-4-
قرية من قرى العصر الحجري نساها التاريخ على سفوح الهملايا ، تلك التي واجهتني … كانت لا تزيد على مجموعة كهوف تفغر أفواهها على سفح الجبل الذي هبطت كبسولتي
عليه . كانت الشمس الجاثمة على المغيب تزيد فوهات الكهوف عتمة . وبينها تتبعثر قطعان الاغنام والماعز والدجاج على غير انتظام . وأمام المغارة تحتشد مجموعة
من النسوة يمارسن أعمالا يدوية مختلفة … هتفت أقرب امرأة الي كانت تمسك مغزلا خشبيا وحفنة صوف :
-عباد الآلة قادمون .
خرج من إحدى المغارات شاب يلبس فراء نمر وصاح بي :
-ما الذي تفعله في ديارنا يا عابد الآلة ؟
كانت نظراته مرعبة لدرجة جعلت ساقي تعجزان عن حملي . فأقعيت على الارض . كرر الشاب سؤاله :
-ما الذي تفعله في ديارنا يا عابد الآلة ؟
من بعيد هف شيخ يتجه نحونا :
-مهلا . انه صديق .
فجأة خفت النظرة المرعبة من عيني الشاب وحلت محلها نظرة وديعة مسالمة . ووجدت نفسي قادرا على الوقوف على ساقي … اقترب الشيخ بخطى حثيثة . كان ذا لحية طويلة
بيضاء . وشعر منسدل على كتفيه . يلبس دثارا صوفيا اسود قال بصوت رصين :
-أهلا بالصديق جودة الساير .
يا إلهي كيف عرف اسمي !! . صافحني وقال :
-كيف حال الاستاذ تونغ
-وتعرف الاستاذ تونغ أيضا ؟
-والبرتو ساليك وماري توين كذلك .
وأطلق ضحكة عذبة ثم قدمني الى الشاب الذي يلبس فراء النمر قائلا :
-واحد من أبناء القرن العشرين . الذين أعيدت لهم الحياة قبل اسبوعين . لقد جاء هاربا من ظلم عباد الآلة .
رافقاني الى باب احدى المغارات . وقبل أن نجلس تقدمت امرأة تحمل ازارا صوفيا سميكا ودثرتني به . وتذكرت حينها ان اليوم هو الثامن عشر من شباط . وأنا في
قميصي القصير الذي لا أكمام له .
جلسنا على حصير من الأعشاب قدمت لي امرأة لبنا خاثرا بإناء فخاري . وقال الشيخ :
-لا شك انك لم تأكل طعاما منذ اسبوعين .
قلت مصححا :
-بل منذ اسبوعين واربعمائة عام .
توافد رجال عديدون واتسع مجلسنا . وبعد فترة قصيرة غابت الشمس .و حل الظلام تدريجيا على القرية . سألت نفسي : اذا كان رجال العقل الاكبر قد القوا القبض
علي في الصباح ، والرحلة في الكبسولة لا تستغرق غير اربع دقائق ونصف . فكيف ينقضي النهار بهذه السرعة ؟
وقبل أن أفكر بالجواب بادرني رجل يجلس قبالتي الى القول :
-يبدو انك نسيت خطوط الطول في درس الجغرافية .
نظرت اليه مستفهما عن مغزى كلامه وأضاف :
-تذكر : انك قد جئت من غرب اوربا . ونحن هنا في شرق آسيا . أليس هذا ما تفكر به ؟
-بلى . ولكن كيف عرفت اني افكر بهذا الموضوع ؟
-قرأت أفكارك .
وبعد فترة قصيرة وبأمر من الشيخ الذي استقبلني . دخلنا المغارة . وقدم لنا العشاء . ويبدو انه أدرك رغبتي الشديدة للطعام ، بعد الفترة التي قضيتها على طعام
العقل الاكبر ، فجاء عشاؤنا منوعا من اللحم والرز واللبن وأصناف الفواكه والخضروات .
وحين فرغنا من تناول العشاء اجلت النظر في أنحاء المغارة . كانت واسعة ومقسمة الى أجزاء عدة يفصل كل جزء عن الآخر ستارة من القش . يبدو أنها تنسدل عند النوم
. وكانت تتكئ على جدرانها جرار كبيرة متعددة . عرفت فيما بعد انها مخصصة لحفظ الحبوب وصناديق لحفظ الملابس . وصف من الفراش البسيط مرصوف بعضه فوق بعض .
