الفصل الأول
ـ صياح الديك ملأ الدنيا يا ولدي، وأنت لم تستيقظ؟!
مسح عمران وجهه وعينيه، وانتبه إلى أمه الواقفة إلى جوار سريره المخلَّع:
ـ سأنهض يا أمي.
ـ والدك سبقك إلى النبع، لعلَّه يستطيع سقاية الأشجار والمزروعات، قبل أن يستيقظ رزوق والجيران.
دفع عمران اللحاف بكلتا رجليه، وجلس على حافة السرير البائس، أمّا والدته فقد استدارت بقامتها المربوعة، باتجاه الباب المؤدي إلى السلم.
شغل عمران عينيه بالنظر إلى أمه، وهي تتجه إلى السلم، عبر باب الغرفة الضيق، واطئ العتبة. أمّا أذناه، فقد انشدتا إلى صياح الديك القادم من جهات البيوت القريبة والبعيدة.
وقف أمام النافذة المطلِّة على السهل والكروم والدرب، وراح يرقب الصبح الوليد، وهو يفتح عينيه بطيئاً، كحالم في اليقظة.
بدأت رؤوس الأشجار تظهر لعيني عمران، وسط الأفق المزركش بخيوط الضوء. وحين دقق النظر إلى جهة النهر والسهل بدت لـه الأشجار العالية.
صياح الديكة لم ينقطع، حتى خُيِّل لعمران أن الصياح يتسلق الأشجار، فيعلق بعضه بالأغصان كبقايا المطر، وبعضه ينقله نسيم الصباح العليل إلى كل مكان في البساتين.
انسحب وئيداً، من خلف النافذة، باتجاه باب غرفته.
انحنى انحناءة يسيرة، وهو يهم باجتياز باب الغرفة، لعلمه الأكيد أن رأسه ستناله صدمة لا يستهان بها، إنْ هو رفض الانحناء والميلان.
وصل إلى السلَّم الخشبي، الوسيلة الوحيدة التي تنقله وأمه ووالده من الغرفة السفلى إلى الغرفة العليا، وبالعكس.
ألف عمران الغرفة المضطربة دائماً، بحاجاتها وجدرانها ونافذتيها الشرقية والشمالية وبابها العجيب، وألف السلَّم ودرجاته، التي أدركها التعب. وألف النزول والصعود وصوت أمه الذي يأتيه مع صياح الديك..
ألف جملها المفيدة:
"يا ولدي! صياح الديك ملأ الدنيا، وحان وقت الاستيقاظ.. الصباح رباح.."
صافح النسيم الرطب وجه عمران، وهو يخرج من باب البيت الخارجي باتجاه الدرب المؤدي إلى السهل.
انحدر عمران عبر الدرب المنطلق إلى السهل، وعيناه ظلتا مأخوذتين بصورة الفجر، وأشجار السهل المترامي المنشرة في المسافات، التي لاحت لـه كأنها قامات تتراقص.
بيت والد غصن أول بيت يجاور بيت جابر العبود، وقد وقعت نظرات عمران على أم غصن، وهي تتجه إلى البيت الترابي للدجاجات والبقرة.. تمنى أن يلتقي بالأستاذ غصن، ليحييه ويسأله عن النتائج الفصلية، وعن نتائج رجاء.. وقد سأل أمه عنه، بعد أن حيّاها تحية صباحية هادئة:
ـ أين الأستاذ غصن؟
ـ إنه نائم هل تريد منه شيئاً، لأوقظه؟
ـ لا.. كنت أريد أن أسلم عليه، وأسأله عن نتائج الامتحانات الفصلية.
ـ سهر الليل بطوله على النتائج وأوراق المذاكرات.
تابع عمران خطواته باتجاه نبع الدلبات، وانشغلت أم غصن بإطعام الدجاجات ومناداتها.
بان لعيني عمران بيت سرحان العيسى، والد رجاء، وبانت أمامه شجرة السنديان الكبيرة، والكراسي موزعة في جهات الفسحة، أمام البيت..
نسي عمران أن ينظر إلى أي منظر آخر سوى بيت سرحان، قال في سره، وشعور فرح يلفُّ إحساسه: لعله يلمح رجاء..
افترق عمران باتجاه النهر حيث أرض أبيه..
