(1)

6 0 00

(1)

وقف مثل فزّاعة مكسورة الجناحين، لا يقوى حتى على التلويح بيديه، فقد ترعب الفزاعة عصفوراً، بينما هو أدنى من عصفورٍ مرعوب. تهفهف ريح شباط بغدادي دشداشته البالية، لينسل البرد عبر جلده الجاف ولحمه الرقيق، فيهطر عظامه الهشة، مثل قدّوم حطّ على قصب.

تلفت في الشارع العاجّ بالناس والمركبات، راقب الحياة السريعة الإيقاع، كأن الناس هنا يدركون قيمة الزمن، فلا يضيّعون ثانيةً منه. هم يختلفون عن أناسه هناك في قرى (كركوك)، حيث يتمرغون في الملل، حتى ينقضي النهار.

في يده شطر من دينار، بلونٍ أخضرَ مزرقٍّ، وزخارفٍ منمّقةٍ معقدةٍ، وإمضاءٍ رشيق يعتلي (المحافظ). هو كل ما تبقى بحوزته، دُوّن عليه تأريخ الليلة الماضية، السابع من شباط العام 1979، بخطٍ جميلٍ، وحبرٍ أخضرَ... شطرٌ يلوّح بخيبةٍ، تختزل وجعاً هائلاً، يشبّ كغولٍ ساخرٍ، يذكّره بحماقةٍ ارتكبها ذات غفلةٍ.

شطرٌ يفتقدُ شطرَه الآخر، لعله حين يلتصق به، سيسدد ثمن وجبة طعام تقيم صلب (حوّاس)، الذي كادَ يتهالك من الجوع والبردِ والهزيمةِ المرة. لكن الشطر الآن لا نفع فيه، كـ(خف حُنين). تركه لحوّاس صباحاً رجلٌ عجوزٌ، على المقعد في القطار، ليخلـُدَ الشطرُ، ويتبددَ كلُّ ما قبضه حوّاس من الصائغ الليلةَ البارحةَ.

نمّت نظرة الصائغ الخمسيني الأصلع البدين، من أعلى إطار نظارته السميكة، عن حنكةٍ بمعادن الناس، تفوق خبرةً بتقييم خلخال الذهب.

دون تمهيدٍ سأله الصائغُ بلكنةٍ هجينةٍ:

- من أين سرقتَ هذا الخلخال يا فتى؟

تلعثم حوّاس... ازدرد ريقه، أخفى ارتباكه، سانداً جسمَه النحيلَ بأطرافِ أصابعه على المعرض الزجاجي الواطئ، الفاصل بينه وبين الصائغ، الذي أكّد ببرودٍ:

- باستطاعتي تسليمك إلى الشرطيّ هناك، ما لم تخبرني بالحقيقة.

أشار الصائغُ إلى شرطي حراسة يتجول في سوق الذهب، متنكّباً بندقيته مدخّناً سيجارة، تتتبع نظراته النساء. الحقيقة التي لم يدركها حوّاس، أن الصائغ لا ينوي مطلقاً اللجوء إلى الشرطيّ، بعد أن حظي بصفقةٌٍ مربحةٌ.

- لم أسرقه.

هتف حوّاس، وهو يمسك حافة المعرض الزجاجي؛ ليوقف ارتعاشة أطرافه... أردف وهو يزيغ ببصره في سقف المحل:

- والله إنه خلخال أمي، الراقدةِ في المستشفى تعاني مرض السرطان... أحتاج ثمنه لشراءِ أدويةٍ لها.

ضمت عباراته التي تدرّب عليها مراراً، قبل أن يلج محل الصائغ، دفقاً من الكذب مشوباً بنتفٍ من الحقيقة، استبان الصائغُ الارتباك البادي على الفتى، لاحظ الفقرَ المدقع المنعكس عن هندامِه، وأدرك انتماءه من لهجَته القروية؛ فأوجز الصفقة بحزم:

- إياك أن تزجّ الربَّ العظيم في البيع والشراء أيها الفتى، أوقنُ أنك كاذبٌ؛ لذا سأدفع لك خمسين ديناراً فقط، وإن جلبت لي وصل أدوية بخمسين ديناراً كما تدعي، سأمنحك خمسين أخرَ.

أطرق حوّاس يائساً، ووافق برغم أن الثمن الحقيقي يعادل أضعاف عرض الصائغ، ردّ بلهجةِ القريةِ المظلومة في عقر المدينة:

- ما يخالف.

دسّ أربعين ديناراً في بطانةِ سترته الرثة بعد أن لفها بكيسٍ من النايلون؛ خشية تلفها، أربعون ديناراً ستحقق له حلمه في (بغداد)، وماذا بعد الحلم؟ إنه لا يريد أن يدرك ذلك! هو يحلم، ويصب كل حواسه في سبل تحقيق حلمه، ولا يهمه بعدها أين سيجد نفسه.

لفح الهواءُ الباردُ وجه حوّاس، حين خرج من محل الصائغ، تلفـّت في الشارع النظيف، استنشق هواءً رطباً، راقب الدكاكين المنتظمة، تمنى أن يحضر عرضاً في (سينما أطلس) التي تبعد عنه خطواتٍ، كانت لوحة الإعلانات تعرض صورةً لفيلمٍ هندي، تبدو الفتاة الهندية في الصورة مغريةً؛ ببطنها البض المكشوف، لكنه تذكر أن الوقت لا يحتمل التبذير. تأكد من أن الدنانير العشرة التي فرزها عن ثمن الخلخال، لابدةً في جيب سترته الداخلي. ستكون عدته، لبلوغ الهدف.

التف من شارع (أطلس) يميناً؛ نحو شارع (الثورة)، مشى قاصداً مطعم (كباب درويش) حيث سيبدأ الحلم مسيرة تـَحقـُقه، من وجبة كباب شهية، لينتهي في أحضان (دلال).

***

صورةٌ كبيرةٌ لرئيس الجمهورية يبتسم، كتب في هامشها (الأب القائد)، بجانبها صورة مماثلة الكُبر لنائبه وهو يبتسم أكثرَ، حملت عنوان (الرفيق المناضل)، تتوسطان الحائط الأصفرَ في المقهى الصغير. رواد المقهى هائمون فوق سحابةٍ من الملل، أحدهم يحدث رفيقه بلهجةٍ بغدادية يستغربها أهل كركوك، حين تتمايس فيها الحروف، الثاني يكلم ابنه باللغة الكردية، بينما صاحب المقهى (أبو شهاب) يترنم باللغة التركمانية، ثم يجيب زبائنه؛ كلاً بلغته.

- شاي أبو الهيل.

قالها أبو شهاب حين وضع (استكانَ) الشاي بحركةٍ رشيقة، على منضدة الصفيح الرفيعة العالية، أمام حوّاس.

