-1-

5 0 00

-1-

استيقظت من النوم شاعراً بإعياء شديد ، حاولت أن أخمن الوقت، لكن الظلام مازال يلف المكان إلا بصيصاً من النور الأزرق المنبعث من المصباح في السقف . أعدت

الغطاء إلى وجهي . واستغرقت باسترخاء لذيذ .

ليلة أمس فرض الدكتور أنيس النوم عليَ مبكراً . ولكن ممرضتي الخاصة تسللت خلسة إلى غرفتي. وأنا في سنة من النعاس شعرت بشفتيها تحطّان دافئتين على خدي .

ثم جاء صوت الدكتور أنيس عبر مكبر الصوت زاجراً :

-كفى تنغيصاً يا سلوى … أخرجي فوراً، ودعيه ينام.

انسحبت من الغرفة ملوحة بيدها، هامسة (( وداعاً)) والدموع تنساب على خديها.

كان يوم أمس زاخرا بالمقابلات الصاخبة فقد زارني صباحا مسؤول كبير .و اكبر في روح التضحية من اجل العلم ، و قال إن التاريخ سيخلدني كرمز للبطولة والإيثار

.. ثم تعاقب الزائرون .. و كان من بينهم علماء كبار ، من مختلف الهيئات العلمية العالمية و المحلية .. و الدكتور أنيس يرافق كل واحد من هؤلاء مستقبلاً ومودعاً

والبهجة تغمره . ولا يفوته أن ينوه أمام كل منهم انه يشعر بالزهو والسعادة إن أول من يلبي نداء ه مطرب شهير مثل جودة الساير .

حقا انه حدث مثير وغريب .. ولكنها نزواتي التي لا تنتهي، فحين قرأت نداء الدكتور أنيس في الصحف ، بزغت في رأسي صور متلاحقة لعالم المستقبل، ومثل ما تنزو

في نفسي رغبة في زيارة بلد بعيد ، فاحزم حقائبي فوراً واستقل الطائرة ، وجدت نفسي ذلك اليوم امسك القلم ، واكتب الرسالة التالية :

(( إلى الدكتور أنيس..

إيمانا مني في خدمة العلم ، أتطوع لإجراء تجربتكم العلمية عليّ ، وذلك بتجميدي .. ولأجل غير محدود .. ولكم الشكر )) كانت دهشة الدكتور أنيس شديدة، فقد يتطوع

رجل تجاوز السبعين، ولم يبق من عمره بقية.. أو مصاب بمرض عضال لا أمل لشفائه في الوقت الحاضر، فذلك أمر ممكن.. أما أن يأتي رجل في الخامسة والثلاثين وبكامل

صحته ، وفوق ذلك هو فنان شهير له جماهيره الغفيرة فهذا ما لا يصدقه العقل . لم يحاول الدكتور أنيس إخفاء أي شئ عني، بل صارحني قائلاً:

-إن احتمال عودتك إلى الحياة ثانية لا يتجاوز الثلاثين بالمائة . قلت له بإصرار :

-مع ذلك موافق .

ودخلت المختبر وأجريت الفحوصات اللازمة وها أنا استقبل يومي الخامس في هذا المختبر ، بانتظار لحظة الصفر .. ولم انس أن اسأله ليلة أمس وهو يأمرني بالنوم

المبكر، عن موعد إجراء التجربة …. قال مطمئنا :

-لا داعي للعجلة .. أمامنا أكثر من أسبوع لاستكمال كافة الترتيبات اللازمة .

أويت إلى الفراش وصور من قابلتهم ليلة أمس تتلاحق في مخيلتي .. حتى غبت في سبات عميق وها إني استيقظ منهك القوى .. حاولت أن احكم لف الغطاء على جسدي فاكتشفت

أني عارٍ تماماً. نهظت مذعورا برغم الإجهاد الشديد الذي يعتري مفاصلي . لكن ضوء ساطعا بهر عيني وجاءني صوت من جهاز قريب يقول :

- استرح في فراشك يا سيد جودة الساير .

