(2)
خرج حوّاس جميل الشكل من صالون الحلاقة، برفقة أحد الحراس الشخصيين للنائب، الذي كُلف ليُعنى بحوّاس. قص الحلاق شعره الأشقر ورجّله نحو الخلف؛ ليتسع جبينه، وتبدو ملامحه أكثر نضجاً، وحلق شاربيه الخفيفين، بعد لأي من حوّاس الذي حاول الاحتفاظ بهما، إلا أن الحارس همس في أذنه، وهو يمسد بسبباته على شاربيه الكثيفين:
- لا بد من حلقهما كي يكثفا.
أمام صالون الحلاقة وقفت مركبة الحارس (سلام) السوداء بشموخ، تردد حوّاس قبل أن يركب، فاجأه سلام بعبارة زادت من إرباكه:
- تفضل يا أستاذ... اركب.
تلفت حوله، ظن أن العبارة موجهةٌ لشخص آخر، أعاده سلام من شروده حين نقر على سقف المركبة؛ منبهاً إياه:
- وراءنا مشاوير كثيرة الليلة... هيا اركب.
جلس حوّاس، لملم دشداشته بين ركبتيه، نصب ظهره لشدة توتره، ولتناثر بعض الشعيرات التي تشكه تحت الدشداشة. نقر سلام زر تشغيل المسجل، ألقم الجهاز شريط تسجيل، صدح صوت نسائي أجش بأغنيةٍ ريفيةٍ:
(جيت لأهل الهوى... أشتكي من الهوى... أنا عدكم دخيل... من عذاب الخليل... آه كم آه... آهات يهل الهوى).
- سوف أصطحبك إلى منزلي، وأتركك لتغتسل، ريثما أجلب لك العشاء وبعض الملابس. يجب أن تهتم بمظهرك، لقد أمر السيد النائب بتغيير هيئتك.
هز حوّاس رأسه موافقاً، دون أن ينبس بكلمة، أضاف سلام بلمز:
- تنتظرك سهرة مميزة الليلة.
التفت إليه حوّاس، وابتسم مجاملة.
مرت لحظات صمت، علا خلالها صوت المطربة في المسجِل؛ (شسوا بية شعمل... يوم عني زعل... عندي ما ظل أمل). توقفت المركبة، ترجل سلام أمام منزله، فتح الباب الحديدي الأسود العالي، زأر الباب، أعاد سلام الإرباك إلى حوّاس:
- تفضل يا أستاذ.
وقف حوّاس وسط الغرفة الوردية، ناوله سلام بيجامة بيضاء مقلمة بخطوط زرق رفيعة، وملابس داخلية مكيّسة. أمسكه من رسغه، اقتاده إلى الحمام.
- اجلف جسدك بالليف والماء الساخن، لا تغادر الحمام قبل نصف ساعة، سأعود إليك لنتعشى معاً، ثم نخرج إلى الملهى.
استدرك سلام أمراً فعاد بعد أن أغلق باب الحمام، نبه حوّاس وهو ينظر إلى جيبه المتدلي:
- بالنسبة لمبلغ المكافأة، أتركه خارج الحمام لئلا يبتل... اطمئن فالمكان آمن.
غادر سلام، سمع حوّاس باب المنزل الحديدي يزأر، فتح ظرف الورق الأسمر، خمس رزم خضر، خمسة آلاف دينار، ثروة كبيرة فاحت رائحتها؛ لتملأ أرجاء الحمام وتنعش أعصاب حوّاس، لم ير مبلغاً كبيراً كهذا طوال عمره. برقةٍ تحسس الرزم بأنامله؛ تأوّه، أغمض عينيه بانتعاش، تدافعت أمانٍ كثيرةٌ في رأسه، تزاحم أشخاص عند بوابة ذاكرته، أوصدها بوجوههم، ورتج على نفسه. يمكن لحياته أن تورق بهذه الأوراق الخضر، ضم الرزمة إلى صدره وتنفس الصعداء.
وضع الظرف في الزاوية القصوى، نزع دشداشته، جلس القرفصاء، كوّم الدشداشة البالية فوق الظرف؛ ليمنع عنه رطوبة البخار. دكها من كل الجهات، استمتع بفرقعة ورق الظرف. فجأة؛ لمح الخاتم في خنصره.
تذكر العرافة، وقَسَمه لها بأن يقسّم المكافأة المالية بينه وبينها. وإن خان العهد حلّت عليه لعنة العرافة. ضحك في سريرته، أ يعقل أن يقسّم الخمسة آلاف بينه وبين امرأة لا يعرفها؟ ثم إنه لم يقسِم بالله، بل برب الحظ السعيد. ومن يكون هذا؟ لم يسمع به من قبل! رأى أنه في حِل من قسَمه. قال، كأنه يكلم طيفاً:
- لست مجنوناً لأفرط بنصف ثروتي، خشيةً من (رب الحظ السعيد).
