3

6 0 00

3

أيتها المواطنات، أيها المواطنون، إليكم العرض الإخباري الثاني لهذا اليوم، العاشر من الشهر السابع للسنة الخمسين لحكم رئيسنا العظيم لمدينتنا السعيدة به، هذه.

تسعد مدينتنا بمشاركة قائدنا العظيم أفراحه بمناسبة عيد ميلاده الأربعين، وأقيمت الاحتفالات والأعراس وزينت الساحات والشوارع بالابتسامات، وانطلقت الموسيقى المدينية من كل آلات المدينة صوب السماء متجاوزة الأسماع. هذا وقد استقى مبعوثنا إلى أسفل مبنى التلفزة هاشم الرقاص، التهاني والتبريكات المرفوعة إلى حضرة قائدنا المعظم بالمناسبة الجليلة التي تكرر أربع مرات كل سنة.

كل هذه الأضواء المسلطة علي بدأت تصيبني بالضيق والقرف كما ربطة العنق الوحيدة التي تخلى لي عنها رئيسنا منذ... بدأت ذاكرتي تهن، لولا هذه الأوراق المقعية أمامي، وتشابه ما أقدم من أخبار، وإصرار وجه زوجتي على الاحتفاظ بدرجة بشاعته نفسها، وسكناي القريبة من مبنى التلفزة، وانحصار عدد مشاهديّ في هذه المقهى الصغيرة لتهت في هذه المدينة التي تنعم بوحشة خرساء.

ثلاث جرعات في اليوم حرص رئيسنا على تقديمها للمواطنين في وصفة مواطنة رحيمة، لكنهم انصرفوا عنها في جحود معلن لقنوات أجنبية رخيصة لا تقدم إلا التافه من البرامج، والمسلسلات، والأفلام، حتى أخبارهم لا تتسم بالمهنية والحرفية. ولولا هذه المقهى، المكان الوحيد الذي حفظ الود، وأبقى على الوفاء لانطفأت تلفزتنا في كل المدينة. زوجتي أيضاً لا تشاهدني للأسف، والرئيس لا أعتقد أن مسؤولياته الجسام تمنح له فرصة مشاهدة نفسه على الجهاز.

نقطة وفاء وحيدة بهذه المدينة الناكرة للمعروف، النادل المالك لجهاز التحكم، هو مواطن نموذجي بامتياز، رغم أنني في إطلالاتي الثلاثية، لم ألمح علم مدينتنا المليء بالألوان ينير إحدى زوايا المقهى، لكن صورة زعيمنا بلباسه العسكري ونظرته السديدة المسددة صوب الكل، تشفع له تقصيره.

على عادتها اليوم ليس بها زبناء كثر، مواطننا النموذجي يتنقل بين طاولاتها القليلة بهمة ونشاط ملبياً دعوات الداعين. أعلم أنه إنسان مكد، وأكاد أجزم أنه زوج مثالي لامرأة سيئة لا تشاهدني أبداً، وأب حنون لثلاثة أبناء نجباء لا يشاهدون التلفاز بالمرة، وإنما كل همهم الدراسة والتحصيل حتى يتشربوا نجاح والدهم من فنجان مواطنة يحرص أن يقدمه لهم بنفسه، ليصيروا مثله تماماً، مواطنين نموذجيين.

في إطار حملته الواسعة للقضاء على الفقر بالمدينة، قام رئيسنا الرحيم، أب الكل، بوضع إستراتيجية محكمة للتصدي للظاهرة يسهر بنفسه على تنفيذها، وتقضي الخطة الجديدة باستئصال الفقراء للقضاء على الفقر.

تقرير زميلنا هاشم شبعان.

ذاك الشخص الذي يرتكن تلك الطاولة القصية، أراه بالمقهى كل يوم. هو من زبائن القناة الدائمين. بت أعرفه جيداً. يبدو لي وجهه مألوفاً جداً حتى إني أكاد أجزم أنه يعمل بوزارة العيون المفتوحة والتقارير الدائمة، يغطي كل هذه المنطقة من مدينتنا، لديه مخبرين يتواصلون معه طول اليوم عن طريق أحد معاونيه الذي يعمل كرابط أساس في حلقات المد والتوصيل الدائمين.