اعترتني رجفة مباغتة . وجلست على حافة السرير خائر القوى . وألقيت نظرة خاطفة على أنحاء الغرفة . لم يكن الجهاز الذي كلمني الآن موجوداً ليلة أمس . والى

جانبه جهاز آخر على شكل صندوق مستطيل . وعليه مجموعة متشابكة من القضبان ذات الأشكال والأطوال المختلفة. وخلف رأسي جهاز ثالث ذو أزرار معقدة وأسلاك كثيرة

وجاءني الصوت ثانية:

-تمدد على فراشك.. وتدثر بغطائك جيداً صحتك تتطلب ذلك .

نفذت ما قاله الجهاز . والحيرة تغمرني . قلت متمتما مع نفسي إنها الخطوة الأولى في رحلة ألف الميل إذا!!

- بل الخطوة الأخيرة يا سيد جودة.

لم افهم ما أراده الجهاز بالضبط .. هل يعني أنها الخطوة الأخيرة في رحلة الفحوص التي تجرى عليّ منذ أربعة أيام ؟! أم ماذا ؟!

* * *

فتح الباب . ودخلت فتاة ذات شعر أشقر ، وبنطلون قصير ، وقميص بغير أكمام اتجهت دون أن تنبس بكلمة ، إلى الجهاز المنتصب خلف رأسي سحبت منه مجموعة من الأسلاك

وبدأت تلصقها على مفاصلي ، وجانبي رأسي ، ضغطت على عدد من الأزرار ، ثم انتقلت إلى الجهاز المنتصب الذي كان يكلمني حركت أحد أزراره فبدأت سلسلة من الأضواء

المختلفة الألوان ، تبرق في الجهاز و الفتاة تتوسط المسافة بيني و بينه …

لقد اعتدت أن أرى وجه سلوى كل صباح فهي المسؤولة عن رعايتي طيلة الأيام الأربعة الماضية. كانت الابتسامة تطفح على شفتيها , وعيناها تفيضان بالحب .. والحق

، لقد تعلقت بها . وتعلقت بي منذ الساعات الأولى لدخولي المختبر . أما هذا الوجه المتجهم الواقف أمامي فلم أره من قبل وبادرتها بالسؤال :

- أين سلوى هذا اليوم ؟

-أية سلوى ؟

-الممرضة المسؤولة عن رعايتي .

-لا توجد هنا امرأة بهذا الاسم .

زاد الآمر حيرة . وسألتها باستغراب :

-منذ متى وأنت تعملين هنا ؟

-منذ سبع سنوات وسبعة اشهر .

-ولا تعرفين سلوى !

-قلت لك لا توجد امرأة هنا بهذا الاسم أبدا

-حسناً … والدكتور أنيس ؟

-لا أعرفه أبدا .

-كيف ؟! أليس هذا المكان هو مختبر الرازي للبحوث الطبية ؟!

-بلى انه هو .

-والدكتور أنيس هو مدير المختبر .

-مدير المختبر الدكتور عاطف . والمسؤولة عن رعايتك أنا . وأسمي زينب لا سلوى.

-ولكن الدكتور أنيس هو الذي سيجري التجربة عليّ.

-أية تجربة؟

-أية تجربة!! إذاً فأنت لا تعلمين شيئا .

-لا اعرف عم تتحدث .

وبعد لحظة صمت سألتها .

- كم هو تاريخ اليوم ؟ يا زينب

- الخامس من شباط . عام …

وقبل أن تكتمل عبارتها صدر عن الجهاز الناطق صفير حاد . ثم قال :

- ستعرف كل شيء بأوانه . يا سيد جودة . لا داعي للعجلة .

عندها اصفر وجه الفتاة . و بادرتني قائلة :

- سيدي أنا هنا في مهمة محددة . لا داعي لاْن تثقل رأسي بأسئلة لا اعرف الإجابة عنها .

-آسف لإزعاجك يا زينب .

ولذنا بالصمت , وبعد لحظات جاء صوت الجهاز يعلن نتائج الفحص :

- نبضات القلب اعتيادية .. الضغط اعتيادي تخطيط الدماغ طبيعي جدا . نقص بالمواد الغذائية ….

