(4)
ما إن أفرغ وسمان أغراضه في الجناح الملكي في فندق (كونتي نينتال)، حتى توجه صوب المصرف المركزي في عمّان، الذي كان قد حوّل إليه من بغداد قبل اسبوعين عشرين مليون دولار باسمه، وهو المبلغ المخصص، كدفعة أولى، لبناء مجمع بإشرافه في عمان، كان من المقرر أن تعود ملكيته لزوجة السيد الرئيس.
حين دخل المصرف وأعرب عن هويته كمليونير، تسابق الموظفون والموظفات لتقديم الخدمات له، قالت له سكرتيرة مدير المصرف:
- أعلم يا سيدي أن وقتك ثمين، لكنني أستميحك العذر لتنتظر في مكتبي على قدر شرب فنجان شاي، فالمدير في طريقه إلينا.
ابتسم وسمان، حدق في نحر السكرتيرة السمراء قبل أن يجيب:
- قهوة لو سمحت... اجعليها فنجان قهوة تحاكي لون بشرتك الساحر.
ضحكت السكرتيرة بغنج، قالت وهي تضغط على جرس النداء:
- أنت رجل مذواق ومهذب.
***
وضعت عاملة الخدمة الصينية على المنضدة العالية أمام وسمان، أفرغت منها، فنجان القهوة، وقدح ماء، وقطعة شوكولاتا. قربت منه منفضة السجائر السوداء المربعة القاعدة، طوت منديلاً ورقياً بشكل مربع، وضعت في قعر المنفضة، رطبته بقليل من عبوة الماء التي كانت بحوزتها؛ لتمتص رماد السيجارة. ملأت القدح بالماء، نظرت إلى السكرتيرة مستأذنة بالانصراف؛ فأومأت لها بذلك.
شرب وسمان غبقة ماء، قال للسكرتيرة التي كانت تراقبه بدقة:
- منذ مئات السنين، اعتاد العثمانيون على هذه العادة، أن يقدموا الماء مع القهوة.
- العثمانيون؟!
رشف من قهوته قبل أن يتم:
- نعم... هي عادة من عادات الضيافة العثمانية، فإن شرب الضيف القهوة أولاً، دل فعله على أنه قد تناول طعامه قبل مجيئه، وإن شرب من الماء فتلك إشارة إلى أنه جائع؛ وفوراً؛ يسارع المضيّف بسحب القهوة وإعداد الطعام.
ضغطت السكرتيرة على زر النداء وهي تبتسم، دخلت عاملة الخدمة معلنة عن إذعانها:
- نعم آنستي؟
- احملي فنجان القهوة.
حملت العاملة فنجان القهوة أمام صمت وسمان، ودهشته من ردة الفعل السريعة. رفعت السكرتيرة سماعة الهاتف، أدارت قرص الأرقام عدة مرات، بعد لحظات صمت قالت:
- صباح الخير... مطعم الصباح... احجز لي مائدة لشخصين، سنكون عندك في غضون عشر دقائق.
نهضت السكرتيرة، أشارت لوسمان بذراعها السمراء العارية حتى كتفها، وهي تقول بلباقة:
- اسمح لي أن أعيد تراث العثمانيين معك يا سيدي.
ابتسم وسمان، نهض وهو يغرز سهام نظراته في إبطها البض.
***
جلسا في ركن برتقالي، تحيط به أربعة أصص فخارية، تتعرش من جوفها عرائش اللبلاب، لتلتف بشوق على عمودين رخاميين نيليين، وتلامس سقف المطعم بخشوع مقنن.
فصلتهما مائدة مربعة، اصطفت على جانبها علب الصلصات، ومناثر الملح والمطيبات. وقف النادل باستقامة، بعد أن ناول السكرتيرة قائمة الوجبات المتاحة في مطعم الصباح، قالت له بلباقة جلية:
- أنظر في طلب ضيفنا أولاً.
التفت النادل إلى وسمان الذي أسند وجهه على كفيه المتشابكتين، همّ أن يناوله نسخة القائمة الثانية، لكن وسمان امتنع عن أخذها، وهو يشير له بأصابع يده اليمنى ويحدد:
- كباب، هات لي كباب.
نظرت السكرتيرة إلى وسمان باستغراب، وجدته محدقاً في فتحة جيب فستانها، أحست بلزوجة نظرته الدبقة على صدرها، تساءلت بتهكم؛ محاولةً أن تزيح نظرته:
- ماذا ستأكل على الغداء إذن؟!
لم يحرك ساكناً، استرسل دون أن يغض بصره:
- لن أتغدى... سأكتفي بهذا الفطور.
وجهت السكرتيرة النادل:
- أنا كذلك، هات لي كباب.
أومأ النادل برأسه وانسحب، أرخت السكرتيرة عروة الزر الأعلى في قميصها؛ لتتيح مساحة أوسع من نحرها للعيان. ابتسم وسمان، أغمض عينيه، تنهد، أسند ظهره على الكرسي، وأرخى يديه على فخذيه. نظر في سقف المطعم الأبيض، حيث عرائش اللبلاب متشبثة بتوسل، متأرجحة ما بين السمو والسقوط، ردد كمن يخاطب نفسه:
- إنها وجبتي الخاصة، آكلها بنهم، كلما مررت بمنعطف تاريخي في حياتي، وها أنا اليوم أنعطف انعطافة صارخة. فلا بد من أن أعتـِّق طعم المنعطف بنكهة الكباب.
- ستكون انعطافة مميزة هذه المرة، بنكهة كباب شهي وعبق امرأة لا تستكين.