شجرات دلب النهر كانت على حالها، مزهوة بالفجر والاخضرار الدائم..
من بعيد عرف عمران أن سرحان وزوجته موجودان في أرضهما المجاورة لأرض أبيه، إذ سمع صوت أم رجاء، وهي تحدِّث زوجها عن رجاء وغصن ونتائج الامتحانات الفصلية.
* * *
ـ لماذا لم تفتح مجرى النبع، وتجري الماء إلى الأرض؟؟
ـ حاولت ذلك ياعمران، لكن الماء قليل.
ـ لكنني أسمع صوت مضخة رزوق الحامد؟!
ـ وبيت سرحان العيسى يسقون مزروعاتهم وأشجارهم، وأشجارنا ومزروعاتنا تكاد تيبس من عطشها يا والدي؟!
ـ كن طويل البال يا عمران!!
لم يدم حديث عمران ووالده منفردين، بل جاء صوت سرحان فقطع عليهما الحديث:
ـ السلام على جارنا جابر، وعلى عمران ولده، وعلى أم عمران.
ردَّ جابر بصوت مسموع:
ـ وعلى سرحان العيسى وزوجته وولده السلام والتحية.
قال سرحان:
ـ أعرف أن مزروعاتكم وأشجاركم عطشت مثل أشجارنا ومزروعاتنا، والماء الذي يتسرَّب من السد الذي رفعه رزوق، أمام مجرى النبع، لا يكفي لسقي أرضنا، وأرضكم.
قال جابر بهدوء:
ـ رزوق خرب ماء النبع وضرّنا بعيشنا ورزقنا.
ـ انقطع سرحان عن الحديث مع جابر، واتجه إلى الماء ليجريه إلى جذوع الأشجار والمزروعات. أمّا زوجته وولده فقد ظلا يقتلعان العشب، ويحفران التراب حول المزروعات.
صياح ديك بيت سرحان لم يتعب، وبقي عالياً بين اللحظة واللحظة، وزوجة سرحان انتبهت إلى الصياح، وعرفت أن باب الدجاجات لم يفتح، وأن رجاء سرقها النوم، فنسيت أنْ تستيقظ.
رفعت ظليلة زوجة سرحان رأسها، واتجهت بنظراتها إلى جهة زوجها جابر ونادتها: ما رأيك أنْ تأتي إلى هنا، لنجلس تحت الأغصان؟ أقبلت زوجة جابر إلى حيث زوجة سرحان.. دعت كل واحدةٍ منهما الأخرى للجلوس، واستمرت الدعوات المتبادلة، بينهما إلى أنْ جلستا.
أسندت زوجة سرحان ظهرها إلى جذع الشجرة، وأخذت شملتها البيضاء المتسخة من كثرة الغبار والعرق..
تأملت أم عمران وجه زوجة سرحان، ثم قالت:
ـ أنت بعدك صحيحة البدن، صبية، ما بان على وجهك العمر.
ـ وأنت يا أم عمران، صحتك جيدة، وجمالك محبوب.
عاد صياح الديك يرن في سمع زوجة سرحان، وينبهها إلى أن رجاءً لم تستيقظ، ولم تفتح بالتالي باب بيت الدجاجات.
بيت سرحان لا تفصله عن أرضه في السهل إلا أرض ابن عمه، وأرض رزوق، وشجرات الدلب المجاورة للدرب. الدرب المؤدي إلى بيت سرحان واسع، والأغصان تغطيه.
عاد سرحان إلى الحديث مع جابر العبود:
ـ مزروعاتك ـ أخي جابر ـ عطشانة مثل مزروعاتنا، وفي الغد سأترك لك الماء.
نظر جابر إلى جهة النبع، فبدت لـه الأشجار، وبدا بيت رزوق في أعلى سفح التلة المشرفة. قطع صوت عمران تأملات والده المشوبة بالقلق:
ـ رزوق ما لـه الحق في احتجاز ماء النبع.
أم عمران وزوجة سرحان سمعتا كلمات عمران..
قالت زوجة سرحان مطرية:
ـ عمران من الأولاد الذين يفرح الأهل بهم، فهو شاب مجتهد ومهذب، إلا أنه منزعج من رزوق. ومن يعاين هذا العطش، لابد أن ينزعج.
ختمت كلامها وأشارت بيدها إلى الأشجار التي أذبلها العطش..