واستمر الجهاز يتلو نتائج الفحص . والفتاة تبعد الأسلاك عني وتعيدها ألي مكانها السابق . وحين سكت الجهاز . غادرت الفتاة الغرفة . ثم عادت تحمل مجموعة

من القناني الصغيرة . وضعتها في فوهة الجهاز الناطق . فبداْ الجهاز المستطيل يصدر صوتا مثل تكتكة الساعة .. قالت الفتاة :

-آسفة يا سيدي .. لا تستطيع مغادرة الغرفة قبل أن يقابلك الدكتور عاطف مدير المختبر. وأنا مضطرة إلى مغادرتك الآن.

-ومتى سيأتي الدكتور عاطف ؟

-بعد ساعة وربع .

غادرت الغرفة. توقف الجهاز من التكتكة . انفتحت في أحد جانبيه فوهة صغيرة خرج منها قدح من البلاستك .. مملوء بسائل بني تحرك أحد الأذرع المتصلة بالجهاز

. حمل القدح . و امتد باتجاهي ، متأنيا، حتى صار قبالة وجهي . وجاء صوت الجهاز الناطق :

-تناول فطورك يا سيد جودة .

تناولت القدح وبدأت اشرب كان يحمل رائحة البرتقال . وطعمه مزيج من المرارة و الملوحة . و حين فرغت من احتسائه ، تركت القدح في يدي قليلا .

عندها خرجت من اسفل الجهاز المستطيل اسطوانة بيضاء تشبه حية طويلة . و في مقدمتها كلاب حديدي . انسابت نحوي بهدوء . حتى وصلت قرب يدي و نهايتها مازالت

متصلة بالجهاز .

كل شيء قد تغير اليوم !!.. خزانة الملابس و التلفزيون و جهاز التسجيل .اختفت تماما من الغرفة . وحلت مكانها هذه الأجهزة اللعينة. التي لم تطرأ على خاطري

يوماً . أيمكن أن أكون قد نقلت إلى مكان آخر أثناء نومي؟ وندّ من بين شفتي سؤال محير

-أين أنا الآن يا ترى ؟!

- في مختبر الرازي للبحوث الطبية. الجناح السـابع والأربعين .

أجاب الجهاز الناطق على الفور . وكأنه ينتظر مني بفارغ الصبر هذا السؤال . ليتلقفه من بين شفتي فيجيب ويستريح … هكذا إذاً نفس الجناح الذي دخلته قبل أربعة

أيام . ما هذه الطلاسم يا رب !!… أتتغير الأمور إلى هذا الحد بين عشية وضحاها!!… أمس في الرابع من شباط عام 1985 كان يزورني الوزراء والعلماء . الكاميرات

تختطف صوري والصحفيون يتسابقون على تدوين أقوالي . والدكتور أنيس يتباهى بي أمام كل زائر. وسلوى الحلوة الرقيقة تحضر كاميرا وتقول متضرعة :

- صورة تذكارية معك يا أستاذ جودة.. أنا وأنت لوحدنا .

وما تكاد تضع الكاميرا الأوتوماتيكية في مكانها المحدد وتهيئها للتصوير.. حتى يزدحم علينا العاملون في المختبر . كل ينادي ((صورة تذكارية يا أستاذ جودة)).

وما أكاد اغمض عيني وافتحها في الخامس من شباط ((كما تقول الممرضة البلهاء)) حتى أجد نفسي بين هذه الأجهزة اللعينة . لا أتحرك إلا بإرادتها …. وقطع سلسلة

أفكاري نداء الجهاز قائلاً:

-أرتد ملابسك يا سيد جودة وتهيئ لاستقبال الدكتور عاطف.

وقبل أن أسال عن مكان ملابسي ظهرت من الصندوق قطعة منها. تناولها أحد الأذرع وقربها مني . ثم ظهرت قطعة ثانية. وتناولها ذراع ثانٍ . تريثت في تناول القطعة

. برهة من الزمن. فجاءني صوت الجهاز ثانية:

-أرتد ملابسك ، يا سيد جودة. وتهيأ لاستقبال الدكتور عاطف .