ابتسمت بمكر، وانتظرت رده بشغف، فجاء معززاً بغموض:
- ستكون انعطافة بلا قرار إذن.
- هل لديك التزامات هذا المساء؟
تساءلت في محاولة لإيقاد جذوة علاقة غرامية، فبصق على الجذوة دون تلكؤ وهو يتفكر في اللعنة:
- نعم... وكل مساء.
أردف وسمان:
- لكنني سأحتاجك في وضع النهار.
- أنا مستعدة لخدمتك.
- سأكون كريماً معك، مقابل أن تسهلي لي أعمالي المصرفية.
- المصرفية فقط؟!
- فقط... ليس لي فيك مآرب أخرى.
أخرج من جيبه مغلفاً، وضعه على الطاولة وهو يقول:
- هذه ألف دولار عربون العمل، ستستلمين مثل هذا المبلغ أول كل شهر.
فتحت المغلف، فاحت رائحة المال ذكية، اختلطت برائحة الكباب الزكية، حين وضع النادل الأطباق على الطاولة.
***
تململ صالح في سريره، نفث دخان سيجارته بزفرة أيقظت زوجته، ابنة الرئيس. التفتت صوبه، قالت بتثاؤب واستغراب:
- أ لا زلت مستيقظاً؟ وتدخن؟
استدارت صوبه، قبل أن تستدرك:
- أ ثمة ما يقلقك؟!
- سأسافر في مَهمة سرية إلى عَمان، أريدك أن تأتي معي لنقضي بعض الوقت بعد إنجاز المهمة، هناك بعيداً عن هموم الدولة.
استعدلت (تغريد) في سريرها، تساءلت:
- إذا كانت المهمة سرية؛ فكيف سأسافر معك؟!
نفث دخاناً ملأ الغرفة، التفت إليها وقال بابتسامة مصطنعة:
- لن تستغرق المهمة أكثر من يوم واحد، وسنقضي بقية الوقت بمتعة.
أطفأ السيجارة في المنفضة الفضية، استدار نحوها، ألح بزج الفكرة في قلبها وهو يهمس:
- ثمة مفاجأة مميزة، سوف نستمتع بهذه السفرة.
تمتمت:
- حسناً... متى السفر؟
- فجر اليوم، بعد خمس ساعات.
صاحت بانفعال:
- ماذا؟ متى سأهيئ لوازم السفر؟ متى سأخبر أهلي؟
همس بخفوت:
- لا حاجة لأية مستلزمات، ثم إن المهمة سرية، ولا أريد أن يعلم بها أحد، كأننا ذاهبون لزيارة صديق داخل بغداد، ونعود، هل فهمتِ ما أعنيه؟
ردت بارتياب:
- لست مطمئنة يا صالح! هل يعلم أبي بالأمر؟
تحايل عليها وهو يسحبها من ذراعها، ويستلقي وإياها بهدوء:
- حبيبتي... قلت لك إنها مهمة سرية، ما يعني أنها بتكليف من عمي السيد الرئيس حفظه الله ورعاه.
سحب الغطاء ولف ذراعه حولها، واستغرقا في حب عميق.
***
دقت الساعة السادسة، حين انطلقت مركبة المارسيدس البيضاء، تقل (شخصية مهمة جداً)، ترافقها مركبتان تقلان أفراد حماية. انطلق الموكب صوب الحدود الأردنية دون اعتراض من أية نقطة تفتيش، النداء الذي توجهه مركبة الحماية الأولى إلى نقاط التفتيش؛ كفيل بفتح الطريق على رحابته أمام الموكب؛ الذي يقل الفريق الركن صالح عواد وعائلته.
ظل ضباط ومنتسبو معبر (طريبيل) الحدودي على أهبة الاستعداد، بدوا كأنهم في مراسيم استقبال رئاسية. وقف مدير المعبر الحدودي كوتد شامخ وهو يقدم نفسه بين يدي الفريق الركن صالح الذي حياه باستعجال، وقال له عبر نافذة المركبة:
- لا أريد جلبة، أنا في مهمة خاصة، وآمرك بأن لا تلفت الانتباه أنت ورفاقك.
- أمرك سيدي.
عبر الموكب باتجاه المعبر الأردني، استقبل مدير المعبر الأردني الموكب محيياً صالح، وقف بجانب المدير رجل يرتدي بزة سوداء، يبتسم دون أن يبدو عليه الارتياح، قال لصالح:
- سأصطحبك إلى القصر الملكي يا سيدي، لمقابلة بعض المسؤولين.
أشار إلى مركبة مركونة جانباً، أردف مفصلاً:
- تفضّل أنت معي في هذه المركبة يا سيدي، السيدة والأولاد؛ سيكونون في الضيافة الملكية... سيهتم بهم رفاقي.
هز صالح رأسه موحياً بالموافقة والاطمئنان.
***
لم يهدأ لمدير المعبر الحدودي العراقي بالاً، فأبرق إلى وزارة الداخلية، (شخصية مهمة جداً، عبرت الحدود، بدون تصريح مسبق).
مرت دقيقة أو بضع دقيقة، ثم رن هاتف مدير المعبر، قال له عامل البدالة الذي تحدث عبر الهاتف:
- معك السيد وزير الداخلية يا سيدي.
صاح مدير المعبر، وهو ينتصب كوتد متخلخل:
- نعم سيدي.
- من الذي عبر الحدود؟
- الفريق الركن صالح عواد يا سيدي.
- لوحده؟
- معه السيدة المصون زوجته، والمحروسون أولاده يا سيدي.
