(3)
الكاميرات منصوبات في ثلاثة أركان، مفارز أمنية ذات تعامل صارم قطعت شارع (الرشيد)، منعت المركبات من سلوكه، دققت في تفتيش أي مواطن يسبله، حققت في هوية الجميع. أصحاب المحلات بُلّغوا قبل يوم بغلق محلاتهم، والوقوف أمامها؛ للاستفادة منهم في المشهد الذي سيُصوَّر.
المُخرج (توفيق المصري)، يبالغ في رص نظارته ذات العدستين الكبيرتين، اللتين تمسان أرنبتي أنفه المعقوف، معبراً عن إفراط قلقه من الموقف. اعتاد كل يوم أن يبذل جهداً كبيراً للخروج بأفضل ما يمكنه، فميزانية الفيلم مفتوحة؛ ما يعني أنه بلا قيود مادية، وخبرته الفنية عالية؛ تعزز ثقته بنفسه، ومعه نخبة من خيرة الفنانين، متعاونون معه لإنجاح الفيلم. ليست هنالك من مشكلة، سوى (صالح)!
الأمر مختلف هذا اليوم! التوتر والارتباك بادٍ على الجميع، إنه اليوم الثالث من أيام تصوير مشهد (شارع الرشيد). أعيد التمثيل أكثر من عشر مرات، لإتقان الحركات في المشهد. غـُيّرت زوايا الكاميرات مراراً، بات المُخرج مطمئناً من الناحية الفنية، لكنه يخفي قلقه من مفاجآت صالح.
- كل شيء جاهز.
قال المُخرج ذو القامة الربعة، والشعر الأشيب الجعد، للرقيب الموفد من رئاسة الجمهورية، الذي واكب تصوير المشهد منذ ثلاثة أيام، أضاف المُخرج:
- هل نبدأ التصوير؟ أم ننتظر الضيف الكريم؟
انزوى الرقيب جانباً، نادى بجهاز لاسلكي أسودَ كبيرٍ:
- من (5 - 1) إلى (1 - 1) الطعام ناضج، أكرر، الطعام ناضج، أجب.
بعد بضع ثوانٍ جاءه الرد واضحاً عبر اللاسلكي:
- من (1 - 1) إلى (5 - 1) جهّز المائدة، أكرر، جهّز المائدة.
التفت الرقيب نحو المُخرج، أشار إليه بقبضته المرصوصة وإبهامه المنتصب ليبدأ. جاهد المُخرج منذ ثلاثة أيام على تقبل الأوامر من هذا الرقيب، ذي الزي الأسود، والقميص الأسود، وربطة العنق السوداء، والنظارة السوداء. حتى شارباه الكثيفان كانا مضمخان بالسواد القاتم، ما يمنع تسرب البسمة على وجهه الأسمر الخشن، ذي السحنة القاسية.
جاء (رجل الظلام) هذا، كما يحلو للمُخرج أن ينعته نكاية، منذ ثلاثة أيام، يحمل بيده رسالةً رسميةً ممهورة بشعار رئاسة الجمهورية، تمنحه سلطة مطلقة للسيطرة على فريق العمل، خلال تصوير مشهد شارع الرشيد ضمن فيلم (النضال الأخير)، المشهد الذي يروي محاولة اغتيال الرئيس الأسبق (باسم)، نفذتها مجموعة معارضة لنظامه، بضمنها شاب يدعى (حلمي أبو الكرم). برغم فشل المحاولة، وهروب الشاب من حبل المشنقة، إلا أنه يعود ليواصل نضاله على طريقته الخاصة، ويتسلق المناصب الرفيعة، متسلسلاً حتى بلوغه القمة متربعاً على كرسي رئيس الجمهورية، بعد عشرين سنة من محاولة الاغتيال التي شارك بها.
حمل مساعد المُخرج مكبر الصوت، نادى على الجميع:
- استعداد... استعداد... كل شخص في موقعه، سنبدأ التصوير.
بعد دقيقتين، في تمام الساعة الثالثة من عصر يوم الثلاثاء السابع من تشرين الأول 1979، بدأ تصوير المشهد الذي تأخر عن موعده المحدد في السيناريو لأكثر من شهر، بناءً على رغبة السيد الرئيس، في تصوير مشهد محاولة الاغتيال في ذات الساعة وذات اليوم الذي وقعت فيه. شعر السيد الرئيس، كما أعلن للرقيب حينها، بأن المشهد سيكون أصدق حياةً، وأكثر خلوداً.
الجميع يتلقى أوامره من الرقيب (رجل الظلام) عدا صالح، الذي يصدر أوامراً للرقيب. صالح الذي يمثل دور البطولة في الفيلم، هو ابن عم السيد الرئيس، التقى به المُخرج في مسقط رأس الرئيس، خلال جولة معايشة قبيل البدء بإخراج الفيلم. كان اللقاء مدبراً، برغم أنه بدا عرضياً للمُخرج.
ظل صالح متعِباً للمُخرج، طوال مراحل التصوير، بالكاد توصلا إلى لغة تفاهم. كان يعارض المُخرج في أمور دقيقة، بحجة أنه ابن عم الرئيس والأدرى بتفاصيل حياته. حاول المُخرج إفهامه أن المسألة تحتاج أفقاً فنياً إلى جانب الأفق التاريخي، لأن الفيلم سيطرح على نطاق عالمي، لا بحدود القرية.
توقع البعض من المشرفين على الفيلم أن يحضر السيد الرئيس شخصياً ليتابع التصوير النهائي لمشهد محاولة الاغتيال، كان وسمان من القلة الذين تسربت إليهم هذه المعلومة، عبر سلام، فاجتمع مع حوّاء لتضع له خطة.
***
أخذ الممثلون مواقعهم، اصطف أصحاب الدكاكين على جانبي الشارع، ليمثلوا دور الجماهير، وقد تلقوا توجيهات من المُخرج فيما يخص مظاهرهم، بعد أن عوضهم بسخاء عن خسائرهم المحتملة جرّاء غلق دكاكينهم.
تقدمت مركبة الزعيم باسم تمخر الشارع ببطء سلحفاة، تخب على ساحلٍ رملي، يحفها الشعور بالأمان والرضا. يمد الزعيم ذراعه الممشوقة ليحيي جماهيره التي عادةً ما تحتشد مستقبلةً منقذها من دياجير الملكية.
جلس السيد الرئيس في منصة أعدت خصيصاً له على الرصيف، يراقب تصوير المشهد، يستظل بمظلة مهيبة، أفخم بكثير من أن تستخدم لبضع دقائق. عادت به ذاكرته المتقدة كالجمر، عشرين عاماً إلى الماضي. تذكر المهمة التي كُلف بها من قبل قيادته الحزبية آنذاك؛ لقتل الزعيم باسم. تذكر استماتته حينها؛ لأخذ دور البطولة التاريخية خلال تنفيذ المهمة، تجاوزه على الخطة المرسومة؛ كيما يحقق مأربه، الدهشة التي شدهت الجماهير المحتشدة حينها، وابل النار الذي رشقه على مركبة الزعيم، الرصاصة التي صوبها مرافق الزعيم نحوه فاخترقت ساقه اليمنى، معجزة إفلاته من قبضة السلطة حين وقع رفاقه في الفخ.
تنهد السيد الرئيس، شهق نفساً عميقاً من سيجارته الكوبية، ركض الممثل كنمر أمام مركبة الزعيم السلحفاة، توقفت السلحفاة، أخفت رأسها وأقدامها في جوفها، رشق النمرُ السلحفاةَ بوابل من رصاص بندقيته، بدت فوهة البندقة كفم تنين لاهب، تفطـّر درع السلحفاة، أطلق مرافق الزعيم من مسدسه رصاصات طائشة، استقرت إحداها في ساق النمر.
- اقطع.