كان الجوع لا يزال يقرقر في بطن حوّاس، فوجبة الكباب المضاعفة التي تناولها في مطعم (كباب درويش) الملاصق للمقهى لم تسدّ الشره. تمنى لو استطاع أن يتناول وجبة أخرى، فقد أخذ طعمُ الكباب منه مأخذه، وأضاف الجوع إلى اللذة طعماً أشهى، فهو لم يذق شيئاً منذ غادر المنزل فجراً، قاطعاً المسافة التي تفصل قريته عن كركوك سيراً على قدميه، سالكاً الحقول، متجنباً النيسم، خشية أن يلحظه أحد من أهل القرية. لم تكن حقول الباقلاء لتضيف إلى رغيف الخبز الذي حمله من البيت شيئاً، ولو لا برد شباط، لأهلكه العطش مع تعب السير في طريق وعرة.

استمتع بشرب الشاي، انتعش حين قدم له زبونٌ يجلس جنبه على الأريكة الخشبية الصلبة، سيجارة (سومر). وقال له:

- (الله بالخير).

شكره وحيّاه بكفه رداً للتحية، مد الرجل يده ليشعل السيجارة بقدّاحته الذهبية، ذات الغطاء القلاّب. التفـّت كف الرجل وكفا حوّاس حول الشعلة، زاد بريق القداحة الذهبية، أوحت لحوّاس بشعورٍ قابض. شهق الدخان بانتعاش، تلذذ بطعم الشاي المهيّل، أصغى إلى أحاديث المحيطين به، كانت نغماتٍ عدة تشكّل معزوفة جميلة.

دبت في بدنه ارتعادة قلق، حين صاح رجل كردي من روّاد المقهى على صبي معه فخنس، انصبت كلمات الرجل كالوابل فوق رأس الصبي. لم يفهم حوّاس شيئاً من الكلام، لكنه تذكّر كُرداً قتلهم أبوه في شمال العراق، عُصاةً خارجين على القانون. تخيّل حوّاس أن يكون هذا الكردي الغاضب أحد أقاربهم، فيقتله ثأراً لهم، لذا قرر أن يغادر المقهى. حين همّ بدفع ثمن الشاي، أخبره أبو شهاب:

- حسابك واصل من (كاكه حمه).

أشار إلى كردي يجلس على أريكة، تحت صورة (الرفيق المناضل).

لم يفكر حوّاس بأن يشكر الرجل على صنيعه بإيماءة، أو أن يتعرّف عليه، بل قرر اللوذ بالفرار، قبيل أن تتحقق أوهامه.

***

غذّ السيرَ مولياً وجهه شطر محطة القطار، وقلبه شطر دلال بائعة الهوى، حالماً بالوضعية التي سيضاجعها بها، دلالُ التي عشّشت في مخيلته منذ وصف له ابنُ شيخ العشيرة لذة طعمها:

- إن لم تتذوق طعمَ مجامعة دلال؛ فإن عمرك خسارة.

- صفها لي أرجوك.

توسّل حوّاس بابن الشيخ، الذي رافق أباه لأول مرة إلى بغداد قبل شهر، حيث قضيا أسبوعاً أحمرَ، تناوبا خلاله على التمتع بدلال كل ليلة، وكانا يعلنان استسلامهما للنوم عند مطلع الفجر، على قهقهتها الساخرة.

- أطيب ما في الدنيا.

قالها ابن الشيخ وهو يراقب غيمة صغيرة مسرعة، أكّد حين نظر إلى حوّاس:

- حلمٌ لا يطال بالنسبة لأمثالك.

- كم تكلّف ليلتها؟

- عشرون ديناراً.

- في الليلة؟! إنه مبلغٌ كبيرٌ جداً!

صاح حوّاس فزعاً، وأردف سارحاً:

- يعني مئة وأربعين ديناراً في الأسبوع! ما يزيد على أجوري في الحقل طوال الموسم.

هزّ ابن الشيخ رأسه، نافياً:

- كلا أيها الغشيم... أكثر بكثيرٍ من ذلك. نقدها أبي رزمةً كبيرة من المال، تناهز الخمسمائة دينار.

أطرق حوّاس، نبش التربة بسبابته، سرح بعيداً يفكر.

- لكن الحق يقال؛ إن هذا المبلغَ تافهٌ.

فرك ابن الشيخ بطنه بشهوة... لحس شفتيه، أتمّ وهو يتعقب مؤخرة الغيمة:

- مقابل الطعم الذي ستتذوقه... أضف إلى أنها ستكفل لك الطعام والحلوى.

***

حين قبض حوّاس الخمسين ديناراً من الصائغ، فكّر بليلتين خالدتين سيعيشهما مع دلال، لذا قرر أن يدّخر ما استطاع، حتى يصل بيتها، فضل استقلال القطار المنطلق مساءً إلى بغداد، على مركبة الأجرة. ففوق ما سيوفره القطار من فـَرقٍ في التكاليف، سيوصله بغداد مع طلوع شمس صبيحة اليوم التالي، ويجنبه مغبة تدبير مكان؛ لقضاء بقية الليلة.

تلملم في المقعد المخصص له في القطار، متكوراً على نفسه وسط دشداشته المصفرة وسترته الرمادية البالية، لمح عن يمينه، على المقعد الملاصق لمقعده، رجلاً عجوزاً يقرأ كتاباً. بحث حوّاس عن الدفء في أحشائه التي لم تكد تستمد وقودها من الكباب الشهي واستكان الشاي المهيّل وسيجارة السومر المعتقة. نظر عن يساره عبر النافذة، محاولاً تصفية ذهنه المضطرب. كان الظلام دامساً، والأرض مقفرة، بدا الهلال واهناً مصفراً؛ ككسرة من خلخالٍ ذهبي.

أغمض عينيه المتعبتين وأسند رأسه على المقعد، تخيّل أمه وقد اكتشفت أن خلخال الذهب، لأول مرة، لا يحيط بكاحلها الأيمن. الخلخال هو آخر ما أهداه لها أبو حوّاس، أوصاها أن تحتفظ به لأيام العوز. دفع ثمناً له المكافأة التي حصل عليها من وحدته العسكرية، مقابل قتل عشرة مقاتلين كُرد.

ظلت أم حوّاس من يومها تتفاخر بين قريباتها وجاراتها بالخلخال، فتحسر ثوبها وتجهد أن تظهر الخلخال حين تتزاور مع إحداهنّ، لتثبت للجميع أن خلاخيل الذهب ليست حكراً على زوجة شيخ العشيرة، بل بإمكانها هي، برغم كونها زوجة عريف في الجيش، أن تتزين بالذهب. بيد أنها سترخي ثوبها بعد الليلة، لئلا تقول نسوة في القرية؛ "امرأة العريف، قد سرق ابنها خلخالها وهرب".