أغلِق الهاتف، رن صوت البدالة المتقطع، كصفارة إنذار في أذن مدير المعبر.
***
ضمن جناح خاص في القصر الملكي، جلس صالح وزوجته وأولاده. وقفت تغريد متوترة، مشت بضع خطوات متوترات بلا وجهة وسط الصالة الفارهة، بأثاثها المبهر. نظرت إلى صالح، تمتمت:
- ما الذي يحدث؟
- لقد هربنا من العراق.
جمدت في مكانها، فغرت فاها، اخترقت نظرتها جدران القصر، نظرت إلى أفق بعيد، لاحت لها أطياف كثيرة مضطربة، يحفها سراب من صفوف نخيل، ارتمت على الأريكة كجثة هامدة، قالت بذهول:
- خدعتني.
غرزت وجهها بين أصابعها، انسدل شعرها على جانبي وجهها كستار مسرح أرخى سدوله.
- بل أنقذتك، وأنقذت أولادنا، صدر بحقي حكم إعدام، كان سيوقع اليوم في مكتب أبيك... لقد تعرضت لمؤامرة كبيرة، لم أكن لأتمكن من النفاذ منها؛ لو أنني بقيت هناك.
نهضت تغريد كعاصفة، تتأهب للهبوب:
- ما الذي تقوله؟ مستحيل أن يفعل أبي هذا!
اقترب منها قبل أن يجيب:
- لقد حيكت المؤامرة علي من أطراف عدة، وفاتل المغزل فيها أخوك، كان أبوك سيجبر على التوقيع تحت ضغطه النفسي وخياله المشبّع بحس المؤامرة، أنا متهم بالانقلاب عليه.
- لو أنك قلت لي، لتحدثت مع أبي في الأمر.
رد بازدراء:
- كان سيقتلني؛ ويربت على كتفيك معزياً.
انخرطت تغريد في بكاء حار، أدركت حجم المصيبة التي حلت بها.
***
رن جرس هاتف منتصب على منضدة من خشب الجوز ذات طراز عتيق. بصوت واثق، رد صالح على الهاتف، قال له عامل البدالة:
- السيد رئيس جمهورية العراق، يريد أن يكلم ابنته يا سيدي.
هرعت تغريد إلى الهاتف، نشجت دموعي، انتحبت وهي تصيح:
- بابا... لم أكن أعلم بأي شيء، لقد خدعني.
- تغريد... هل أنت والأولاد بخير؟
تمالكت نفسها وهي ترد متشنجة:
- نعم أبي، أقسم لك أنني خدعت.
- أعلم يا ابنتي، اطمئني، لا تتصرفي أي تصرف؛ دون استشارة عمك الملك. ستعودين قريباً، أعدك بذلك.
***
بدا الاضطراب واضحاً على صالح، وهو يجفف قطرات العرق التي انتثرت على جبينه، حين سأله الأمير:
- ما الذي تريد كشفه، في المؤتمر الصحفي الذي تطالب بعقده؟
تلكأ قبل أن يجيب:
- امتلاكي أسراراً خطيرة، ذات صلة بالتصنيع الكيماوي العراقي، سوف تضع هذه الأسرار النقاط على الحروف، ليقرأها العالم أجمع.
تريث الأمير قبل أن يسأل صالح:
- أ لا ترى أنك بفعلك هذا، سوف تقطع كل خطوط الرجعة إلى العراق؟
توتر صالح، وهو يقول:
- ومن قال إنني أريد العودة إلى العراق، لن أعود إلا بصفتي رئيساً للعراق. لدي خطة محكمة، سأعرضها على المعارضة العراقية؛ للإطاحة بالنظام الحاكم.
انتصب الأمير في جلسته، قال بحزم:
- شيء واحد أريدك أن لا تنساه، لن تقدم لك المملكة أي دعم، سوى أنها تستضيفك بكل كرم؛ ما طاب لك المقام على أراضيها.
تجهم وجه صالح، تساءل:
- أريد أن ألتقي برؤساء المعارضة الموجودين في المملكة، وبالسفير الأمريكي فيها.
- سوف نبلغهم رغبتك، وهم أحرار في تلبيتها... يمكنك الانصراف الآن.
اقترب أحد موظفي القصر، والذي كان يقف عند الباب، وقال لصالح وهو يشير إلى الباب:
- تفضل معي من هنا يا سيدي.
ظهرت إرهاصات القلق على وجه صالح، قامته الفارعة انتابها الانحناء، كان يتصور الأمور أسهل مما هي عليه، لكنه لم يقنط، فحتى لو خذله رؤساء المعارضة، فإن السفير الأمريكي سينبهر بالأوراق التي بحوزته، إنها وثائق رسمية تكفل لأمريكا إعلان الحرب على النظام الحاكم في العراق، وإسقاطه.
***
احتشدت قاعة فندق هيليتون بالصحفيين، ازدحمت منصة الخطيب بعشرات اللاقطات، أطـّر كل لاقطة مجسمٌ مزين بعلامة مؤسسة إعلامية. بعض تلك العلامات ازدانت بحروف عربية، وبعضها الآخر بحروف أجنبية.
تربع قادة المعارضة العراقيون على مقاعد فخمة رصت في الصف الأول، بدا العامل المشترك الأكبر بين القادة، كروشهم الكبيرات، ووجناتهم اللامعات. هم أقرب إلى وزراء في حكومة ديكتاتورية، منهم إلى قادةٍ معارضين.