صاح المُخرج توفيق، صفق الرئيس بحرارة تحت مظلته الفخمة، منبهراً بأداء ابن عمه الدور بإتقان. بدت بسمة الرئيس كبيرة واضحة، برغم السيجارة التي يعضها بنابيه الأيسرين، تواصلت ضحكته المقهقهة بضع ثوانٍ، أومأ لمرافقه الأقدم، أمره وهو يقهقه:
- نادِ على صالح.
- أمرك سيدي.
وقف الشاب العشريني، المنتسب إلى فوج الحماية الخاصة بالسيد الرئيس، أمام ابن عمه، رئيسه، باسماً يبلل الدم الصناعي بنطاله. وقف أمامه الرئيس بقامته الفارعة، صافحه الرئيس بحرارة على طريقته البدوية، صفق كفه بكف صالح، وهز ذراعه، وهو يطري:
- عفية... أداؤك حقيقي، لقد أفرحتني، أنت تذكرني بمحاولتي لنصرة الحق على الباطل.
تنفس الصعداء، ردد بشرود:
- عفية... عفية... عفية.
ضبّط الرئيس لفة الشماغ الذي يلفه على رأسه لفة تميز أفراد عشيرته، دلس إبهاميه ما بين بطنه والحزام الذي يرص خصره تحت القميص. زها بوقفته تحت خيمته الحريرية، ذات عمود الخيزران.
تلعثم صالح، حاول مجاراة نشوة الرئيس، قال بشيء من الزهو والتملق:
- نعم يا سيدي... كانت محاولتك تلك، قدحة الصاعق التي فجرت الثورة فيما بعد.
مط الرئيس شفتيه، ورفع حاجبيه، إعجاباً بعبارة صالح، علق وهو ينفث الدخان نحو السماء:
- أحسنت التعبير.
التفت إلى مرافقه الأقدم، أصدر أمره:
- إمنح الملازم الأول صالح رتبة نقيب... إنه يستحقها.
- أمرك سيدي.
بدت البهجة جلية على ملامح صالح. التفت الرئيس إلى أحد المرافقين، كلمه بنبرة تنم عن مسرة:
- سلام.
وثب سلام أمام الرئيس ممتثلاً لأي أمر.
- نعم يا سيدي.
- أين الصحفي صاحبنا؟ قلت لي إنه سيحضر اليوم.
- إنه موجود يا سيدي، إسمح له أن يمثل أمام فخامتكم.
أومأ الرئيس برأسه وهو يمز سيجارته، أومأ سلام لوسمان، هرول وسمان نحو المنصة، مبتهجاً بما جناه بخمسمائة دينار أهداها لسلام؛ كيما يرتـّب له هذه اللحظة.
وقف وسمان بابتسامة كبيرة أمام الرئيس، كأنه صديق قديم، ضحك الرئيس حين رآه، حتى اهتز كتفاه، رفع يده عالياً صفقها بيدِ وسمان، مرحباً به على الطريقة الريفية، ارتدّت يد وسمان منفلتةً من المصافحة، تدارك وسمان الحركة فالتحمت يداهما. شد الرئيس على أصابع وسمان بقوة، تنفس الصعداء، قال باسماً:
- كيف حالك؟ يبدو أنك لحمت.
- الحمد لله يا سيدي، كله من خيراتك عليّ.
- أريدك أن تجري مقابلة صحفية مع صالح، حول دوره في الفيلم.
- سأكتب شيئاً يعجبك يا سيدي.
سحب الرئيس نفساً عميقاً من سيجارته، بينما لا تزال يمناه تصافح يمنى وسمان، تنهد الرئيس، سرت قشعريرة في بدن وسمان، كان منشؤها الخاتم... همس الرئيس:
- ما الذي تتمناه؟
- أن أعمل في المكتب الإعلامي الخاص بسيادتكم.
هيأ وسمان عبارته هذه، قبل أن يلتقي بالرئيس، وفقاً لإرشادات الدكتورة حوّاء.
- لك هذا.
قال الرئيس باسماً، ثم أمر وهو يولي جانب وجهه لمرافقه الأقدم:
- امنحوا صديقنا مركبة جديدة.
- أمرك سيدي.
ولى وجهه شطر وسمان من جديد، هز رأسه بتفاءل شهق نفساً عميقاً من سيجارته، ونفثه نحو العلى. ترك يد وسمان، غادر المنصة يتمشى بخيلاء، يحيي الجماهير، تراكض حوله وبين يديه أفراد حمايته كالضباع، هتفت له الجماهير التي كانت قبل قليل تحيي الزعيم باسم "بالروح بالدم نفديك يا زعيم". لوّح لهم بذراعه الممدودة وأصابعه المتفرقة، مصوّباً حافة كفه نحوهم بدل راحة يده. سلك موكبه الدرب الذي كان من المقرر أن يتمه الزعيم، بيد أن مركبة الزعيم تباطأت عن المضي، بينما مركبة الرئيس لم تراعِ مشاعر الجماهير الحاشدة، على حساب أمن الرئيس.
رتب وسمان حاله، فعرض على صالح إجراء المقابلة في شقته التي تتوسط (الكرادة)، حصل وسمان من المُخرج على عدة لقطات انتقى منها صورة للغلاف، كان الغضب يرتسم على ملامح صالح في الصورة، وهو يوجه صوب الكاميرة بندقيته التي تنفث من فوهتها شعلة نار، تحاكي دوي الصرخة التي يطلقها من فيه.
سهرت الدكتورة حوّاء ليلتين متتاليتين، لتصقل كلمات المقابلة على أروع صور البيان، وأفخم مفردات البلاغة، لم تضع حساباً للقراء بقدر ما وضعت حسابات لقارئ واحد مميز، تتسلل إلى عقله لتدغدغ مشاعره. المبلغ الذي دفعه لها وسمان، مقابل تحرير المقابلة، كان كفيلاً بأن يدفعها لتعتصر أفكارها وتقدم الأميز؛ فخرج عدد المجلة مزداناً بالمقابلة التي أثارت الأقاويل في أروقة الصحافة الوطنية.
***
تسنم وسمان منصبه الجديد في المكتب الإعلامي الخاص، وأصبح مقر عمله الصباحي في رحاب القصر الجمهوري، تمتـّنت عرى المودة بينه وبين صالح، وقد بات الاتصال بينهما شبه يومي. استنسخ وسمان مفتاح شقته وترك النسخة مع صالح؛ ليقضي لياليه الحمر، في منأى عن أعين فريق الأمن الخاص، الذي يتابع حركات وسكنات ابن عم الرئيس.
تمادى وسمان في كرمه، راح يغدق على صالح بفتيات الليل، برغم الألم الذي ما برح يعتصره بمرارة، كلما نقد إحداهنّ أجرة ليلتها، سيّما حين تراوده عن نفسه؛ فيستعصم.
سأله صالح ذات ليلة، وهما يحتسيان كأسين من العرق، بينما كانت سمر تستحم بعد صولة غرام صالها معها صالح:
- أستغرب منك! كيف تقاوم هذه الأجساد ببرودك يا وسمان؟ ملامح وجهك تشي بالرغبة، بينما جسدك لا ينم عن حركة، ما السر في ذلك؟!
بتهكمٍ وتملقٍ موارى خلف ستائر الخجل، رد وسمان:
- لا يمكنني أن أشارك معاليك بهن، إن الأجساد التي يسطـّر عليها قلمك بطولاته، حَرية بأن تبقى خالصةً بلا هوامش.
جلجلت ضحكة صالح، حتى كادت تهز الصالة، ضحك وسمان بألم... قال صالح وهو يتلفظ أنفاسه:
- أيها الملعون... إنك تجيد التعبير، أكاد أصدقك برغم ادعاءات سمر حول ماردك الخامد.