رص الدشداشة البالية حول الثروة بتوتر، وقف عارياً أمام المرآة الطويلة. كان عارياً من كل شيء إلا الخاتم في خنصره الأيمن، أحس بثقله على جسده الهزيل. لم يلبث أن انغمس تحت مرش الماء الدافئ، محاولاً أن يزيح عنه أدران الأمس بوابل اليوم.
وسط الصالة المُدفَـّأة، أمام شاشة التلفاز، جلس حوّاس على الأريكة مرتدياً بيجامة سلام، في حضنه الظرف الأسمر، تحت قدميه دشداشته البالية نديةً بالبخار، ماثلةً أمامه العرافة، يتدلّى خمارها الأسود على جبينها وعينيها، مطرقةً تنظر إلى سجادتها الزرقاء بزرقة الغسق.
زأر الباب الحديدي الأسود، ولج سلام يترنم بكلمات الأغنية الريفية، بصوته الأجش بلحن مربَك الإيقاع، يزيده ربكةً أثر المشروب الذي احتساه في الطريق:
- (جيت لأهل الهوى... أشتكي من الهوى... أنا عدكم دخيل... من عذاب الخليل).
وقف أمام حوّاس منحنياً بازدراء، ممثلاً هيئة المذنب، وقال:
- أعتذر يا أستاذ، لقد تأخرت عليك، كان الطريق مزدحماً.
وضع كيس الطعام على الطاولة، فاحت رائحة الكباب. وضع أكياساً أخرَ على الأريكة، نزع سترته، شجبها على ظهر كرسي خشبي مركون. بكفيه الكبيرين مزّق كيس الطعام إرباً، جر الكرسي الخشبي ليقابل حوّاس وينهم، بدا فمه أكبر من حجمه الحقيقي مرتين، صدح:
- سمّ باسم الله، أمامنا ليلة ساخنة، يجب أن لا نتأخر على الربع.
التهم حوّاس بشراهة، أبهره تل اللحم المقنطر أمامه، هذه المرة سيشبع بلا ريب، برغم فم سلام الكبير.
من بين فتافيت اللقمة، قال سلام:
- جلبت لك زياً رسمياً يليق بهيئتك الجديدة، يجب أن تظهر بمظهر مناسب غداً، حين نذهب إلى مقر المجلة، أنت مبعوث من قبل السيد النائب، الناس هناك سيحسبون لك ألف حساب.
رد حوّاس على سلام، باستغراب:
- لكنني أجهل المهنة، ما الذي سأعمله في المجلة؟
- هناك من سيتكفّل بأمرك، لا تقلق بهذا الشأن، كل ما عليك هو أن تبدو واثقاً من نفسك، وسوف تمشي الأمور على أحسن ما يرام.
أشار سلام إلى الكباب، أكد بشيء من الجدية المتضحة في عينيه الضيقتين:
- المهم الآن أن تشبع، لأن الليلة ساخنة.
ضحك سلام ضحكة ماجنة، رفع ذراعيه وأرجح كتفيه راقصاً. بدا فمه أكبر بكثير وهو يضحك، بان شارباه كفراء قنفذ، تطايرت فتافيت الكباب على المائدة.
***
طقم الملابس في غاية الأناقة، ينعكس لونه الأزرق الغامق على بشرة حوّاس، بينما ربطة العنق الباهتة الصفرة تحاكي لون بشرته فوق القميص الأبيض. الحذاء الجلدي الأسود، من ذات جلد الحزام، الجوربان الحريريان الأبيضان انزلقا بقدميه في جوف الحذاء بسلاسة منعشة. تنهد حوّاس وهو ينظر إلى نفسه في المرآة، دلس كفيه الصغيرين في جيبي البنطال، في حين أهطل سلام زخاتٍ من عطر (بروت) فوق حوّاس من كل الاتجاهات، وهو يتملق:
- أستاذ بمعنى الكلمة، لقد صدقت نبوءة النائب حين قال عنك؛ سيكون لك شأن عظيم.
التفت حواس إلى سلام متباهياً، وتساءل:
- أهكذا قال السيد النائب؟
هز سلام رأسه مؤكداً، داعب شاربيه بأنامله متفكراً، أردف وهو ينظر في سقف الغرفة:
- أنت شاب محظوظ يا أستاذ حوّاس.
أمسك بشعرة خارج سرب شاربيه، سلط نظرته عليها، نتفها وأتم:
- إن أحسنت التصرف، فسوف يعلو نجمك.
نظر إلى الشعرة باشمئزاز، ألقى بها باحتقار، عدل عقدة ربطة العنق الصفراء، ربت على كتفي حوّاس، استعجله:
- هيا بنا، ستفوتنا السهرة.
- ماذا عن الفلوس.
أشار حوّاس إلى الظرف الأسمر، أجابه سلام وهو يرتدي سترته:
- اعزل منها مائتي دينار، احملها معك لزوم المظاهر، وهات الباقي... سأحفظه لك في خزنتي حتى الغد.
مسّد سلام شاربيه أمام المرآة، نظر إلى حواس عبر المرآة، ابتسم وهو يقول:
- سوف تشرب وترقص وتضاجع على حسابي، لا بد أن تنتشي الليلة يا أستاذ، إنها الأوامر.