أطنب أمين سر المؤتمر في مدحهم، أوغل عميقاً في ذم الحكومة العراقية، قال بصوت رج قلوبهم، وململ مجالسهم:
- أنيط بكم يا قادة المعارضة مسؤولية إنقاذ شعبنا العراقي الأبي، من ربقة الظلم الذي يرزح تحته منذ عقود، في رقابكم تتدلى آمال الأيتام، وتتشبث دعوات الأرامل، فلا تترددوا عن نصرتهم؛ فتردوهم خائبين.
فجأة، قطع أمين سر المؤتمر بذخ كلماته، قال وهو يشير إلى باب القاعة:
- رحبوا معي بممثل معالي السفير الأمريكي الموقر، الذي حضر مؤتمرنا هذا، ليكون نقطة العنبر في صحنكم المرمري.
تقدم رجل أسمر، بلحية سوداء رفيعة وشاربان باسمان، وخال كبير فوق حاجبه الأيمن. صفـّق أمين سر المؤتمر بحرارة، رفع يديه، حيى ممثل السفير ومرافقيه، انتظر ريثما جلس ممثل السفير، ووضع السماعة على أذنيه، لينصت إلى المترجم، عاد أمين سر المؤتمر ليقول معرفاً:
- الفريق الركن صالح عواد، رجل معروف لدى الجميع، هو لا ينكر إطلاقاً علاقته التي كانت متينة بالرئيس العراقي الطاغية، وهو اليوم يقف أمامكم، ليتبرأ من أية علاقة له مع هذا النظام. وليعلن ولادته الجديدة، ويتعمّد في مؤتمركم هذا، ويشارك شملكم الكريم نصرةً لشعبنا الأبي.
أشار أمين سر المؤتمر إلى ركن المسرح، صدح باسماً:
- رحبوا معي بالفريق الركن صالح عواد، الذي أصرّ أن يقابلكم بزيه الريفي الأصيل، بالغترة والعقال والدشداشة والعباءة.
تقدم صالح بخطى واثقة تدرب عليها، مشى على إيقاع التصفيق، الذي ألهبه عشرات الأشخاص المستأجرين داخل القاعة، والممزوج بكلمات أمين سر المؤتمر حوله:
- ربما يريد هنا أن يستعيد في ذاكرتكم المتقدة، صورة الملك فيصل، حين كان يتفاوض مع الدول العظمى، لإنقاذ الشعب العراقي قبل ثمانية عقود.
ختم أمين سر المؤتمر مقدمته الطويلة، شاكراً ضيوف المؤتمر:
- شكراً لحسن إصغائكم إلي، أنا أمين سر مؤتمركم، الدكتور وسمان المفتي.
في بدء كلامه شكر صالح صديق عمره ورفيق دربه، أمين سر مؤتمره الدكتور وسمان، قال بعد أن رحب بالحضور:
- يبدو أن الدكتور وسمان قد وفـّر لي الكثير من الجهد، الذي كنت سأبذله لتقديم نفسي وعرض قضيتي أمامكم؛ لذا سأختصر عليكم الأمر.
رفع بيده ملف أوراق كبير، ذا لون أحمر، رفع نبرة صوته معلناً:
- أريد أن أقدم وثائق خطيرة جداً، ومهمة للغاية، إلى سعادة السفير الأمريكي عبر ممثله الذي يشاركنا الجلسة. وثائق ظلت فرق التفتيش، المكلفة من قبل الأمم المتحدة، تبحث عنها في العراق، طوال السنتين الماضيتين. وثائق تفضح تورط النظام العراقي المجرم، في الصناعة الكيماوية الحربية، وتدينه إدانة قوية، تودي به إلى التهلكة. وفي ختام مؤتمرنا، سنشكل لجنة عليا لقيادة المعارضة وإسقاط النظام العراقي، بحماية سياسية وعسكرية من الحكومة الأمريكية.
نهض ممثل السفير الأمريكي، عم الصمت، تقدم نحو المنصة، وقف بجانب صالح، أشار إلى أحد مرافقيه الذي أسرع يحمل حقيبة معدنية. أمام صمت الجميع فتح المرافق الحقيبة، ضغط على أزرار فيها انبعثت منها حزمة ضوء على الحائط الأبيض الذي يظاهر المنصة، أخرج السفير من جيبه إصبع ذاكرة ضوئية، تحدث بصوت جهوري إلى الجميع، وبكلمات مختزلة:
- صباح الخير، إن هذه الذاكرة الضوئية، تحتوي على ملفات استلمَتها سفارتي مساء أمس من الحكومة الأمريكية. وقد استلمتها حكومتي صباح الأمس من الرئيس العراقي، الذي بلـَّغ حكومتي عبر سفيره في أمريكا، أنها ملفات خطيرة، كان الفريق الركن صالح عواد قد خبأها في خزنته الخاصة، فمن خلال منصبه السابق في الحكومة العراقية، أشرف على الصناعة الكيميائية السلمية، لكنه استطاع تطويرها إلى أسلحة حربية دون علم الحكومة العراقية، وحين انكشفت هذه الأوراق، فر الفريق الركن صالح من العراق. يدعي الرئيس العراقي أن صالح جاء هنا ليجمعكم ويحاول إدارة اللعبة لصالحه، لكنه نسي أو تناسى أن الرئيس العراقي هو أستاذه، وسيظل الأستاذ هو المسيطر على السبورة والطباشير!
التفت إلى صالح قبل أن يتم حديثه:
- الآن، هل يريد فخامة الفريق الركن أن أعرض الوثائق التي بحوزتي أمام الحضور؟ أم انه يستحسن - كما أرتئي - أن أتوقف عند هذا الحد، فربما احتوت الملفات التي بحوزتي أوراقاً ملفقة عليه.