الشمس زادت من سطوة حرِّها. وازداد بذلك الشعور بالعطش والذبول..
وعلى مقربة من الجميع كانت مضخة رزوق تصرخ، وتضخ الماء إلى أعلى أرضه صراخاً يوجع السمع، ويخيف تدفق النبع، ويزعج اخضلال شجرات الدلب القريبة.
نظر سرحان إلى عمران نظرات محبة، وسأل جابر:
ـ عمران هذه السنة سيتقدم لنيل الشهادة الثانوية؟
ـ نتأمل ذلك يا سرحان.
ـ عمران من المتفوقين كما تقول عنه رجاء.
سمع عمران كلمات سرحان، ورشفها بروحه الظامئة إلى صوت رجاء أو اسمها.. أحس نفسه شجاعاً، ومتفوقاً، وقادراً على سقي الأرض والمزروعات من النبع، بأي شكل من الأشكال.
* * *
خرجت دجاجات بيت سرحان، يسبقها الديك، مزهواً بريشه المزركش.. فرش جناحيه كلوحة في ريح هادئة الهبوب.. وأبقى على ريشه منفوشاً، كأنه بذلك يريد أنْ يستريح من البيات طوال الليل، وكأنه يفرح بالخروج من حبسه الضيق.. بقية الدجاجات لم تفعل فعل الديك، بل انطلقت إلى المرج القريب، وراحت تنقر زهر العشب وسواه.
أيقظ صديق رجاء، فنهضت من على سريرها باتجاه فسحة البيت الخارجية، حيث الشمس سكبت أشعتها بقسوة، مما دفع رجاء إلى العودة إلى الغرفة على عجل، هرباً من الحر الشديد.
لم يقف صديق، لأنه لمح من بعيد قامة سحر الزهيري، وهي تخطو على مهل باتجاه الدرب الصاعد إلى بستان المواسم.
هبط الدرج عجلا، يحدوه حبه المجنون.. بلغ الساحة، فرأى أم أمين جالسة على المقعد الخشبي، لكنه لم يحيها، لأنه وجدها نائمة.. رجاء لم تر أخاها صديقاً، وهو يتجه إلى حيث سحر ولم تعرف أين ذهب، إذ انشغلت بغسل وجهها، وتسريح شعرها وضفره.
تمهلت سحر حين رأت صديقاً مقبلاً تجاهها، لكنها لم تقف بتاتاً، وأشعرتها أنها لم تره..
أخذت رجاء كرسياً عالياً، واتجهت إلى ظل السنديانة العتيقة القريبة من حائط البيت، التي تنتشر أَغصانها المتداخلة فوق فسحة البيت. مسحت عن عينيها بقية النعاس العالق بالأهداب، وأرسلت نظراتها إلى جهات السهل الفسيح المترامي، أمّا كتابها فقد تركته هانئاً مطمئناً في حضنها.
سرحان وجابر جلسا تحت الأغصان مثلهما مثل أم عمران وأم صديق. أمّا عمران، فقد ترك الأرض، واتجه إلى الدرب.. كلمات سرحان بقيت ترن في أعماقه رنيناً عذباً: "رجاء تقول عن عمران: إنه متفوق وإنه محبوب".
ازداد الرنين العذب، وصار حكاية وحياة، حين لمح رجاء جالسة تحت أغصان السنديانة.. صارت الكلمة كوناً يحبه.. وحنيناً.. صارت رجاء.
تذكر عمران وهو ينظر بخشوع إلى بيت سرحان، أن رجاء استعارت منه كتاب الأدب، منذ أكثر من شهر، وأنها لم ترجعه، رغم أنه التقى بها مراراً في المدرسة.
سأل نفسه: "لماذا لم ترجع رجاء كتاب الأدب حتى الآن؟!"
ازداد خفقان قلبه وتوتره، وهو يقترب من مكان رجاء.. وازدادت مخاوفه.. التي أحسها قريبة من روحه..
نظر نظرة عجلى إلى السنديانة، فلمحها على الكرسي، وقد أسندت ظهرها إلى الجذع، لكنه لم يجرؤ على إطالة النظرة، ولم يشر أية إشارة، وقد أحسَّ برغبة واسعة أن يكلمها، فامتلأت نفسه بالخشية، وازدادت خفقات قلبه، ولم يعرف في تلك اللحظة المتوترة أن يتخلص من خشيته وخوفه، وظلت أنفاسه محاصرة باللهفة.. وبالخوف من إنجاز هذه اللهفة.
