الفصل الثالث

9 0 00

الفصل الثالث

حملتها الذراعان القويتان وتقدم الطويل برشاقة إلى داخل غرفة نومها.. وضعها على السرير وفك حجابها عن شعرها يترك لها القدرة على التنفس..اقترب من النافذة ليفتحها ويزيح الستائر عنها ليعبر الهواء الى داخل الغرفة

عندما استدار لينظر إليها وجد في يدها مسدساً أسود لامع تُشهره في وجه.. ارتبك الرجل الوسيم متوترا من هذا الموقف ورفع يديه إلى فوق يقول بصوت يريد أن يجعلها تشعر بالأمان من خلاله :

- أرجوك يا إيمان انزلي سلاحك أنا آخر شخص في هذا العالم قد يؤذيك ..

كانت متوترة وخائفة وترتعد بقوة لم تعهدها في نفسها لكن قبضتها كانت قوية على المسدس.. كيف عرف اسمها وبكل سهولة ازال حجابها امسكته تعيده على رأسها :

- من أنت ولمَ تهجمت علي؟! لماذا تقول أنك لن تؤذيني وقد دخلت كاللص من تكون؟!

اقترب منها بجسده الرياضي الرشيق يمد يده إلى المسدس بعزم في عيونه الخضراء الماكرة وشعره الكث المجنون بخصلاته

لكنها كانت قاسية في موقفها:

- أُقسم أني سأطلق النار ..مسدسي مرخص يا هذا وقد أقتلك دفاعا عن..عن النفس..

تنهد الشاب ينظر إليها بحنان عاقدا حاجبيه السوداوين فوق نظرته الخضراء الصافية :

- لا أصدق أنها رعونة أبي من اوصلتك إلى هذه الحالة..

دُهشت من كلام الرجل ولم تفهم شيئا فسالته مستفهمة:

- من أنتَ وما الذي تعنيه بكلامك؟!

قال يهدئها محركا يديه:

- اهدئي.. أسف أنا لم اقصد أن أخيفك لكن لم يكن لي الخيار أنت لا تخرجين وانا أردت الدخول.. لن تفتحي لي الباب لربما هو تصرف متهور لكن كنت أتمنى أن أخبرك بشكل أرق أنني أخوك إدواردو يا إيمان من والدة أخرى يا عزيزتي لذا ارتاحي و أخفضي سلاحك... أخفضيه أرجوك

نظرت إليه بإمعان وأخيرا لاحظت في ملامحه الرجولية ولحيته الخفيفة جدا ملامح والدها الغابرة..

صُدمت ومن تلك الصدمة لم تشعر كيف اخذ المسدس منها ليضعه بعيدا عنها وعاد إليها يُمسكها من ذراعيها ويُجلسها على السرير نظرت إليه تنهشها الأفكار وتقطع أوصالها حتى أنها أخذت تنظر إليه وكأنه آت من مكان آخر أو كوكب بعيد

وهمست بوجع:

- لا أصدق ...أنا لا أصدق كلامك

نظر إليها بهدوء مخفيا شدة تأثره بدموعها الغالية زفر بقوة :

- أين المطبخ حتى أحضر لك شيئا تشربينه؟

لم تستطع أن تشير.. شعرت أنها شُلت تماما لكن أخاها اتخذ طريقه إلى المطبخ وأحضر لها بعض الماء من الصنبور

همس لها بحنو مقتربا منها يمرر يده على رأسها لكنها انتفضت بعيدا عنه :

- ادخلي سريرك واشربي الماء سوف تشعرين بتحسن هيا اختي

امتثلت له لكن ظلت تنظر إليه بمزيج من المشاعر.. خليط لا تفهمه حرمان عاصف وحب خُلق في قلبها تريد أن تغدقه عليه ولوم شديد للأب الذي جعلهم يعيشون المرارة المُرة..

همست تسأله بقلق وشك رغم أنها متأكدة :

- هل لديك بطاقة هوية ؟

جذبها بصمت من سترته البنية وتركها تمعن النظر فيها ونظرت مليا لملامحه في الهوية.. إنه رجل يكبرها بثمان سنوات اذن عمره 30 سنة رفعت رأسها إليه والتساؤلات في نظرتها.. وشعرت أن بلعومها متعب من شدة الغصة المتحجرة التي تخنقه..