آثرت أن أكون عنيداً . ولا أنصاع لأوامر الجهاز . فجاءني الصوت من جديد:

-هل تنوي أن تقابل الدكتور عاطف بهذه الهيئة يا سيد جودة؟.

ارتديت ملابسي . ودخلت الممرضة البلهاء ، تفحصتني جيداً. ثم قالت:

الدكتور عاطف سيقابلك الآن . فهل أنت مستعد لذلك ؟

-نعم

-حسناً

وفتحت باب الغرفة قائلة :

-تفضل يا دكتور عاطف.

دلف أربعة رجال يتقدمهم كهل أشيب الشعر نحيف القامة . يرسم ابتسامة عريضة على وجهه استطعت أن أخمّن أنه الدكتور عاطف على الفور .صافحني بحرارة ، مكبرا فيّ

روح التضحية والإيثار . ثم التفت الى صاحبه. قائلا:

-هذا هو السيد جودة الساير الذي تم تجميده قبل أربعمائة عام بالضبط على يد الدكتور أنيس انظروا له إنه بكامل صحته . وما زال يتمتع بشبابه . نحن اليوم -

يا سيد جودة – في الخامس من شباط عام 2385. لقد تمت التجربة بنجاح باهر …

لم استطع تحمل الصدمة . فتهاويت على السرير وتداركني الدكتور عاطف :

-لا داعي للقلق ، من المؤكد أنك ستعيش بين أصدقائك، إنك انتقلت الى عصر العلم والازدهار الحضاري . لن تجد أي منغصات في عصرنا هذا.

أثناء حديثه كان أحد الأذرع الحديدية يتحرك نحوي حاملاً قدحاً مملوءاً بسائل اصفر . وجاء صوت الجهاز :

-أشرب يا سيد جودة . أنه سيهدئ أعصابك . ويعيد لك توازنك .

استمر الدكتور عاطف في حديثه:

-تأكد أنك ستجد الحياة جميلة في عصرنا ، وإنا سنحرص على تلبية كل احتياجاتك .

ثم أكمل مخاطباً الجهاز الناطق :

-تقرير عن حياة جودة الساير سابقا، وعلى الفور تكلّم الجهاز :

-تقرير عن حياة السيد جودة الساير الاجتماعية كتبه الدكتور أنيس عام 1985. ولد جودة الساير عام 1950 . تخرج في معهد الفنون الجميلة قسم الموسيقى دخل عالم

الغناء . وحقق شهرة عالية . كأفضل مغنًّ في البلد . له ملايين المعجبين من ابناء بلده والبلدان المجاورة . يكتب الشعر أحياناً له علاقات عاطفية متشعبة .

يميل الى المغامرة . ويهوى السفر الى المناطق البعيدة والمجهولة . آخر مغامراته تطوعه لأجراء تجربة التجميد عليه . تمّ تجميده في الساعة الثانية صباحا في

5 شباط 1985 .

د. أنيس

لاحظت علامات الخيبة والأسف ترتسم على وجه الدكتور عاطف وهو يستمع الى التقرير . وحين سكت الجهاز قال:

-على كلٍّ. سنبذل قصارى جهدنا لتحقيق السعادة لكَ في حياتكَ المقبلة ثم أن لك ثلاثة رفاق آخرين ، من أبناء عصرك . سيتم بعثهم إلى الحياة هذا اليوم . وستعيشون

معا . ويسدون عليك بعض الفراغ .

وأكمل حديثه مخاطباً الممرضة :

-وأنت … عليك أن ترافقيه في التجوال في أنحاء المختبر . حتى يتم نقله إلى العاصمة بعد ثلاث ساعات . أرجو أن تكوني لطيفة معه وتلبي كل طلباته .

-سمعا وطاعة يا دكتور .

وأضاف موجهاً الكلام الى الجهاز الناطق

-هل يستطيع السيد جودة مغادرة الغرفة ؟

-ليس قبل أن يكمل غذاءه.

ثم التفت أليّ وقال :

-أنا مضطر لمغادرتك الآن . وسنلتقي قريباً في العاصمة . حيث ستقابل الدكتور مشين وأعضاء المجلس العلمي . وأرجو أن تظهر أمامهم بجأش ثابت ومعنويات عالية

….وإلى اللقاء .