عدل عقدة ربطة عنق حواس مرة أخرى، أضاف بجدية:
- لا تنس، أنك محسوب على السيد النائب.
زأر الباب الحديدي الأسود، استقر حوّاس في مقعده داخل المارسيدس، غرز ظهره في مقعدها الوثير، أسند رأسه بعلياء. انطلقت المارسيدس تصدح فيها (زهور حسين):
- (جيت لأهل الهوى... أشتكي من الهوى...).
تمايل سلام وهو يطارد كلمات الأغنية، كان يحاول مواكبة نبرة صوت المطربة، بلا جدوى، نبّه حوّاس:
- لا تفرط في الشرب، عليك أن تكتفي بالجعة؛ ما دمت تشرب للمرة الأولى كما ذكرت لي، أما النساء، فلا تقرب إلا ممن أشير إليها، القليل منهن نظيفات يا أستاذ.
- نظيفات؟!
ابتسم سلام بزهو، مسح طرفي فمه بسبباته وإبهامه، لمّح:
- سوف تدرك هذه الأشياء بالممارسة يا أستاذ.
***
الإنارة الحمراء المتوهجة، والموسيقى الصاخبة في أرجاء ملهى (ليالي الأنس)، والأجساد المتمايسة على الدكة؛ كثعابين تطل من جـِرار، كل ذلك يبعث على النزق. اندفع سلام متمايلاً مع إيقاع الموسيقى، يشق طريقه عبر الموائد المتناثرة في صالة الملهى، ساحباً خلفه حوّاس، حتى استقر بهما المقام عند مائدة في زاوية مظلمة. أربعة كراسٍ داكنة الحمرة، تحيط بالمائدة الخضراء المستديرة، فتاتان كانتا قد سبقتاهما إلى المائدة، لا تكاد ملامحهما تبين من الظلمة، عرّفهما سلام بحوّاس وهو يشير بيديه:
- وردة وسمر، أقدم لكما الأستاذ حوّاس.
قبّل سلام وردة، في أمارة إلى حظوته بها، بينما اكتفى بمصافحة سمر، رحبتا بحوّاس بحرارة. حين صافحته سمر، رصت بأصابعها على راحته، فداعب الخاتم حافة كفها، دبّت قشعريرة في بدنها. لم تراعِ قيد الانطباع الأول، استأذنت من وردة، وهي لا ترفع عينيها عن حوّاس:
- إفسحي لي المجال؛ لأجلس بجانب ضيفنا الكريم.
- أ لم اقل لك إنك محظوظ يا أستاذ؟
أعلن سلام لحوّاس وهو يضحك، بينما عيناه تلوذان بكتفي سمر العاريين، وبساحل صدرها الهائج، لمّح لحوّاس وهو يغمزه بطرف عينه مذكِراً:
- إذا غمزت صنارتك، فلا تتأخر في لف البكرة... السمكة نظيفة.
علّقت سمر فاضحةً انكشاف اللغز:
- نظيفةٌ جداً، لكنها مفترسة... سوف تلتهم الصياد.
علا الضحك حول المائدة، تقارعت الكؤوس وبودل الهمس.
مزيج من شعور عارم بالقلق والخيبة، ينز من كل مسامات حوّاس. بلع ريقه، مسح جبينه الندي خجلاً! تجلس بجنبه امرأة نصف عارية، يحتك فخذها بفخذه، تداعب أصابعها النحيلة كفه، تتلهف لتذوقه، لكن سواكنه لا تتحرك. عجيبة، هو الذي يهيجه اسم امرأة، وتطيح به رائحتها، كيف تأتّى له أن يحتك بواحدة دون أن ينفجر؟!
بخبرتها أحست سمر ما يجول في داخله، فخففت عنه:
- لا تقلق... إنها ردة فعل الاهتمام المفرِط، أظنها التجربة الأولى لك.
أشارت عليه وهي تقرّب منه زجاجة الجعة المنتصبة وسط المنضدة:
- اشرب قليلاً، سيساعدك ذلك على الاسترخاء.
تلبسه شعور بالعار، حين داعبه سلام مذكراً:
- ما بك يا رجل؟ أين فحولتك التي رويت لي عنها اسطورة دلال؟
- من دلال؟
تساءلت سمر، وهي تسحب يدها عن حوّاس.
أجابها حوّاس قاطعاً حبل الحديث، بابتسامة خجلى:
- مجرد حلم كنت رأيته في منامي.
لم تنفع زجاجة الجعة التي أفرغها حوّاس بجوفه اللاهب، في أن تحرك شهوته، لكنه أحس بحاجة ملحة لتصريفها في دورة المياه.
في المرحاض نظر حوّاس إلى مارده الذابل حد الضمور، بال وقوفاً، تابع بوله كأنه يخرج من ثقبٍ أسفل بطنه! استنكر الفاجعة التي لم تمر به من قبل في حياته، ارتجف جسده. رغوة بول كثيفة تقبّبت في فتحة المرحاض، لاحت حولها حلقةٌ صفراء كخلخال ذهب، ارتبك، هز وركه يمنةً ويسرة ليشتت الحلقة، تناثر شيء من رشاش البول على بنطاله.