نظرت بحنان فياض الى ملامحه الرجولية وشكله الوسيم فتلألأت الدموع في عينيها تكلم أخيراً يقول بهدوء ورزانة :

- تزوج والدنا من أمكما أنت ولادان بعد طلاقه من أمي كنت الوحيد لديها ...حدث أن كانت العلاقة بينهما متوترة وتعرف في تلك الفترة على والدتكما فأحبا بعضهما البعض أخفى عنها انه كان متزوجا لكن لم يغفل أن يبعث لنا المصاريف كان ما يهمه أن يعيش في سعادة بين أحضان امرأة ..آه لم يهمه أبدا أمر الأطفال وهكذا كان بالنسبة لي ولك وللادان رحمها الله على التوالي ...وهو الآن مع زوجته الثالثة والتي منحته طفلة تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة..

شعرت أن الألم ينتهك كل ما فيها من صبر لكنها عضت على الدموع كي تمنعها من الهطول كأمطار تغسل قلبها الكئيب:

- أخت ...لدينا أخت ...ما اسمها؟

امسك بيد إيمان وقال بلطف بنبرته الرجولية الايطالية البحتة :

- إن اسمها ماريا ....

ضغطت على يده تنظر إلى ملامحه القوية التي تظهر تمكنا ورجولة وامانا :

- اخبرني كيف عرفت أن لادان توفيت...كيف عرفت مكاني؟

تنهد بأنفاس متحشرجة وقال:

- أنا أصبحت بعد مدة قصيرة على علاقة طيبة بوالدي ...والدنا يعلم جيدا مكانك أنت ولادان يعلم أنكما ورثتما هذه الشقة اليتيمة عن والدتكما الميتة ...كان يبحث أخباركما دائما وبالأخص من خالتك افرين ...لكن آه تأزمت حالتنا بعد سماعنا بموت لادان ...شعرت أنني أموت معها لم يتسنى لي الوقت لأراها أحببت كثيرا أن أرى أختي ...ولكم ..لكم تحسر والدنا عليها حتى انه...

عصر أناملها بين أصابعه نظرت إليه بألم وقلب نابض :

- حتى انه ماذا؟

همس بصوت رجولي يمرر اصابعه الرجولية على يدها :

- لقد شُل نصفه الأيسر وهو في المستشفى ...ويقول الطبيب أن حالته لا أمل فيها ويظن انه قد لا يعيش طويلا..

تاهت نظرتها الخضراء بحزن في أرجاء الغرفة وتأوهت وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة :

- أبي ...أخي ....

ما الذي يحدث لها ما الذي يجعل كل هؤلاء الناس يدخلون حياتها بهذه السرعة ويقلبون كيانها..! أولهم رمزي والآن أخوها الاكبر منها سنا ...وذلك الوالد الذي لقبته بالشيطان الذي كانت له قدرة ساحقة على التدمير انهار كجبل منهك لكن لمَ لم يبحث عنهم لمَ لم يحاول إصلاح أخطائه..؟

- اخبرني ادواردو ...لماذا أبي لم يفكر أن يبحث عنا ويعيدنا؟

قال ادواردو وغمامة من الأفكار تسدل كستارة على عينيه الخضراء الشفافتين المغويتين وملامحه الصارمة المفعمة بالهم:

- كان يتمنى ذلك بحرقة لكنه عزف عن هذا الأمر لأنه كان يعلم انه سيدمر لكما حياتكما التي بنيتماها بكل قوتكما...وبالأخص أنت عندما علم بما أصابك تأزم كثيرا في بدايته وحذره الدكتور من التمادي في الشرب والبكاء وكثرة التفكير المضني...لكنه اختار أن يعاقب نفسه وكُنتما اعنف عقوبة واجهته في حياته..

انفجرت إيمان باكية بحرقة.. اقترب منها أخوها ودفنها في صدره القوي والعريض وأخذ يهدهدها كمن يهدهد طفلا باكيا في مهده واخذ يهمس لها بمحبة .. لأول مرة شعرت أن العالم يعطيها الفرصة لتعبر صارخة ومنتفضة عما تعانيه وتلك الدموع تجري على خديها الشاحبين من العاطفة والحرمان .