هز وسمان رأسه خجلاً، تمتم وهو ينظر إلى سمر التي خرجت من الحمام تلف جسدها الندي بمنشفةٍ زهرية:
- عليكِ اللعنة.
دلست سمر طرف المنشفة بين نهديها، ضبّت ما التف منها تحت إبطيها، مسّدت ما تسربل حتى أسفل ركبتيها، بينما لفت شعرها البني بمنشفةٍ صغيرةٍ بيضاء، يتجعّد في طياتها زهر أصفر.
نظر صالح في عيني وسمان نظرةً جادة، طرح سؤاله مباشراً:
- هل تشتهيها يا وسمان؟
- إطلاقاً... أنا أشتهي أشياءَ أخرَ، بتن النساء في منأى عن مشتهاي.
- أ جادٌ أنت فيما تقول؟
ابتسم وسمان بمكر، أمسك يد صالح، جسّ ارتجافها، أدرك انفعاله، سأله:
- أراكَ مهتماً بسمر... اطمئن من ناحيتي يا صديقي.
- أريد أن أستخدنها.
كبرت ابتسامة وسمان، حين لمعت في رأسه فكرة؛ فاجأ صالح:
- ستكون هذه الشقة هديتي لكما.
انتصب صالح واقفاً، اقترب من وسمان مذهولاً، فرد يديه باستقامة وتسمّر، بدا كمصلوب أمام وسمان، قال بهدوء:
- قم لأعانقك أيها الصديق.
نهض وسمان تتلألأ الفكرة في رأسه، عانق المصلوب، زقزقت الفكرة كعصفورٍ شبعان، مثـُلتْ أمام عينيه في أفق قريب كقوس قزح... اقتربت أكثر باتت كقوس نصر.
***
(شركة صقر العرب)، بالخط الديواني المتلوي، لمعت الحروف الذهبية المبرّزة على اللوحة السوداء، المعلقة فوق بوابة من خشب الساج، منمنمةً بمرايا صغيرة ملونة، توحي بأسرار تخفيها خلف صمتها الضاج.
على غير العادة، لم تبن اللوحة اسم المدير أو رقم هاتف يسهّل إجراء اتصال، أو حتى مجال تخصص الشركة. الأمر الذي أكد لأصحاب الشركات المحيطة بها، والبعيدة عنها، أنها شركة ذات هوية مستترة، لها علاقة ما بالحكومة، وربما بالسيد الرئيس ذاته، الذي يزدان بألقابٍ رنانة، منها (صقر العرب).
دخل أصحاب الشركات المحيطة بشركة صقر العرب في دوامة من القلق والارتياب، بعد ان اختفى تاجر كبير، يكنى (أبو الرز)، وهو صاحب شركة نافذة في السوق. لم يعلم أحد منهم مصير هذا التاجر، حتى وصلت لجنة من ديوان رئاسة الجمهورية؛ لتجرد محتويات شركته وتختم عليها بالشمع الأحمر، تمهيداً لمصادرتها.
شاع خبرٌ في الأروقة مفاده أن أبا الرز استورد كمياتٍ هائلة من الرز المنتهي الصلاحية، فصدر أمر بإنهاء حياته.
تهامس تاجران كبيران، وقفا مع حشدٍ من التجار، أمام مكتب شركة أبي الرز، في الباحة الكبيرة التي تطل عليها عدة شركات:
- لم نعرف عن صديقنا أبي الرز سوى الخير، أ تصدق ما يقال؟
- لا أصدق ذلك، إنه أمرٌ دُبّر بليل.
- لم تعد الأمور تدبّر في الليل، بل بات الرعاء يدبّرون كيدهم في وضح النهار، وأمام الملأ.
- أخشى أن تدور الدائرة علينا ذات نهار يا صديقي... علينا الحذر.
- الحذر لا ينفع في هذه الأحوال، ليس من سبيل إلى النجاة سوى الهروب من هذا الواقع.
- ثمة خيار آخر... أن نتزلّف إلى الرعاء لنتقي شرّهم.
- ذاك شأنك، أما أنا فسأنفذ بجلدي.
انتصب الرجلان مذعورين من نظرة قاسية، سلطها عليهما الرجل العابس، مدير شركة صقر العرب، حين وقف ليرحب بلجنة الجرد الرئاسية، ويستضيفها في شركته. رحّب التاجران الكبيران به، رددا بصوت واحد مرتبك:
- صباح الخير أستاذ وسمان.
لم يرد عليهما، دخل شركته يتبعه ضيوفه، أعضاء اللجنة الرئاسية.
***
انبهر صالح من الفخامة التي تتأجج في مكتب شركة الصقر العربي، الجدران مطلية بدرجات متفاوتة من اللون الذهبي، سوى جدار واحد تغطيه بأكمله صورة السيد الرئيس. السقوف تزخ بالبياض على الأثاث الجلدي الأسود، ذي المساحات الشاسعات والطراز الحديث. المناضد واطئة من خشب الزان، المنحوتات والتحفيات انتصبت في أركان المكتب على رفوف مخصصات لها، الثرية الوهّاجة علّقت في مركز السقف المثمن الأضلاع، بدت الثرية كقنديل تدلى من سماء بيضاء. أدوات المكتب متناسقة الألوان والأشكال، التلفاز ذو الشاشة الكبيرة يظهر الوجوه أجمل من حقيقتها.
فتاتان فارعتان، صارختا البياض، ترتديان تنورتين سوداوتين مُبالغ في قصرهما، وقميصين أبيضين أبتري الكـُمّين. صارمتا الملامح، قصيرتا الشعر، تبدوان كتوأمين للوهلة الأولى.
وقفت إحداهما تحمل صينية من الفضة، تتوسطها زجاجة شمبانيا، عن يمين الزجاجة وعن شمالها شمخ قدحان ذوا رقبة رفيعة، حاكت شموخهما الفتاة الأخرى التي وقفت لتؤدي طقوس الخدمة.
فضَّ صالح بكارة الصمت بذهوله:
- أنت مخيف يا وسمان!
تناول وسمان زجاجة الشمبانيا من يد الفتاة، رجّها قليلاً قبل أن يفتح سدادتها احتفاءً بزيارة صالح. اندلقت رغوة كثيفة، من فوهة القنينة، أشار وسمان إلى الفتاة التي تحمل الصينية، قرّبتْ منه القدحين، سكب فيهما من فوهة القنينة، حتى ساح شيء من الشراب في الصينية.
رفع صالح تنورة الفتاة ذات التموجات الحادات، صفر مذهولاً مما تخفيه التنورة تحتها، لم تبدِ الفتاة أية ردة فعل، مد يده عميقاً وقرصها، فزّت وهي تبتسم له مجاملةً، قال:
- أسفي عليك يا وسمان، كيف لا تسرح في هذه البطاح؟
قدم له وسمان كأسه التي هدأت فورتها، نظر إليه بامتعاض وهو يرد:
- للذة مذاق مختلف من شخص إلى آخر، لكلٍ منا مجسّاته التلذذية، ومن خلالها يشعر بسعادة مطلقة، لا يشعر بها الآخرون.
رشف صالح قبل أن يعلّق:
- سعادتي المثلى بين ساقـَي امرأة شبقة.
- ذلك لأنك تمتلك مجسّاً استشعارياً واحداً للتلذذ، مغروزاً بين فخذيك.
ضحك صالح، دعك مجسّه، أضاف وسمان:
- دع عنك هذا، ولندخل في صلب الموضوع الذي اجتمعنا من أجله.
أتى صالح على ما في كأسه، قال:
- تفضّل يا صديقي، كلّي آذان مصغية.
أومأ وسمان إلى الفتاتين، تركت إحداهما الصينية على الطاولة، انحنيتا معاً، انسحبتا برشاقة.
بدا وسمان رسمياً وهو يتحدث إلى صالح:
- أريدك أن ترافقني إلى فرنسا؛ لشراء بضائع، أجد أن السوق متعطشة إليها.