- هلا شاركتني في الطعام؟

سأله العجوز الجالس عن يمينه، المرتدي هنداماً أبيض، لا يليق بالشتاء! الواضع نظارة ذهبية الإطار تزيده هيبةً. فتح حوّاس عينيه ليجد العجوز قد فرش على فخذيه رغيف خبزٍ ووجبة كبيرة من الكباب، تلتف حولها قطع مشوية على الفحم من الطماطمِ والبصلِ والفلفلِ الأخضر الحار. كانت المائدة أغرى ما تكون، والجوع أوجع ما يكون، تدفق اللعاب في فمه، بدأ يأكل دون أن ينبس بكلمة، يغمض عينيه انتشاءً بطعم الكباب المنبث في الرأس قبل المعدة، يسرح في ألوان من الخيال. ظل يزدرد اللقمة تلو الأخرى بشرهٍ، وانتبه حين تناول اللقمةَ الأخيرة أن العجوز لم يمد يده إلى الطعام، فشعر ببعض الحرج. نظر من زاويتي عينيه إلى العجوز، الذي لاطفه:

- هنيئاً مريئاً... يبدو عليك الجوع والتعب، وينقصك قدحٌ شاي مهيّل، لتكتمل اللذة، دونَ سيجارةٍ... أ ليس كذلك؟

استغرب حوّاس من عبارة العجوز، وافقه بهزة سريعة من رأسه، ارتج لها جسده النحيل. لملم العجوز بقايا الطعام، دسها في كيس ورقي كبير استله من تحت مقعده، تناول من هناك براد شاي سفري، وكوبين أبيضين، ابتسم وهو يصب الشاي بهدوء، متوخياً ارتجاجات القطار المنتظمة على فواصل سكة الحديد.

أراد حوّاس أن يفتح باباً للحوار؛ درءً للحرج. سأل العجوز حين ناوله قدح الشاي، وهو يومئ إلى الكتاب المحشور بين المِقعدين:

- ماذا تقرأ؟

أجاب العجوز مبتسماً بشاربيه المثلثين:

- (الحظ السعيد)... أنا متخصص في تدريسه، أ تؤمن به؟

حدّق حوّاس في سقف المقطورة التي تهتز بانتظام، رشف رشفة شاي، فمرقت في ذاكرته محطات شقاء عدة، كشريط فيلم سريع؛ فقدان أبيه، وعدم موافقة الوحدة العسكرية احتسابه أسير حرب أو شهيد... الفشل في الدراسة الثانوية، وضياع الحلم في دراسة الإعلام... زواج حبيبته من ابن عمها... فأوجز ليقطع الشريطَ المؤلم:

- لا أثرَ للحظ في حياتي!

- يمكنك أن تلفت انتباهه، وأن تجذبه إن شئت.

مطّ حوّاس شفتيه مستغرباً، جادل:

- ألا يولد الإنسان مكتوباً على جبينه؛ شقي أو سعيد؟

- هذا خطأ شاع بين الناس، فلا فضل للجنين كي يولد سعيداً، ولا ذنب له كي يولد شقياً، إنه محض جنين!

لم يسمع حوّاس رأياً كهذا من قبل، أصغى للعجوز الذي استطرد:

- كل ما في الأمر أن الله رأى مستقبلك، حين كنتَ جنيناً، فدوّن نهايتك قبل البداية... لكنك قادر على تغيير مسلكك الآن.

قالها العجوز مبتسماً ابتسامة كبيرة، شفّت عن نابٍ ذهبي يلمع بين أسنانه البيض، برق خلخال الذهب في ذهن حوّاس. تنهّد وعاود النظر إلى سقف المقطورة، سأل العجوز بجدية:

- أ تعني أنني يمكن أن أكون سعيداً؟

- بسهولةٍ مطلقة.

- كيف ذلك؟

- بجذب الحظ إليك! فكِر اليوم أنك محظوظ وستكون غداً محظوظاً. إنك اليوم تجسد أفكار الأمس، وغداً ستجسد أفكار اليوم.

- أ أنت عرّاف؟

أغمض العجوز عينيه وتمتم:

- العرافون فـُتات الأنبياء.

نظر في وجه حوّاس، وقال ببطء:

- (الكون مغناطيس يجذب ما تفكر به دون تمييز... يعملُ، سواء أ كنت مؤمناً به أم غير مؤمن، يجعلك تحصل على ما تفكر به تحديداً، لذا عليك أن تفكر بالحظ لتحصل عليه).

- أنا لا أفهم ما تقوله!

- السعداء مؤمنون بسعدهم، يفكرون به دوماً، وهم بهذا يجذبون المزيد من الحظ. بينما الأشقياء مستسلمون لشقائهم، يفكرون به دوماً، لذا لا يغادرهم الشقاء أبداً.

نفض حوّاس رأسه كأنه لا يستوعب ما يسمع، واستمر العجوز يراكم الفكرة فوقه:

- أنت ذاهب إلى بغداد، من أجل قضية ما، فهل تتوقع أنك ستنالها أم أنك ستفشل فيها؟

تردد حوّاس قبل ان يجيب:

- لا أستطيع أن أميز حدسي، لكن الوساوس تأكلني، أشعر أن القدر سيسرق مني حلمي.

ابتسم العجوز... أسند ظهره إلى مقعده، وأكّد:

- إذا نجحت في مسعاك إذن، فإن ما حدثتك عنه، محض هواءٍ في شبك. وإذا سرقك القدر أو أحدٌ ما، فعليك أن تفكر بما قلته لك... تتمسك به ما حييت.

عاد العجوز إلى كتابه تاركاً حوّاس يحدّق في سقف المقطورة، همس له قبيل أن يغلبه النعاس:

- أنت مولود لتـُسعد، ما عليك إلا أن تفكر بالسعادة... (تفاءل بالخير؛ تجده)، وإياك أن تفكر بالشقاء؛ لأنك ستشقى حينها... تشاءم بالشر؛ تجده.

***

توقف القطار، ضج الركاب يتدافعون بلغطٍ، استيقظ حوّاس متثائباً، ليجد العجوز قد غادر مقعده، والركاب محشورين في الممرِ، متأهبين للنزول على عجل. للحظة توهّم أن ما مر به الليلة لم يكن سوى حلمٍ، بحث عن أي أثرٍ للطعام تحت المقعدِ، عن أية فـُتاتٍ؛ فلم يجد شيئاً! تثاءب، لمح ورقة نقدية من فئة الدينار مكان العجوز، تناولها لكنه تفاجأ بأنها شطرٌ من دينار، مدوّن عليه بحبرٍ أخضر تأريخ اللّيلة الماضية.

- لا تصلح إلا للذكرى.

قال ذلك ساخراً محدثاً نفسه، دس شطر الدينار في جيب دشداشته، مسح براحته على شاربيه الخفيفين، انسل بين الناس لينزل معهم.

حطت قدماه أرض بغداد لأول مرة، حين نزل من القطار، تعثر وكاد يقع، وقف بهيئته الرثة، فاغراً شفتيه الرفيعتين، فاتحاً عينيه الخضراوين على اتساعهما، يتلفت في مدينة طالما حلم أن يراها، مذ كان يقرأ عنها في كتبِ المدرسة، ويسمع من روادها المبهورين بها. أوجس في قلبه عشقاً للعيش فيها، وهو يبصر تلألؤ شوارعها المبللة من أثر زخة مطر، مع أشعة الشمس المتغلغلة عبر فتوق الغيوم، لتبث بعض الدفء في أوصاله المرتعشة تحت ثيابه البالية.