استند صالح على حافة المنصة، ابتلع ريقه، فتح زر الدشداشة العلوي الذي كاد يخنقه، أسرع وسمان نحو المنصة، همس في أذن صالح:
- يستحسن أن تنسحب بهدوء، سأرتب الوضع مع الصحفيين، لئلا ينقلوا الكارثة.
انسحب صالح من حيث أتى، التفت وسمان نحو ممثل السفير الأمريكي، شكره على جهده بكياسة مبتسماً:
- أشكر معاليكم على هذا الطرح الذي قدمتموه.
بالغ وسمان بالابتسام وهو يشير إلى ممثل السفير كي يعود إلى مكانه. دبت الفوضى في أرجاء القاعة، انسحب بعض قادة المعارضة، ثرثر بعضهم الآخر، نادى وسمان:
- أرجو عدم مغادرة الصحفيين القاعة، حتى عقد مؤتمر صحفي خاص. أما الضيوف الأكرمين، فأشكرهم على حضورهم، وأتمنى لقاءهم قريباً.
جمع وسمان ما على المنصة من أوراق، وضعها في حقيبته الجلدية التي أخرجها من تحت المنصة، أخرج من الحقيبة رزمة نقود من فئة المائة دولار. حين أقبل عليه الصحفيون ليتسلموا لاقطاتهم المنصوبة على المنصة، أعطى كلاً منهم خمسمائة دولار، وردد للجميع عبارة واحدة:
- شكراً لكم على عدم نشركم تفاصيل المؤتمر، هذه أجور أتعابكم مع التقدير والاحترام.
***
في شقته التي تبعد مسافة غير بعيدة عن فندق هيليتون، رن جرس الباب، فانتفض وسمان منتشياً بتمام نجاح خطته كما رسم لها. فتح الباب، أطل رجل أسمر، بلا لحية رفيعة، ولا شاربان باسمان، له خال كبير فوق حاجبه الأيمن، قال مزدرياً:
- عيناي... هل تقبل بالضيوف؟
رد وسمان وهو يفتح ذراعيه مرحباً بسخرية:
- أهلاً بممثل معالي السفير الأمريكي المحترم.
ماجت ضحكة ماجنة بينهما، علق وسمان متهكماً:
- لقد انطلت الخدعة على قادة المعارضة الأفذاذ.
دخل الشاب الأسمر، أغلق الباب خلفه، رد وهو يضحك:
- لو أنهم أدركوا خلو أصبع الذاكرة من أية معلومات، لوقعت الكارثة، لكنهم مجموعة قادة عاطفيين، يسهل التحايل عليهم.
- ليسوا كذلك يا صديقي، إنك أنت المدرب بحنكة، لتجيد أداء دورك بامتياز. بقي أن تفي بوعدك معي كاملاً.
فتح الشاب الأسمر الحقيبة التي كانت بحوزته، فاحت منها رائحة يميزها وسمان برهافة، قال الشاب:
- إنه ليس وعدي، بل وعد السيد الرئيس، هذه مليون دولار كعربون مصداقية، وسوف يعفو عنك، ويهبك المبلغ الذي استحوذت عليه سابقاً، ويهبك بقدره أربع مرات، مقابل ما وعدت به.
استلم الشاب الأسمر من وسمان نسخاً من الملفات التي كانت بحوزة صالح، قال وهو يتأهب للمغادرة:
- سوف تصل هذه النسخ بيد السيد الرئيس الليلة، سيُسر بها، وستزداد ثقته بك، فتنعم بهداياه.
خرج وسمان يحمل ملف صالح بحقيبته، بعد أن غادره الشاب، الضابط في جهاز المخابرات العراقي، بربع ساعة. توجه إلى فندق هيليتون، كان صالح بانتظاره في قاعة الاستقبال، قال بصوتٍ متحشرج:
- ماذا فعلت مع الصحفيين؟
- لا تقلق بشأنهم... المهم، ما الذي ستفعله الآن؟
- لا أدري... فأنا مشوش الفكر، لا أعرف ما الذي أوقعت نفسي فيه؟ لم يعد أمامي أي مخرج.
نظر إلى وسمان، شابَ التوسل صوته:
- جد لي حلاً يا وسمان، أنا أثق بك يا صديقي.
نادى وسمان على عامل الضيافة، طلب منه أن يحضر فنجاني قهوة، اتكأ على مسند الأريكة، نظر إلى البلاط الأبيض اللامع تحت قدميه، تنهد قبل أن يمهد:
- هل تذكر العرافة في فرنسا؟
قطب صالح جبينه مستغرباً، تساءل:
- العرافة؟! نعم أذكرها... ما الذي ذكـّرك بها؟
- أتذكر ما قالته لك، بخصوص ارتقائك؟ لقد تحقق.
رد صالح، وهو يقاوم شبح ابتسامة طاف على وجهه:
- بالفعل... لقد تحقق ما تنبأت به.
وضع النادل فنجاني القهوة وقدحي ماء على المنضدة الرخامية السوداء، وغادر. رشف وسمان من فنجانه، لحس شفتيه قبل أن يقول:
- تتوجب علينا زيارتها للاستشارة، أعتقد أن الحل لديها.