تناول صالح قنينة الشمبانيا، ملأ كأسه، تمتم بشرود:
- فرنسا؟!
قدّم له وسمان سيجارة كوبية، قدح النار من قداحة مذهّبة، أوغل في دس الفكرة:
- نعم فرنسا، مدينة النور وبلد الحسان، أ تعلم أنها أولى مدينة في أوروبا أضيئت طرقاتها بمصابيح النفط سنة 1828؟
بشرود همس صالح، وهو يشهق دخان سيجارته.
- كأنك تحدثني عن حلم.
- سوف نبقى أسبوعاً كاملاً، أعدك بأن تضاجع في كل ليلةٍ فتاتين.
نظر صالح في وجه وسمان دهشاً، قال بذهول:
- فكرة مبهرة، أنت قوّاد بامتياز.
ضحكا بانفعالٍ حتى اهتزت الأريكة، علّق وسمان:
- القوادة ما بين الأصدقاء؛ شرف ورفعة.
علا الضحك أكثر، لم تهدأ سَورة الضحك حتى عرّج وسمان:
- أحتاج إلى سلطتك ونفوذك؛ لإطفاء ضريبة الاستيراد.
قرب وجهه من أذن صالح، همس في أذنه:
- الفائدة، ستعمنا معاً.
لم يجب صالح، بدا عليه الوجل، نظر في قعر كأسه رأى بقايا رغوة، قال بخدر:
- ثمة ما تخفيه يا وسمان.
- نعم... ثمة مفاجأة لك هناك.
ابتسم صالح، نظر إلى وسمان وقال:
- دعني أرتب أمر السفر... بدأت تخيفني يا وسمان!
***
عبر شارع الشانزليزيه المزدان بصفين من الأشجار الباسقات المعمرات، شقت مركبة البيجو طريقها باسترخاء، تصوّبت نظرات وسمان وصالح صوب قوس النصر المنتصب أمامهما بشموخ. أنصتا إلى شرح المرشد المترجم (سامر)، الأسمر ذي الشعر المبروم، والقامة الناعمة، والجذور التونسية:
- يقع قوس النصر في ساحة (شارل ديغول) المسمى بميدان (النجمة) سابقاً، يلتقي فيه اثنا عشر طريقاً، أراده نابليون بونابرت رمزاً يخلّد انتصارات جيوشه، فوضع حجره الأساس وبدأ ببنائه، إلا أن إنجازه الفعلي تم عام 1836 في زمن (لويس فيليب).
سأله صالح:
- كم يبلغ ارتفاعه؟
- خمسون متراً إلا خمسين سنتمتراً... كان في بدايته مركز نجمة تنطلق منه خمس جادّات، قبل أن تضاف إليه سبع أخريات.
تساءل وسمان حين مرقت المركبة من جوف القوس كسهم:
- علامَ تحتوي الجدران؟
- على ستمائة وستين اسماً، من أسماء قادة نابليون العسكريين، وستةٍ وتسعين اسماً من أسماء انتصاراته.
توقفت المركبة أمام الفندق، نزل وسمان من المركبة، أمسك بأردان صالح لينبهه:
- إحذر من اعتراض طريق النساء، وإلا وجهت إليك تهمة التحرش الجنسي، ولا تنس أننا بسبب موقعك الوظيفي مراقبان من قبل جهاز المخابرات العراقية بلا أدنى ريب.
ولجا بوابة الفندق، تبادلا الابتسام مع حاجب البوابة الذي بدا بزيه الفلكلوري كأنه جاء من عصر قديم، وبدت ملامحه كأنها لرجل من عصر لم يأتِ بعد.
***
أتم صالح فطوره، مطّ ذراعيه متمرخاً، طلب فنجان شاي من النادلة السمراء ذات الابتسامة والعجيزة اللتين لا تفتران، قال لوسمان الذي كان منشغلاً ببعض الأوراق بين يديه:
- مضت ثلاثة أيام على إقامتنا، ولم تفاجئني كما وعدتني.
ناور وسمان في الرد:
- كيف تسير الأمور مع زوجي الفتيات اللتين يزودك بهما الفندق؟
رد صالح وهو يؤرجح رأسه منتشياً:
- ليست هنالك لذة أعمق نشوة ممن مضاجعة أنثيين، إنها أطيب ما في الدنيا.
شرد ذهن وسمان بعيداً، لاحت في ذاكرته أشباح منهكة، لمعت أسنان من ذهب، في أفواه مظلمة، خرخشت خلاخيل ذهبية، تطوّق سيقاناً من عظام جرداء من اللحم... تأوّه وسمان، فرك جبينه، نظر إلى صالح الذي كان يتمتم بكلماتٍ فجة، دثـّر عريها بإعادة سؤاله:
- لم تفاجئني كما وعدتني، أين وعدك يا رجل؟
- اليوم موعدنا معها، سيرافقنا المرشد (سامر) إلى مكان ما، هناك ستعرف أشياء كثيرة عنك.
- عني أنا؟
رد صالح مستغرباً، فأجابه وسمان واثقاً، وهو يتأهب للمغادرة:
- نعم عنك أنت... سنبرم العقد بعد ساعة مع مصنع مواد التجميل ومعمل الألبسة، ثم نترافق إلى وجهتنا.
***
صعد سامر عتبات سلم قصير ملتوٍ، محاطِ من جانبيه بسنادين زهورٍ صغار ملونات، تبعه وسمان بخطوتين، تأخر عنهما صالح الذي علقت عيناه بعابرة سبيل.
طرق سامر باب الخشب الندي، فتح الباب شابٌ ذو ملامح آسيوية، يرتدي زياً يوحي بالدفء والطمأنينة، ابتسم وهو ينحني لهما بهدوء:
- تفضلوا سادتي الكرام.
دخلوا يتبعون الخادم الآسيوي، الذي تركهم في غرفة رُصّت فيها كراسٍ خشبية للانتظار. على أحد جدران الغرفة علـّقت صورة كبيرة لمنظر البحر ساعة غروب، تتلاطم أمواجه على جرف صخري، فتحدث زبداً كثيفاً، كاد يجتاز زاوية إطار الصورة.
عاد إليهم الخادم، دعاهم إلى غرفة أخرى:
- تفضلوا هنا أيها السادة.
هناك جلست امرأة عجوز، مغمضة العينين، في صدارة الغرفة، خلف منضدة مربعة، مغطاة بشرشف غامق الزرقة. وسط المنضدة انتصب شمعدان قصير من الفضة، شكـّت في مشكاته الوحيدة شمعة صفراء ملتوية، تأججت ذؤابتها بجذوة زرقاء. مدت المرأة ذراعيها على المنضدة باستقامة، جعلت راحتي كفيها نحو الأسفل، فرقت شعرها الفضي من المنتصف، تدلّت خصلتان طويلتان على جانبي وجهها، وضفيرة أطول انسابت كجذر بين كتفيها.
علقت على الجدار المظاهر للمرأة لوحة بيضاء مستطيلة، ذات إطار أسود، كتب عليها بحروفٍ خضر، ما ترجمه سامر؛ (بعض الناس فقراء للغاية، لأنهم لا يملكون سوى المال) تحت العبارة، في الزاوية السفلى اليسرى من اللوحة، في مكان الإمضاء، رسمت وردة بأربعة أوراق. ركـّز وسمان في الوردة، لاحظ أن صليباً ملتوياً شكّل الوردة. ثمة حروفٌ وأرقام صغار، كتبت تحت الوردة، لم يستطع وسمان تمييزها.
اصطفت بانتظام ثمانية كراسٍ على جانبي الغرفة، بينما كان ثمة كرسي واحد، في الجهة المقابلة للمرأة. أشار وسمان لصالح كي يجلس عليه. بدا الارتياب واضحاً على وجه صالح، طمأنه وسمان:
- سوف تقرأ لك مستقبلك، إنها عرافة شهيرة، تقرأ للملوك والرؤساء، والشخصيات البارزة من أمثالك.
