(1)
اللقيط
خرج روجيه إلى نبع الماء المقابل لمنزلهم الرث القديم، أزاح بيديه بقايا نفايات تركها المتنزهون وراءهم هناك وجلس، ثمة أفكار تجول في ذهنه كأنها كوابيس معقدة رأها في الأمس.. قال الفتى لنفسه: هل من المنطق أن أكون أنا ذو السنين السبع ابنا لأب قد تجاوز العام الثامن بعد المئة من عمره ولأم في منتصف التسعين من عمرها.. فكر وفكر ثم قال لنفسه مخاطباً اياها: لماذا أباء وأمهات الأولاد من جيلي صغار جداً مقارنة
بأبي وأمي..
لا زال روجيه يطرح على نفسه الكثير من الأسئلة لعله يجد تأويلا لما ينتابه من شعور.. لم يخرجه من تفكيره إلا أبو علي قاجي حينما صاح بالفتى وقال: هيا، لقد تأخرنا يا روجيه..
نهض روجيه من مجلسه الذي اعتاد على ارتياده والهروب فيه من هموم حاصرته وآلمته منذ أن وعى على وجه الحياة.. توجه برفقة أبو علي قاجي الذي يملك مقهى مشهورا في القرية لمساعدته في أعمال المقهى وغسل الأواني وخدمة الزبائن مقابل أجر ما.
أمضى روجي في غسل الأواني وترتيب المقهى حتى الغروب، وبدأ رجال القرية يتوافدون إلى مقهى قاجي المطل على بساتين الخوخ والرمان والعنب في قرية فيروز، كان مقهى قاجي هو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه رجال القرية للسهر والترفيه عن أنفسهم، ومكان اجتماعهم في الأفراح والأتراح، فكان رجال القرية يتناقشون في الكثير من الأمور، فليلة يتناقشون في أمور السياسة، وليلة يتحدثون عن العادات والتقاليد، وأخرى يقص فيها المعمرون
قصص ماضيهم وبطولاتهم..
وقف الحاج عزيز وصاح بالحضور أن يصمتوا ويكفوا عن الثرثرة، ثمّ قال:
- ان أحراش المنطقة وغاباتها تتحول في ساعات ما بعد الليل إلى معارك جنسية لفتيات وشبان من خارج المدينة، فعلينا أن نبذل كافة جهودنا لكي ننقذ قريتنا العزيزة من كبائر الزناة وكيدهم.
ضجة عظيمة أصابت المكان، وبدأ الحضور يتداولون الحديث فيما بيتهم، أغلق أبو علي قاجي التلفزيون، ثمّ قال:
- علينا أن نضع في كل ليلة اثنين من شبابنا على مدخل البساتين ليمنعوا أياً كان من الدخول إليها.
ونادى الحاج عزيز ثانية بالحضور، وطلب من المتبرعين أن ينظموا أنفسهم وأن يضعوا جدولاً لعملهم بحيث يحرس دخل البساتين كل يوم شابان..
بدأت الحراسة في اليوم التالي وكان المارة يهربون من المكان ويدعون أنهم يريدون العبور إلى القرى المجاورة كلما صادفهم شبان القرية، وكان روجيه يحرس في كل ليلة مع الشبان إلى أن عرف جميع المارة أن المنطقة تحت الحراسة ولا سبيل لعبور البساتين وممارسة الجنس تحت أشجارها.
لا زال مقهى أبو على قاجي هو المجمع الذي ينظم تحت مظلاته التي تتدلى فوقها عروش العنب سكان قرية فيروز، كانت هذه الليلة صيفية وحارة فأجتمع بها الجميع لمشاهدة مبارة كبيرة تجمع بين منتخب الجمهورية الوطني ومنتخب شقيق، بدأت المباراة وحمي وطيسها وبدأ الشبان باطلاق الهتافات المناصرة لفريق جمهوريتهم.. أتى الحاج عزيز على غير عادته هرعاً مسرعاً، أمر قاجي بإغلاق التلفزيون، ثمّ وقف بجانب الكرسي الذي يجلس عليه
أبو علي قاجي وقال:
- الاعمار بيد الله، أخوكم وحبيبكم محمد بك أبو روجيه قد رحل عن دنياكم معطيكم عمره.