رشف صالح من فنجانه، نظر في الرغوة المتراكمة فوق سطح القهوة، تساءل:
- هل تظن أنها تملك الحل؟
- إنها ترى الأحداث بشكل أوضح، نحن في زورق يجري بنا في نهرٍ منحدرٍ ملتوٍ، نتوقع شلالاً خلف الالتواءات، وهي تحلق بطائرة شراعية، ترى التواءات النهر على بعد أميالٍ عدة، ما عليها إلا أن تحذرنا، أو أن تدفعنا إلى المضي قدماً.
علقت نظرات صالح في الرغوة، بادره وسمان على عجل:
- ليس أمامنا الكثير من الوقت، بدأ العد التنازلي، ولا بد من مسابقة الزمن قبل فوات الأوان.
نظر صالح في عيني وسمان، قال بحزم:
- احجز بطاقتي سفر إلى باريس، في أقرب رحلة.
***
تلفـّت صالح في الطريق المؤدية إلى بيت العرافة، تمتم:
- خمس عشرة سنة مرت سراعاً... كأننا كنا هنا بالأمس القريب!
رد وسمان بصوت عميق:
- خمس عشرة سنة من المجد، بدأته من نبوءة تلقيتها هنا في هذا الشارع، وسوف تتلقى مجداً أكبر في السنوات القادمات.
مط صالح شفتيه، رافضاً أن يستوعب ما يقوله وسمان، عبر عما يقلقه:
- كل ما آمله؛ أن أجد مخرجاً من مأزقي.
صعد وسمان عتبات السلم القصير الملتوي، المحاطِ من جانبيه بسنادين الزهورٍ الصغار الملونات، تبعه صالح بأثره يرافقه المترجم سامر، طرق وسمان باب الخشب الندي، فتح الباب الشابُ ذو الملامح الآسيوية، بدا وكأنه لم يكبر أكثر من عام، ابتسم كعادته وهو ينحني لهما بهدوء:
- تفضلوا سادتي الكرام.
دخلوا يتبعون الخادم الآسيوي، تركهم في غرفة الانتظار. جال صالح بنظره في أرجاء الغرفة، لاحظ الصورة الكبيرة لمنظر البحر ساعة الغروب، بدت أمواجه أهدأ تلاطماً على الجرف الصخري، فأحدثت زبداً خفيفاً.
عاد الخادم، ليدعوهم إلى الغرفة الأخرى بابتسامة كبيرة:
- تفضلوا هنا سادتي.
في صدارة الغرفة، جلست المرأة العجوز على حالها، مغمضة العينين، أمامها منضدة مربعة، يغطيها شرشف أزرق، يعتليها شمعدان قصير من الفضة، ذو مشكاة واحدة، غرزت فيها شمعة صفراء ملتوية، ذبلت في ذؤابتها جذوة زرقاء.
فرقت المرأة شعرها الأبيض من المنتصف، تدلّت ضفيرتان قصيرتان على جانبي وجهها. لا زالت معلقة على الجدار المظاهر لها لوحة بيضاء مستطيلة، ذات إطار أسود، مكتوب عليها بحروفٍ خضر، ما ترجمته (بعض الناس فقراء للغاية، لأنهم لا يملكون سوى المال). تحت العبارة، في زاوية اللوحة السفلية اليسرى، رسمت وردة بأربعة أوراق. كانت كصليب ملتوٍ شكّل وردة، كتبت تحتها كلمة صغيرة، اقترب وسمان كثيراً ليقرأ الكلمة، انتباه الذهول وهو يقرأ حروفاً تشكل اسمه، بجانبها أرقام (و س م ا ن/ 51243). بهت وسمان، ابتلع ريقه، قطعت العرافة سلسلة أفكاره وهي تردد، ما ترجمه سامر:
- الحياة مرسومة لنا بقلم رصاص، وقد وهبنا الله أقلام حبر لنثبت التخطيط، أو لنغيره وفق ما نريده. الغالبية منا يلقون بأقلام الحبر في سلة القسمة والنصيب، ويستمرون بعيشهم ضمن تخطيط الرصاص الباهت، ولا يلومهم الله على هذا. البعض منا يخطط ويخطط ويخطط، حتى ينفد الحبر ثم يهبه الله محابر لا تنفد، فينال بها الخلود... حتى لو كنت قد ألقيت بقلمك الحبري في سلة القسمة والنصيب؛ استعده، فستجد أنه صالح للكتابة، وأنك قادر على أن ترسم مستقبلك.
سألها وسمان، وهو يحدق في عينيها الهادئتين:
- ما اسمك؟
ترجم لها سامر، فأجابت:
- إيف.
التفت وسمان إلى سامر، سأله:
- ماذا يعني اسمها بالعربية؟
رد سامر على الفور:
- حوّاء.
تركت العجوز وسمان تتخبطه الحيرة، وأشارت لصالح كي يجلس قبالتها. جلس صالح بحذر، نقرت المرأة بأطراف أصابعها على المنضدة، قلبت كفيها، بدت راحتاها بغاية البياض، لمت أصابعها وفردتها في إشارة لصالح كي يمد يديه على امتداد يديها. شبك أصابعه في أصابعها، أطفأ الخادم الآسيوي الأنوار، ساد الظلام في أرجاء الغرفة، لم يتبق من النور إلا ما تهبه ذؤابة الشمعة الوحيدة، على ضوء الشمعة لاح وجه صالح كئيباً، يجلس سامر قربه؛ ليترجم له ما تقوله العرافة:
- لمَ الوجل؟ لم التأخر؟ لمَ البعد؟ يتوجب عليك أن تعود إلى المزرعة فقد آن وقت الحصاد، وسيكون المنجل العظيم من نصيبك، سوف تسيل دماء غزيرة حول المزرعة، لكنك في النهاية ستكون مبتسماً، لأنك ستنتصر على الكثرة لوحدك، ثم تكون رمزهم الأبدي. عد إلى حيث يجب أن تكون.