ابتسم للمحطة العالمية، المبنية من الطابوق، بطرازٍ يبعث على الشعور بالسعة والرفاهية. تمعن بجدرانها العالية، وممراتها الأنيقة. مَر المسافرون مسرعين عن يمينه وعن شماله، لكزه البعض منهم بكتفه؛ واعتذر منه بلطف. وجد حوّاس لذة غريبة؛ حين اعتذرت منه امرأة داست على قدمه. تألم أول الأمر، لكنه شعر براحة وهو يرى ملامحها تعج بالحنان والشفقة، قال لها:

- لم يحدث شيء، الأمر بسيط.

ولت المرأة مسرعة مع أولادها، تمنى حوّاس أن يتكرر الموقف مع امرأة أخرى، بيد أن أحداً لم يقترب منه، فقد خف وطء الزحام.

شعر بدفءٍ لذيذٍ، تسرب إليه من الدنانير الأربعين التي دفنها في بطانة سترته، تقيداً بوصية ابن الشيخ، خشية السرقة:

- حين تستكري مركبة؛ اتفق على الأجرة قبل الانطلاق، فالبغداديون يستغلون الغرباء، يظنون أننا أقل منهم فطنة، ينظرون إلينا بعينٍ صغيرة، يسموننا (أبناء المحافظات).

ضحك حوّاس من كلام ابن الشيخ، الذي بدا جاداً في قلقه وتحذيره، فسأله بتغابٍ:

- ماذا إذن لو علموا، أننا من أبناء القرى؟

- أ تدري أنهم بدأوا يتهيّبون من الدشداشة في الآونة الأخيرة.

تفحّص حوّاس دشداشته باستنكار، أتم ابن الشيخ كلامه ليجرف حوّاس بتيار الحيرة أبعد:

- يقول أبي في حواراته مع بعض رجال القرية، إن الدولة باتت بيدنا نحن أهلَ القرى، وبرغم أنني لا أفهم مغزى كلامه، ولا أجرؤ على الاستفهام، لكنني ألمس التأييد على كلامه، من خلال رؤوس الرجال التي تهتز أسرع من مدكّ الهاون، الذي أسحن به حبوب القهوة لهم.

سار حوّاس بين الناس، هالته كثرتهم، تلفت باسماً ليقارن بين هذا العدد الكبير وبين أبناء قريته، الذين لا يتجاوزون بضع مئات، "كم قريةً يملأ هؤلاء؟"، تساءل مع نفسه وهو يتجه صوب مركبة أجرة، ليسأل سائقها بعفوية:

- مرحبا يا ابن عمي، هل يمكنك أن توصلني إلى هذا العنوان؟

أعطى حوّاس السائقَ ورقةَ، كان ابن الشيخ قد دوّن عليها عنوان دلال. أضمر السائق ابتسامة استخفاف، وأومأ له بالركوب.

- كم تتقاضى على التوصيلة؟

سأله حوّاس وهو يركب، لكن السائق ازدرى به:

- أ تبحث عن بائعة هوى؟

ابتلع حوّاس ريقه، نظر إلى الناس المالئين الشارع جيئةً وذهاباً، وقال مموهاً:

- من قال هذا؟ أ قرأت في الورقة اسم امرأة؟

ضحك الرجل بخبثٍ وهو ينطلق بالمركبة، بيّن:

- الحي الذي تقصده هو حي المواخير يا رجل، فلمَ الخجل؟ ما اسم المرأة التي تبحث عنها؟

تساءل السائق بحذر، بينما حوّاس يقلـّب وجهه في الطريق مشدوهاً بالعمارات والأشجار التي تحف البيوت بانتظام، أجاب متظاهراً بالضجر:

- ما بكَ يا ابن عمي، قلت إنني لا أبحث عن امرأة.

لكز السائق بقبضته فخذ حوّاس ليشد انتباهه، أكّد بلكنةٍ مداعبة وهو يغمز عينه:

- أريد أن أساعدك... أختصر عليك الطريق... أنا أعرفهن جميعاً.

نظر حوّاس إليه من زاويتي عينيه وسأله:

- هل أنت قوّاد؟

فجأةً أوقف السائق المركبة وسط الشارع، سمّر نظره إلى الأمام، زفر باضطراب. بيد أنه تنهد وتدارك نفسه كاظماً غيظه، تصنع ابتسامة، وأضمر حقداً:

- أنا أنقلهن ما بين السوق ومنازلهن، لذا أعرفهن جميعاً يا... ابن عمي.

فرك حوّاس كفيه بنشوة، مؤملاً نفسه ببلوغ الغاية، وأرتاح من وصف السائق له بـ(ابن عمي)، فأعلن:

- دلال... اسمها دلال يا ابن عمي.

- أوه... (لولة) أعرفها عز المعرفة.

قالها السائق وهو يهز رأسه طرباً، وأردف:

- سأوصلك إلى باب بيتها.

شعت البهجة من وجه حوّاس، قال مأخوذاً متوسلاً:

- أ حقاً ما تقول؟ صفها لي أرجوك.

هزّ السائق يده ورأسه بحركة متواترة؛ معرباً عن انبهاره:

- شيءٌ لا يوصف... أطيب ما في الدنيا.

(أطيب ما في الدنيا) ذات العبارة التي وصفها بها ابن شيخ العشيرة، لا بد أن تكون هي بعينها دلال.

راقص السائق أصابع كفه بطريقة صبيانية، وقال:

- سأوصلك بخمسة دنانير.

أدرك حوّاس أنه وقع في فخ حذّره منه ابن الشيخ! لكن لا انفلات منه، ما دام السائق الذي يستغله سيوصله إلى مبتغاه بلا عناء، وافق على مضض. أبدى انزعاجه، زجر السائق بشيء من التعالي:

- إذن أسرع يا ابن عمي، فليس أمامي النهارُ بطوله.

النهار في أوله، الشارع دائب الحركة، لمح حوّاس بعض النساء كاشفاتٍ عن صدورهن المتوردة، وسيقانهن العاجيات. انتعش وشعر بقشعريرةٍ لذيذة، سرت في جسده مسرى الدم، تخيل بضاضة وبياض جسدها اللين، دلال التي لن يدعها تبرح السرير طوال ليلتين. تخيّل أنّ بمقدوره أنْ لا يأكل ولا يشرب طوال الليلتين القادمتين، ليقضي جُلَّ وقته في أحضان دلال يرفل الأغطية، يمزق اليأس، يحرق الوهم. حتى لو اضطرت دلال للأكل، فستأكل دون أن تبرح السرير.

فكّر من أين يبدأ بمداعبة دلال، استنبط أفكاراً من الصور الإباحية التي كانت تدور بين أكف زملائه الطلبة في الثانوية، متسرّبةً إليهم من سواقي الشاحنات الأتراك، الذين يستبدلون الصورة الواحدة بحفنة من ورق الشاي، إذ يقف الشاب حاملاً بيده كيساً مملوءً بورق الشاي، ويقف في الطرف الآخر سائق تركي، يلوّح بورقة منزوعة من مجلة، تحوي صورة إباحية. في كلا الطرفين، كان كلّ من المقايضَين يبتسم ساخراً من الآخر، يظن نفسه الغالب!