تعالت أصوات الجمع في المكان قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون..
وذهبوا سوياً إلى منزل المرحوم لوداعه وتجهيزه ودفنه، ومواساة زوجته التي قاربت على بلوغ المئة عام من عمرها وطفله روجيه..
وما أن انتهى العزاء، وانتهى الشبان من هدم بيت العزاء الذي كان عبارة عن خيمة تتكون من الفرش العربي وموقد للنار ودلال للقهوة.. حتى جاء الحاج عزيز إلى مقهى قاجي للابلاغ عن وفاة زوجته مريم..
كان روجيه في هذه الأثناء قد بلغ عامه الثالث عشر، وكان مجيداً ومنتظماً في دراسته، إلا أن وحدته ويتمه وظروف حياته أجبرته على العمل ليل نهار، فمرة يعمل في غسل الأواني عند أبو علي قاجي بالمقهى، ومرة يعمل في جمع علب المشروبات الغازية الفارغة وبيعها، وكثيراً ما كان يعمل لدى أبو رضا الحداد في المحددة.
كان روجيه قد أنهى يومه المدرسي فتوجه نحو أبو رضا للعمل في المحددة، فأوكل إليه أبو رضا مهمة اصلاح الأواني.. في هذه الأثناء أتى ضيف من المدينة إلى قرية فيروز وتوجه إلى أبو رضا في المحددة، عانقه أبو رضا، ونادى على الفتى الذي يعمل في مقهى قاجي لاحضار القهوة للضيف.. تحدث أبو رضا مع الضيف حول أمور كثيرة، فكانا كثيراً ما يقهقهان ويعلو صوتهما، نظر الضيف فجأة إلى روجيه وهو يعمل في اصلاح الأواني، سأل أبو
رضا: من يكون هذا
أجاب أبو رضا:
- انه روجيه، اللقيط الذي كان يعيش لدى الحاج محمد بك والحاجة مريم رحمهما الله
وسرعان ما رسخت في ذهن الفتى كلمة "لقيط" فهي كلمة غريبة يسمع بها روجيه لأول مرة.. ترك روجيه الأواني من يديه وبات يفكر في الكلمة لعله يجد لها تفسيرا في قاموسه اللغوي.. تذكر أنه فكر ذات يوم في غرابة أمره وفي تشكيكه بأن يكون ابنا لأب وأم عجوزين.. ثمّ قال لنفسه: لا بدّ وأن لي قصة غامضة لا يعرف عنها إلى من رحلوا عن دنيانا.. رحمهم الله ماتوا ومات السر معهم، ثمّ لماذا لم يقل أبو رضا للضيف أني ابن المرحومين
الحاج محمد بك والحاجة مريم؟!..
وضع روجيه الاناء من يده، وهبّ مسرعاً باتجاه قهوة أبو علي قاجي، دخل القهوة واقترب من قاجي، وجلس إليه:
- كيف حالك يا قاجي
- بخير والحمد لله
- كيف العمل عند أبو رضا
- الحمد لله انه عمل جميل بالرغم من انه شاق
- عليك أن تتحمل يا روجيه
- نعم، ولكن أريد أن اسألك عن شيء
- تفضل يا روجيه واسأل ما تشاء
- ما معني كلمة "لقيط"؟
قال أبو علي قاجي وقد أصابته دهشة عظيمة من سؤال الفتى:
- ولماذا تسأل عن معنى هذه الكلمة
قال روجيه بذكاء:
- لقد قرأت قصة في مكتبة المدرسة تحتوي على هذه الكلمة ولم أفهم معناها.