- اللعنة... اللعنة... اللعنة.
رددها وهو يرشق الماء على بنطاله المتسخ، قفز وجه العرافة أمامه من فتحة المرحاض، صرخ بوجهه "إن خنت العهد حلّت عليك لعنتي". سحب سيفون المرحاض، ابتلع تيار الماء وجه العرافة، تردد الصدى مع هدير الماء "لعنتي... لعنتي.. لعنتي".
عاد إلى المائدة، مرهقاً متجهماً، وقفت سمر تنتظره على جنب، تتمايل مع إيقاع الموسيقى الذي هدأت وتيرته، رآها أسمن مما كانت عليه في ظلمة المائدة، تنورتها الحمراء القصيرة الضيقة، ذات الشق الجانبي، تكاد تُفصح عن سروالها الداخلي؛ قالت وهي تمد ذراعيها العاريين نحوه:
- دعنا نرقص.
مد ذراعيه معتذراً:
- لا أعرف.
سحبته نحو المرقص، همست في أذنه:
- الأمر أسهل مما تتصور، ما عليك إلا أن تحاكي الموسيقى بجسدك.
حين بدءا بالرقص، شجعته سمر:
- ها أنتذا تجيد الرقص، كأنك راقص عتيد.
ألصقت بطنها الأهيف ببطنه، سحبها من خصرها ليزيد الالتصاق، تأوهت، غمزت وردتي أنفها المعقوف، ابتسمت ملء وجهها، سألته:
- أ تشتهي مضاجعتي؟
- بلا أدنى شك، أجهل الحالة الغريبة التي أمر بها.
زادت ابتسامتها اتساعاً، حتى كادت تطفح خارج وجهها المستدير، وزاد بطنها التصاقاً، كادت تخترق بطن حوّاس الذي أحس باضطراب لذيذ في جسده. نضدت صدرها على صدره، تنهّدت، حاذت فمها بفمه، لفت ذراعيها العاريين بحميمية حول رقبته، بعد أن أحكمت ذراعيه على ظهرها. أسندت جبينها على جبينه، فانسدلت خصلات شعرها على جانبي وجهها، كستار مسرح يخفي خلفه استعدادات لمشهد حاسم.
دق أنفها المعقوف بوابة أنفه الأفطس اللاهث، وراحت تهدّ بقايا صبره:
- سأعريك الليلة... وأتعرى لك، وأراقصك هذه الرقصة، في غرفة لوحدنا، وسنرى كيف لا ينتفض ماردك؟!
تأجج في صدره لهيب الرغبة القاتلة، صعد اللهيب إلى رأسه، لكنه لم يحرك سواكنه السفلى. برغم محاولات سمر التي تذيب الصخر.
- لا بد أن نذهب الآن.
قالت سمر، وهي تقوده نحو المائدة، حيث وجه سلام مغروس تحت أذن وردة، ووجهها يفوح انتشاءً، قالت سمر:
- هيا بنا إلى البيت، لنكمل سهرتنا هناك.
***
الشارع شبه خالٍ بعد منتصف الليل بساعتين، الدوار يطوح برأس حوّاس، أرخى ربطة عنقه، فك زر ياقة قميصه، ترنـّح، شعر بحاجةٍ إلى التقيؤ. جلس في المقعد الخلفي بجانب سمر، إذ جلست وردة في المقدمة بجانب سلام، مستمتعةً بسيجارتها التي ألهبت فيها الحماس. انطلقت المركبة، صدح صوت (زهور حسين):
- (... آه كم آه... آهات يهل الهوى).
توقفت المركبة، أفاق حوّاس على زأرة الباب الحديدي الأسود القوية، الليل يجعل الأشياء أضخم حجماً وألذ طعماً من حقيقتها. أغلقت سمر باب غرفة النوم، وقف حواس كصنم أجوف، سحبته من ربطة عنقه بيد، ولوحت بزجاجة النبيذ التي أتت على آخرها باليد الأخرى. خلعت سترة حواس، قبلته، طالت القبلة، علقت شفتاها بشفتيه، بينما أصابعها تعالج الربطة وأزرار القميص. شدت الحزام بقسوة، ساعدها حواس على فكه، بعد أن أرخى الشريط الذي يشد كنزتها تحت إبطيها البظين، فوق نهديها النافرين. ارتخت الكنزة القطنية الحمراء، جرها نحو خصرها لتكشف عن صدرها وبطنها. فكت سحّاب بنطاله. كانت شفتاها لا تزالان تلعقان شفتيه، حين جمدت أصابعها عن الحراك، وشفتاها عن اللعق، وأنفاسها عن التأوه. فلا يزال المارد غافياً، برغم الألعاب النارية!
- تبدو مريضاً يا عزيزي.
قالت سمر وهي تسحب كنزتها نحو صدرها اللاهث، شدت الشريط لتلجم خيبة الفورة. عدّلت شعرها، قرصته بالمشبك، أضافت بعينين ذابلتين:
- عليك أن تراجع طبيباً مختصاً.