جلس صالح بحذر، نقرت المرأة بأطراف أصابعها على المنضدة، نظر صالح إلى كفيها، قلبتهما فبدت راحتاها بغاية البياض، لمت أصابعها وفردتها في إشارة لصالح كي يمد يديه على امتداد يديها. شبك أصابعه في أصابع المرأة، وقف المترجم سامر عند رأس صالح؛ ليترجم له ما تقوله المرأة:
- يخلـّد الزمن كل أبيض وكل أسود، أما الأشياء الرمادية فلا موطئ ذكرى لها. كن، أو لا تكن، هي فلسفة الزمن ليبقيك في ذاكرته، أو يلقيك في مزبلته مع الرماد... الرماديون هم جماهير الزمن، أما البيض والسود فهم قادته.
فغر صالح فاه، واستطردت المرأة:
- الخياران أمامك إن أردت الخلود، إما أن تكون أبيض، وهذا أصعب ما يكون، وإما أن تكون أسود وهو أسهل ما يكون، لكن العواقب ستصير وخيمة.
هز صالح رأسه مؤيداً، واستمرت المرأة إثر تنهد:
- بعد أن تحترف أدوار البطولة، يكون من المؤلم جداً أن تمثل دوراً ثانوياً. لكن الحياة هي من توزع الأدوار؛ لذا عليك باحتراف الصنعة لا باحتراف الأدوار، وأن تقدم الدور الثانوي باحتراف كما قدمت أدوار البطولة.
رصت المرأة على أصابع صالح وهي تقول:
- حريٌّ بك أن تجري، بينما أنت مكتفٍ بالهرولة، كل من حولك يحسب لك ألف حساب، بينما أنت لا تعير نفسك أهمية، حتى من تهابه هو في حقيقة الأمر يهابك، لأنه وضع قلبه بين مخالبك.
تعرق جبين صالح، شدت المرأة بقوة على أصابعه، رصت أسنانها، جحظت عينيها، لاحظ صالح أن خرزتي عينيها قد اختفتا، فبدت بعينين بيضاوين حين قالت:
- أمسك بالصولجان أيها الرجل القوي، لا تفلته من يدك... سوف تتزوج ابنة الرئيس، حين يبتلع الحوت القمر، حينها... لا تفلت الصولجان.
***
تغيّر إيقاع العمل في مجلة (ألف ياء)، بات العاملون فيها يعيرون اهتماماً لرئيس التحرير من الناحية الفنية، ولوسمان من الناحية الإدارية. حفاظاً على ماء وجهه وتاريخه المشرّف، وإدراكاً منه لبعد المأساة، لم يعد رئيس التحرير يجرؤ على اتخاذ قراراته بحق المقصرين، ما لم يحسب حساب ردة فعل وسمان، لئلا يتراجع عن قراره تحت الضغط، فتختل صورته في نظر موظفيه.
الدكتورة حوّاء، كانت الشخص الوحيد الذي يقف كسدٍ منيع في وجه وسمان، باتت المسيطر الأوحد على التوازن، ما بين رئيس التحرير والمشرف ذي السلطة الرئاسية المهيبة. أدرك رئيس التحرير متأخراً، أن حوّاء في حقيقة أمرها هي العقل المدبر لوسمان، والمحرك الذي لا يهدأ أواره لنجاحاته المتتالية، لقد اوغلت مع وسمان بعيداً لجذب الحظ.
دخلت مكتبه، وقفت منتصبةً كسفينة باسمة، مشرعة ذراعها اليمنى كمرساة. أقبل وسمان يمشي الهوينى، انحنى ليطبع قبلة على المرساة، سحبته بيدها اليسرى من رأسه، عانقته بذراعيها العاريين، لفتهما حول رقبته، رصته بشوق جيّاش، لفّ ذراعيه حول خصرها، تراخا ذراعاه فاستندا على وركها المفرود بانسياب تحت تنورة الفيزون الفضية، قبـّلته على خديه متسائلة:
- هل جرى كل شيء بحسب الخطة؟
- كأنك كنت معي في باريس يا عرابتي! كل شيء حدث كما رسمتِ له.
جلست على الأريكة الجلدية السوداء، انغرست في عمق السواد، بدت فضة التنورة متلألئة، خلاف القميص الأسود الذي ذاب مع الأريكة، ليظهر الذراعين العاريين، الممتدين على الوسائد الجلدية السود؛ كشهابين ثاقبين يطاردان فلول وسمان المندحرات منذ سنين.
تناولت سيجارة كوبية من العلبة المنمنمة التي عرضها أمامها وسمان، وهو يقول:
- سارت أموري بشكل أفضل مما تخيلته، رأس مال الشركة أصبح أضعاف ما كان عليه قبل شهر.
نقر على زر الجرس، دخلت المضيـّفة طلب منها فنجاني قهوة، انحنت المضيفة مؤتمرة قبل أن تغادر، استطرد يوضح لحوّاء بحرص:
- لقد شغـّلت زوجة الرئيس بعض أموالها معي في الشركة، لا أكاد أصدق هذا.
ابتسمت حوّاء بمكر، أظهرت استغرابها:
- السيدة الأولى! كيف توصّلت إليها؟!
ضحك وسمان ضحكة متقطعة وهو يشعل عود ثقاب، وينحني كي توقد حوّاء سيجارتها، مزّت من السيجارة ثلاث مزّات قصار، دبت النار في لفائف السيجارة ببطء، تلألأت الجذوة، تأرجحت غيمة دخان أبيض مائل إلى الزرقة، جلس وسمان على حافة الأريكة، قال:
- بعد أن تزوج صالح من ابنة الرئيس، زادت امواله التي تجذرت في أموال الرئيس، فنشطت تجارتي الخاصة بالألبسة ومواد التجميل التي أستوردها من أرقى المناشئ في فرنسا. أثار الأمر إعجاب السيدة الأولى، فطلبت مقابلتي، وعرضت عليّ مشاركتي في التجارة.
طرقت المضيفة الباب طرقات خِفاف، دخلت تحمل صينية من الفضة، عليها فنجانا قهوة وقدحا ماء، وقطعتا شوكولاتة فرنسية. انحنت برقـّة، قبل أن تغادر.
أتم وسمان:
- إنها امرأة تعبد المال، وقد تمكنتُ من استيعابها خلال أسبوع، حين أخبرتها بأنها ربحت ضعف رأس مالها في صفقة مفاجئة.
مطت حوّاء شفتيها مستغربة، استفهمت:
- هل بلعت الطـُعم؟!
- بأسرع مما كنت أتصوّر، فقد سلمتني مفاتيح تنوء عن حملها عصبة من الرجال، مفاتيح خزائنها... إنها قارونة يا عرّابتي.
ضحكا ساخرين، أردف وسمان بعد ان رشف من فنجانه، وتنفس الصعداء:
- الأهم من الأموال التي سلمتنيها، كتب التخويل التي ستمكنني من اختراق أعتى الجدران وبلوغ مآربي.
- أخبار سارة، بدأتَ تحرق مراحل من التقدم، وهذا إن أحسنتَ تدبيره، فأل حسن، سيجعلك في الصدارة قبل الأوان.
طبعت على خدّه قبلة، تخللها دخان السيجارة، استرسلت:
- لديّ أمر مهم... أريد أن أبينه لك.