قال أبو علي قاجي بعد أن أشعل سيجارة ورشف رشفتين من فنجان القهوة، وأدرك جيداً أن روجيه لم يقرأ قصة في مكتبة المدرسة كما قال وأن هناك أمرا ما دعا الفتى لهذا السؤال:
- كلمة "لقيط" تعني الفتى المهذب النشيط الذي يعتمد على نفسه
خرج الفتى وقد اطمأن لما قاله قاجي في تفسيره لكلمة لقيط ليعود إلى محددة أبو رضا واكمال عمله..
أوشك المساء على الاقتراب وبدأ الناس يتوافدون إلى مقهى علي قاجي كعادتهم إلى أن امتلأ المقهى.. نظر قاجي حوله يبحث عن روجيه فلم يجد، سأل عنه فأخبروه أنه ذهب إلى البيت لإكمال دراسته، ثمّ تساءل أبو علي أمام الجمع الذي أعتاد على الجلوس بمقهاه ولعب النرد أو الورق:
- أتذكرون ما قاله الناس ذات يوم عن روجيه وأنه لقيط وجدته الحاجة مريم رحمها الله تحت أشجار البساتين.
- أجابه أحد الجالسين : لكننا جميعاً نعرف أن روجيه ابن لمحمد بك رحمه الله، فلا تردد ما يقوله الفارغون من شائعات يا أبو علي قاجي.
- وهل من المعقول أن يولد طفل لأب وأم هرمين
قال الحاج عزيز:
- دعونا من هذا الموضوع.. ولا تفتحوا علينا أبواباً قد تجلب لنا ما نحن بغنى عنه
بعد السهرة التي امتدت ساعات وساعات، باع بها أبو علي قاجي خلالها مئات الأكواب من القهوة، وعشرات الأراجيل.. تغلغلها أصوات الخاسرين في لعبة النرد ذهب الجمع إلى سبيله، وبقي الحاج عزيز يتابع احدى التمثيليات على التلفاز، وأبو علي قاجي في مجلسه لم يغير وضعيته، سوى أنه قال مرة للعامل بأن يرفع الأكواب من على الطاولات.. اقترب قاجي من الحاج عزيز وهمس له بما تحدث عنه أمام الجمع ، سأله :
- ..ولكن كلنا نعرف روجيه يا حاج عزيز ، لكن الغريب في الأمر أن الفتى ظهر فجأة وأن الحاجة مريم لم تحمل به.. وإنه سمع أحاديث حول حقيقته مما دفعه لسؤالي عن كلمة معنى "لقيط" لكنني أجبنته بأن اللقيط هو الفتى النشيط.
التفت الحاج عزيز نحو قاجي وكان قد أصغى جيداً لما يقول، فالحاج عزيز يحب مثل هذه الأحاديث المثيرة التي تحمل أسراراً لا يعرف عنها أحد بالرغم من أنه اسكت قاجي حينما تحدث بالموضوع علانية وأمام جمع كبير من اهالي القرية، نادى بصوت عالٍ : مجيدي..مجيدي ، أحضر لنا الشاي.
وسرح في تفكير عميق، لم يوقضه منه سوى أصوات أكواب الشاي التي وضعها مجيدي على الطاولة ،ثمّ قال :
- أتذكر المرأة الغريبة الذي زارتنا السنة الماضية
- نعم يا حاج عزيز أذكرها جيداً...
- أتدري يا قاجي، حينما أتت إلى فيروز زارت بيت المرحوم محمد بك، وخرجت إلى الشوارع مع روجيه وجرى حديث طويل بينهما، وأظهرت للفتى أنها أحبته، وأنها قد شفقت على حال أهله وتريد مساعدتهم طالت الزيارة كثيراً يا قاجي، لكن أحداً لم يتنبه.. ثمّ ذهبت المرأة وتركت تحت وسادة الحاجة مريم مبلغا من المال، خرج بعدها محمد بك وسدد ديونه عند جميع التجار ، أذكر حينها أنه سدني 60 ، وسد علي 150 والحاج صلحي 100 وأبو رضا
ما يزيد على 100 أيضاً.