مصادفة، لمحت رجاء عمرانَ وهو يعبر الدرب باتجاه بستان المواسم، حاولت أن تلتقي عيناها بعينيه، لكنه بقي مطرقاً خائفاً، يجلّله العشق والخوف من العشق: هذا الكائن الخفي.. العجيب.
أراد عمران أن يفسِّرَ إطراقه، فلم يوفق إلى تفسير، يفرح النفس، وقال لنفسه: "لعل إطراقي فنٌّ من فنون الكبرياء" فاكتشفت أن الإطراق في حضرة الحب فنٌّ من فنون الغباء..
عاد إلى مخاطبة نفسه: "لعل عدم الكلام مع رجاء يعني لها أنني مهذبٌ وذو عقل رشيد لكنه تأكد من جديد أنه غير فهيم، وأن صمته وإطراقه لا ينفعان في شيء إلا كوقود للسيارات التي نُسقِّتْ منذ عهد بعيد.
لهذا كلِّه فكّر أن يرمي بصمته وإطراقه وخجله، في أقرب حفرة يلاقيها، أو قرب أية مزبلة يصادفها، لعل الجيران يستفيدون من هكذا نوع من الصمت والإطراق والخجل كـ "سماد" طبيعي لمزروعاتهم، وأشجارهم.
رجاء لم تبق على كرسيها، أمام البيت، بل تأبطت كتاباً وصعدت الدرج باتجاه الطابق الثاني، لتطل على الدرب والأشجار وعمران.
بيت سرحان من البيوت الكبيرة في الملتقى، وهو على مفترق دربين، واحد يتجه إلى السهل، وآخر يتجه إلى المواسم، ويشرف على النبع والدلبات..
بقي خيال عمران مشغولاً بصورة رجاء.. يرسمها على هواء، ويعلن لها حبه، ويسأل نفسه: "هل تحبني رجاء كما أحبها؟!
* * *
انطلق صياح الديوك عالياً ـ كعادته ـ يبشر باقتراب الفجر، ويذيع في الأسماء بهجة غامرة. جابر العبود أيقظه الصياح، قال لأم عمران:
ـ صياح الديوك ملأ الدنيا، وحان أن نتهيأ للذهاب إلى النبع، الماء اليوم لنا، ومزروعاتنا عطشت عطشاً شديداً.
جابر العبود لم يبلغ بعد الخمسين من عمره، وزوجته عمرها قريب من عمره، وقد تميزا: جابر وزوجته بالكياسة والملاحة، وحسن المنطق، إلا أن جابر يفوق زوجته في هذا الميدان، فهو المدرس الأول في المواسم، وهو المثقف، والشخصية المعدودة بين شخصيات البساتين.
نهض جابر باتجاه الفسحة الخارجية، تناول العلبة الواسعة المخصصة للماء، وغسل الوجه، وراح يتناول بكفيه الماء، ويرشق وجهه الممتلئ النضر، رغم عذابات السقي والسنين والأشجار، والمتابعة.
أمّا زوجته فقد اتجهت من الغرفة الداخلية، إلى الغرفة التي تليها، ومن ثم فتحت الباب المفضي إلى المطبخ.
المطبخ مجاور لبيت الدجاجات، لكن صياح الديك لم يستوقف أم عمران كثيراً، لأن صوت "البابور" ملأ أذنيها ضجة، فغاب عنهما الصياح.
أنجزت سلق البيضات، وعادت باتجاه الغرف حيث جابر، حاولت أن تعاين الأفق والسفوح والأشجار وجهة النبع، فألفت غبش الليل مكدساً، فلم تر سوى الغبش، فسألت نفسها:
ـ هل يعقل أن الصبح بعيد؟؟
لكن الصياح، أكد من جديد لأم عمران أن الصبح قد اقترب.
أحست بالصياح قوياً، ومديداً، وعالياً، يقدم من جهة بيت دجاجاتها، ومن جهة بيوت الجيران المنتشرة في جهات السهل والتلال.
أحست به يصل إلى سمعها كنداء بعيد، يردده الصبح والرعاة القريبون دائماً من الفجر.