وكانت تتوسط مجلسنا ذبالة كبيرة في قارورة فخارية . فتضئ المغارة بأكملها . جلس الرجال والنساء في حلقة دائرية كبيرة . وخلفهم جلس صف من الاطفال والفتيان
والفتيات . وسألت نفسي اذا كان القوم بهذه الدرجة الكبيرة من التخلف . فكيف تمكنوا من الصمود أمام هجمات العقل الأكبر ؟
مرة أخرى تحدث الرجل الذي حدثني قبل قليل عن خطوط الطول ودرس الجغرافيا . قال :
-غزونا مرارا وهزمناهم . حتى يئسوا من الاقتراب الى مضاربنا .
قلت باستغراب :
-من هم ؟
-أتباع العقل الأكبر . أليس هذا ما تفكر به ؟
وأضاف موجها الكلام الى أصحابه :
-انه يتساءل كيف صمدنا أمام عباد الآلة ونحن على هذه الدرجة من التخلف .
قال آخر :
-قوتنا تكمن هنا .وأشار بيده الى رأسه . بينما أردف ثالث :
-منذ خمسين عاما لم يجرؤوا على الاقتراب من ديارنا وقبل ذلك شنوا عشرات الحروب علينا . معتمدين على أحدث الاسلحة العملاقة . فتهاوت قواهم أمام سلاحنا .
قلت :
-وما هو سلاحكم ؟
-هذا
-واشار بيده الى رأسه . فأفلت من فمي سؤال ساخر :
-ماذا أتناطحونهم ؟
أغرق الجميع بالضحك وبعد ان عاد الهدوء الى المجلس ، بادرني الشيخ صاحب المغارة الى القول :
-أظنك لم تتعرف جيدا الى الاستاذ تونغ؟
-فترة اسبوعين لا تكفي لمعرفة الآخر معرفة دقيقة .
-ولم تقرأ كتبه في حياتك الماضية ؟
-لا
-لو قرأت كتبه لفهمت معنى كلامي بسهولة ، وأدركت سر قوتنا .
-أفدني اذا .
اعتدل الشيخ في جلسته . وواصل حديثه :
-قبل اربعمائة عام صدرت كتب الاستاذ تونغ تحمل أفكارا علمية جديدة عن الطاقات المندثرة في الانسان . وامكانية احيائها والاستفادة منها في الحياة العملية
. وفي الوقت الذي كان عباد الآلة ( وهو الاسم الذي يطلقه هؤلاء القوم على اتباع العقل الأكبر ) يبذلون جهودهم في تطوير آلاتهم . كان آباؤنا قد جعلوا من
نظرية الاستاذ تونغ منطلقا لهم في تطوير القدرات الانسانية . وأحياء ما اندثر من طاقات لمواجهة الطبيعة القاسية وتطويعها .
-وما هي هذه الطاقات ؟
-أ لاحظت هذا الشاب ؟ ( وأشار بيده الى الشاب الذي يلبس فراء النمر ) كيف أرعبك بنظراته القاسية وجعلك تتهاوى على الارض ؟
هززت رأسي إيجابا فواصل كلامه :
-هذه واحدة من الطاقات … لدينا مئات من اشباهه ينظرون الى اشجع الرجال فترتعد فرائصه ويتهاوى خائر القوى . في حروبنا السابقة كان الاعداء يأتوننا بطائراتهم
العملاقة , وكان الواحد من رجالنا يقف على قمة جبل . وعلى بعد مئات الامتار يسلط نظراته الخارقة على الطيار فيشل حركته . ويترك طائرته في مهب الريح . حتى
يتهاوى محترقا بها . ….. أ لاحظت كيف سميتك باسمك أول نزولك من كبسولتك ؟ وسألتك عن رفاقك الثلاثة باسمائهم ؟
هززت رأسي إيمانا فأكمل :
-لكنك لم تسألني كيف عرفت اسك وأسماء رفاقك ؟
-ربما لديكم اجهزة اتصال بالعاصمة . عرفتني بواسطتها .