في مكان آخر من شوارع روما الراقية

حي عرف بأناقته ورقي أصحابه

قصر ابيض مطل على بحر ايطاليا المتلألئ والشاعري ..

دخل كل من رمزي الذي كان يمسك حقيبته السوداء في يده اليسرى وأخته التي ما أن حطت قدماها ارض الفيلا حتى نزعت الحجاب وفردت شعرها البني بارتياح رفعت نفسها على أصابع قدميها لتصل خذه وتقبله..

- أخي تصبح على خير سأذهب إلى النوم الآن لأني يجب أن استفيق باكرا لأجل الخروج مع إيمان فلدينا الكثير مما يجب أن نقوم به..

ابتسم لها بحنان فائق وربت بلطف على كتفها :

- اذهبي تصبحين على خير ايضا..

افترقا هي صعدت الدرج لتزور امها وبعدها تنام اما هو مرر أصابعه على عنقه المتشنج وخطى خطوات واسعة نحو مكتب الفيلا حيث انبعث نور خافت من مصابيح المكتب الشرقية وقف لحظة وعندما فتح الباب الخشبي الكبير والمزخرف وجد من تعود أن يراه مؤخرا خلف المكتب منهكا ومتعبا لحد النخاع..

كان والده صاحب الجسد الممتلئ والشعر الرمادي المرتب الذي يبدو الآن في إحدى أسوء حالاته جالسا مكتئبا:

- مساء الخير أبي كيف الحال ؟

اقترب منه ووضع الحقيبة على الكرسي الجلدي.. نزع عنه السترة الجلدية واقترب من كرسيه حيث بدا الإرهاق جليا في مظهر شحوب وجهه..

همس الأب بتعب وانزعاج في آن واحد:

- أنا بخير لكني فقط منزعج ومتوتر بسبب تصرفات أمك التي لا علاج لها إنها تنشر الكآبة بتذمرها الدائم.. كنت أتمنى أن تكون أقل حساسية مما هي عليه لكن يظهر لي أنها لن تتقبل وضعها ابد الآبدين..

ربت رمزي على كتف والده وتحدث بصوت رزين :

- هيا أبي اصعد إلى غرفتك واترك باقي العمل لي سأعالجه بنفسي حاول أن تعطي نفسك قسطا من الراحة ..

نظر الاب لابنه منهكا:

- لكن بني انت ايضا تبقى طيلة الوقت بالشركة تحتاج للراحة

ابتسم رمزي :

- بنيتي قوية قادر على التحمل اذهب انت ولا تشغل بالك

راقب رمزي نهوض والده وخروجه من الغرفة عندها كتم آهة أليمة من الخروج من بلعومه ..بقي جامد الملامح لكن عيناه كانت أكثر تعبيرا من ملامحه.. كان يسكنهما شجن عظيم

كما يسكن الظلام عيون والدته الحبيبة وعذابها لاستعادتها البصر يبدو وكأنه يغمد في صدورهم سيوفا مؤلمة تعلو وتقول سنبقى هنا مهما حاولتم سنزيد من آلامكم ..

اقترب بعد أن رفع كمي قميصه الذي اظهر قوة ومتانة ساعديه وخرجت تنهيدة متحشرجة من صدره القوي والعريض

كم يشتد ألمه وهو يتذكر كيف كانت حياة والدته مليئة بالحيوية وكانت تحتل كل أركان الفيلا بحماسها وحيويتها كم اشتاق للذة طعامها ..

اصر على أسنانه و أغمض عينيه لوهلة ..تذكر لمسة تلك الزهرة الطرية إيمان شعر أن قلبه يميل إليها ميلا كبيرا.. إنها تُشعره بالحنان والشوق ليكون قربها ويبدو الشهر الذي تمر ساعاته عكسيا ثقيلا لا يحتمل يشعر أنها الوحيدة القادرة على أن تنسيه همومه..

استفاق من أفكاره على صراخ حاد وتحطيم لشيء ما وعلم انه في غرفة والدته لابد أنها أصيبت بإحدى نوباتها الهستيرية..