وقبل أن يغادروا الغرفة ، ألتفت واحد من مراقبيه ، وكلم الجهاز الناطق :

-أنقل كافة التفاصيل الخاصة بالسيد جودة إلى العقل الأكبر.

* * *

خلت الغرفة إلا مني والممرضة البلهاء ، وهذه الأجهزة اللعينة . ورغم أن ما شربته أعاد ألي توازني . وهدأ أعصابي - كما قال الجهاز - لكن هول المفاجأة ظل

مسيطراً عليّ . فمن الصعب أن يصحو الإنسان من نومه فيجد نفسه قد كبر أربعمائة عام دفعة واحدة . وأن هؤلاء الكهول الذين كانوا أمامي قبل قليل هم بمثابة

أحفاد أحفادي … وسلوى الممرضة الحلوة التي مازالت حرارة شفاهها تحرق خدي قد أضحت عظامها رميما … وقطع شتات أفكاري نداء الجهاز وهو يقدم لي القدح الثالث

وما أن شربته حتى قال :

-تستطيع مغادرة الغرفة الآن .

اقتربت الممرضة من الجهاز وخاطبته.

-وجبات الطعام للسيد جودة الساير .

ضغطت أحد أزراره . فخرجت منه وريقة صغيرة اختطفتها الممرضة . ودستها في جيبي . ثمّ تأبطت ذراعي وغادرنا الغرفة .

* * *

كل شئ نمر عليه جديد على عيني . وزينب تحدثني عن تاريخ وجغرافية المختبر . قالت إن هذا المختبر قد اعيد بناؤه قبل ثلاث وتسعين سنة.وهو يعد اليوم من أكبر

ثلاثة مختبرات في العالم . واستمرت تحدثني عن كل ردهة أزورها …. ذراعها ما زالت تتأبط ذراعي . وفجأة امتدت اصابعي تداعب اناملها الرقيقة ، وتضغط على كفها.

تماما مثلما فعلت مع سلوى قبل اربعة أيام . عفوا اربعة أيام واربعمائة سنة على وجه الدقة ، كان ذلك في اليوم الاول من دخولي المختبر …. جاءت تحمل كوب الشاي

الى غرفتي . وجلست بجواري …. وكعادتي مع كل انثى يأسرني جمالها أهجم بكل اسلحتي ، وبلا مقدمات . فأنا من الذين يؤمنون ان الحب ما هو الا جنون ورعونة وعنجهية

… وهكذا انزع عقلي من رأسي واقيده بسلاسل ثقيلة .. وأرميه ورائي ! لئلا يقفز الى رأسي ثانية . فأتلعثم , وتخور قواي . وتلحق بي هزيمة ماحقة . كل غزواتي

لا تعرف المناورات والدبلوماسية والخطط البعيدة المدى …. هجوم مباغت أشنه فأعبر إلى مرافئ العشق مكللا بالظفر …. انطلاقا من هذه الفلسفة ، بدأت مغامراتي

مع سلوى ، (أول ممرضة التقيها في المختبر ) … وضعت كوب الشاي وجلست بجانبي . بدأت تتحدث عن عبقرية الدكتور سالم ومكانته العلمية …. ويداها تحطان قرب كوب

الشاي ، على الطاولة الصغيرة ، مثل حمامتين وديعتين . ومع الدقائق الاولى امتدت اصابعي لتعصر الكفين البضتين ، وسرى بي تيار من كهرباء النشوة اللذيذة .

غمر كل كياني …. سحبت كفيها بهدوء . وهمست :

-عيب … يا استاذ جودة.

غرزت نظراتي فيها . كان الاستحياء الطفو لي يضرج خديها بحمرة قانية … عيناها تفيضان بساتين من الشوق المكتوم . ومجامر متوهجة بالرغبة الجامحة … واطبقت

ثانية على الكفين المذعورتين . جاء الرد هامسا :

-ما هكذا يا استاذ جودة ؟

ولم تمض دقائق حتى رفعت راية الظفر خفاقة .