- ولكن من تكون هذه المرأة يا حاج عزيز؟
- لست أدري، لكن شكاً ما يراودني
لم يستطيعوا إكمال الحديث في تلك الليلة لتأخر الوقت، أغلق أبو علي قاجي مقهاه وذهب كل منهما إلى بيته..
في ظهيرة اليوم التالي كان روجيه قد عاد من مدرسته كالمعتاد، ألقى كتبه بجانب المقعد الذي يجلس عليه أبو علي قاجي، ثمّ سأل قاجي إن كان يريده بأية مساعدة.
لم يجبه قاجي، لكنه أمر الفتى أن يجلس بجانبه، ثمّ أمر مجيدي بإحضار كوبين من الشاي
قال علي قاجي:
- أتذكر المرأة الغريبة التي أتت في العام الماضي يا روجيه؟
- نعم، لا زلت أذكرها
- لقد أحبتك يا روجيه
- الأمر على ما قلت يا قاجي
- أذكر أنها قضت معك وقتاً طويلاً تحدثتم خلاله في أمور كثيرة
- نعم
- وعن ماذا تحدثتما يا روجيه؟
- تحدثنا في أمور كثيرة يا قاجي
- ألا تذكر منها شيئاً؟
- أذكر أننا تحدثنا عن الدراسة وعن أهمية المواضبة فيها، وعن المستقبل والحياة والناس.. لا شيء سوى ذلك
وبعد الحديث خرج روجيه متوجهاً نحو أبو رضا الحداد، الذي رحب به على غير المعتاد، قائلاً:
- أهلا يا روجيه
- أهلا بك يا أبا رضا، لماذا كل هذه السعادة؟ لماذا كل هذا الترحيب؟ فأنت كل يوم تراني
- السروج التي اشتغلتها بنفسك قد أعجبت تاجر المدينة وأريدك أن تنتج منها كمية أكبر، ووعدني صاحب المتجر في المدينة أنك إذا اتقنت العمل كما في المرة الماضية فإنه سيعطيك هدية.
انكب روجيه على العمل، فكان أن ينام حتى ينجز ما هو فوق طاقته من العمل الجاد والدراسة، وخلال أقل من شهر كان روجيه قد انجز كم لا بأس فيه من السروج التي تستعمل للخيل، وبعد أن سلمها أبو رضا لصاحب المتجر في المدينة أعطاه هدية لروجيه..
كم كان سعيداً بالهدية، وهي عبارة عن تلفزيون، وكان روجيه لا يرى التلفزيون إلا في مقهى أبو علي قاجي، لكن هذه الهدية مكنته من رؤية التلفزيون في المنزل الرث القديم الذي أورثه محمد بك والحاجة مريم إلى روجيه..
كان روجيه يشعل التلفزيون وينظر إلى الكثير من البرامج، إلا أنه كان شغوفاً بمتابعة البرامج الثقافية والاجتماعية، كان التلفزيون الوطني يبث برنامجاً اجتماعياً يتطرق للكثير من الظاهر التي يعاني منها المجتمع، فكان للحلقة التي تحدث فيها المختصون عن اللقطاء أثر كبير في نفس روجيه، فذهب في خياله التائه الخصب إلى ما قاله أبو رضا الحداد للضيف الذي زاره ذات يوم، وتذكر أنه قال للضيف أن روجيه مجرد لقيط كان يعيش
عند الحاج محمد بك والحاجة مريم..
أيقن الفتي هذه المرة، وبعد أن عرف أن كلمة لقيط تعني الإنسان مجهول الهوية ، وأيقن تماماً أن علي قاجي خدعه حينما فسر له معنى الكلمة، وأن سراً عظيماً يخصه لم يخبره عنه أحد حتى الآن.
فكر روجيه جيداً وهو يضع رأسه على الوسادة بحالة وأمره وحقيقته، أراد أن يسأل أحداً عن الحقيقة لكنه تردد كثيراً، وعاش أربع سنوات في حالة من الحيرة والشك في أمره.