هز رأسه بتساؤل، فتحت حقيبتها، أخرجت مفكرة جلدية الغلاف، وضعتها على المنضدة الواطئة بعد أن أزاحت فنجان قهوتها. فرَدَت المفكرة عند صفحة محددة بشريط أحمر فاصل، كان ثمة مخطط هندسي أولي غير دقيق، مرسوم بحبر أخضر، أشارت إليه، ثم نظرت إلى وسمان الذي حملق في المخطط، وراحت تشرح بإيجاز:
- قبل يومين أعلِن في التلفاز عن مسابقة ينظمها ديوان رئاسة الجمهورية، لتصميم نـُصب للشهيد، وقد خطرت في بالي فكرة؛ طوّرتها لأصل إلى تصميم معبّر، وضعت خطوطه الأوائل هنا. أريدك أن تسعى إلى تطويره من الناحية الهندسية، وتستخدم نفوذك ومالك لإيصاله إلى مرحلة التنافس... ثم الصدارة.
تناول وسمان المفكرة ذات الجلد الأحمر الغامق، نظر في الخطوط الخضر المستقيمة المتقاطعة، والأقواس المتداخلة. لم يفهم الكثير منها، أزالت حوّاء الغيوم عن أفكاره:
- يمكنك الاستعانة بمهندس منفذ، وشرح الفكرة له، سيتولى رسم الفكرة بمقاييس دقيقة، وصناعة مجسّم مصغـّر وفق المقاييس... سوف ينبهر به الرئيس.
تنهد قبل أن يتساءل مستوضحاً:
- كيف سأربط الأمر بي؟ كوني بعيداً عن الهندسة.
بثقة أجابته حوّاء:
- أنت صاحب الفكرة، وكونك خارج الساحة الهندسية، فإن هذا سيضفي عليك قبولاً أكبر.
- ما الفائدة من كل هذا؟
وقفت حوّاء، أرادت أن تعطي الإجابة أهمية أكبر، نظرت صوب الثرية المعلقة وسط سقف المكتب، مدبرة بظهرها نحو وسمان، تنهدت قبل أن تقول:
- أن ينصب باسمك نصب في وادي الرافدين، فإن ذلك تخليد لشخصك لا يضاهيه أي خلود. الخلود هو هاجس الإنسان منذ خلقه الله، والموت هو القاهر الوحيد لهذا الحلم الأبدي، أصعب ما في الموت توقيته المفاجئ، الذي؛ بقدر ما يدفعنا إلى العمل، لا يسمح لنا بالخلود، لذا علينا أن نصوغ ميتة خالدة.
استدارت نحو وسمان ببسمة كبيرة، وعينين لامعتين، ووجه مصفر، أتمت:
- لا تنس أنك تلميذي... نجاحك نجاحي، وخلودك خلودي.
***
في قاعة كبيرة فخمة، وزعت النماذج المجسمة الخمسة، التي وصلت إلى مرحلة التنافس، بعد تحكيم دقيق طال أكثر من شهر. كل نموذج ارتكز على منضدة واسعة، مغطاة بشرشف فاتح الخضرة، تنوعت التصاميم في أشكالها ومدلولاتها وألوانها. وقف أمام كل تصميم صاحبه، ووقف وسط القاعة رجل وسيم، ذو قامة فارعة، وشعرٍ أسودَ لامع، وابتسامة جامدة. نظر الرجل بحذر صوب وسمان، الذي بدا بأناقة مفرطة في زي عسكري غامق الخضرة، ولفافة عنق حمراء. على خلاف بقية المصممين الذين حضروا بملابس مدنية أنيقة لمقابلة السيد الرئيس.
من خلف باب القاعة المهيب بحجمه ولونه البني ونقوشه الزهرية، أطل أحد مرافقي الرئيس بسحنة غاضبة، مشيراً إلى الرجل الوسيم بإشارة تفيد بوصول الرئيس.
على يمين وشمال الباب وقف حرسا شرف يرتدي كل منهما زياً أحمر مطعماً بالأبيض، وقلنسوة ذهبية مزينة بريش منسق، وحذاءً من الجلد البني؛ يمسك كل منهما رمحاً ذهبي الحربة. يخال للناظر إليهما أول الأمر أنهما صنمان، لانعدام حركاتهما. حتى النفس المتردد في صدريهما، لا يكاد يميز.
انفتح الباب على مصراعيه، دخل وفد من المرافقين والمصورين ورجال الحماية الخاصة بالرئيس، ثم دخل الرئيس، بزيه العسكري، ورتبته المحاكة بخيوط من ذهب، وقبعته السوداء المسرحة يميناً، وسيجارته الفاخرة في يده اليسرى. وقف عند مدخل الباب، جال بنظره في القاعة؛ متفحصاً وجوه المصممين الخمسة، توقف عند أوسطهم، الذي تصدر القاعة، فكان قبالة الرئيس، بزي عسكري ووقفة منتصبة. لم يبدُ مصمِماً، بل بدا جندياً في ساحة معركة، موحياً بلفافته الحمراء حول عنقه أنه جاهز للنحر في أية لحظة.
توجه الرئيس بحزم نحو وسمان، كأن القاعة خلت من الآخرين، مشى الرجل الوسيم ذو البسمة الجامدة، المسؤول عن تنظيم المسابقة، بجانب الرئيس، متخلفاً عنه خطوة واحدة.
أمام وسمان المنتصب كصنم، وقف الرئيس، مز من سيجارته نفساً، لمع خاتم ذهبي في بنصره، نفخ الدخان في وجه وسمان الذي لم يرمش له جفن، أوعز له:
- استرح.
استرخى وسمان، ندت عنه بسمة خفيفة، حين قال له الرئيس مجاملاً، وهو يشير إلى النموذج:
- حياك الله... هل هذا تصميمك؟
- إنها فكرتي يا سيدي، وتنفيذ فريق من المهندسين المختصين في العمارة والديكور، يعملون في شركتي الخاصة.
هز الرئيس رأسه بإعجاب، وهو ينظر إلى المجسم المتناظر، الذي ضم مبانٍ متساويات الارتفاع، تشكل مع بعضها دائرة واسعة، مركزها مكعب أبيض شامخ، مثلوم بمثلثين منتظمين من جانبين متقابلين؛ قال الرئيس لوسمان:
- اشرح لي الفكرة بشيء من التفصيل.
استرق وسمان النظر إلى الرجل الوسيم، الذي اتسعت بسمته ودبت فيها بعض الحياة؛ أوحت بسمته أن الخطة سارت وفق ما أريد لها.
أمسك وسمان بعصا التأشير الرفيعة، وبدأ يشرح بتهذيب مفرط:
- سيدي الرئيس المفدى، قد يسأل سائل؛ لماذا يضحي الشهيد بحياته؟ ويتفرع البعض في الإجابة، فيقول من أجل الوطن والعرض والمال. لكنني سأعود إلى أصل الإجابة وأقول، يضحي الشهيد بحياته من أجل الحياة. لأنه على قناعة تامة، بأنه سيخلد حياً يرزق عند ربه، وسيحيى أحبته حياةً كريمة مِن بعده.
هز الرئيس رأسه مؤيداً، استرسل وسمان:
- لذا ركزت جهدي على وضع رمز الحياة في هذا المجسم، وجعله سهلاً ممتنعاً قدر الإمكان، من خلال مثلثين متساويي الأضلاع، متقابلي الرأسين. يمثل المثلث الأول الرحم، وهو رمز الأنوثة، ويمثل المثلث الثاني رمز الفحولة.
ابتسم الرئيس معلناً عن بدء تقبله للفكرة، واقتناعه بها. مضى وسمان يشرح:
- سيدي الرئيس القائد، لقد تداركت الفكرة، وأردت أن أبين للناظر أنّ الشهيد ذو منزلة رفيعة عند الله، ولكن كيف يمكننا أن نجسد الله تعالى؟ لقد عمدت على تجسيد الأديان السماوية، من خلال تجسيد رموزها، فالكعبة رمز للإسلام، ولو أننا فككنا الكعبة بشكل منتظم، لتحولت إلى صليب، وهو رمز المسيحية. لذا جعلت الفكرة كلها عبارة عن مكعب يرمز للكعبة والصليب المحتضن إياها، يخترقه مثلثا الذكر والأنثى، رمز الحياة. وهنا سيسأل سائل أين هي اليهودية من مجسمنا؟ فأقول لو أن مثلثا الذكر والأنثى تعشقا فيما بينهما، لنتجت عنهما نجمة داوود، وهي رمز اليهودية. إذن فالأديان الثلاثة تجسدت في هذا النصب، وأوحت بأن الحياة خالدة من خلال المثلثين، ليخلد الشهيد.