لا أحد يتفطن للأمر سوى صحفي متمرس، وعميل دائم بالوزارة ذاتها. اليوم أيضاً يقصد المسؤول الأمني رفيع المستوى المرحاض، وألمح المعاون يتبعه بعد مدة قصيرة ليمده بآخر المعلومات ليعود فيدونها في تقرير مفحم سيرفع لرئيسنا.

أه! كدت أنسى رئيسنا!

في الخبر الاقتصادي، اجتمع اليوم رئيسنا، رئيس مجلس إدراة شركة مدينتنا مجهولة الإسم والأهداف، بمسؤول رفيع بشركة كولومبيا للمساحيق المدوخة، وذلك لبحث سبل الإفادة من الخبرات الأجنبية لتكرير الحشيش. حضر اللقاء الهام مستشار رئيسنا في التخدير وسعادة مفتي حارة الحشاشين المفرج عنه قريباً بكفالة قدرت بكيلوغرامين من الشيرا وقنينتين من ماء الحياة.

تقرير زميلنا هاشم المسطول.

جديد هذا اليوم هنا، هذين الشابين اللذين اختارا هذه المقهى الهادئة المواطنة ليتناجيا بعيداً عن قسوة المدينة الجاحدة، وأعينها التي تلاحق حتى تلك الذبابة التي لاتكاد تفارق الشابة. ألقتني صورتهما الوديعة إلى سنين شبابي وعطالتي، وبحثي عن نفسي. كنت إنساناً عميقاً رغم الفقر. أكاد أذرف الدمع وأنا أتذكرها، لم نكن محظوظين مثلهما لندخل مقهى، ويأتي نادل مواطن ليقدم لنا شيئاً نشربه. لم نكن بحاجة لشيء حلو كيما نعفو عن أشياء حلوة تتراقص بداخلنا. جلوسنا كان بالحدائق العامة، وعلى قارعة الأحلام. لم ندع نهزة، أو خلاء نرشف منه أو نعب حسب الظرف. كنا نختلس من الزمن أويقات نمارس فيها بعض وهمنا. نتأبط عادة جسدينا والشهوة. عند أول مناسبة أقبلها. تمزق حذاؤها وقامت بإصلاحه أكثر من مرة، وكبرت أحلامنا مع الوقت، بينما تمسكنا بغرابة فجة بأحجامنا، إلى أن صرنا قزمين أمامها بشكل يدعو للضحك.

دامعة جاءتني يوماً لا أستطيع نسيانه ما دمت حياً. منتحبة قالت إن أحدهم طرق باب أسرتها، وأن والدها يراه مناسباً. حزنت كثيراً، ودارت بي الأرض دورة كبيرة، وهزتني هزة عنيفة. فكرت جدياً في الانتحار. عندما استفقت من خدر صفعتها كنت أقتسم فراشي وحياتي مع فاتنة ثرية أدخلتني مبنى التلفزة ربما قبل أن تصل إلى بيت والدها المطروق بابه الخشبي من قبل أحدهم في اليوم نفسه.

استطاعت زوجتي، فاتنتي الثرية، أن تفتح في وجهي كل الأبواب المقفلة سابقاً بالمهارة نفسها التي تفتح رجليها لكل ذوي الياقات الأنيقة والبطون المندلقة، والحراس القائمين على أبواب الموت والموت.

أتساءل اليوم: ماذا لو لم تخني حبيبتي، ومشت معي المشوار حتى النهاية؟

أما كنا سنكبر مع الوقت ونلحق بأحلامنا الفارة فنمسك ببعضها؟

لا فائدة ترجى من النبش في جراح الماضي الغائرة. لو استطاع هذا الشاب أن يسمعني إذن لنصحته أن يتبع خطوي. كن ذكياً وابحث لك عن مفتاح تعمله في أبواب مدينة لاتعترف بالحب والأوهام.