-هذه كل اجهزتنا كما ترى .
وأشار بيده الى أنحاء المغارة فقلت :
-وكيف عرفتني اذا ؟
-لأنني متخصص برؤية البعيد .
-لم أفهم .
-كما كنت تجلس في غرفتك أمام التلفزيون فترى مسابقة بكرة القدم تجري في بلد ناء . أنا أمتلك مثل هذا الجهاز في داخل رأسي ، فأرى أي مكان أريد رؤيته . رأيتك
من مكاني هذا . وأنت تعزف بشبابتك في الحديقة العامة . ورأيتك والدكتور عاطف يدس ورقة الاحداثيات في جيبك . ورأيتك تهرب من رجال العقل الأكبر لاجئا الينا
. لقد استفدنا من هذه القدرة أيضا ، في مواجهة أعدائنا لقد كنا نعلم بكل ما يخططون أولا بأول .فنضع الخطط المناسبة لها .
استرد أنفاسه . ثم واصل حديثه :
-أ لاحظت هذا الرجل ( وأومأ الى الرجل الذي حدثني عن خطوط الطول ودرس الجغرافية ) كيف كان يجيب على سؤالك قبل أن تنطق به ؟
-نعم
-انه قارئ الافكار ، ينظر الى وجه الانسان فيعلم ما يفكر به ، لذلك فالكذب لا وجود له في ديارنا . لأن الكثير منا يعرفون ما يبطن الانسان .
ثم أشار الى رجل ذي لحية كثة ورأس حليق . قال :
-أ ترى هذا الرجل ؟ انه قادر على الاتصال بالتخاطر مع أناس يبعدون عنه آلاف الكيلومترات . ولذلك فالتلفون وأجهزة الاتصال الآلية لا قيمة لها عندنا . ماذا
نفعل بها اذا كنا قادرين على الاتصال بعقولنا ؟
سكت قليلا . ولما لم يجد عندي التعليق المناسب ، أكمل :
- وأزيدك علما أنه قادر على الاتصال بأناس لم يولدوا بعد ، وآخرين ماتوا منذ زمان بعيد .
ازداد شكي بصحة الكلام الذي يقوله الشيخ . وانبرى قارئ الافكار يخاطب الشيخ :
-انه لا يصدق كلامك .
-الايام القادمة ستجعله يصدق .
قالها العجوز . بينما اعتدل الرجل ذو الرأس الحليق واللحية الكثة . وخاطبني :
-سلوى فتاح تخصك بالسلام .
لسعني اسم سلوى فتاح كتيار كهربائي . قفزت من مكاني هاتفا بصوت عال :
-كيف عرفتها ؟
ضحك الحاضرون لحركتي المفاجئة . وعلق ذو الرأس الحليق :
-انها حبيبة القلب .
استعدت توازني وسألت بهدوء :
-أهي حية الى اليوم ؟
-مع الاسف . توفيت بعد تجميدك بثلاثين عاما .
-فكيف تسلم علي اذا ؟
-بالتخاطر الذي حدثك عنه الشيخ .
-ربما .
وأكمل هو دون أن أطلب المزيد :
-حين علمنا بإعادتك الى الحياة اتصلت تخاطريا بسلوى فتاح أطلب منها معلومات عنكم . فهي الوحيدة من أبناء القرن العشرين التي تستطيع التخاطر عبر الازمان
. فكانت فرحتها ببعثك لا توصف . ,أظن انها قفزت من مكانها حين سمعت باسمك مثل قفزتك قبل قليل … لقد حدثتني عنك كثيرا . وقالت انك كنت أعظم مطرب في زمانك
. والآن نريد أن نتأكد من صدق أقوالها .
رحب الجميع بالفكرة ونهض بعض الفتية الى الصناديق فأخرجوا آلاتهم الموسيقية استعدادا للحفل الغنائي . بينما قال الشيخ صاحب المغارة الى الرجل الحليق الشعر
:
-أدع اخواننا للحضور .
هز الرجل رأسه ايجابا دون أن يغادر مكانه . وتسلم بعض الرجال الآلات الموسيقية . أعدوها للعزف . وكانت آلات بسيطة ، دفوفا وشبابات و درابك وطبول و ربابات
… ولم أر بينها آلة معقدة … وقبل أن نبدأ بالغناء كانت المغارة تحتشد بالقادمين الجدد من رجال وأطفال ونساء .