في الصالة كان سلام ووردة مسترخيان على الأريكة، يلملمان شظاياهما المتناثرة من الانفجار الأول، يحاولان استثمار النصر بتفجيرٍ آخر، بادرها سلام بالسؤال:
- بشّري.
- لا نفع فيه ولا دفع!
كتمت ضحكة هازئة، تمتمت بازدراء:
- هل أرد لك المال الذي منحتنيه لقاء الليلة؟
بجدية أجابها سلام:
- احتفظي به لليلة قادمة.
ضحكت بفجور، وهي تلكز خاصرة وردة العارية، علـّقت:
- إن كانت ليلة معك، فلا أمانع.
ضربتها وردة على ردفها ناهرةً، وهي تضحك بزهوٍ، خرجت الفتاتان تدمدمان، زأر الباب الحديدي بخجل.
دخل سلام غرفة النوم، كان حوّاس لا يزال عارياً إلا من سرواله، مطرقاً خجَلاً. جلس سلام بجانبه، أطرق محاكاةً له، تمتم:
- هوّن عليك... سنزور الطبيب في أقرب فرصة.
- لا داعي لذلك... علتي ليست عضوية... إنها لعنة.
التفت سلام إليه:
- أية لعنة؟!
- دع عنك هذا. لنهتم بما هو أهم.
***
- من هنا لطفاً.
تقدمت فتاة رشيقة أمام سلام وحوّاس، تمشي بخفة لتقودهما، تجتاز ممراً ضيقاً جدرانه باهتة الخضرة، مفروشاً بسجاد أخضر. استدارت نحو اليمين لتقف عند باب خشبي، علقت فوقه قطعة من النحاس، طرزت عليها بخط أسود أنيق، كلمتا (رئيس التحرير).
طرقت الباب ثلاث طرقات، ثم فتحته عن غرفة واسعة، دافئة، تلتف في أركانها عرائش اللبلاب، متسلقةً بهدوءٍ نحو سقفٍ مزركش بنقوشٍ مغربية. توزعت في أركان الغرفة أرائكٌ وكراسٍ أنيقة فخمة، ذات سيقانٍ ملتوية، وفروٍ وثير.
في وسط الغرفة، وقف رئيس التحرير، خلف منضدةٍ من خشب الزان، ملساء بنية عريضة، تصطف عليها أدوات مكتبية راقية بانتظام مفرط. كان يكلم شخصاً مهماً عبر الهاتف، بالغ بالاحترام وهو يودعه بكلام منمق، أغلق سماعة الهاتف الأسود، استدار حول المنضدة بابتسامة رشيقة:
- يا مرحبا بكما... نورتما المكتب.
- مرحبا أستاذ حسن.
صافحه سلام بحرارة، وقدّم له حوّاس.
- الأستاذ حوّاس، من طرف السيد النائب، وقد كتب لك هذه الورقة.
ناوله الورقة المذيلة بتوقيع النائب بالحبر الأخضر، قرأها رئيس التحرير باهتمام، أشار إليهما ليجلسا قبالة منضدته، على كرسيين متقابلين:
- كنت أتحدث تواً، مع مكتب السيد النائب.
أعقب وهو ينظر إلى حوّاس، ويربت على كتفه:
- يبدو أنك محظوظ يا بني... سأرتب أمر تدريبك لتصبح بعد فترة وجيزة صحفياً مهماً.
- سأجتهد لأكون عند حسن ظنك.
أجاب حوّاس بحماس، فرد عليه رئيس التحرير وهو يعود إلى كرسيه:
- المهم أن تكون عند حسن ظن السيد النائب، إنه ينتظر النتيجة كما بُلـِّغت.
ضغط رئيس التحرير على زر الاستدعاء، دخلت مضيفة مكتنزة، تحمل قدحين من الماء البارد، تضع على رأسها شالاً أسودَ، تزيحه بارتخاءٍ نحو الخلف، على وجهها ابتسامة دافئة. سألتهما وهي تقلب نظراتها بينهما:
- ما الذي ترغبان بشربه؟
- قهوة مضبوطة لو سمحتِ.
أجابها سلام، وهو يمعن النظر في جسدها المختمر، الذي يكاد يمزق ثوبها الرمادي القصير.
- وأنت يا أستاذ؟
نظرت إلى حوّاس الذي تمتم:
- كذلك.
أمرها رئيس التحرير:
- بلغي الدكتورة حوّاء بالحضور.
أومأت برأسها وهي تنسحب:
- حالاً.
وصلت حوّاء بعد القهوة بدقيقة، ترتدي قميصاً أحمر وسترة وبنطالاً سوداوين، لتكسر العتمة بشالٍ من الصوف ناصع البياض يتدلى على جانبها الأيسر، يفضح بروز نهديها وانسياب بطنها. شعرها الذي قصته حد كتفيها، بان أكثر كثافة بلونٍ رمادي، عاكساً لونه على عينيها الخضراوين وبشرتها الخمرية. أنفها المدبب الصغير، وقف كعصفور يحاول أن يحط على عش فمها المكور المكتنز. لا يمكن أن يصدق الناظر إليها أنها على أعتاب الخمسين، جسدها الممشوق كعود خيزران يوهم بأنها لم تدنُ من الثلاثين بعد، كذا وجهها الذي لم تخطّ عليه السنوات تجعيدة واحدة. كأن السنين غفلت عنها طوال عقدين من الزمن!
