف أحد اسمه الحقيقي ولايجوز له أن يناديه بغير ذلك، أخذ على عهدته أمر الصغيرة، فاختلى بالروح الشريرة التي تسكن جسدها، وأكد أنها روح جبارة لملك من ملوك الجن من النوع الرمادي، وهو نوع جديد مستنسخ من النوع الأحمر والأزرق، ويمتاز عنهما بالقوة والبطش. دامت جلساتهما طويلا، خرجت بعدها الصغيرة أكثر سوءا من حالتها الأولى، إذ امتنعت عن الكلام والأكل والشرب، كما امتنعت عن اللعب مع أترابها.
لم تدم حالتها تلك طويلا حتى تناهى إلى آذان أهل قريتنا صدى صرخة قوية موجعة صدرت عن بيت والديها، وكان مصدرها صدر أمها.
ماتت الصغيرة وانتصب سرادق كبير ضج بكل أبناء قريتنا الحزانى على رحيلها. وتزعم عمنا الشيخ قداسا مهيبا لمرافقتها إلى سكناها الأخيرة، وهو يردد أن الجن الرمادي لايدع من تلبس به حتى يفتك به. توسط حلقة ضمت رجالا عميانا أخذت أجسادهم تتمايل مع رطنهم بكلام غريب بين وجبتين.
أما النساء فاحتشدن في بيت أسرتها يواسين الأم التي لم تكف عن نحيبها صارخة بين شهقتين:
- قتلها المجرم اللعين.
كن يهدئن من حدة ألمها بأن يقلن كلاما غير ذي معنى:
- أما سمعت أنه جبار وهو من نوع لايرحم.
كنت مع أمي بعد صغيراً، بيد أن هذه الصورة نقشت في ذاكرتي رافضة أن تخضع للزمن. وترد عليهن:
- اغتصبها الملعون. أخبرتنا كل شيء قبل موتها.
وتقول أمي:
- أنت امرأة مؤمنة، والمؤمن مصاب.
آلمني صوت ألمها، فتركت البيت لأجدني في سرادق العزاء حيث عمنا الشيخ وأصحابه العميان يتمايلون متجشئين. أب الصغيرة يبكي بحرقة، والرجال يعمدون إلى مواساته. يقوم من مجلسه. يقصد عمنا الشيخ. ينزل سرواله أمام استغراب الجميع. يكف عمنا عن القراءة. يكف العميان أيضاً كأنهم ليسوا كذلك. يتبول الأب على رأس عمنا وسط استغراب الجميع. يطلق رجليه فارا أو قاصدا مكانا غير معروف، وهو يقول:
- نلت من الجن الرمادي.
كانت تلك آخر مرة يُرى فيها في قريتنا إذ أخذته الريح في مساراتها العجيبة التي كانت كل يوم تبعده عنا أكثر.
قالوا إنه فقد عقله إذ فقد ابنته التي أحب كثيرا. وقالوا إن عمنا الشيخ قيض ضده عفريتا بنفسجيا وهو نوع مستنسخ من خدام عمنا الشيخ، يمتاز بالامتثال الأعمى والبأس، انتقاما للإهانة التي لحقته في سرادق العزاء.
وقالوا إنه لم يتحمل العيش في قريتنا التي شهدت عذابات ابنته وموتها المشؤوم.
وقالوا أيضاً إنه أخذ عهداً على نفسه ألا يتوقف عن العدو، وألا يكلم أحداً، وألا يأكل أو يشرب وألا يلعب مع أترابه حتى يلحق بابنته.
وقالوا... وكثيراً ما قالوا. ذكروه كثيراً كلما رأوا امرأته التي دخلت شرنقة هذيانات لم تخرج منها أبدا. صارت ترى وحيدة في الطرقات. لاتتكلم كثيرا، وإذا فعلت فكل كلامها كان عن عمنا الشيخ الذي عادها الليلة الماضية أيضاً وفعل بها ما فعله بابنتها الراحلة.
أكاد أسمع صوت ابنتها تقول متوسلة شبه باكية:
- إنك تؤلمني. ليس من الخلف رجاء.