شدت العرافة بقوة على أصابع صالح، رصت أسنانها، جحظت عينيها، اختفت خرزتا عينيها، بدت بعينين بيضاوين، نفخت على ذؤابة الشمعة فانطفأت، احتلك الظلام على الجميع، تردد صوت العرافة مرعباً وسط الظلام، فترجمه سامر:
- ستكون الرجل الأوحد في المزرعة... الرجل الأوحد بلا شريك... ستكون الرئيس.
***
فتح وسمان باب شقته القريبة من فندق هيليتون، ابتسم له الشاب الأسمر ذو الخال الكبير القابع فوق حاجبه الأيمن، بادره وسمان:
- كل شيء جرى حسبما خططنا له.
ألقى الشاب الأسمر حقيبته على الأريكة الجلدية السوداء، توجه إلى المطبخ، فتح الثلاجة، بحث بين محتوياتها، أخرج علبة بيرة، أغلق باب الثلاجة بقوة، عاد إلى الصالة وهو يردد بانتشاء:
- عيناي... يجب أن نحتفل بالنجاح، إنها لحظة تاريخية يا دكتور وسمان.
صب محتوى العلبة في قدحين، أحضرهما وسمان على عجل، وهو يرجرج يديه ورأسه بمرح. قرعا الكأسين بقوة، حتى اندلقت الرغوة من كأس الشاب، الذي تنفس الصعداء حين جلس وقال:
- لم يهدأ لي بال، حتى وردتني صحيفة من فرنسا هذا الصباح.
ركن الشاب كأسه، فتح الحقيبة، لم تفح الرائحة التي يعشقها وسمان، الحقيبة خالية من النقود، فيها صحيفة ومغلف ذهبي. أخرج الشاب الصحيفة، قلـّب صفحاتها، توقف عند الصفحة الرابعة، نظر إلى وسمان وهو يقول:
- هذا هو الخبر الذي كنت أنتظره.
حدّق وسمان إلى حيث أشار له الشاب، لم يفهم ما مكتوب بالفرنسية، بيد أن الصورة المقرونة بالخبر بينت له أن ثمة جثتين هامدتين؛ تساءل:
- ما المكتوب هنا؟
سحب الشاب الجريدة، قرأ بالفرنسية، ثم ترجم لوسمان:
- العثور على جثة العرافة الشهيرة (إيف فيليب) مقتولة بالرصاص في بيتها، بجانبها جثة خادمها الآسيوي.
سارع وسمان يسأل:
- ماذا عن المترجم؟
- وُجد مقتولاً هو الآخر، في مترو الأنفاق، لكنه لم يثر انتباه الصحافة. لقد أكد لي المنفذ، أنه أفرغ رصاصتين في قلبه، وواحدة في ناصيته.
ابتسم وسمان مسترخياً، نظر إلى سقف الغرفة، قال بهدوء:
- يرحمهم الله، لم يعد يقلقني سوى شخص واحد؛ الحاجة أم صالح. فقد تسرع الغبي واتصل بها، ليبشرها بعودته إلى العراق، وتسلم الرئاسة؛ كما نبأته العرافة.
- لا تقلق بشأنها، فقد عاشت من العمر ما يكفي، الأصدقاء في بغداد سيرسلون لك التعازي بوفاتها كمداً على ابنها.
قهقه وسمان، قال وهو يأتي على ما تبقى له في الكأس:
- في هذه الحال، يحق لي أن أسألك عن أتعابي.
- ليست أتعابك، بل حقوقك مقرونة بشكر السيد الرئيس حفظه الله ورعاه.
مد الشاب يده في جيب سترته الداخلي، أخرج رزمة من النقود، وضعها على الطاولة أمام وسمان، سأله:
- هل رأيت في حياتك ورقة نقدية من فئة المليون دولار؟
فغر وسمان فاه وهو يحدق بالرزمة، أمسكها بهدوء بكلتا يديه، قربهما من وجهه، مرر أنملة إبهامه على زوايا الأوراق المائة، كرر التمرير وهو يقرب الرزمة من أذنه، تسرب الصوت إلى قلبه كنغمة عذبة، تبعها صوت الشاب الأسمر:
- مائة ورقة، من فئة المليون دولار، أي مائة مليون دولار، يمكنك أن تحملها في جيبك مطمئن البال، خصوصاً إذا قرأت العفو الرئاسي الذي صدر بحقك.
فتح الشاب المغلف الذهبي الذي كان في الحقيبة، وأخرج منه ورقة ناصعة البياض، ممهورة بختم ذهبي وإمضاء أخضر يتوج عبارة (صدام حسين، رئيس جمهورية العراق). قرأ وسمان مرسوم العفو الجمهوري الذي صدر بحقه الليلة الماضية، والذي يتضمن إعادة كافة أمواله التي صودرت بقرارات تتنافى مع مضمون العفو، وإسقاط كافة التهم عنه، والسماح له بدخول الأراضي العراقية في أي وقت يشاء.
ملأت البسمة وجه وسمان، وضع رزمة النقود على صدره، أغمض عينيه برهة. أيقظه صوت الشاب من سرحانه:
- أستأذنك الآن.
- انتظر قليلاً.
دخل وسمان غرفة النوم، عاد بعد دقيقة بيده رزم نقود، قال للشاب:
- مائة ألف دولار، هديتي لك، أنت تستحقها.