وقفت عند الباب، قالت بنبرة جادة، أشبه بنبرة قائد:
- أ بعثت في طلبي يا أستاذ؟
نهض رئيس التحرير مرحباً بها:
- تفضلي يا دكتورة حوّاء... أريد أن أوكِل إليك مَهمة لا ينجح فيها سواك.
جلست على أريكة قرب باقة زهر، غاصت في فرو الأريكة البني، فاح عطرٌ أخّاذ في أجواء الغرفة، عقدت ساقاً على الأخرى، شبكت أصابعها على فخذها. بحزم سألت:
- ما هي؟
قام رئيس التحرير ليلتف حول منضدته، جاهد أن يخفي قلقه من حجم المهمة، واجه الدكتورة حوّاء عن قرب، قال وهو يضع يده على كتف حواس:
- حوّاس عجينة خام، يجب أن يتحول إلى (صحفي) في زمن قياسي.
- يجب؟!
قالتها بابتسامة ساخرة، وهي ترص ما بين حاجبيها، وتعدل جلستها.
- نعم يجب... فالأمر صادر من جهات عليا... من السيد النائب شخصياً.
قال كلماته الأخيرة، وهو يرص على أسنانه، ليوحي لها بضرورة إظهار الاهتمام. فترت ابتسامة الدكتورة حوّاء الساخرة، أرخت حاجباها، لاحت ابتسامة قبول واستسلام على شفتيها:
- لا بد أن يكون موهوباً إذن.
- مهمتك اكتشافه، وخلقه كصحفي.
أضاف وهو يعود إلى مقعده:
- أنا أثق بك يا دكتورة... ابدئي منذ اللحظة فضلاً.
نهضت الدكتورة حوّاء، بدت كنخلة عتيدة، استأذنت بالانصراف وأشارت لحوّاس:
- اتبعني.
مشى خلفها بضع خطوات، دخلت غرفةً منزوية في آخر الممر، لم تعلق فوق باب الغرفة قطعة دلالة. تبعها حواس بانضباط، أشارت إلى كرسي خشبي بجانب طاولة مستديرة صغيرة، نـُظِمت عليها مجموعة أوراق بيض، ارتكز فوق الأوراق كوبٌ خشبي منحوت يدوياً، من غصن شجرة جوز معمرة، حوى قلمين، أزرق وأحمر.
- تفضل بالجلوس.
جلس حواس منتصباً، عدّل ربطة عنقه، بدا عليه التوتر، قالت له وهي تسند كفيها على خاصرتيها أمامه:
- (حوّاس)... اسم مقرف.
تجهم حوّاس، قبل أن تضيف الدكتورة حوّاء:
- اللطيف في اسمك، أن بدايته تتوافق مع بداية اسمي... حوّاء، حوّاس.
لاحت على محياه ابتسامة:
- إذاً فيمَ القرف؟
- في منشأ الاسم.
أسندت كفيها بثبات على المائدة المستديرة، تأرجح نهداها، أوضحت:
- (حوّاء) منشؤها الحياة، (حوّاس) منشؤه الحرب، أي الموت... فشتان ما بينهما.
مطت شفتيها المكتنزتين، تنهدت قبل أن تحسم:
- يجب أن نبدأ من اسمك... سنغيّره.
- أغيّر اسمي.
صرخ، وهو يضع يديه على المنضدة.
- هوّن عليك، ليس الاسم سوى بصمة طبعها علينا شخصٌ ما، لغاية في نفسه قضاها، لسنا ملزمين بالحفاظ عليه طوال العمر. من المثير أن يكون لك أكثر من اسم، واحد بصمه أحدهم عليك، وآخر تبصمه أنت على ذاتك، وثالث يبصمه محب.
استرخى في جلسته، أرخى ربطة عنقه، تأوه:
- أ تجدين هذا الأمر مهماً؟
- جداً... سوف تتغير شخصيتك تبعاً للاسم المختار. هل ستختار اسماً؟ أم أختار لك؟
بقيت متسمرة في وقفتها، حك حوّاس مؤخرة رأسه:
- أنا في حيرة، فقد تفاجأت... اقترحي شيئاً.
- (وسمان).
رفع حاجبيه، مط شفتيه بإعجاب:
- أنا؟!
- نعم... عليك أن تنسى منذ اللحظة شخصاً اسمه (حوّاس)، أنت وسمان، يجب أن توطّن نفسك على هذا.
- الاسم غريب.
- ما الغرابة فيه؟ وسم الأمس، يمكننا أن نأخذ منه العبرة... ووسم اليوم يمكننا أن نرسم من خلاله ما نشتهيه للغد، الغد حصيلة ما نفكر فيه اليوم، نحن نخلقه كما نشاء.