ماتزال تلك الأصوات تمزق سمعي. الشيخ الطيب يتوسط حفنة من الرجال، ويقرأ بحماسة كبيرة. أدنو من حلقتهم. أنزع سروالي. أتبول عليه. أعدو بكل ضعفي. يلحقون بي إذ تطير مفاجأتهم. كلمات قراءتهم تتطاير بشكل غير متناسق. يتقهقرون خلفي، وينال التعب من ركبهم وأجسادهم الخاملة. مؤخرتي الملتهبة وضعفي يدفعانني إلى الإسراع ويبعثان في جسدي طاقة خارقة.
أقهقه ملء العنان، ويرتفع صوتي فرحاً:
- نلت من الجن الرمادي.
ثم ماذا؟
الليل يعريني والنهار هنا يكشفني. أتنقل وحيدا من قمامة إلى أخرى. القساة يتشابهون، ووجه أمي بدأ يتلاشى من ذاكرتي. نخلتي تقف شامخة تدعوني إليها. لست أذكر عدد المرات التي راودتني فكرة العودة إلى قريتنا لأرى عن قرب ما حل بها، بيد أنه في كل مرة يقف أمامي مانع يترك في نفسي غصة خرساء.
لاأعرف كيف الخروج من هذه المدينة المتاهة. الطرقات متشابهة والقساة حيثما وليت وجهي والطيبون خلف ظهري يتربصون بي.
يكبر في نفسي أمل أن أعود إليها يوماً غانما. حلمت بذلك عدد غفواتي القليلات. رأيتني أدخل القرية متوجا، وأعرف طريقي جيداً إلى حيث ولدت، وحيث جلست تحت ظلال نخلتنا. عدت إلى قريتنا وقد صرت أملك مالاً كثيرا.
أعدت شراء كل شيء. كل الأراضي التي سلبت منا، واستدعيت كل أهل قريتنا وأعدت لهم أراضيهم جميعا. كان ذلك في خيالاتي الجامحات فقط.
شفتاي مشققتان، ولساني متيبس، وأمعائي ترسل مواءها، وأنا أقف في شارع عار أمام واجهة زجاجية أخرى لأناس يأكلون. ما أكثر ما يأكل الناس هنا، وما أشد جوعي!
يخرج طفل أطول، وأكبر مني قليلاً. يناولني خبزاً محمصاً به قطعة لحم وبصل مقلى. ابتسامة واسعة تستوطن عيني وأنا أحشو فمي بشراهة بخليط اللذة الذي بين يدي. آتي على كل ذلك في زمن قياسي. كان ذلك شهياً جداً حد أنه سد جوعي ولم أنتبه لطعمه. الطفل مستمر في التحديق بي، وابتسامة تعلو محياه. عندما رآني انتهيت مد لي سيجارة وهو يقول:
- ليس هناك أفضل من سيجارة بعد الشبع.
كان رجلاً يشبه الأطفال، بيد أنه تحمل مسؤولية نفسه باكراً ككل الأطفال التعساء. ألفيتني أتقاسم معه الوجع نفسه. دعاني إلى بيته. تراجعت إلى الخلف مذعورا، بيد أن الفراغ والوحدة القاتلين أخذا بيدي في تعقبه.
ولجنا حيا مكتظاً يشبه ذاك الذي قادنا إليه والدي ذات رحلة. هنا أيضا النظرات القلقة الشرسة نفسها والوجوه ذاتها التي دبغتها الشمس. يقتادني إلى جحر صغير. أفاجأ بكثرة ما حوى من أشياء جميلة. أنقبض على نفسي صامتاً عندما أغدو وجها لوجه معه. يتمدد جواري ويدعوني أن أفعل مثله. أرفض بأن أهز رأسي، وبقايا ألم مؤخرتي تلسعني. تند عنه بسمة صافية. يقول:
- أنت أيضاً؟ لقد فعل بي الشيء ذاته، وأعلم ألمك. لاتخشى شيئا.
الكوابيس تزحف واطئة على ممالك أحلامي التي تخسأ من أمام نوافذ نومي المشرعة على السواد القاتل.
ينام بدعة جواري. أنفاسه المنتظمة تصلني كلحن عذب. التعب يأخذني إلى النوم بيد أن الخوف يسلبه من جفوني.