مطبخ أم عمران كسائر البيت، مضطرب بحاجاته وترتيبه.. ومن يرد دخوله، أو الخروج منه، لا ينج من لطمة تقدمها لـه جديلة ثوم معلقة على الجدار، أو من ضربة محترمة على الرأس تمنحه إياها الجرة الصغيرة المعنية بشؤون الزيت.. المستريحة إلى جوار جدائل الثوم.
وباب المطبخ ليس أفضل من المطبخ.. باب نصفه خشب، ونصفه توتياء أدركها الصدأ، وأكثره مسامير هجرت مواقعها في الأخشاب، إلى غير رجعة، فغدت الأخشاب لا حول لها ولا قوة في شد أزر الباب، في وجه أية عاصفة، أو أي سارق.. لكن أم عمران مطمئنة إلى أن السارقين لن يقربوا مطبخها في أي يوم من الأيام.
تعرف جيداً مطبخها، وتعرف كيف تدخل غليه، وكيف تخرج منه، دون أن تنالها الحاجات المعلّقةُ، بالضربات العشوائية، ودون أن ترتطم قدماها بالفقر المرمي على الأرض بإهمال بالغ.
خرجت من المطبخ، وخيوط الضوء أخذت تنتشر في عباءة الليل الواسعة.. قالت لنفسها: "الديك يعرف موعد الصبح، ولا يصيح إلا حين يقترب".
تركت الفسحة الخارجية، ودخلت إلى الغرفة والصياح يضج في المدى، كنشيد لا ينتهي.
رأت جابرَ جالساً، وأمامه الأوراق مكتوبة يتأملها، نادته: أراك شغلت نفسك بالأوراق؟!
توازن جابر بجلسته، ولملم الأوراق، وأعادها إلى موقعها في الحقيبة الواسعة.
انتبه إلى الطبق المشغول بالصحون، فعرف أن الطعام أنجز، سأل زوجته، وهي بعد واقفة:
ـ ألا توقظين عمران؟؟
ـ أظنه استيقظ، لأنني سمعت صوت مشيته.
قال جابر:
ـ اتركي عمران يقرأ، وأنا سأسبقك إلى النبع، لعلي أوفق إلى سقي الأرض والأشجار، قبل أن تصحو مضخة رزوق.
ـ أنا أرتب البيت، وألحق بك.
ارتدى جابر العبود ثيابه المخصصة للحقل والسقي، ولبس /جزمته/ السوداء عالية الرقبة، وخرج باتجاه الدرب.
الفجر كان كغابة تتسع وتتضح معالمها، وبيت والد غصن لم يكن قد استيقظ أحد منهم، سوى صاحب البيت، إذ لمحه جابر، وهو يدخل إلى بيت الدجاجات والبقرة.
انحدر عبر الدرب المؤدي إلى الملتقى، فالنهر، فالسهل، وقد آنست روحه الأشجار والأحفة المجاورة للدرب: شجرات الزيتون تنتشر في جهات المسافات القريبة من الدرب والبعيدة عنه، وشجرات السنديان تنهض بقامتها القوية القصيرة وأوراقها الشوكية، في الأحفة العالية قليلاً عن الدرب، وكأنها تنبت لتؤنس الأحفة، وتذهب عنها الضجر.
جابر العبود يحب هذا الوقت، لأنه يعود إلى أفكاره، ومواقفه، ويتأملها إذ الفجر في طفولته والضجة غافية.
أجنحة خفقت في الفضاء الصاحي، و"أصوات طيور" يسيرة داهمت الصمت، وغردّت في سمع جابر.
تذكر جابر وهو يعاين الفجر والعصافير تخرج من أعشاشها، معلقة الشاعر امرئ القيس، وسيرهِ المبكر، والطير في أعشاشها.
وبدأ يردد:
لكنه لم يبق مع تأملاته فصوت مضخة "رزوق" سرقه من تأملاته وأفكاره: ضاعت كل الأصوات والأفكار من رأسه، واستبدَّ به صراخ المضخة.
صياح الديك وصوت دراجة جابر العبود، أيقظا أم عمران، وقد أخذتها الدهشة إزاء زوجها، قالت في نفسها:
"أين ذهب في الليل؟. هل يكون أوصل محمد الشحادة إلى بيته في طرف بستان الملتقى؟! أم ماذا؟؟".