* * *
إذا كانوا على هذه الدرجة من التخلف ، فكيف صمدوا أمام أتباع العقل الأكبر ؟ …. وإذا كانوا يملكون كل هذه الطاقات كما يزعمون فلماذا لا يطورون مستوى معيشتهم
؟؟
أ حقا ما ادعاه الرجل ذو الرأس الحليق ؟؟ أ فعلا هو يتصل بسلوى فتاح ؟ . ويسمع حديثها الدافئ ، وينعم بضحكتها الناعمة ؟ ما أسعده هو إذا !! وما أتعسني !!
وأتباع العقل الأكبر ، هل علموا بمقري الجديد ؟ أم تراهم يبحثون عني في مدنهم الكبيرة ؟ ورفاقي الثلاثة هل تعرضوا للإيذاء بسبي ؟ لو أني اطلعتهم على الاحداثيات
، لكانوا هنا معي يبددون وحشتي .
دوامة من الاسئلة تدور في رأسي . وأنا أجلس على سفح الجبل أمام باب المغارة ، مستمتعا بشمس الضحى ، بعد تناول افطاري الشهي . كان الناس حولي منهمكين بأعمالهم
. بعضهم يحوك . والبعض الاخر يصنع جرارا من الطين وآخرون يجلبون الحطب من أطراف القرية الى مغاراتهم … ودوامة الاسئلة تدور في رأسي . سألتني زوجة الشيخ
صاحب المغارة :
-مالك شارد الذهن ؟
-اني قلق على رفاقي الثلاثة تونغ وساليك وتوين . ربما سببت لهم مشاكل :
-بعد قليل سيأتيك الشيخ بأخبارهم .
-وأين هو الشيخ الآن ؟
-في عمله .
-وما عمله ؟
-الاستطلاع . يذهب كل يوم الى قمة الجبل ويسرح البصر في الافق البعيد . ثم يرى ما يريد رؤيته . انه يراقب نشاط عباد الآلة ، في العاصمة والمدن الأخرى .
ويأتينا بأخبارهم أولا بأول . أ تظننا غافلين عما يدبر عباد الآلة ؟
لا أدري أصدق مزاعم هؤلاء الناس أم أكذبها ؟ وسألتها ؟
-اذا كنتم تملكون مثل هذه الطاقات فلماذا لا تطورون حياتكم المعاشية ؟
-وماذا ينقص حياتنا ؟
-أ عني أن تبنوا بيوتا . أن تشيدوا المصانع . أن تؤسسوا المستشفيات . وغير ذلك من الأمور .
-أ تظن ان الانسان بحاجة الى هذه الحياة المعقدة ؟
-انه خلق ليعيش سعيدا .
-وما ذكرته… وسائل لتحقيق الحياة السعيدة ؟
-طبعا .
-أبدا . السعادة تكمن في أن يعيش الانسان حياته بدون منغصات . السعادة تكمن في خلو المجتمع من الامراض . كل أمراضكم الاجتماعية قد اختفت من حياتنا . الكذب
لا مكان له بيننا لأننا قادرون على كشفه بسهولة . الجريمة لا وجود لها . لماذا يسرق الانسان ؟ ولماذا يقتل ما دام قادرا على الاستفادة من أي شئ موجود بين
أيدينا ؟ لذلك لا ترى في قرانا سجونا ولا محاكم ولا رجال شرطة ، لأن الجريمة لا وجود لها بيننا . حتى الامراض الجسمية انقرض الكثير منها بفعل اعتمادنا المباشر
على الطبيعة…. أما في مجتمع عباد الآلة ، فقد ولدت أمراض جديدة لم تكن موجودة في زمانكم … بعضها نشأ بسبب تلوث البيئة . والبعض الاخر بفعل التفاعلات الكيمياوية
المعقدة التي يصنع بها غذاؤهم ، ونشأت أمراض أخرى نتيجة اشعاعات تبثها آلاتهم المعقدة ..