توقفت المركبة أمام بيتٍ متواضع متهالك البناء، في شارع ضيق، تتراصف فيه البيوت مكتظةً، بطرازٍ فقير. تساءل حوّاس:

- أ هذا حي (البتـّاويين)؟

اقتضب السائق جوابه، مد يده مطالباً بالأجرة، غامزاً بحاجبيه:

- وهذا هو بيت دلال.

ازدرد حوّاس ريقه، كاد يلتقم اللذة. قال كمن غاب عنه وعيه، وهو ينقد السائق خمسة دنانير:

- ماذا سأفعل الآن؟

قابله السائق بضحكة ماكرة، حين قبض الأجرة، وتمتم:

- أنت أدرى يا ابن عمي.

وقف حوّاس حائراً أمام باب البيت الموارب، لمح كهلاً يقف عند باب البيت المجاور، عاقداً يديه خلف ظهره، عينا الرجل تبرقان محذرتين. ربط حوّاس جأشه، شدّ سترته البالية متحسساً موقع الأربعين ديناراً.

نقر زر الجرس، فأتاه صوتٌ أجش، لم يتمكن من تمييزه إن كان لرجلٍ أم لامرأة:

- ادخل... الباب مفتوح.

ولج الباب قلقاً من السكون المخيم، تلفّت باحثاً عن مصدر الصوت دون أن يلمح حركة، فنادى بمناداة أهل القرية:

- يا أهل الدار.

لم يرد عليه أحد؛ ارتبك... فكّر للحظة بالعودة أدراجه. مرق في ذهنه الرجل العجوز يبتسم بنابه الذهبي، يردد نظرية الجذب المربكة. تقف بجانبه أم حوّاس دامعةً، حاسرةً ثوبها القديم، تئن ساقها فـُقد الخلخال. تخيّل أن يضيّع حلمه بمجرد التفكير بفقدانه. التفت صوب الباب فباغتته صرخة مولولة رجت السكون، فوراً دلف من الباب شابان منذهلان يصيحان به:

- حرامي... حرامي.

رفع حوّاس يديه مستسلماً صائحاً بهما:

- أنا لست لصاً... أنا أبحث عن دلال.

ضاعت صيحاته ما بين تأوهاته، وشتائم وضربات الشابين. صحا على آلام مبرّحة في أنحاءِ جسده، ملقى به في الشارع الضيق، ينزف دمه من أنفه وفمه، يرتجف ألماً وبرداً. وقف الرجل ذو العينين البارقتين عند رأسه، ناوله منديلاً جَعِداً ليمسح به دماءه. ساعده على النهوض، ونصحه:

- غادر الحي بأسرع ما يمكنك، هؤلاء الأشقياء أوقعوا بك... سرقوا منك ما يمكنهم.

نفض حوّاس يديه وقال:

- ما الذي وجدوه لدي ليسرقوه؟!

- يبدو أنهم لم يجدوا أكثر من سترتك الرثة، فسرقوها منك.

خبط رأسه بيديه، وصاح:

- يا ويلتاه... ماذا سأفعل الآن؟

أدبر الرجل عنه مؤكداً:

- غادر الحي بسرعة... بسرعة.

مشى حوّاس مترنحاً بلا هداية، تأخذ به الأفكار كل مأخذ. تساءل؛ كيف وصل بنفسه إلى هذه الحال؟ بائساً خاوياً، يجوب مدينةً كبيرةً، لا يعرف فيها أحداً. كيف قلب موازينه بيديه، بين ليلة وضحاها؟ وعى أنه برغم معاناته من الفاقة في قريته، أسوةً بأغلب أهلها، فقد عاش مع أمه وأخيه وأخته، في بحبوحةٍ من المودة، يلقى عطفاً من أقربائه بعد غيبة أبيه في المجهول. كيف سيعود إلى ذلك الحال الذي لم يكن يشعر بهنائه؟ كيف سيواجه أمه بعد أن سرق خلخالها، وأضاع كل ما جناه من ثمن الخلخال؟ لن يصدق ابن شيخ العشيرة الحقيقة، حين يقول له إنه لم يجد دلال، وأنه سُرق منه ما سرقه من أمه. لقد وصل إلى نقطة اللا عودة، ولم يترك خط رجعة له حين خطط للأمر؛ بل إنه لم يخطط أصلاً، فتوغل في الحياة على السليقة، والحياة لا تحترم من لا يعيرها اهتمامه. ها هو ذا يسقط من حافة الهاوية، يتخبط بجدرانها المسننة، لعله يمسك صخرة ناتئة، أو جذر شجرة ممتداً.

لفحه نسيم قارص البرد، فدلس يديه في جيبي دشداشته، تحسس ورقة في أحدهما، أخرجها فوجدها شطر الدينار الذي تركه عجوز القطار. نفث ابتسامة ازدراء وتهكَّمَ:

- ثروتي الوحيدة... صباح الشر.

فكّر بكلام الرجل العجوز حول الحظ السعيد، وكيف يمكنه ان يجذبه إليه كمغناطيس إن أراد. وأدهشه أن النظرية توافقت مع الأحداث التي مرت به، فقدْ فقدَ كل ما يملكه، في لمح البصر، بعد أن اختطفه القدر، أو شقيين تآمرا عليه مع امرأة سيئة لم يرَ وجهها، وسائق قوّاد، يوقعون بالغرباء في لمح البصر. لم يبرئ حتى الرجل ذي العينين البارقتين الذي نصحه بالفرار، فربما كان مكلفاً بإنهاء العرض المسرحي! "... وإذا سرقك القدر أو أحدٌ ما، فعليك أن تفكر بما قلته لك... تتمسك به ما حييت."، هكذا قال له عجوز القطار.

وقف أمام مطعمٍ وسط سوق كبير، لم يكن يدري كم قطع من مسافة سيراً على قدميه حتى وصل إلى هنا، هو لا يعرف اسم المكان. بدا الوقت ظهراً والناس يرتادون المطعم لتناول الغداء، توقع أن ينادي عليه صاحب المطعم بشهامة للدخول، كما يحدث في القرية مع الغرباء. لكن صاحب المطعم لم يبالِ به، بل شزره من خلف زجاج الواجهة بنظرة طاردة، حين طالت وقفته؛ نظرة كتلك التي يرمق بها شيخُ القرية الفلاحين، حين يتقاضون منه دراهمهم المعدودة، جزاء عرق الموسم الغزير. لم يعد باستطاعة حوّاس مقاومة رائحة الكباب الذكية التي تفوح، ولا نظرات صاحب المطعم المزدرية بهيئته، فبذل جهداً وهو ينسحب بفتات عزة نفسه.