في الخبر الوطني وسيراً على نهج السيركات الكبرى، يشرف رئيسنا في هذه الأثناء على الاستماع لشهادات قيمة لبعض المهرجين السابقين الذين احتجوا أن أحداً لم يحضر عروضهم البهلوانية في النط، والتسلق، واللعب بالبيضة والحجر، والرقص برجل واحدة على كل الحبال، ما دعاهم إلى الاحتجاج لدى الفدرالية الكونية للتهريج متهمين رئيسنا البريء حتى تثبت براءته، أنه يقف خلف ذلك، وهم بشهادتهم هاته يصرحون ويعلنون أنهم كذبوا وافتروا على نظام مدينتنا وممثله الأسمى الذي يدعم ويشجع التهريج بدليل أن قانونا قيد التفعيل يسمح لهم بممارسة التهريج والبهلنة في كل مكان، في السر كما في العلن.

تفاصيل بالصوت والصورة مع مبعوثنا إلى السيرك المركزي هاشم بيكاتشو.

أعلم أن ما سأقوله خطير جداً، لكني بت أضيق به ولا أستطيع كتمانه. في الليالي الأخيرة، أخذ حلم يلح علي بقوة، ويكاد يطبق على أنفاسي حد أني بدأت أعد نفسي لمهامي القادمة.

نعم، لا يمكنني أن أظل حبيس هذه القناة، نافذة صغيرة لا تتفق وأحلامي وطموحاتي وإمكاناتي. لا لست خائناً لأغادر قناتنا الوطنية هذه لصالح أخرى أجنبية رخيصة لا تقدم إلا التافه من البرامج، والمسلسلات، والأخبار. أعترف أن أحداً لم يلتفت إلي، ولم يصلني عرض منهم وذلك في اعتقادي لقناعتهم بأني مواطن نموذجي، مخلص ووفي، ولو فعلوا لفكرت في الأمر بجدية. لكن طموحي أقل من ذلك بكثير. أراني كل ليلة أجلس مكان رئيسنا، أضع لباسه العسكري، وترتسم على وجهي تلك النظرات السديدة المسددة صوب الكل. في النهاية نحن نتشابه كثيراً، من يدري ربما أنا أحق منه مادمت أراني أسوأ منه!

في الخبر الرياضي، فاز رئيسنا العظيم، الرياضي الأول والآخر، الظاهر والباطن... بالدورة الخمسين للجائزة الكبرى التي تحمل اسمه الطاهر، الميمون... في رياضة الغولف المقامة على ملاعب الغولف التابعة لقصره العامر. ويعد هذا الفوز الخمسون في تاريخ الدورة باللقب الغالي، وجاء هذه السنة بعد تفوقه على نفسه بإنهاء كل الضربات المسموحة وغير المسموحة على كل من قاده حظه السعيد لحضور المظاهرة، عفواً التظاهرة. هذا وأقيم بالمناسبة نفسها التي تصادف الذكرى الأربعين لميلاد عظمته، حفلاً عظيماً حضرته حرمه السعيدة، الفنانة المعتزلة ناني، وعشيقاته غير المعتزلات، اللائي أتحفن الحضور بحلقات من هز الوسط الكريم، وزوجته الثانية التي لاتمت للفن بصلة، وسعادة وزير العطس والكنس، وسعادة وزير الحدائق والمشانق، وسعادة وزير الري والعري، وسعادة وزير الشرف والقرف، وسعادة وزير العصا والقفا، وسعادة وزير النمل والقتل، وسعادة وزير النهر والقهر، وسعادة وزير الشرب والحرب، إضافة إلى العديد من المختصين من بقايا الولائم، وخبراء فتات الموائد.

تقرير هاشم فاهم.

أعلم أن هذا التقرير سيستغرق أكثر من خمس ساعات، علي الذهاب لأكل شيء، فمشاهدة هذه الوليمة الكبيرة ببطن فارغة تؤدي إلى نتائج كارثية أحياناُ. مهلاً، أرى نظرات مسؤول الأمن الجالس بالمقهى تتجه صوب الشارع، بخبرة الانتماء إلى وزارة العيون المفتوحة والتقارير الدائمة، أنظر من خلال مرآة المقهى، فأبصر أربعة ظلال تهرول قاصدة الباب الخلفي لعمارة كبيرة، هم بلا شك يسرعون للحاق بأحداث مسلسل رخيص على القناة الفضائية الأجنبية التافهة. سأسرع أنا أيضاً علي أظفر بمشاهدته. في انتظار لقائي بكم بعد ساعات، أتمنى للجميع مشاهدة ممتعة لقناتنا الممتعة جداً.