توجه رأسا إليها صاعدا الدرج الملتوي الواسع والمفروش ببساط احمر أنيق.. عند اقترابه من الغرفة سمعها تصرخ بحدة بالخادمتين وتوجه إليهما اللوم القاسي وكانت إحداهما تصرخ هاربة وقد رمتها والدته بإحدى قنينات العطر الخاصة بها

مرت به الخادمة الشابة وانحنت احتراما ونزلت الدرج مسرعة..اقترب ينظر داخل الغرفة :

- أنتما لقد أحسست بذلك إنكما تتغامزان علي لا تظنان انني لا اشعر فقط لأنني عمياء لقد سمعت همساتكما اخرجا من هنا..

رغم أن الخادمة حاولت أن تقنعها بعكس كلامها فأخذت والدته تضرب الأشياء في الغرف في كل مكان تفادتها الخادمة مذعورة من ضرباتها فخرجت هي الأخرى

رمزي الذي بقي على عتبة غرفتها ينظر لحركاتها المرتبكة تدور وتدور باحثة بيدها عن شيء صلب تمسكه فتكلم رمزي عندما شاهدها تمسك بعلب مجوهراتها لتلقي بها في الفراغ:

- أمي ...

تجمدت حركتها وأخذت ترتجف وتبكي ومدت يديها للفراغ أمامها..اقترب منها رمزي قائلا بتأثر:

- مهلكِ يا أمي ...أرجوك أنا هنا لا تخافي..

أخذت والدته تشهق وتبكي مفتعلة ضجة بنحيبها وضمت نفسها إليه بشدة :

- لقد كانتا تتهامسان اجل ....اه لقد سمعتهما

رافقها رمزي إلى مكانها وأجلسها على السرير قائلا:

- اخلدي للنوم هيا سأساعدك...

بعد أن أزال رمزي عنها مئزر النوم الأخضر الفاتح وساعدها لتدخل فراشها بأسلوبه الحنون الذي يبثه في حركاته يجعله يمتص كل غضبها :

- هيا أمي حاولي أن تنامي بدون منوم الليلة اعرف انك غاضبة لكن تنفسي بعمق وسيتلاشى كل شيء وكأن شيئا لم يكن..

أمسكت قميص رمزي بقوة وقالت تهمس بألم:

- والدك لم يعد يبيت بالقرب مني منذ أزيد من أسبوع ...إن الأمر مؤلم انه يتفاداني يتفادى امرأة عاجزة...هذا الورم سيقضي علي لكن اشعر أن ألم حبي له سيساعد في اقتراب نهايتي..

عقد رمزي حاجبيه العريضين واتسعت نظرته ألما فكتمه ومرر يده على رأسها وامسك يدها يقبلها بحنان:

- أنتي كل شيء أمي أنت نور بيتنا أنت شعاعه الغامر ...ونحبك أمي فأرجوك انسي انك تحملين ورما إن أمر نجاتك من هذا المرض بيد الله لكم من الناس عُولجوا صلي وادعي كثيرا في صلاتك وستكون أمورك كلها بخير سيمنحك الله سبحانه الراحة والاطمئنان وأكثري من الذكر فان بذكر الله تطمئن القلوب..

نظرت والدته في الفراغ وكان كلام ولدها يجد طريقا منيرا نحو أفكارها و أخيرا استرخت أساريرها حطت برأسها على الوسادة حيث تبعثر شعرها البني عليها يكسر بياضها:

- محق بني ...انك ابني الحبيب أنت وفرح من تبقيا لي..

قال يؤنبها يشد إصبعه على انفها:

- وخالد أمي أليس ابنك هو الآخر؟

قالت وقد خرجت تنهيدة أسى من صدرها :

- زوجته تجعله يبعد عنا ... تمنيت لو سكن معنا هنا في الفيلا أنا في وقت أشعر أنني احتاج لتواجدكم بقربي لأن الغرباء يُشعرونني بالتوتر واشعر أنهم لا يتقبلونني و...آه تعبت...