مشى موجعاً بالجوع، متخماً برائحة هي أقرب في تصوّره إلى رائحة الجنة، تبعث في نفسه لهفةً لا تـُكبح، تتطلب مقابلاً ثقيلاً لينالها الفقراء أمثاله... أ ليست الجنة هكذا؟! ضحك في سرّه، وهو يتذكر قول ابن الشيخ، ذات جلسة:

- يستطيع أبي أن يشتري الجنة بماله.

صرخ حوّاس باستفزاز:

- أستغفر الله... لا تكفر؟

أوضح ابن الشيخ، بمزيدٍ من التطاول:

- بل إن أبي يستطيع أن يكون رفيق النبي في الجنة، واصبر حتى أبيّن لك.

زفر حوّاس غيظه، وهز رأسه متأففاً:

- هات ما عندك.

- لو أن أبي كفل يتيماً من أيتام القرية بماله، حتى أبلغه أشدَّه، وزوّجه، وأوكل إليه عملاً يقتات عليه هو وعائلته، فإن أبي سيندرج ضمن حديث النبي "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" أي كالسبابة والوسطى، أ وليس هذا ما قاله لنا مدرس التربية الإسلامية مرة؟

أشار ابن الشيخ بسبابته ووسطاه على صدغه، ليثير حوّاس الذي سأله:

- لمَ لا يكفلني أبوك إذن؟

أشاح ابن الشيخ بوجهه، ومط شفتيه:

- لست اليتيم الوحيد في القرية... ثم من قال إن أباك قد مات؟ حتى الجيش لم يصرف لكم شهادة وفاته، أو بيان أسره.

توتّر حوّاس، وتخبّط:

- المدرّس يكذب... لقد قال أيضاً "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وكلما نظرت تحت قدمي أمي، وجدت فطوراً غارزة في كعبها، ورائحة نتنة تنبعث من بين أصابعها... كيف للجنة أن تكون سبخة نتنة؟ إنه يكذب.

- لا تنس أنه ينقل أحاديث النبي، إياك والشك.

قالها ابن الشيخ وهو يهز سبابته في وجه حوّاس مهدداً، أو ربما مذكراً بأبيه الذي سيكون كالسبابة في الجنة إلى جوار النبي!

***

تحسس حوّاس شطر الدينار في جيبه، حين لمح امرأة مكللة بالسواد، تجلس عند ركن المطعم، تفترش سجادة زرقاء من قماش القطيفة، يمتد بعضها أمامها، لتبعثر عليه أحجاراً ملوناتٍ. اقترب منها حوّاس باحثاً عن ملامحها، لكنه لم يلمح إلا فمها، فخمارها الأسود يتدلّى على جبينها وعينيها حتى يجتاز ذؤابة أنفها الذي يبدو مدبباً، فلا يظهر سوى فمها وجزءٍ من ذقنها الملفوف بالخمار من أسفله بثقة. ثمة تجاعيد تحيط بفمها الخيطي، لتفصح عن عمرٍ ناهز الستين.

تربّع أمامها في جلسته، منساقاً برغبةٍ كامنة تحثه على تحري الغيب، وملحّة بين أضلعه، لتغيير مجرى حياته، قدح فتيل انفجارها عجوز القطار، حين قال له "العرّافون فتات الأنبياء".

- أ أنت من فـُتات الأنبياء؟

سألها ليفتح باباً للحوار، فابتسمت له. لمع نابٌ ذهبي بين أسنانها، فلاحَ في أفق خياله خلخال أمه وعجوز القطار:

- أنت مفلسٌ، لا يرتجى منك نفعٌ.

أكدت العرّافة، بينما اقترب منها حوّاس قليلاً وقال:

- الأنبياء لا يتقاضون ثمناً على ما يفعلون، فائتسي بهم هذه الساعة، واقرئي لي فألي بلا مقابل.

كبرت ابتسامتها، فطفق الناب يخصف على كل الأسنان ذهباً، وبدت مبتهجة:

- سأقرأ لك كفك.

أمسكت برسغه بقوةٍ لا تتناسب ومظهرها، أحس بطراوة راحة يدها، فسرت في جسده قشعريرة لذيذة، أيقظت حلماً جميلاً راوده ليلة أمس، تذكّر دلال وما ضمره لها من مشاعر لا توصف. تنهد بحسرة، انتبه إلى المرأة العجوز وهي ترص رسغه:

- أطرد الشيطان، وصفِّ ذهنك في هذه اللحظة، كي أقرأك.

مسحت بأنامل يدها اليمنى راحة حوّاس، وكأنها ترتب أشياءً مبعثرة، بين خطوط راحة يده، لاحظ حوّاس خاتماً غريباً في خنصرها الأيمن، طوقه من الفضة، في كأسه خرزة مستطيلة من العقيق بنية اللون، يلتفّ فوقها خيطان من الفضة ليرسما صليباً ملتوياً بمرونة، شكـّل في النهاية زهرةً بأوراقٍ أربع، وعلى جانبي الكأس رسم ختم الزهرة الفضية على خلفيةٍ سوداء.

لم تتوقف العجوز عن مسح راحة يد حوّاس، حتى ركّزت سبابتها في وسط راحته، راحت تنبش بأنملتها شيئاً، ثم بدأت تنبش بظفر خنصرها المكان، وتحكّه بزهرة الخاتم حكاً شديداً أوجع حوّاس، حتى خيّل له أنها ستثقب كفه، فصاح:

- على مهلك أيتها المرأة، أنت تؤلمينني.

ثبّتت الخاتم على ذات المكان الذي ألحت عليه بالحك، نظرت في وجه حوّاس واجمة تناشد:

- صبراً... أنت تنقلب.

لم يفهم حوّاس ما قالته العرّافة التي استمرت تنبش بظفرها وتحك بزهرة الخاتم، ثم بصقت بصقةً غليظةً في كفه سال بعضها على السجادة الزرقاء، لم يتمكن حوّاس من إفلات يده من بين أصابعها، وقد اشمأزّ، لكن الرائحة الذكية التي فاحت من البصاق هوّنت عليه. شعر بخدر يدب في كفه، ينتقل إلى زنده، ثم إلى عضده، حتى ينتشر في صدره ويدغدغ خلاياه. نال من جسده الخدر، أصابه دوار، لم يعد يقوى على الحراك، أضحى عجينةً بيد العرافة. حتى لسانه تخدّر، فما عاد بوسعه الكلام، أحسّ كأنه في عالمٍ آخر.

استلت العجوز من جيبها منديلاً أزرقَ، منتـّف الأطراف، مسحت راحة حوّاس من بقايا البصاق بهدوء ورِقـّة، كأنها تمسح الندى عن أوراق زهرة. ارتسمت على فمها بسمةً صغيرة، راحت تكبُر، كلّما مضت في المسح أكثر، حتى لمع ناب الذهب في فيها، منفرجاً عن بسمة كبيرة.

- وُلِد حظك أيها الفتى.

قالت العرافة لحوّاس المخدّر من سمت رأسه حتى أخمص قدميه، وأردفت:

- أنت منذ هذه اللحظة إنسانٌ آخر.