أثناء حديث المرأة أقبل الرجل ذو الرأس الحليق واللحية الكثة . فسلم وجلس قبالتي على الأرض . أردت أن أسأله عن صحة ما قاله ليلة امس حول اتصاله بسلوى فتاح
. وقبل أن أسأله قال لي :
-اتصلت بي اليوم سلوى فتاح ، ورجتني أن أعلمك التخاطر . انها شديدة اللهفة إلى الاتصال بك .
-وهل تعلم التخاطر ممكن ؟
-أنا مستعد أن أعلمك هذا الفن خلال شهر واحد ، اذا كنت متحمسا لتعلمه .
فكرت في الامر مليا . ما الذي اخسره لو تعلمت هذا الفن ؟ وإذا صدق ادعاء الرجل ، فسأحظى بالاتصال بسلوى ، بعد هذه الرحلة المضنية في العصر المجدب . وتلك
امنية غالية . قلت بحماس :
-انا مستعد .
-حسنا , سأمر عليك بعد الغداء ، وأرافقك الى المدرسة ، لنبدأ درسنا الاول .
-أ عندكم مدارس ؟
-في قريتنا مدرستان : أحداهما لتدريس المعارف العامة. والاخرى لتدريس معارفنا الخاصة . وأنا معلم التخاطر في المدرسة الثانية .
أقبل صاحب المغارة الذي يلقبه الجميع بالشيخ . نهض صاحبي لاستقباله . ونهضت معه . كان يحمل طيرا بحجم البطة البرية . قال انه اصطاده في طريق عودته . ولم
أسأله عن كيفية اصطياده . غادر معلم التخاطر وجلس الشيخ الى جانبي . وبادرت إلى سؤاله عن رفاقي الثلاثة . فرد :
-لا تسر لقد ادخلوا السجن .
فاجأني النبأ فقلت :
-ادخلوا السجن ؟ ما ذنبهم ؟
-عباد الآلة يقولون ان شخصا ما اعطاك احداثياتنا . وإلا كيف وجهت كبسولتك الى ديارنا . وهم يريدون معرفة ذلك الشخص .
-لكن رفاقي لا يعرفون عن أمر الاحداثيات شيئا .
-العقل الاكبر يقول انهم لا بد أن يكونوا على معرفة بالامر . وهو يريد انتزاع هذه المعلومة منهم .
-لكن .. كيف عرفوا اني لجأت اليكم ؟
-لديهم اجهزة رصد دقيقة ترصد حركة كل الكبسولات .
-أتظن ان سجنهم سيطول كثيرا ؟
-أظن انهم لن يطلقوا سراحهم . إلا اذا عرفوا الشخص المطلوب .
* * *
بعد تناول الغداء مر علينا معلم التخاطر . ورافقني الى المدرسة . صعدنا الى القمة ، فوجدت المدرسة لا تزيد على كهوف مبعثرة . كل كهف مخصص لتدريس علم من
العلوم . ودخلنا الكهف المخصص للتخاطر . وجدت عددا من الفتيان والفتيات بانتظارنا قال عنهم صاحبي انهم طلابه الذين يعلمهم التخاطر . أول ما لفت نظري في
هذا الكهف . . موقد في احدى زواياه انبعث منه دخان كثيف ورائحة نفاذة . قال عنه المعلم انه ينمي الخلايا المسؤولة عن التخاطر في الدماغ . وأمرني بالاقتراب
من الموقد . واستنشاق اكثر ما استطيع استنشاقه من ذلك الدخان ثم أوصاني بتناول مجموعة من الاعشاب والثمار البرية بعد سلقها كل يوم . زاعما انها تعيد الحياة
للأجهزة المندثرة في الدماغ …. وأمر احد تلامذته بمرافقتي بحثا عن تلك الثمار .. على أن أقوم بجمعها في الايام القادمة بمفردي . وبدأ الدرس الاول .
