(2)
ليلى
خرج روجيه من المقهى بعد فترة استراحة قضاها هناك، ليعود إلى دراسته من جديد، وما أن أمسك كتاب الاحصاء وبدأ بتحضير الورق لحل بعض المسائل حتى طرق الباب.
توجه روجيه نحو الباب، فإذ بالحاج عزيز ورجلين غريبين لم يسبق له رؤيتهما، وفتاة لم يسبق له أن رأى جمال بجمالها، عانقه الحاج عزيز، وبدأت ثمة دموع بدأت تخرج من عينيه الهرمتين، ثمّ قال:
- عظم الله أجرك يا روجيه، فأخوك علي الذي يسكن في الشمال قد انتقل إلى رحمة الله جراء حادث سير مؤسف، وأنتقل معه زوجته وجميع أبنائه ولم يبقَ منهم إلا ليلى.
وآوت ليلى إلى روجيه وأحتضنته وناحت بالبكاء، أما روجيه فقد زاده الأمر هماً وصدمة، فهو لأول مرة في الحياة يعرف أن للحاج محمد بك والحاجة مريم ابنا اسمه علي ويسكن في شمال البلاد..
جلس الحاج عزيز وأجلس روجيه وليلى حوله، ثمّ قال:
- الأعمار بيد الله يا أبنائي، فأصبروا فإن الله مع الصابرين، أما أنت يا ليلى فأبقي هنا وعيشي بجانب عمك روجيه.
خرج الحاج عزيز وبقى روجيه وليلى في المنزل وحيدين يتعارفان ويتحدثان في الكثير من الأمور، ثم قالت ليلى لروجيه وكانت ليلى أكبر من روجيه بعام واحد:
- أتدري يا روجيه أنني لأول مرة في الحياة أعرف أن لي عما، أبي رحمه الله غادر فيروز قبل أن تلدني أمي على خلفية قتله لأحد الرجال، ولم يزرها بعد ذلك أبداً.
أوهمها روجيه أنه يعرف كل شيء، وأن أبويه رحمهما الله قد حدثوه بكل شيء قبل أن يموتوا..
كان روجيه قد راوده شعور الشك وأفكار الحيرة التي انتابته منذ أن كان في السابعة من عمره، وأدرك جيداً أنه مجرد لقيط في هذه الحياة، وأن محمد بك والحاجة مريم ليسو أبويه، وأن ليلى ليست ابنة أخيه.. ثمة أفكار أخرى وثمة شعور تجاه الفتاة يراوده.. حاول روجيه أن يغري ليلى في الكثير من الأمور، إلا أنها لم تقع فريسة بين يديه.
نادى عليها ذات يوم بينما كانت تغسل أواني العشاء في المطبخ، وحينما أتت قال لها:
- بعد أن تنتهي من عملك، احضري فنجانين من القهوة أريد أن أتحدث اليك في أمر هام
أحضرت ليلى فنجانين من القهوة، وأغلقت التلفاز، وجلست مقابل روجيه وقالت:
- أي أمر تريد أن تحدثني به يا روجيه؟
- أتدرين يا ليلى أن هناك الكثير من الأمور الغامضة تطاردني منذ أن وعيت على هذه الحياة.
- كيف؟
- ليلى أنت انسانة عاقلة وبالغة أليس كذلك، بل وتجيدين الحكم على الأمور جيداً.
- ولماذا كل هذا، أخبرني ما الامر؟
- الأمر كبير جداً يا ليلى
- هات.. تحدث.. أخبرني ما الأمر؟
- حينما كنت في السابعة من عمرك كم كان عمر أبيك وأمك؟
- وما علاقة هذا؟
- أجيبيني
- أبي كان في بداية الأربعين، وأمي كانت في الثلاثينيات
- جميل.. ما رأيك بفتى في السابعة من عمره كان أبوه في العام الثامن بعد المئة من عمره، بينما كانت أمه في التسعين من عمرها
- هذا مستحيل
- أنت متأكدة من الإجابة؟
- نعم
- هذا أنا يا ليلى
- غير معقول
- اسألي القرية التي نسكنها والرجال الذين يجلسون في مقهاها.
بعد صلاة عصر اليوم التالي توجهت ليلى لمقهى أبو علي قاجي، وسألته عن حال القرية التي يسكنون فيها عن أهلها، وعن جدها وجدتها قبل أن يموتوا، وعن حالهم وأعمارهم.
لم يكفها ما قاله أبو علي قاجي وحده، بل سألت الحاج عزيز، وإمام المسجد، وأبو رضا الحداد وغيرهم من الرجال.. إلى أن تأكدت من الحقيقة وباتت هي الأخرى تشك بأن روجيه ليس ابناً للحاج محمد بك والحاجة مريم، وليس عم لها..
توجهت ليلى إلى المنزل، وكانت في هذه الأثناء لا تعامل روجيه على أنه عمها، حتى روجيه عاملها على أساس الصداقة، وقال لها بعد ذلك:
- أعتقد أنك الآن قد تأكدتي
ابتسمت وقالت:
- نعم يا روجيه
اقترب منها وبات كل منهما ينظر في وجه الآخر جيداً، إلا أن تلاقت الوجوه، واصطدمت الشفاه وبدأت تلتهم بعضها بفنون قد لا يتقنها إلا ممثلو أفلام الجنس..