كل هذه التصورات طافت في رأسي ، وأنا أتأبط ذراع الممرضة زينب في اروقة المختبر … وقررت أن أعيد التجربة معها . فراحت اصابعي تداعب اناملها وتعتصر كفها

… وانتظرت رد الفعل … كانت مستمرة في الحديث دون أن تكترث لما أفعل . تسللت يدي الى كتفها العاري . فاعتصرته . حاولت أن أقرأ الاستجابة في عينيها .. ولكن

عينيها كانتا تحملان برودة الجليد . وقطعت حديثها قائلا :

-ا تعلمين انك رائعة الجمال .. يا زينب ؟

-أعلم ذلك .

-وأن جمالك يفقدني صوابي؟

-ولماذا ؟

دلفت أمامي الى المصعد الكهربائي . ودلفت في اثرها . واختطفت قبلة سريعة من رقبتها . فاستدارت في مواجهتي مندهشة . فأردفتها بقبلة أخرى على شفتيها … ابعدت

فمها بسرعة . ثم مسحته بظهر كفها … وسألتني و علامات الاشمئزاز ترتسم على وجهها :

-ما الذي تفعله ؟

-لم استطع مقاومة جمالك .

-وما علاقة جمالي بما تفعله ؟

حاولت أن أقرأ عينيها .. لم تكن غاضبة . ولم تكن راضية … كانت تمط شفتيها استخفافا من هذا البدوي القادم من فيافي القرن العشرين الى عالم الحضارة والإزدهار…

وتوقف المصعد . وانفرج بابه . خطت هي الى الامام . وآثرت أنا الاستمرار في اللعبة . فتسمرت في مكاني . التفتت الي قائلة :

-هيا تحرك .

-لا أتحرك من مكاني ، حتى تمنحيني قبلة أخرى .

تساءلت مستغربة :

-… ما هي القبلة ؟

-مثل الذي فعلته قبل قليل.

-ولماذا ؟

-لأنك جميلة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍1

تريثت لحظة ثم اطبقت فمها بسذاجة على جانب رقبتي . وهزت كتفيها استهجانا وهي تقول :

-حسنا … والان هلا تحركت من مكانك ؟

سرت الى جانبها في أروقة الطابق الاعلى . وعلقت هي دون أن تلتفت الي :

- انها عادة ضارة … فهي تسهل نقل الجراثيم من شخص الى آخر .

وفجأة انفجرت في براكين الغضب . وودت لو أرد عليها بصفعة تعيد لها صوابها . وتعلمها من أكون .

آه . لو تعلمين الى جانب من تمشين الآن ايتها البلهاء . أنا جودة ألساير ايتها الغبية . جودة الساير الذي تتزاحم عليه المئات من أمثالك . جودة الساير المطرب

المحبوب الذي تتهافت عليه النساء من كل صوب …. يصحو كل صباح ، فيجد صندوق بريده يزدحم بعشرات الرسائل من المعجبات . وكل رسالة تحترق بحرارة الكلمات … أنا

معجبة بغنائك يا جودة . صوتك ينقلني الى عالم آخر . أحبك يا جودة . شعري أنعم من الحرير …. عيناي خضراوان واسعتان … هذه صورتي … رقم تلفوني كذا … عنواني

كذا … حتى وأنا أمشي في السوق . مئات من الاعين الساحرة ترصد كل حركاتي … تحاول اثارة انتباهي….

وتنبهت على حركة الممرضة زينب . وهي تعتصر يدي بشدة وتقول :

-ما لك شارد الذهن ؟

قلت باقتضاب مفتعل :

-لا شئ .

كانت منذ ان غادرنا المصعد تتكلم باسهاب عن كل ردهة نمر بها . ولكني لم أكن أعي ما تقول . فقد كان شعوري بالهزيمة قد شغلني عن ثرثرتها .. وبدأت اتأملها

من جديد . فهذا الجسد المتدفق أنوثة لا يعقل أن يكون لم يجرب الحب حتى الآن . وعدت الى سؤالها :

-كم عمرك الآن يا زينب ؟

-27سنة .