بالكاد تمكن من أن يهز رأسه كبندولٍ نافياً، ليوحي أنه لا يفهم ما تقوله. أو ليرفض ما تهجر به فـُتات النبي هذه؛ فأوضحت:

- أعلمُ أنك لا تفقه ما أقوله لك، ولا تستوعب الفكرة، أنت أشبه بامرأةٍ عاقرٍ تـُبشّرُ بأنها حُبلى.

حلّت يده فعادت إليه قواه فجأة، تنفس الصعداء، أدرك أنه لا زال على قارعة الطريق، سمع أصوات منبهات المركبات في الشارع العريض، المرصوف بأشجار بلـّلها مطر خفيف، شم رائحة الكباب التي تفوح من المطعم المجاور، فلسعه الجوع من جديد.

نظرت إليه العرّافة من خلال ثقوب الخمار الدقيقة، عدّلت جلستها وبدأت تلقّنه:

- سأرشدك إلى سعدك، لكنني أشترط عليك شرطاً، ما دام مفتاح القفل في حوزتي.

هزّ حوّاس رأسه أسفاً، على موقفه الذي يزداد ضعفاً، أردفت العرافة:

- ليس كل الناس أشراراً كما تتخيل، الشرط الذي سأشترطه بمقدورك وحدك الوفاء به، أو النكث إن بغيت.

- لكنني لا أملك شيئاً.

- في جيبك ثروة كبيرة سنتقاسمها.

ضحك حوّاس حتى اهتز كتفاه المرهقان، وقرقر بطنه من أثر الجوع، أخرج من جيبه شطر الدينار، وقال:

- شطرٌ من دينار كل ما لدي، خذيه إن شئت.

نظرت العرّافة إلى شطر الدينار، تناولته من يده بذهول، شمته بعمق، حتى كادت تشفطه من أنفها، سألت:

- من أين أتاك؟

كتم حوّاس ضحكة، واستدرك بشيء من الاهتمام:

- من رجلٍ عجوزٍ رافقني في القطار.

تمتمت العرافة بكلماتٍ لم يفهمها حوّاس، بدت كمن يستسمح شبحاً غاضباً. استغرقت دقيقة أو بعض دقيقة، قبل أن تستعيد وضعها الأول، تنفست بصعوبة واضحة، لهثت كأنها تتسلق مرتفعاً، ثم هدأ أوارها. أسندت ظهرها إلى الحائط، أعادت شطر الدينار إلى حوّاس الذي دلسه في جيبه، قالت له وهي تمسك بأطراف أصابعه:

- اليوم ستلتقي بشخصٍ قوي متين، سيكون معك كالعفريت مع علاء الدين. ستدير المفتاح في يمناه، وتطلب منه ما تتمناه. سينفذه لك على الفور، بكلماتٍ خضر. سوف يتكرر اللقاء مراراً، وفي كل مرة سيتأهب لتلبية رغبة جديدة.

- هل هو عفريت المصباح؟

قالها حوّاس ضاحكاً، فردت العرّافة حازمة:

- بل هو عفريت الخاتم... (أطلب ما تريده، أصدر أوامرك له وكأنك سيده، ثم آمن بما تريد إيمانا راسخاً لا يتزعزع، وإياك وخيبة الأمل والشكوك، ما عليك إلا بالإيمان ثم ستحصل على ما تريده).

أكدت وهي ترص على أصابعه:

- سنتعاهد معاً على أن نقتسم المكافأة المالية، التي سيمنحك إياها الليلة مناصفة.

- وكم سيمنحني؟

- باستثناء أمنيتك التي سيحققها، سيهبك مكافأة مالية كبيرة. عليك أن تـَقسمها بيني وبينك، وإن خنت العهد حلّت عليك لعنتي.

فكر قبل أن يجزم مضطراً:

- سأقسمها.

- أقسِم على ذلك برب الحظ السعيد.

- أقسم لك برب الحظ السعيد.

قالها وهو لا يدرك سر مقولته، ابتسمت العرافة وتمتمت:

- (سوف تصبح غداً نتيجة الأفكار التي تساورك اليوم، لذا عليك أن تفكر بإيجابية لتكون إيجابياً. لا شيء مستحيل، فكل ما يمكنك استيعابه في ذهنك تستطيع إنجازه بيديك). أنظر إلى نفسك أنت ترتعش وتفكر بالبرد، لذا ستحصل على المزيد من البرد. سوف لن تتوقف عن الارتعاش حتى تفكر بالدفء، الأمر كله متعلق بالجذب. (أنت خليفة الله في أرضه، وسر الكون مغروز فيك، ولا تحتاج إلا لمفتاح تديره لتبدأ الحياة).

وضعت يدها على كتفه كمن يحمّل شخصاً حملاً ثقيلاً على عاتقه، وقالت:

- سأعطيك مفتاح سعدك.

نزعت الخاتم عن خنصرها الأيمن، وألبسته إياه في خنصره الأيمن، وشددت:

- ما إن تلامس زهرة الحظ السعيد التي في الخاتم، يد الرجل القوي، حتى يسخره الكون لتلبية رغبتك، عليك أن تكون قد استحضرت أمنيتك حينئذٍ.

- أين سأجد هذا الرجل؟

- هو من سيجدك... ما عليك سوى الترقـّب.

وضعت العرافة يدها على رأس حوّاس؛ فغاصت أصابعها تدعك فروة رأسه الأشعث، تمتمت بكلماتٍ غريبات، لم يفهم منها شيئاً، أغمض عينيه مسترخياً من دعابة أصابعها لرأسه الذي بدأ يدور، ويدور، حتى خرّ غافياً في مكانه.

***

على لكزٍ أوجع خاصرته، فزّ حوّاس، فانتبه إلى شرطي غاضب يقف عند رأسه ينهره:

- قم أيها المتشرّد.

التفت حوله يبحث عن العرافة، لكنه لم يجد أحداً، كان رأسه مصدوعاً من الجوع وجسده مشنجاً من البرد، ظنّ للحظة أنه كان يحلم، فرك عينيه بقبضتيه فوخز الخاتم جبهته، نظر إلى الصليب المعقوف كزهرة فضة، منقوشة أعلى كأس الخاتم فوق العقيقة البنية.

- أ لا تفهم ما أقوله لك؟ أغرب عن وجهي.

قال له الشرطي وهو يلزّه بهراوته على بطنه الخاوي، نظر إليه حوّاس متفحصاً، من أسفله إلى أعلاه وسأله:

- أ أنت الرجل القوي؟

كتم الشرطي ضحكته، ربت بهراوته السوداء المبرومة على راحته اليسرى متوعداً:

- قوي أكثر مما تتصوّر، وإن لم ترني عرض كتفيك، فسأنهال عليك بهذه الهراوة حتى أحطم أضلعك.