كلام مألوف، سمع مثيله من قبل، تذكر رجل القطار، والعرافة.
مدّتْ حوّاء يديها نحوه، ساندةً جذعها على حافة المنضدة المستديرة الصغيرة الفاصلة بينهما. تدلى نهداها كناقوسين تناطحا فقرعا قرعة بدء النزال، تلعثم وسمان قليلاً، راحت الدكتورة حوّاء تفك عقدة ربطة عنقه. تأرجحت سلسلة ذهبية تطوق رقبتها، لم يكن وسمان قد لاحظها من قبل! وسط السلسلة مثلثان ذهبيان صغيران متساويا الأضلاع، تقابلَ رأساهما ليشكلا جناحا فراشة، همست بهدوء:
- مظهرك مهم للغاية، فهو يعكس الانطباع الأول عنك لدى المقابل، حتى يبيت من الصعب عليه تغيير هذا الانطباع لاحقاً؛ إن ثبت له العكس.
سحبت ربطة العنق فانسلت عبر ياقة القميص، ونّ بينهما صوت احتكاك الربطة بالياقة، استعدلت بقامتها الفارعة، أضافت وهي تطوي الربطة بعناية، وتضعها على المنضدة المستديرة:
- للعمل أزياؤه، كما له قواعده، سأعدّ لك منهاجاً تدريبياً نبدأ به من الصفر.
- هل سيشمل أشياء عدا الصحافة؟
- سيكون للصحافة نسبة ضئيلة، لأنها لا تستوجب الكثير. المهم أن أنمي ذكاءك الاجتماعي.
مستغرباً قال وسمان:
- كيف سأكون صحفياً إذن؟
- أ سمعت عن مسابقات ملكة الجمال؟
فتح زر ياقة قميصه الأعلى، ابتسم بنشوة، هزّ رأسه بطرب:
- إنها ألذ المسابقات إلى قلبي، شاهدت تقريراً عن آخر دورة في التلفاز، منذ أسابيع.
- هل لاحظت أن ملامح الوصيفة، أجمل من ملامح الملكة؟
تسرّع في الجواب:
- نعم صحيح... واستغربت كيف فات ذلك على لجنة التحكيم، بينما الشخص العادي يلاحظ الفرق.
أضاف بسذاجة، وهو يتذكر جلسة نقاش جمعته بابن الشيخ:
- هل للوساطة علاقة بالأمر، كما قال لي أحد الأصدقاء؟!
ضحكت الدكتورة حوّاء، استدارت حوله، وقفت خلفه، أسندت زنديها على كتف الكرسي، لامست كتفه بثقة، قربت وجهها من أذنه اليسرى، أحس بذوائبها تدغدغ عنقه، لفح نفسها خده، فكر بشهوته، لكنه لم يشعر بمارده الخامد، همست الدكتورة حوّاء:
- السبب الذي تجهله، ويجهله الكثيرون يا وسمان، هو آلية التحكيم... أ ترغب في أن أشرح لك؟
ابتلع ريقه قبل أن يؤكد:
- قطعاً.
استقامت بنشاط، مشت باتجاه منضدتها، مد وسمان أصابعه ليتفقد مارده، بعد اللفحة الساخنة، صعق من خمدة المارد الخالدة! همس:
- اللعنة.
- ماذا؟
تساءلت الدكتورة حوّاء، وهي تحمل كرسيها لتضعه قبالة وسمان:
- ما الذي تلعنه؟
- شيء ما أفتقده منذ يومين، لا أعلم أين ولّى!
- إهمله، سوف يعود إليك.
ركّز بصره نحوها:
- أ ويعود؟
- طالما أنت تفكر في غيبته فلن يعود، المفروض أن تفكر في حضوره، وسيحضر.
تحسست سلسلة الذهب بسبابتها قبل أن تضيف:
- المسألة تتعلق بالجذب.
استلت ورقة من تحت كوب الخشب، وفتحت غطائي القلمين الأحمر والأزرق.
أمسك وسمان برسغها الأيمن، لم تحرك ساكناً، نظر في عينيها:
- أي جذب؟
- إنها نظرية علمية، تتحدث عن علاقتنا بالكون، وعن كوننا مغانيط، نجتذب من الكون ما نفكر فيه.
أرخى أصابعه عن يدها الممسكة بالقلمين، عادت إلى الورقة تخطط وتكتب، بينما لا زالت تتحدث عن الجذب، وعيناها على الورقة:
- الحياة تدور في أفلاك، فكّر فيما تفقده اليوم وسيعود إليك غداً، أبهى وأكمل مما كان عليه، كل ما عليك هو تركيز فكرك والانتظار... سيعود حتماً.
رفعت عينيها لتنظر في صلب ارتباكه، أتمت:
- سواءٌ أكان ما تفكر فيه جميلاً أو قبيحاً، فالأمر سيان، فكر به، وسيأتيك.