همس رمزي بصوته الأجش الرجولي :

- لا تظلميها امي ..وخالد يحبك وسيظل والناس لن يتكلموا لان ما من شيء يدعو لذلك ارتاحي أمي نامي

قالت أمه تمسك يده:

- ابق بقربي إلى أن أنام أخاف هذا الظلام وبالأخص في الليل اعرف أنني لا أرى لكنني اشعر بان هناك أمرا مريبا وكان عيونا مسلطة علي في الخفاء..

راقب رمزي بقلب مدمي ووالدته تجذبها أمواج النوم وراقب تنفسها ينتظم فأطفئ النور وأغلق النافذة مسدلا الستائر وانتهى بالخروج من الغرفة مغلقا إياها..

كان الهدوء يعم المنزل يبدو أن الكل انتهى بالنوم أخيرا يعرف أن والدته متعبة جدا وتُتعب الخدم معها عليه أن يجتمع بهم صباح يوم غذ ليحاول الشد من عزيمتهم ويزيد من رواتبهم لا يريد منزلا فارغا منهم..

عند دخوله لغرفته العصرية التي تحوي نافذة زجاجية عريضة مفتوحة تطل على البحر وأمواجه العاتية وقد كانت الرياح تُدخل عبقة بملوحة البحر إلى داخل الغرفة.. جلس على حافة سريره وأشعل النور الذي عم الغرفة فأضفى عليها حميمية رائعة بلون أغطية السرير الحمراء القاتمة ..

أزال ساعته وضعها على المنضدة الصغيرة وفتح أولى أزرار قميصه التي أفضت إلى سمرة صدره العضلي واضطجع على السرير يرمي بثقله مخرجا آهة متعبة..

جذب هاتفه من جيبه وركب رقمها ليحدثها لعل كلامها وصوتها الجميل ينسيه ما يشعر به من أسى نحو عائلته.. ظل رنين الهاتف يرن في أذنيه وصوت البحر بأمواجه العاتية ينكسر مزمجرا على الصخور ظل الرنين نفسه متكررا يثير حفيظته لماذا لا تجيب ؟

في شقة إيمان المظلمة كان نور الهاتف مع رنينه الموسيقي هو النفس الوحيد الذي يعم الشقة..

في سيارة إدواردو الرمادية التي كان يقودها منذ أزيد من خمس دقائق كانت تسند رأسها على الكرسي في صمت مؤلم تترك له الانتباه التام للقيادة

كانت السيارة تلتهم الطريق العام التهاما ولم تشعر إيمان كيف لكنه أوقفها أخيرا أمام باب المستشفى ..

خرج أخوها من السيارة مغلقا الباب وكانت نظرة إيمان شفافة في عذابها غائرة في مدخل المستشفى بأسى..

بعد أن فتح باب السيارة قال إدوارد يمد يده لها:

- هيا إيمان ...تشجعي

ابتلعت ريقها والخوف ينبض في قلبها كقذائف تخترقها بألم وأخذتها يده ليدخلا إلى المستشفى الخاص تحدث إدواردو مع الممرضة وشرح لها سبب الزيارة وأقنعها برؤية المريض رغم انه كان نائما

سبقت الممرضة الأخوين في الرواق وترك لها ادوارد مسؤولية إيقاظ والده

وقفت الممرضة تنظر إلى المريض الأسمر والذي حفرت على ملامحه خطوط الكبر وبثت حضورها عبر شعره الرمادي و ما زاد ذلك هو التعب النفسي.. كان يبدو هزيلا ومريضا :

- سيد روبيرتو ...هل تسمعني لقد أتى ولدك لرؤيتك ومعه شخص آخر..

أومأ الرجل برأسه موافقا والتعب واضح من حركاته ونطق بصوت متكسر بسبب اعوجاج فمه :

- حــ..سنا...

خرجت الممرضة وقالت لادوارد:

- المرجو عدم الضغط عليه كثيرا ابقيا خمس دقائق لا أكثر

همس إدواردو شاكرا إياها :

- شكرا لك لن نطيل المكوث ..