صباحاً، أستيقظ على حركته الدؤوبة، وأشرع عيني على بسمته الحانية. لم أكن بمثل سعادتي ذاك اليوم أبدا حتى إني لم أضطر إلى الاعتذار عن بولي. هو طيب فعلا.
نمشي معا. الطريق طويلة مضنية. نغازل المحافظ التي تطل من مخابئها السرية وتختار مرافقتنا دون أن تحدث جلبة. قال معلمي:
- أن تسرق خير من أن تمد يدك. الكل يسرق في هذه المدينة.
أشار إلى صاحب المدينة الذي تلوث صوره كل المدينة قائلا:
- ...بدءاً من هذا القواد.
دواخلي ترفض أن تمتد لما ليس لي، غير أني مجبر على فعل ذلك وإلا قضيت جوعا في هذه المدينة الملعونة.
بدأت مشواري معايناً لخفته ومهارته، وبعد أن تشربت كل تقنياته وأساليبه صرت مساعدا له، لأنتهي نشالاً لم تأت المدينة بمثله أبدا.
كانت مكانته في عيني أكثر من أخ. بل صديق فعلي. فالصديق تختاره ويختارك بينما يفرض الأخ عليك. أحببته فعلا. لست أدري ما كانت تصنع بي الطرقات بدونه. أخذت أتعافى من جراح الجسد، وأحلم كل ليلة بأرضنا والنخلة رافعة رأسها إلى العنان، وأمي التي ضيعتها الطرقات، ووالدي برائحة بول الجمال التي تصدر عن فمه لتجعله أكثر قسوة من المعتاد. أجمع عزمي في صرة أودعها نفسي، وأقسم أنه سيأتي يوم أتوقف فيه عن سلب الناس أشياءهم لأني جربت معنى الفقد مع اختلاف بسيط. لكنه الشعور ذاته بالمرارة.
نكبر في الأسواق والحافلات والشوارع المزدحمة، ومحطات القطار ودور السينما وملاعب الكرة وخلف الشحاذين وأمام الحانات وداخل المشافي، ويأخذني قدري إلى النقطة ذاتها كل مرة.
أفقد صديقي في شجار لم أحضره. وأستعير طريقي وحيدا مرة أخرى. لكن ما فائدة كل ذلك الآن؟
يذكرني جلوسي هنا وانحشاري بأول مرة قبضوا علي فيها. كنت بعد صغيرا، ولم تتمكن أصابعي من التحرر والانطلاق. فضحني ترددي وتشنجي فتحالف ضدي كل ركاب حافلة مشؤومة. أوصلوني إلى المخفر دامي الوجه. هناك قام رجال الشرطة بممارسة حقهم وأخذ حصتهم حتى انتهيت بعظام مكسورة محشورا مع أجساد أخرى أكبر مني في مكان يكاد ينفجر بنا.
ليت الأمر وقف عند ذاك الحد، إذ أني استعدت ذكرى ألمي ورجوت أحدهم قائلا:
- ليس من الخلف رجاءً.
وحيدا عشت وألفت وضعيتي كذلك. لم أبحث عن والدي أو أمي على الرغم من علمي الأكيد أننا نعيش المدينة ذاتها. أكلني الحنين في إحدى المرات، فقصدت الحي الذي ألقانا فيه والدي ذات مساء حين صرت الخبير بكل أحياء المدينة. أتوجه إلى الجحر الذي شغلناه في أيام تواجدنا الأولى. أضرب الباب المتهالك. يطل شبح غائم النظرات. شيخ هزيل تفوح من فمه رائحة بول الإبل. يسعل بقوة، ثم يقول:
- من أنت؟
- إنه أنا.
- من أنت؟
هو مسخ من صورة استوطنت ذاكرتي:
- عمي العربي؟
كان العربي أو فضلاته يصرخ في وجهي بحرقة:
- أخطأت العنوان والشخص. أنا لا أحد ينتظر قادما آخر غيرك. أغرب عن وجهي.