* * *
الايام التي قضيتها مع هؤلاء الناس لا تقارن مع حياتي بين اتباع العقل الاكبر . كنا نسهر كل يوم في كهف . ونواصل العزف والغناء … وفي الصباح كنت أقضي وقتي
خارج القرية بحثا عن الثمار والاعشاب التي وصفها لي معلمي . مبددا السأم برفقة رعاة الاغنام و حاملي الحطب . وأعود في الظهيرة الى مغارة الشيخ لأتناول الغداء
وأسمع نشرة الاخبار على لسانه .. وكانت أخباره سارة تبعث على الأمل في النفس . عرفت من خلاله ان اسمي كان كثير التداول بين المدن التي يهيمن عليها العقل
الاكبر . واني قد صرت محط اعجابهم . والشبابة ما زالت الموضة السائدة بينهم . وان بعض الناس تعلم العزف عليها . وصارت اصواتها تسمع من النوافذ بعد العشاء
. وان قوات المجلس الاعلى ازدادت ضراوة . فصارت تداهم المنازل التي تسمع منها الشبابات … وفي كل مرة يذكر اسم جودة الساير مقترنا بعبارات الاعجاب والتقدير
… كما ان الدكتور عاطف يغذي روح التحدي بين الناس ويحاول ان يكشف عيوب العقل الاكبر بين صفوفهم . وكنت كلما نقل ألي خبر من هذه الاخبار يزداد اعجابي بنفسي
وبقدراتي الخارقة بالتأثير على الناس وصرت أفكر جديا بتغيير العالم الذي صنعه العقل الاكبر .
ازداد اهتمامي بمعلم التخاطر . فكنت أقضي الساعات الطويلة للتمارين التي يفرضها المعلم وأنا بكامل حيويتي ونشاطي . على أمل الاتصال بسلوى … تطورت قدراتي
التخاطرية . وصرت قادرا على استقبال الأفكارالتي يبثها معلمي …. وقد أخبرني ان أمامي اسبوعا واحد لأكون قادرا على التخاطر عبر الازمان فأستطيع الاتصال بسلوى
فتاح . فرقصت فرحا وقبلت معلمي وشكرت له صنيعه الجميل .. لكن خبرا نقله الشيخ غير مسار الاحداث .
* * *
كلما تذكرت حياتي الماضية ، في القرن العشرين ، ومغامراتي العاطفية بعنفوانها وصخبها ، ازدادت رغبتي لتجديدها … لكنني لما نشرت شباك الحب على احدى الفتيات
، واجهتني بالصد . فعادت شباكي خالية , فأتذكر وجه الممرضة زينب أول فتاة أقابلها في حياتي الجديدة . كيف واجهت عواطفي بالاشمئزاز والاحتقار …. ثم اسائل
نفسي : المفروض ان الامر مختلف بين هؤلاء و أولئك فهؤلاء اناس يتزوجون وينجبون ، ويحب بعضهم بعضا . فلماذا اواجه من قبل فتياتهم بهذا الرفض ؟! …. وسألت
معلمي مرة :
-أرى ان الحب لا مكان له في قلوب فتياتكم ؟
ابتسم ابتسامة ماكرة وقال :
-لا مكان في قلوبنا للحب الزائف . المرأة عندنا تحب في حياتها رجلا واحدا . تحبه بكل جوارحها . وتخلص له . وتمنحه كل ما تملك . والرجل كذلك . إن غريزة الحب
عندنا قد عادت الى سجيتها الاولى ، في طفولة الانسانية وتخلصت من الانحرافات التي خلفتها حضارة الآلة واستغلال الانسان للانسان . فتعدد العشاق ، والخيانة
الزوجية ، والنزوات العاطفية العابرة … لا مكان لها بيننا . الحب الذي تتحدث عنه ليس حبا حقيقيا . انه نزوة مؤقتة . لا تعرفها نساؤنا ولا رجالنا .. أما
انت فقد أحببت في حياتك مرة واحدة . سلوى فتاح هي حبك الأول والاخير . أما مغامراتك الاخرى فكلها زائفة . ولن تتكرر في مجتمعنا .
عرفت لماذا كانت سلوى أول وجه يطل على ذاكرتي في اللحظات الاولى من حياتي الجديدة . ولماذا كان طيفها حاضرا أمامي دون الفتيات الاخريات اللواتي عرفتهن في
حياتي الماضية . سلوى فتاح اذا هي قدري المكتوب . وليس أمامي اذا الا ان أحتفظ بكلماتي الرقيقة وقصائد الغزل حتى أجيد التخاطر عبر الازمان ، فأصبها في
اذنها الغالية التي بليت عظامها منذ مئات السنين .
images/clip_image