ارتعد جسد حوّاس النحيل فزعاً، حين رأى الهراوة ترتفع فوق رأسه، وقبل أن تهوي عليه فرّ مدبراً لا يلوي على شيء، متخبطاً في الفضاءات المتناثرة أمامه، يتردد خلفه صياح الشرطي وصدى توعّده. خيّل له أن الشرطي يلحق به ليمسكه، خطر بباله أنه سيعتقله بتهمة سرقته خلخال أمه؛ ليزجه في السجن، ها هو ذا شرطي آخر أمامه، هناك ثالث... رابع... عاشر، بدا له أن كل شخصٍ في الشارع يرتدي بزة الشرطة، حتى النساء نظرن إليه بشزر، كنَّ يرتدين بزات الشرطة الخُضر، ويضعن على رؤوسهن قبعاتِ صوفٍ سود. تجنب أن يصطدم بأي شرطي أو شرطية، كانت الشمس قد قاربت على المغيب، والمركبات متباطئة بسبب الزحام، فلاحت له أضواء المركبات متراقصة الصفرة، مدورةً، كخلاخيل ذهبية تنظر إليه باستياءٍ.

أخذ الصداع منه كل مأخذ، أحس بجوعٍ مفرط وبردٍ قارصٍ ولهفةٍ ملحةٍ إلى الموت. تخيّل أمه تنتحب على خيبتها به، وأخاه الأصغر الذي طالما اقتدى به؛ منكوس الرأس، وأخته التي ظلت تلوذ به؛ بلا ملاذ. تذكر أباه المفقود في المجهول بين شعاب كردستان، بعد أن قتل ببندقيته عشرة كردٍ معارضين للدولة، قد يثأر لهم أي ثائرٍ ذات يوم.

ركض وسط الشارع باحثاً عن مركبة مسرعة لتنهي حياته البائسة، أقبلت إليه مركبة مهيبة سوداء مظلمة، لا يبين من زجاجها المعتّم شيئاً، فتح ذراعيه ليلتقيها بالأحضان.

توقف كل شيء... سقط حوّاس على ظهره بعد أن صدمته المركبة المرسيدس السوداء، توقفت لينزل منها رجلان ببزتين رسميتين، بينما بقي السائق خلف المقود، تراكضا نحو حوّاس، رفعاه عن الأرض بسهولة، أمسكه أحدهما من عضديه بشدة، وفتّشه الآخر بدقة، متجسساً كل بقعةٍ من جسده، حتى ما بين فخذيه. حين مدّ يده في جيب حوّاس، أخرج شطر الدينار، كظم ضحكته ثم أعاده إلى جيب الدشداشة. ركض صوب المركبة، حدّث شخصاً يجلس بجانب السائق:

- إنه متشردٌ يا سيدي.

- لا والله... أنا ابن عشائر، لست متشرداً.

بلهجة قروية صاح حوّاس، الذي بقي مقيّداً، عاجزاً عن الحراك.

انفتح باب المركبة الأمامي الأيمن بهدوء، حطت على الأرض قدمٌ تحتذي حذاءً كحلياً برّاقاً، تلتها القدم الأخرى، اعتلت إطار الباب كفٌ يسرى كبيرة، تمسك بقوة بين سبابتها ووسطاها بسيجارة فاخرة، يتصاعد دخانها بزهو. بان من وراء الباب بطلّته التي تبث الرهبة. وجهه الحنطي، شارباه الأسودان المنمقان بعناية فائقة يتوجان ابتسامةً لا تكاد تميّز من الوقار، نظرته الثاقبة، شعره الأسود المرجّل دُبراً، قامته الفارعة الممشوقة، بزته الكحلية، انصياع المحيطين به... إنه الرجل القوي بلا ريب، الرجل الذي أربك حوّاس غاية الإرباك، وهو يتجه صوبه بعد أن أومأ إليه بأطراف يمناه، سأله بثقة:

- من أين أنت؟

- من قرى كركوك.

ابتسم وهو يمز نفساً من دخان سيجارته، وينفثه إلى أعلى قبل أن يستطرد:

- ما اسمك؟

- حوّاس.

رصّه الرجل الذي كان يقيده، وهمس في أذنه:

- قل (سيدي) حين تتحدث.

فصاح حوّاس من فوره:

- اسمي حوّاس يا سيدي.

تمعّن به الرجل القوي، تذكر صبياً كان بذات هيئة حوّاس، بذات فقره وعوزه، لكنه كان صبياً شرساً، لم يكن منهاراً كهذا الذي يقف أمامه.

تلعثم حوّاس بعد أن أحسّ بهيبة الرجل القوي، فترجّل بشيءٍ من الكذب:

- أنا هنا بحثاً عن عمل يا سيدي، فقد اختفى والدي في المعارك مع (العصاة)، بعد أن قتل عشرةً منهم، وترك في رقبتي أمي وأخي وأختي لأعيلهم. ولم يُسجل أبي شهيداً في سجلات الجيش، بل صُنّف مفقوداً، حيث لم يُعثر على ما يثبت مقتله أو أسره. ولم تصرف لنا مرتبات من الدولة منذ أشهر.

- أ حقاً قتل أبوك عشرة (عصاة)؟

قالها الرجل القوي وضحك ضحكةً مميزة، لمع نابٌ ذهبي بين أسنانه. أومأ لحوّاس بالاقتراب منه، وأشار إلى أحد مرافقيه وهو لا يزال مبتهجاً:

- أعطه خمسة آلاف دينار، إكراماً لأبيه البطل... خمسمائة دينار عن كل عاصٍ... (عفية).

صفق يدَهُ بيدِ حوّاس مرحباً به على الطريقة الريفية، فارتدّت يد حوّاس منفلتةً من المصافحة، ثم تداركها فالتحمت يداهما. شد الرجل القوي على أصابع حوّاس بقوة، فجأة سأله:

- ما الذي تتمناه؟

أحس حوّاس بتيار كهربائي ينبع من الخاتم، يسري في جسده كالبرق. تذكر ما قالته العرّافة قبل قليل، وعجوز القطار ليلة البارحة، شرد بعيداً يبحث عن أمنية في قلبه المتخم بالأماني المحنطة، حتى أتاه قول الرجل القوي حازماً:

- حدد أمنيتك في هذه اللحظة.

- أريد أن أصبح صحافياً.

بلا شعور قالها حوّاس، وهو يفرز من عقله الباطن أمنية طالما تظلل بأفيائها. بناها على تعلقه بشخصياتٍ قرأ عنها وسمع بها ورآها، وعلم أن أبطالها نالوا من المتعة والشهرة ما لم ينله سواهم، ليس ذلك إلا لأنهم صحافيون.

- تـُبشِر.

قالها الرجل القوي بثقة، أخرج من جيب سترته الداخلي قلمَ حبر بنياً، بغطاءٍ فضي، وفي ذات اللحظة ناوله مرافقه دفتر ملاحظات. راح يكتب بحبرٍ أخضرَ:

" رئيسَ تحرير مجلة (ألف ياء)... يُقبل حامل الورقة (حوّاس مجبل) كصحفي تحت التدريب، راجياً تنمية قدراته".

ذيّل الورقة بإمضاء رشيق، عَلا عبارة (نائب رئيس الجمهورية).