مد أصابعه لإيمان ونظرت إليه مذهولة لا تصدق أنها سترى والدها والأكثر لقد هده المرض مدت أصابعها إلى أخيها فرفع حاجبيه وهو يشعر ببرودة أناملها الرقيقة شد عليها ودخل فظلت هي متوارية خلف ظهره.. تكلم ادواردو بصوت هادئ مع والده:

- أهلا أبي كيف حالك...؟ تبدو بخير ..لابد من انك تتساءل عن سبب مروري في هذا الوقت المتأخر

نظر إليه والده بإرهاق وهو يلاحظ الشخص المختفي خلفه حاول أن يلمح طيفها لكنه لم يفلح همس كلامه بتقطع:

- ب...بني...ما...الأ..مر؟

ابتسم ادواردو مادا يده خلف ظهر إيمان ودفعها أمامه قليلا:

- انظر من أحضرت معي...لقد اصرت على رؤيتك.. إيمان

هزتها رجفة قوية وهي ترى الشيطان الذي طردهم من بيته وتخلى عنهم وهو منهار هل تمنت أن ترى والدها في هذه الحالة ...لا لم ترد أن يصل به الحال إلى هذا الحد..

التقطت نظرته الرمادية المتعبة صورتها أمامه كانت ترتدي ملابس فضفاضة سوداء وترمي بشال اسود بإهمال على رأسها سقطت بالقرب من سريره جالسة تنظر إليه بشفافية عيونها الخضراء التي أحرقت فؤاده بشتى أنواع العذاب أبعدت عيناها عنه وقد اغرورقت بالدموع وكتمت شهقة يائسة ..

خرج إدواردو من الغرفة تاركا إياهما وحدهما

همس روبيرتو بصوته المنهك:

- ا...ا...ايمان ...

نظرت إلى أصابعه المتشنجة والمشلولة ومدت أصابعها إليها ورفعت عيونها إليه هامسة بحرقة:

-أبي...لا تدري كم اشتقنا إليك ولا ...لا تعلم كم تألمنا من دحضك لنا من حياتك أمي تُوفيت وأختي أيضا وأنت الآن مريض أنا ...أنا ...أتألم لا أريد أن أخسرك أبي لا أريد ... أرجوك

مبتلعا ريقه وشعور بالذنب يخنقه وكأنه حبل قاسي يُعدمه..غادرته دموع الأسى والندم وكأنها دماء تعبر من قلبه إلى مقلتيه المحاطتان بهالات سوداء..

شد للحظة يدها وبعدها تطور الوضع وصار يتشنج بقسوة وكأنه أصيب بتيار كهربائي.. نظرت إليه إيمان بذهول وخوف :

- أبي....أبي ...ما بك ؟

تركت يده وأسرعت خارجة إلى إدواردو تهمس باكية :

-ادواردو... أبي لست ادري ما به...؟

عندما دخل ادوارد إلى الغرفة أسرع في طلب الممرضة والطبيب وعند وصولهما طلب الطبيب منهم الخروج ظلت إيمان تنظر إلى حالة والدها المستعصية من زجاج غرفته همست:

- أنا السبب...أنا السبب...لكني أردت فقط أن أراه...لم ..لم اقصد..

ضمها إدواردو وقال بصوت مهدئ :

- إن حالته سيئة أصلا يا عزيزتي والدكاترة لم يبشرونا بأي خير..

ازدادت شهقات إيمان وتعلقت في صدر أخيها طلبا للسلوى ..

بعد أن خرج الطبيب واخبرهم بان حالته استقرت وان عليه أن يرتاح اختار إدواردو أن يأخذ إيمان إلى شقتها..

في سيارته

كانت الرياح تشتد وأمواج البحر على يساره تعتو في الأفق..جلس رمزي خلف مقود السيارة مشدود الأعصاب وهو يقودها بسرعة في ظلام الليل إلى شقة إيمان

لا يعلم لمَ لم تجبه و هذا الأمر أخافه هل بها شيء؟ هل هناك أمر أم أنها فقط نائمة؟ مرر أصابعه بين خصلاته السوداء الرطبة بعصبية

استدار أخيرا بسيارته الرباعية الدفع السوداء إلى الحي حيث تقطن ونظر إلى شرفتها بعد أن أوقف السيارة أمسك هاتفه وشد السترة الجلدية على صدره العريض يغلقها بالسحاب..

مشى خطواته الواسعة إلى بنايتها ورن جرس بيتها لكن لم تجب رن جرس الحارس ففتح له البوابة بعد أن عرف عن نفسه ..