جردها روجيه من ملابسها جيداً، وباتت تجرده هي الأخرى في ليلة غاب عنها الضوء، ولعبت فيها الشياطين دورها على الوجه الصحيح.. صرخت ليلى:
- لقد فضيت بكارتي يا مجنون
- لا تخافي.. سيعرفون الحقيقة وستكونين زوجتي لا ابنة أخي
وبقي روجيه وليلى على هذا الحال جنس وحب وسكر.. إلى أنهى روجيه دراسته الثانوية بتفوق، وكان حينها قد رحل الاثنان إلى المدينة، ودخل روجيه الجامعة هناك كطالب مجد ومبدع في قسم علم الاجتماع.
أنهى سنته الجامعية الأولى بنجاح وتفوق، وما أن أفاق من نومه مع ليلى بعد ليلة احتفال بالتفوق تغلغلها سكر ورقص وجنس حتى اختفت الفتاة.. بحث عنها في كل مكان لكن دون أن يعثر على أي أثرٍ لها.
توجه روجيه إلى قرية فيروز وأخبر أهلها عن اختفاء ليلى، وجلس في ليالي صيفها الصافية المليئة بالنجوم إلى أبو علي قاجي ليتحدث معه في كثير من الامور.. عاد تفكيره ليراوده من جديد حول أصله وفصلة وأبويه الحقيقيين، لم يتردد في سؤال أبو علي قاجي هذه المرة، لكن قاجي حاول أن يتهرب كثيراً، التف حوله روجيه، وأمسكه هذه المرة من رقبته، وقال له:
- أخبرني يا قاجي
- بماذا أخبرك يا روجيه؟
- أخبرني ودعني أرتاح، حوّل ألمي إلى فرح، وغموضي إلى وضوح، وسر أمري إلى حقيقة، قل لي يا قاجي من أنا..؟
- اجلس يا روجيه، دعنا نحتسي القهوة ثمّ أخبرك بكل شيء
- أخبرني الآن يا قاجي
تردد قاجي في الإجابة، إلا أنه حينما نظر إلى عيني روجيه اللتين تحولتا من عينين هادئتان إلى عينين شريرتين، وإلى شفتيه اللواتي ترجفان، وإلى وجهه ودموع عينيه، استدار نحو روجيه، وأقترب منه جيداً، قال وهو يرتجف:
- قبل تسعة عشر عاماً من الآن خرجت الحاجة مريم رحمها الله إلى البساتين لتسقي أغنامها هناك، وأثناء سيرها سمعت صوتاً لطفل صغير يخرج من تحت أشجار بستانهم، وحينما وصلت مكان الصوت وجدت طفلا حديث الولادة هناك، فأحتظنته وأخذته إلى بيتها.. سألت عنه كثيراً، وعاشت كل هذه السنين لتعثر على أبويه، أو لتجد من يسأل عنه.. لكنها ماتت دون أن تعرف من أبويك يا روجيه، وبقيت عندها إلى أن توفت، وعشت معنا وأصبحت واحداً
من أهالي القرية دون أن يعرف أحد من أنت ومن أين أتيت، وأعتقد أنه لا يعرف أحداً من أهالي القرية حقيقتك إلا أنا والحاج عزيز وعدد قليل من الرجال والنساء لا يتجاوز العشرة..
لطم روجيه على وجهه، وثمة دموع بدأت تسيل من عينيه الغائرتين السارحتين في التفكير بما مضى من زمان.. قام روجيه من مكانة وذهب إلى البيت الرث الذي ورثه في القرية لينام فيه من شدة الألم والحزن والضيق، أراد أن يتوجه في اليوم التالي إلى مقهى قاجي ليعرف منه المزيد إلا انه تفاجأ بأن المقهى مغلق بسبب وفاة صاحب المحل "أبو علي قاجي".
صرخ بصوت عظيم.. بكى وبكى.. ثمّ قال: رحمك الله يا قاجي.. وتوجه بعدها إلى المدينة لإكمال دراسته الجامعية.
بعد 13 عاماً كان روجيه قد أنهى دراسته الجامعية بكافة مراحلها، وحصل على درجة الدكتوراة في علوم الجريمة، كان الدكتور روجيه يقضي حياته الجامعية بإخلاص وجد، ليحمل رسالة العلم الخالدة إلى الأجيال بكل حرص وأمانة، رغم غموضه وجبروته والغرور العظيم الذي أصابه.. ولحنكته وذكائه كانت الجهات الامنية والعسكرية كثيراً ما تستعين به لإعطاء دورات متخصصة للضباط في الجريمة واساليب الكشف عنها وكيفية الوصول إلى مرتكبيها..
وكان قد تزوج من فتاة تدعي (حياة)، أما ليلى فلم يعرف عنها أي شيء حتى الآن.