حزينا أسلك الطريق ذاتها التي سلكتها أسرتنا الصغيرة، حتى إذا بلغت حيث ألقى والدي بأمي وأمرها أن تفعل ما تؤمر به، أتوقف أمام مشهد النساء المصطفات على قارعة الاستجداء. أتفحص ملياً وجوههن. كانت متشابهة جدا. لم تكن أمي هناك. يستوقفني وجه امرأة تحمل شيئاً من أمي. تلتقي نظراتنا. حبل ممدود لايود أن ينقطع. أقصدها بخطوات ثابتة. أقف قبالتها مباشرة. أمرر كفي على وجهها. لاتبدي مقاومة. هامساً أقول:
- أمي.
تبتسم في وجهي وتقول:
- لمَ لا؟
في المساء كانت تقتسم معي غرفتي وسريري. كنت سعيداً أني استطعت تخليصها من رجل سيؤلم مؤخرتها تلك الليلة على الأقل.
عندما ذهب بعض غضبي على والدي الذي تسبب في مغادرتنا لقريتنا عدت إلى المرآب حيث كان يعمل. كنت أود مراقبته من بعيد لكني لم أجده إذ كانت تقف مكانه امرأة لم تكن أمي.
صحبت قدري الذي صنع مني ما أنا عليه اليوم. بالمدينة كانت ولادتي. فطمت سريعا عندما أضحى لكل منا طريقه التي تصحبه إلى قدره. لم أختر طريقي أبداً. صغيراً ووحيداً في مدينة لاتبتسم إلا في وجوه أبنائها البررة. أدركت مبكرا أنني شقي، نلت ما يكفي من سخطها، وأخذتني الريح في أعنتها. مددت يدي في البداية ونلت ما يكفي من اللطم. حركت أصابعي في الأسواق وأطلقت رجليّ للريح، لكن المكان كان مزدحما في تلك الحافلة اللعينة. ولدت مرة أخرى في السجن من رحم القسوة والحرمان. رأيت نماذج بشرية لم أحلم أبدا بوجودها. تعلمت هنالك أشياء كثيرة، وآلمتني مؤخرتي كثيرا إلى أن تعودت فجادت علي الأيام بالنسيان. لكن أهم ما تعلمته هناك، هو أن هناك حي لميت مثلي. وما إن غادرت السجن حتى قصدت حي اللصوص. هناك بدأت حياتي الجديدة. مهنتي معقدة على غير ما تبدو عليه عادة. تعلمت أن للخوف رائحة تشعر بها الضحية، وفهمت أن للعيون لغة قد تكشف كل شيء للضحية. ترعرعت نشالا أحرز التقدم حتى صار يضرب بي المثل. لكني لم أكن أبدا راضيا على مهنتي هاته. فكلما طرق أبوابي الحنين إلى ما كنت عليه في قريتنا، تجلدني سياط الندم.
أذكرني وقد بدأت القروش تسري في جيوبي. لم أكن أعرف ما أصنع بها غير تجنب أكل النقانق. لم يكن لي صديق غير قروشي. لاأثق في أحد ممن حولي. عدت للسجن، وتعلمت أن الحذر لايقي من شر القدر. كان عودي قد اشتد قليلا، والتأمت جراح مؤخرتي فنقلت الدرس إلى أحد الصغار. هكذا هي الحياة. دورة متصلة وحلقات مشدودة إلى بعضها البعض. وعدوى الأشياء تنتقل من شخص إلى آخر. وفي كل مرة تتعلم شيئاً جديداً أيا كان موقعك، سواء فوق أم تحت، الفاعل أم المفعول به. تعلمت هذه المرة لم كان زفير من لقنني الدرس حارا وكأنه بكاء أخرس. اصبر يا بني ستتعلم كل شيء، وما من جرح لا تتكفل به الأيام. كن قاسيا مع من ستنقل له الدرس.
استمر الكابوس ذاته يعودني كل ليلة، ويشرع عينيّ على فظاعات كثيرة. حلكة مقيمة، وأشباح تصدر حركتها أصواتا مفزعة. كنت أستفيق مفزوعا في بطن الليل ولم تنفع كل أنواع الحبوب التي اشتريتها وسرقتها في جعل حبل ليلي شريطا موصولاً. وكان سببا إضافيا لأنبذ وأقضي الليل وحيدا. فقد هجرتني آخر امرأة بعد أن صارحتني ألا طاقة لها على النوم جواري. قالت لي وهي تجمع ما أهديته إياها من سرقة بنات الأحياء الأخرى: - يمكنني أن أصبر على البول، لكن الصراخ مزعج حقاً. قد ينتهي بي الأمر بأن أصاب بسكتة قلبية.