-هل انت متزوجة ؟

-أجابت بانفعال مكتوم .

-كلا طبعا .

-ولماذا طبعا ؟

-………..

-وهل تعيشين مع والديك؟

اعترتها سورة غضب . وصرخت في وجهي :

-مع والدي !! … وهل أنا من أبناء الارحام ؟

كان الشر يتطاير من عينيها . واردفت بعد لحظة صمت :

-سيدي أنا مكلفة بأن ارافقك . وأكون لطيفة معك . لكن هذا لا يبرر لك اهانتي .

-ولكني لا اجد في كلامي أية اهانة لك .

-كيف .. وانت تسأل عن والدي ؟!.. وعلى كل أؤكد لك اني لست من أبناء الارحام . أرجو أن تكف عن توجيه هذا النوع من الإسئلة .

-آسف كثيرا .

* * *

أمامي نصف ساعة ، وأغادر الى العاصمة . هذا ما أخبرتني به الممرضة زينب ، ونحن نعتلي الطابق الاعلى . وسألتها عن المسافة التي تفصلنا عن العاصمة . فأجابت

:

-حوالي 10000كيلومترا .

-والزمن الذي تستغرقه الرحلة ؟

-كالمعتاد اربع دقائق ونصف .

-ولماذا كالمعتاد. ؟

-لأن السفر الى اية نقطة على الأرض لا يزيد و لا يقل عن اربع دقائق ونصف .

-وبأي واسطة يتم السفر ؟

-بالكبسولة .

وبعد لحظة صمت اضافت .

-لعلها غير موجودة في زمانكم ؟

-كلا .

-وما هي وسائط النقل عندكم ؟

-السيارة . القطار . الطائرة .

-رأيتها كلها في متحف العاصمة .

صعدنا سلما قصيرا دخلنا على اثره ردهة متوسطة المساحة ، محاطة بالشبابيك . سحبت زينب من درج قرب الباب منظارين كبيرين .. اعطتني واحدا . ووضعت الآخر على

عينيها . وبدأنا ننظر الى المدينة …كانت العمارات رصاصية اللون متشابهة الريازة والمعمار . تتخلل كل بناية عدد من الفوهات ، تدخل وتخرج منها مركبات معدنية

.. ذات شكل مغزلي . قالت زينب عنها انها الكبسولات التي يسافر بواسطتها الناس …. ومن بعيد لاح برج شامخ تنتصب عليه اجهزة معقدة . قالت عنه الممرضة انه

الجهاز الدفاعي ولم اطلب المزيد من الايضاح .. لأن ما حصل منذ دقائق ما زال يرن في أذني … واستدرت الى الجهة الاخرى … ولاح في الافق خلف العمارات الرصاصية

شبح عملاق يرفع ذراعين الى السماء ,,, وتابعت بمنظاري امتداد الذراعين السوداوين حتى غابتا في زرقة السماء … ورأيت ستة أقمار حمراء ترصع سماء المدينة .

حيث غابت الذراعان وهتفت دون وعي :

-يا الهي … أقمار في رابعة النهار!!

وجاء ردها تزاحمه كركرات عالية :

- ليست أقمارا . بل مجرد بالونات لامساك جهاز الطقس .

وكانت دهشتي الكبرى وأنا اسمع كركرتها الطفولية ، و هي ترد على سؤالي الساذج .. وقفز الى ذهني سؤال محير حقا : أيضحك الناس في زمن العلم والازدهار الحضاري!!

ولكن السؤال امّحى من بين شفتي ، وأنا اتذكر احتجاجها العنيف ضد سؤالي السابق عن والديها . ودوت في الافق صفارة عالية فقالت :

-حان وقت الغداء .. هيا الى المطعم .

* * *

هذا هو المطعم أيها السادة … قاعة كبيرة ، الكراسي والطاولات والصحون واواني الطبخ ورائحة الشواء والتوابل وكل أثر للطعام لا وجود له ، كل ما في هذا المطعم

لوحات معدنية مربعة ، ملصقة على الجدران على كل لوحة عدد من الازرار البارزة الشبيهة بأزرار الآلة الكاتبة . وقد نقش على كل زر رقم أو حرف أو إشارة . ويقف

أمام كل لوحة نفر من الناس بانتظار طعامهم.