بعد أن صعد المصعد مشى بخطوات يحاول ألا يصدر أي صوت من شدة توتره رن جرس بيتها أربع مرات لكنها لم تجب!

رفع هاتفه إلى أذنه بعد أن ركب رقما وفوجئ بصوت الهاتف ينبعث من داخل الشقة ظل رنينه على ذلك المنوال إلى أن انقطع اخرج تنهيدة متحشرجة وعيونه أظلمت خضرتها من الغضب والقلق والشك الذي بث الشيطان سمه في نفسه..

هل يمكن أن تكون خارجة الآن مع شخص ما.. لكن في هذا الوقت المتأخر إن كان كذلك فعليه أن ينتظر خارجا ليعلم ما يجري عاجلا أم آجلا سوف تظهر

لا يمكن أن يكون كل هذا نوما مستحيل سينتظر وإن لم يتأكد من مكانها سيتصل بالشرطة..

عليه أن يعرف لكن لماذا شعر أن قلبه بل صدره سينفجر غيرة من فكرة خروجها في هذه الساعة لماذا اهتزت ثقته فيها بهذه السهولة لا يمكن أن يشك بها

انها زوجته المستقبلية ..

لو فقط تجيب تمنى لو أنها في بيتها الآن وتبرد قلبه المنتفض بكل المشاعر وتجيبه ..

اقترب من سيارته ودخلها مغلقا النافذة من البرد القارص

اسند ذراعه إلى نافذة السيارة يزم بقبضته شفتيه القاسيتين وكانت عضلات فكه مقبوضة ..ظل في ظلام السيارة و به مزيج مختلط من شتى العواطف

بات الشعور في روحه وكأنه يدخل في عتمة أفكار أصبحت طريقا طويلا مظلما وضيقا تكتم أنفاسه .. حول نظرته للحظة إلى مجر السيارة وبعد تردد فتح المجر وجذب سيجارة من سجائر سائقه الخاص وقام بإشعالها ليفتح النافذة ويرمي بعود الثقاب خارجا ..

ما الذي أصابه لقد انقطع عن التدخين منذ مدة وهاهو الآن يعود إليه لماذا ؟؟ما الذي ينتهك حرمة روحه وأسوار جسده وتلك الحدودة المصقولة لأفكاره ؟؟

ظلت نظرته ضبابية بغضب إنها هي.. إيمان..إنها تستحوذ على تفكيره ..

أيقظه من أحلام يقظته المجهدة سيارة تعرج إلى المكان وبعدها توقفت فخرج منها شاب طويل رشيق وحام حولها ليفتح الباب الآخر حيث خرجت صاحبة الملابس السوداء.. شعر أن شخصا ما أغمد في صدره سكينا.. خرجت أنفاسه وكأنها أنفاس ثور هائج وكأن بأعماقه بركان يوشك أن ينفجر..

حتى أن يديه ارتعشتا بفيض هذا الشعور الغاضب وقد تأكد أنها إيمان من ملامح وجهها وهي تبتسم للشاب.. وفجأة صارت الدنيا كلها ظلام وكأن شخصا سرق منه نوره الأبدي.. وكأن المقدس لديه أصبح مدنسا لينثر معه قلبه

نظر إلى الاثنين وهما يقفان أمام مدخل البناية وضمها الرجل وبادلته هي كذلك بحب وحرارة..

لا يعلم كيف أعمت الغيرة بصيرته ولم يشعر بنفسه وهو يقفز خارجا من السيارة ليقترب منهما فناداها بصوت حاد مزمجر في خشونته:

- إيمان...أنت دعها ..ابتعد عنها

بعد أن التفت الرجل تلقى ضربة على غفلة منه وبعدها أخرى وكأن ضوءا حادا أعمى عيناه ..

منعت إيمان رمزي القوي ممسكة إياه من ساعده وهو ينظر إلى أخيها كمن يترصد فريسته بعنف:

- رمزي كف عن ذلك ...ابتعد عنه أرجوك

التفت ينظر إليها وهمس بعنف وهو يشد على ذراعها بقسوة مؤلمة:

- كيف تتجرئين على خيانتي ...كيف يا إيمان