التفت وسمان إلى الرئيس، انتصب في وقفته وقال بزهو:
- دمتم للنضال سيدي القائد الضرورة.
ابتسم الرئيس، مد يده ليصافح وسمان، صفق يدَهُ بيدِ وسمان على الطريقة الريفية، فارتدّت يد وسمان منفلتةً من المصافحة، ثم تداركها فالتحمت يداهما. شد الرئيس على أصابع وسمان بقوة، سرت موجة من الرعشة في جسد وسمان؛ نبعت من الخاتم. لمعت عينا الرئيس، وهو يسأله:
- ما الذي تتمناه؟
لم يتردد وسمان في أن يقول:
- أن ينال تصميمي إعجابك.
هز الرئيس رأسه موافقاً، رج يد وسمان وضحك ضحكته المتقطعة الرنانة، ثم استدار ليغادر القاعة، مشى بهدوء وهو يوعز لمرافقه الأقدم:
- أكرموا المصممين الآخرين بسخاء.
***
انطلقت سدادة قنينة الشمبانيا في الهواء، صفقت حوّاء لوسمان الذي بدا في غاية البهجة وهو يصدح:
- انتصرنا.
أمسكت حوّاء وجهه بين كفيها، طبعت قبلة على شفتيه، همست له:
- أنت تلميذي النجيب.
جلست حوّاء بانتشاء، تناولت بطاقة سوداء من وسمان الذي قال لها وهو يملأ لها كأسها:
- بهذه الهوية التي نلتها، سأحقق أحلامي المتبقيات.
دققت حوّاء في العبارة المنقوشة على ظهر الهوية، بلون ذهبي، قرأت وهي تحسو:
(تقدم كافة التسهيلات لحامل الهوية؛ من أجل إنجاز مهامه فوراً)، رئيس الجمهورية.
قالت بهدوء:
- كن على حذر شديد، خصوصاً في الفترة الأولى. سوف يخضعك لاختبار، إذا فشلت فيه ستهدم كل شيء، وإذا اجتزته بمهارة؛ فسيغض عنك الطرف، ويبيح لك المحرمات.
- سأكون حذراً.
- لدى الرئيس شعبة خاصة، مهمتها غربلة المقربين من الرئيس، وكتابة تقارير منتظمة عنهم، وقد فتح لك ملف في هذه الشعبة.
بمزحة قال وسمان، قبل أن يعب من كأسه:
- يبدو أنك تعملين في هذه الشعبة.
- ما يدريك؟ لعلي أنا من أسسها.
غص وسمان في كأسه، سعل بشدة حتى كاد يختنق. احمرت عيناه، لهث أنفاسه، قال برهبة:
- أنت؟!
ردت حوّاء بهدوء وهي ترشف من كأسها:
- ما بك؟! أنا أمزح معك.
ابتسمت، غمزت له، التصقت بنحرها سلسلة ذهبية تطوق رقبتها، يتوسطها مثلثان ذهبيان صغيران متساويا الأضلاع، تقابلَ رأساهما لم يشكلا جناحا فراشة، بل ذكراً وأنثى!
***
فرد جريدة (القادسية) بين يديه، نظر في الصفحة الأولى، ابتسامة السيد الرئيس خافتة في الزاوية اليمنى من الصفحة، بدا الرئيس قلقاً بزيه العسكري، وقد تراخت تحت عبارة "السيد الرئيس القائد يقاتل مع أبنائه الشجعان". قلب الصفحة الأولى، وقعت عيناه على كلمات كتبت بحبر أخضر أعلى الصفحة الثالثة، قرأها أكثر من ثلاث مرات:
"أغنية أم كلثوم، ستذاع فجر اليوم، في الرابعة، كان أبي يميّل عقاله جانباً وهو ينصت إليها، أرجو أن تستمع إليها، اسأل عن الزمن، وسأمتنع عن التدخين... (51243)".
نهض منتصباً، نادى على حارسه الشخصي صارخاً؛ فجاء يهرول:
- نعم أستاذ... أؤمر.
- من الذي جلب الصحف؟
- جلبها بائع الصحف صباحاً يا أستاذ... كالعادة.
- إذهب الآن.
أومأ له بالانصراف، دمدم مع نفسه "أ بعد كل هذا الانقطاع؟!".
أقلقته الرسالة المجفـّرة، لم يكن قد تلقى مثلها منذ ما يزيد على السنتين، فكّر أن الأمر أخطر مما يدور في خلده.
في تمام الرابعة عصراً، على عكس ما بينته الرسالة المجفرة، دلف وسمان مقهى (أم كلثوم) في شارع الرشيد، وقف عند باب المقهى برهة، لسعه الدفء المنساب من موقد الشاي، شعر بلذته بعد أن ملأه برد الشارع المبتل من مطرة غزيرة، طالت يومين متتاليين. قلّب بصره بين وجوه رواد المقهى، كانوا زهاء عشرين رجلاً بينهم ثلاثة معقـّلين، بحث عمن يعتمر عقالاً مائلاً، لاحظ رجلاً يلف يشماغه حول رقبته بتراخٍ، ويميل بعقاله يميناً، أحس أنه ضالته، توجه نحوه. ما إن اقترب منه، حتى افسح له الرجل مكاناً بجانبه؛ وكأنه كان بانتظاره.
سلّم وسمان، جلس بتثاقل، فرك راحتي يديه ليستشعر بعض الدفء، رحّب به الرجل ببرود، دون أن يلتفت إليه:
- مسّاك الله بالخير.
رد وسمان برتابة، دون أن يلتفت إلى الرجل
- الله بالخير.
صورة السيد الرئيس معلقة فوق كرسي صاحب المقهى، يرتدي زياً عسكرياً، ورتبة مهيبة، ابتسم حتى بانت نواجذه، ودس إبهاميه تحت نطاقه الذي رص بطنه. ظهر السيد الرئيس وحيداً واثقاً، في الصورة الملونة المعلقة على جدار رمادي.
أقبل عامل المقهى، عرض خدمته على وسمان:
- بمَ تأمر يا أستاذ؟
- شاي حامض.
استرق وسمان نظره إلى الرجل الذي يجانبه، استرعى انتباهه شارباه الكثان، بدت سمرته غامقة، أخفت عيناه الغائرتان كلاماً مريباً، بيد أن رأسه المتأرجح، دل على أنه منسجم مع كلمات الأغنية التي تسربت من مذياع المقهى:
"دارت الأيام... مرت الأيام... ما بين بعاد وخصام".
امتزج دخان سيجارة الرجل بزفراته المتأوهة، بدا كعاشق متيّم. أدرك وسمان أن الرجل ليس ضالته، أدار الملعقة في استكان الشاي الحامض، بانفعالٍ ظاهر، أحس أن طقطقات الملعقة بالاستكان ترن في رأسه المثقل. قلّب بصره من جديد في وجوه رواد المقهى، ركز نظره في باب المقهى، ليرقب الدالفين أولاً بأول.