ساد القاعة جو من الهرج والمرج ، وأنا أدخلها فقد ترك الناس صفوفهم واتجهوا الي بعيون تملؤها الدهشة من منظري الغريب … صاح بعضهم : (( هذا انسان القرن

العشرين ، الذي ذكرته جريدة الصباح)) … وتحلقوا حولي بعيون مبهورة تتفحصني من أخمص قدمي حتى قمة رأسي , فحذائي الجلدي الاسود ، وبدلتي التي تغطي كامل جسدي

والقميص ذو الياقة المنشاة ، وربطة العنق الحريرية ذات الالوان المتعددة … كلها كانت مصدر دهشة لهم . تفحص احدهم ربطة العنق بيده . وأخذ آخرون يعدون قطع

ملابسي . وعلق احدهم :

-من يدري ؟ … فلعله يخفي قطعا اخرى تحت هذه الملابس .

وكانت دهشتي بهم أكبر فقد كانوا جميعا بزي موحد : بنطلون قصير يغطي نصف الفخذ . وقبعة و قميص دون اكمام بلون ازرق باهت . وحذاء رقيق له سوار من القديفة

الزرقاء . هذا كل ما يلبسون . وتذكرت ان اليوم هو الخامس من شباط …. وانقذني صوت زينب وهي تنادي بصوت عال :

-أرجو عدم مضايقة السيد جودة الساير . . تفرق الجميع متجهين الى اللوحات المعلقة على جدران القاعة … قادتني الى إحدى اللوحات . واوضحت لي :

-أرجو أن تتعلم منذ اللحظة تحضير طعامك بنفسك . انه عمل بسيط جدا ,

وأخرجت من جيبي الورقة الزرقاء التي التقطتها من الجهاز الناطق ، قبل مغادرتنا الغرفة . بسطتها أمامي كانت تحمل أسماء الوجبات الثلاث . وأمام كل وجبة كتبت

بعض الاشارات والارقام… وطلبت مني أن أقرأ الاشارات . وأضغط على ما يقابلها في ازرار اللوحة .. وبعد ان انجزت العملية ، خرج من فوهة تحت اللوحة قدح يحمل

سائلا ساخنا لا أعرف له طعما , تناولته على الفور . ثم تقدمت هي وصنعت لها قدحا ، ولعلها قرأت حالة الاستغراب على صفحة وجهي ، فقالت موضحة :

-على هذه الورقة وجبات طعامك اليومي وعليك التقيد بها . كلما سمعت صوت الصفارة تهرع الى أقرب مطعم . فتحصل على طعامك بهذه الطريقة .

-والى متى استمر على هذا الحالة؟

اجابت بعد لحظة تأمل واستغراب :

- طيلة حياتك طبعا .. وإلا كيف تبقى على قيد الحياة دون طعام ؟

-أقصد : متى أعود الى تناول الطعام الطبيعي .. الخبز ، اللحم ، السمك ، الفواكه وغيرها .

-ردت بنفاذ صبر :

-ماذا ؟ هل تريد تناولها بشكل مباشر ؟

ثم وجهت الكلام الى كهل كان يصغي لحديثنا .

- عجيب أمر هذا الرجل .

رد الرجل عليها :

-مهلك سيدتي . فهو ما زال يفكر بطريقة متخلفة . لا تنسي انه من أبناء القرن العشرين . ثم أردف موجها كلامه ألي :

-كل هذه الاطعمة التي ذكرتها وغيرها الكثير موجودة في هذا القدح الذي بين يديك .كل اسبوع تعرض نفسك على جهاز الفحص الطبي . وهو يحدد لك ما يحتاج جسمك من

طعام … ان هذا القدح الذي بين يديك . يضم مئات الاصناف من الاطعمة التي كنتم تتناولونها في الازمنة الغابرة.

وقطع حديثه صوت زينب معلنة حلول وقت الرحيل الى العاصمة .

images/clip_image