ابتسم الشاب، هز رأسه موافقاً، وضع المبلغ في حقيبته، شكر وسمان:
- ممتن منك، سنبقى على تواصل... لا تغادر المملكة قبل أن تعلمني؛ لأبين لك الموقف.
صافحه وسمان بحرارة وهو يغادر.
***
في صالة الاستقبال بفندق هيليتون، جلس وسمان يحتسي الشاي، أقبل إليه صالح بشوش الوجه، تعانقا بحرارة، عبّر عن بهجته:
- أنا في غاية السعادة يا صديقي، لا أعرف كيف أشكرك، لقد أعدت إلي توازني.
- هل جرت الأمور على ما يرام؟
- نعم... اتصلت تغريد بأبيها أمس، وطلبت منه السماح، لم يتردد في أن قال لها "سامحتكم، فعودوا"، سننطلق بعد ساعة.
ربت وسمان على ركبة صالح، رد مبتسماً، وهو ينظر في عيني صالح:
- أرجو أن لا تنساني حين تتسنم المنصب الأكبر، يا سيدي الرئيس.
وضع صالح يده على يد وسمان، استغرب:
- أنساك؟ هذا ما لن يكون، أنت صاحب فضل عليّ.
أقبل أحد أفراد حماية صالح نحوه، همس في أذنه، أومأ صالح موافقاً، قال لوسمان:
- علينا أن نغادر الآن، سأنظم أموري وأتصل بك في أقرب فرصة، سأنتظر إشارة القدر كما أخبرتني، وسأعتبرها ساعة الصفر.
- على بركة الله.
- بقي أمر مهم.
أخرج صالح من جيب سترته صكاً، قبل أن يتم كلامه:
- حين خرجت من العراق، حولت مبلغاً كبيراً من المال إلى المصرف المركزي في عمان، لا أعرف ما ينتظرني بدقة في العراق، لذا كتبت هذا الصك ليصرف المبلغ باسمك، أنت الوحيد الذي أثق به هنا، انتظر اتصالي من العراق، واتبع ما سأقوله لك حينها بخصوص المبلغ.
لم يحد وسمان بنظره عن عيني صالح، وهو يستلم الصك، سأله:
- كم هو المبلغ؟
- ثلاثة مليارات دولار، إنه يضاهي ميزانية المملكة لعدة سنين يا صديقي، فكن حذراً.
دلس وسمان الصك في جيبه، تأكد من أنه استقر هناك، قرب قلبه النابض، طمأن صالح:
- ركز على تنفيذ الخطة التي رسمناها، وسأنتظر اتصالك لأستفهم منك سيدي الرئيس.
تبادلا الابتسام، تعانقا، ربت كل منهما على ظهر صاحبه.
خرج وسمان من الفندق، استقل مركبة كاديلاك سوداء كانت تنتظره، ركب في المقعد الخلفي، وجه السائق بلا مقدمات:
- إلى المصرف المركزي.
***
في معبر طريبيل الحدودي ولجت مركبة المارسيدس البيضاء ساعة الغروب، ترافقها المركبتان اللتان تقلان أفراد الحماية. لم يكن ضباط ومنتسبو المعبر الحدودي على أهبة الاستعداد، لم يكن هناك أحد منهم على الإطلاق! كان ثمة أشخاص ببزات سود يحملون بنادق آلية، عرفهم صالح من الوهلة الأولى، استوقفوا موكبه، أحاطوا به. ثمة طائرة سمتية صغيرة، تدور مروحتها متأهبةً للإقلاع، ترجل منها شخص ببزة عسكرية، حين اقترب من مركبة صالح، تبين أنه ابن الرئيس، خاطب صالح بلهجة آمرة:
- تغريد والأولاد سيأتون معي، أنت وحمايتك تتجهون إلى حيثما تريدون، لا شأن لنا بكم، هذه أوامر السيد الرئيس القائد، حفظه الله ورعاه.
أومأ صالح برأسه موافقاً وقد تملكه الرعب، همس ببضع كلمات لزوجته، ترجلت تغريد من المركبة هي وولديها، مشت بجانب أخيها، ركبت الطائرة السمتية يتبعها ولداها، حلقت الطائرة بعيداً، غابت في ظلمة السماء.
لاحظ صالح أن ذوي البزات السود يتحدثون مع أفراد حمايته في المركبتين الأخريين، وبعد لحظات قليلة، استأذن سائق صالح، ليتحقق من الأمر، لكنه لم يعد. أدرك صالح أنه بقي وحيداً في الميدان، وأن أمراً ما دبر في ليلة حالكة. قرر أن يجلس خلف المقود، وينطلق بمركبته؛ لعله ينفذ بجلده من هذا الموقف.
انتقل بسرعة خاطفة إلى كرسي السائق، عشـّق عتلة التبديل، ضغط على دواسة الوقود، انطلق بأقصى سرعة، نظر في المرآة الوسطى، لاحظ أن ذوي البزات السود ماكثون في أماكنهم لا يتحركون، تنفس الصعداء، نظر مرة أخرى في المرآة، قلق من جمودهم، شاهد أحدهم يطلق خرطوشة تنوير، زاد من سرعة المركبة على الطريق الدولي، شقت ظلمة الطريق صرخة مدوية، صوت منبهات تزعق من بعيد، أضواء تتلاطم في مدى الرؤية، إنهما مركبتا نقل كبيرتان، تسدان الطريق أمامه، بمسافة قريبة؛ لا تسمح له إلا أن... يعانق الموت.