هز وسمان رأسه، فرك وجهه، أراد أن يمحو عن فكره تراكمات مربكة، احتوته الدكتورة حوّاء وهي تشير إلى الورقة التي خططتها بالأحمر وكتبت عليها بالأزرق:
- لاحظ هذا المخطط، يقيّم جمال المتسابقة من خمسين درجة، يشمل تفاصيلها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، وليس للوجه إلا نسبة محددة من هذه التفاصيل. أما الخمسين الأخريات، فتشمل الفكر والذكاء. لذا فإن الوصيفة التي رأيتها ذات وجه أجمل، تفوقت على الملكة في ملامح الوجه، بينما الملكة فاقتها في الفكر والذكاء، وهذا ما لم يعلن على الملأ، إذ يركز الكثيرون على وجوه المتسابقات وأجسادهن المتقاربة غالباً.
- لم أنتبه إلى ذلك من قبل.
نقرت بالقلم على الورقة، لتؤكد:
- ركز معي الآن... ذات المعيار ينطبق على الصحفي، خمسون درجة تمنح حول القدرات الإعلامية، أما الخمسون الأخريات، فتمنح للعلاقات الاجتماعية، حيث يشاهدها العامة مثل وجه المتسابقة، إذا استطعت بذكائك الاجتماعي أن تحوز على معظم هذه الخمسين، فسوف تتفوق في نظر العامة على كبار الصحفيين، أما المختصون في التقييم، فلا تحمل همهم، إذ لا يعيرهم العامة شأناً.
هزّ وسمان رأسه، ككرة مضرب تطبطبها الدكتورة حوّاء التي أردفت:
- بذكائك الاجتماعي، وبجولاتك الميدانية، تستطيع أن تكون أشهر من رئيس التحرير، الذي لا يفارق مكتبه.
- وماذا عن الكتابة.
- يصعب أن تتعلمها بسهولة، تلك ملـَكة، إن لم توهبها فلن تتمكن من خلقها. لكنني سأسألك؛ هل تجزم بأن ما تقرأه لكاتبه؟
فغر وسمان فاه، فاجأه السؤال، وصدمه إيضاح الدكتورة حوّاء وقد ألقت بالقلمين في كوب الخشب، وأسندت وجهها على راحتيها:
- معظم كبار الكتاب لديهم محررون، ينقـّون كتاباتهم، لتخرج على الملأ ناضجة.
أرجحت سبابتها في وجه وسمان نافية:
- لا تغرنـّك المظاهر.
مسحت براحتيها حافة المنضدة الناعمة، نظرت في عيني وسمان، قالت:
- سأخبرك بسر.
التم وسمان فوق المنضدة، أهرق اهتمامه معلناً:
- سأحفظه.
التمت أمامه على المنضدة الصغيرة، تركت مسافة حرف بين شفتيها المكتنزتين، وشفتيه الرفيعتين، ركزت عينيها بعينيه، ازداد الاخضرار تألقاً، توترت أنفاسه وهو يسمعها:
- تحتاج إلى 10% من الكفاءة.
صمتت، كأنها تريد أن تمنح الجزء المتبقي من كلماتها أهمية أكبر، انسابت نظرتها على أنفه الأفطس، لبدت على شفتيه المفغورتين، قذفت في فيه بقية السر:
- و90% من الحظ... وأنت تملك الحظ.
تسلقت نظرتها برفق حول وردتي أنفه المحمرتين، لاحظت أن أنفاسه توترت، ونظرته غارت بعيداً... في عمق الصدع الملتحم ما بين نهديها، تساءل بلا وعي:
- ما أدراك؟
- أنا من فـُتات الأنبياء.
فز وسمان من غفوته، انتصب واقفاً، مفغور الفم والمنخرين والعينين... صاح:
- من أنت؟
ببرود قاتل، قالت حوّاء وهي تتجه إلى منضدتها:
- الدكتورة حوّاء آدم... موعدنا غداً في التاسعة، هنا، في هذه الغرفة... يمكنك الانصراف الآن.
هم وسمان بمغادرة الغرفة، حمل ربطة عنقه المطوية، لاحظ بجانب الباب، فوق أزرار الكهرباء ومنظم المروحة، صورة كبيرة مؤطرة بإطارٍ أنيق، لرجل عجوزٌ يرتدي هنداماً أبيض، يضع نظارة ذهبية الإطار، يبتسم بشاربين مثلثين ابتسامته كبيرة، تشفّ عن نابٍ ذهبي يلمع بين أسنانه البيض. ذهل وسمان، وهو يقرأ في زاوية الصورة كلماتٍ بخطٍ جميلٍ، وحبرٍ أخضرَ (أبي... نحن معاً برغم المسافات).
التفت إلى حوّاء التي كانت قد اقتربت منه، وهمست:
- إنها صورة أبي.
باغتها بالسؤال:
- أين هو الآن؟
- في عالمه الآخر، مات منذ خمس سنين.
كان حواس على يقين مطلق أنه أمام صورة رجل القطار، فسألها:
- أ أنت متأكدة؟
تنافرت ملامح حوّاء من فجأة السؤال:
- قطعاً.
أضافت وهي تدلك كتف وسمان:
- يبدو أنك مرهق... سأنتظرك صباح الغد.