لمح ساعة جدارية فوق باب المقهى، أشارت عقاربها إلى الرابعة وخمسين دقيقة. انتابه الشك، إذ لا يُعقل أنه قد مضى عليه خمسين دقيقة جالساً يترقب، نظر في ساعة يده، وجد عقاربها تشير إلى الرابعة وعشر دقائق، أرجع بصره إلى الساعة الجدارية، احتار، ظن أنه قد وصل متأخراً عن موعده. التفت إلى الرجل الجالس بجانبه، ذي الشاربين الكثين، كانت السيجارة متدلية بين شفتيه الغليظتين، وقد تدلى رمادها من طرفها، سأله وسمان وهو يشير إلى ساعته:
- كم الوقت عندك؟
أخرج الرجل السيجارة من فمه، أطفأها في المنفضة، التفت صوب وسمان، ابتسم ببرود، لمع ناب ذهبي بشدة بين شفتيه، وهو يتمتم بكلمات متعثرات:
- أقلعت عن التدخين.
ذهل وسمان، وهو ينصت إلى الرجل الذي ناوله جريدة، وقال قبل أن يغادر:
- حساب الشاي عليّ.
غادر الرجل مسرعاً، فرد وسمان جريدة (الثورة)، وجد السيد الرئيس على صفحتها الأولى، وقد بدت بسمته مطمئنة، وهو يعتلي عبارة "قواتنا الباسلة تزف بشائر النصر المبين لشعبنا الأبي"، طوى الصفحة الأولى، قرأ أعلى الصفحة الثالثة كلمات خضر:
"أبو نواس شاعر الشاطئ، ينفرد ليأكل السمك في الخامسة صباحاً، ألق عليه التحية، يلقي عليك الشعر... (51243)".
إذاً أمامه أقل من ساعة ليصل الموعد، فالخامسة صباحاً تعني الخامسة مساءً، في مطعم (الشاطئ) بشارع (أبو نواس).
انطلق بمركبته المارسيدس السوداء، يمخر شارع الرشيد بروية، منساباً مع حشد من المركبات التي يضج بها الشارع مختنقاً. رائحة المطر تملأ أجواء الطريق، فتسبغ على النفس ارتياحاً يشوبه قلق الموعد الغريب.
أمام مطعم الشاطئ ركن مركبته، ترجل قلقاً، جال بعينيه في أرجاء الشارع، دخل المطعم السياحي، فاحت رائحة السمك المسقوف على الجمر، طقطق الخشب متشققاً من دبيب النار بين خلاياه الرطبة. كان المطعم شبه خالٍ في مثل هذه الساعة، ثمة زبون يجلس منفرداً، توجه وسمان صوبه، جلس على طاولة قريبة منه.كان الرجل وسيماً، حليق الوجه، أصلع الرأس، يرتدي بزة رسمية، منسجماً مع سمكة مسقوفة بين يديه ينبش لحمها بأصابعه البيض النحيلة، يكوّم إبرها في زاوية من الإناء. سلم عليه وسمان، وهو يسحب كرسياً ضمن طاولة قريبة:
- السلام عليكم.
رد الرجل دون أن يرفع رأسه عن السمكة:
- دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ.
التقم الرجل لقمة كبيرة بنهم، وقف النادل أمام وسمان يسأله:
- هل تطلب شيئاً؟ أم تنتظر أحداً يا سيدي؟
رد الرجل النهم على النادل، دون أن يترك فرصة لوسمان:
- إنه معي، ينتظرني كي أفرغ ونشرب الشاي معاً.
انحنى النادل باحترام، وانسحب مبتسماً. نظر وسمان صوب الرجل النهم الذي أومأ برأسه وهو يقول:
- مساك الله بالخير سيد وسمان.
حدق فيه وسمان قبل أن يرد:
- الله بالخير.
نفض الرجل يديه، مص أطراف أصابعه، نهض وهو يوجه النادل:
- نحتاج الآن قدحي شاي مضبوطين، من يدك الكريمة.
التفت الرجل إلى وسمان، استأذنه:
- سأغسل يدي وأعود إليك.
نظر وسمان في ساعة يده، لم يستطع أن يميز العقارب، زفر باضطراب، عدّل عقدة ربطة عنقه، نقر بأطراف أصابعه على فخذه. مرت دقيقة قبل أن يعود الرجل ليقف أمام وسمان مرحباً بأريحية صديق قديم:
- أهلاً بالعزيز الغالي.
وقف وسمان أمامه منتصباً مد يده ليصافح الرجل، صفق الرجل يدَهُ بيدِ وسمان على الطريقة الريفية، فارتدّت يد وسمان منفلتةً من المصافحة، ثم تداركها فالتحمت يداهما. شد الرجل على أصابع وسمان بقوة، لمعت عيناه وهو يهمس:
- تصرف بشكل طبيعي، أنا من طرف (51243).
قال وسمان وقد بدت على ملامحه علامات القلق:
- لم كل هذا التمويه؟ كان من السهل على الأستاذ صالح أن يتصل بي هاتفياً، أو يرسل في طلبي لألتحق به حيثما يريد.
- لا تذكر أي اسم.
رد الرجل بحزم، استطرد:
- هواتفك مراقبة منذ يومين.
قطب وسمان جبينه، استغرب:
- مراقبة؟! ممن؟ ولمَ؟
- لا يحق لك أن تسأل عن الجهة، البيت الذي يهمك من القصيدة هو أنك متهم.
- متهم؟!
وصل النادل يحمل صينية تتوسطها سكرية وقدحا شاي، جامله الرجل:
- عاشت يداك.
ما إن غادر النادل حتى خاطب الرجل وسمان بصرامة:
- لا تقاطعني كصحفي، وأنصت إلي كرجل في مأزق؛ لقد ألقي القبض قبل يومين على مجموعة من الضباط، الذين من المقرر أن يشاركوا في استعراض الجيش بعد غد، وتبين أنهم يخططون لمحاولة اغتيال السيد الرئيس وهو على المنصة، في عملية شبيهة باغتيال الرئيس المصري أنور السادات، إنهم الآن يعترفون بمخططهم.
رشف الرجل رشفة من قدح الشاي، فبادره وسمان:
- وما علاقتي بهم؟
- بينهم ضابط حدث، يدعى (خميس)... إنه أخوك.
بُهت وسمان، سقط قدح الشاي من بين يديه، واندلق على المنضدة، ردد بشرود:
- خميس؟!
- نعم... خميس مجبل، أخوك، لهذا أنت مراقب، هواتفك مراقبة، وجلستنا الآن مراقبة، لهذا أرسلني إليك (51243)، حين أحس - بعد اطلاعه على تفاصيل التحقيق - أنك في دائرة الخطر، وسيصدر بحقك أمر إلقاء قبض، ربما خلال يومين.
- وما علاقتي أنا بالموضوع؟
قالها وسمان محتجاً، رد عليه الرجل بحزم:
- أنا مأمور، ولدي رسالة أوصلها إليك، ولا أحمل أية تحليلات أو إجابات عن أسئلتك.
ابتلع وسمان ريقه، تساءل:
- ماذا عليّ أن أفعل؟
مد الرجل يده في جيب سترته الداخلي، أخرج مغلفاً صغيراً، قدمه لوسمان وهو يقول:
- ضع هذا في جيبك.
دلسه وسمان في جيب سترته الداخلي، بينما استرسل الرجل:
- ستجد داخل المغلف جواز سفر، وبطاقة سفر لطائرة ستقلع فجراً إلى عمّان، عليك أن تغادر على متنها حتماً، ستكفيك الساعات المتبقيات لتحضير الحقيبة.
اختفت ابتسامة الرجل التي ظلت ترافق كلماته بشكل تمثيلي، قال:
- لا وقت للتفكير أبداً، علينا أن نغادر الآن.
نزل الخبر كصاعقة على رأس وسمان، لم يمنحه فرصة للتفكير، أمامه بضع ساعات ليختفي تماماً، لن يتمكن من إنقاذ جل أمواله الموزعة في السوق على التجار والبضائع، لكن الفرصة الذهبية تلمع في الأفق، ربما رتبتها الأقدار؛ لتعوضه - إن لعبها بحنكة - عن خسارته المحتملة بأرباح خيالية.