كنت، وما أزال أخشى الوحدة جداً. فقررت أن أضحي قليلاً حتى أنعم بحياة أفضل، وأتخلص من كابوسي وبولي، وذلك بالكف عن تحريك أصابعي. تبت وأقلعت عن ذلك. وصراحة فقد اختفى كابوسي بعد الليلة الرابعة، بينما كنت أعلم ألا شفاء من البول. أمضيت أسبوعا دون أن أسرق أو أنشل. وفي ثامن أيام توبتي، وبينما أنا أتجول بأحد أحياء المدينة، لمحت عجوزاً تجر كلباً من تلك الكلاب التي هي عبارة عن وبر كثيف، يتحرك في كل مكان. لاأدري ما الذي دفعني إلى أن أقصده وأخطفه منها. إلى اليوم لم أجد تفسيرا لما فعلته آنذاك، فقد انتهى بي مشواري، وأنا ألهث ممسكا بقطعة وبر كثيف لاتعلم ما الذي أصابها. لم أجد ما أصنعه به فخلصته من الشريط الذي طوق عنقه، وتركته يجابه مصيره في المدينة كإخوته الآخرين. كنت أعلم أنه سيشقى قليلا لكنه سيهتدي أخيرا إلى حي الكلاب. وددت أن أنبهه إلى أن ينتبه إلى مؤخرته لكنه اختفى وسط سيقان المارة. لم أفهم فعلاً لمَ قمت بذلك؟ فسرت الأمر في حينه، أني تعاطفت مع الكلب وأردت تخليصه من معاملة العجوز له. خمنت أنها كانت تجبره على أكل طعام معقم وصحي تشتريه له من الأسواق التجارية الكبرى، وتأخذ ثمنها ليلاً حين تضمه إلى صدرها، وتطلب منه أن يفعل معها الفاحشة. الفاسقة! لكني اهتديت إلى تفسير آخر، وهو أني كنت أبحث فقط عن سبب يعيدني إلى المهنة التي أعرف ويلقيني إلى وهدة كابوسي الذي اشتقت إليه.
يحفل حي اللصوص بالحكايا الغريبة والعجيبة. أرهفت السمع يوما في مقهى خفاف الأصابع، فوصلتني حكاية غريبة عجيبة. يقول صاحب الصوت إن اللصوص أنواع، وأننا لسنا جنسا معزولا أو صنفا من أصناف البشر الكثيرة، بل إن كل الناس يسرقون، ولكننا نملك الشجاعة لقول إننا نفعل ذلك بينما يختفون هم ويستترون خلف مظاهرهم، وأيضا الطرق التي يسرقون بها. أتفق معه تماما!
سمعت أنه لتغتني في هذه المدينة، عليك أن تسرق مصرفاً أو شحاذا. يضيف صاحب الصوت هامساً بعد أن ينظر جانبيه محاذراً لأن في ما سيقول خطر كبير على أمنه وحياته، ولكن لابأس، مادامت الحكاية شهيرة في أماكن أخرى، لكن لاأحد يجرؤ على إعلانها. يقول إن صاحب المدينة سارق أيضاً. أخذ المدينة يوما معه في إحدى رحلاته الكثيرة إلى بلاد الشمال، فسرقت من جيبه عندما كان يهم بصعود وسيلة نقل اجتماعية كأنما ليبرر للجميع أن الكل في المدينة فقير حتى هو، فبرهنوا له هناك، أن اللصوص متواجدون في كل مكان. وصاحب الطابق العلوي لص مقتدر فعلا!
لست نادما على شيء إلا على هذه الورطة التي ألقيت نفسي فيها. قد يكون هذا البدين رجلا مهما وسيكتشفون بطريقة أو بأخرى مكانه، وسيمسك بي أعوانه حين يخلصوا إلى أني سرقت حافظة نقوده ليسلمونني إلى الشرطة دامي الوجه.
كم أكره المدينة!