الفصل الرابع

10 0 00

الفصل الرابع

أخذ جابر العبود يد غصن الحسون بيده وشدَّ عليا بقوة، وقال لـه:

ـ أنت الآن صرت مديراً لمدرسة البساتين بعدي!

ارتبك غصن، وداهمت مخيلته صور شتى مشرقة ومعتمة، وملونة بألوان، لم يفسرها جيداً في تلك اللحظات. ثم بدأ مدُّ الارتباك والاضطراب ينحسر، وبدأ غصن يستعد للفرح الذي أيقظه الكلام..

وقف قريباً من جابر، مما أفسح المجال أمام الطلاب، ليقارنوا بينهما..

وقد سمع جابر وغصن نتفاً من هذه المقارنة.. عرفا صوت سعاد حفيدة أبي أمين، وهي تقول لسحر الزهيدي:

ـ جابر العبود أجمل من غصن.

قالت سحر:

ـ أنت تحبين جابر العبود.

ـ وأنت ألا تحبينه؟؟

ـ أحبّه.. وأحبُّ غصن..

ـ قريبك؟!

غنجت سحر، وابتسمت بشفافية وظرافة، فهمت منها سعاد، أنها تحبُّه، لأنه شاب غير متزوج، ولأنه أستاذ..

قالت سحر:

ـ غصن ابن خالتي..

ـ لم أكن أعرف أنه ابن خالتك..

ـ كيف لا تعرفين؟

ـ لم تقولي لي: إن أمَّ غصن الحسون خالتك!؟

عيناه لم تستقرا.. نظر إلى رجاء، وسعاد، ولمح عمران جابر العبود. أما جابر، فقد شغل بالحديث مع المدرسين الواقفين إلى جواره، وقد سمع الكلمات، وانتبه إلى رجاء وعمران، وهما ينظران كل منهما إلى الثاني نظرات هادئة مشوقة.

غزال ظلَّ بين الطلاب والمسطرة التي تعوّد على حملها، لم يتركها؛ راح يضرب بها الطلاب المأخوذين بالكلام، وقد نالت سحرَ وسعادَ ضرباتها الخفيفة، لكنها مفزعة، إذ لامستهما، وهما مأخوذتان بالحديث.

انقطعتا عن الحديث على إثر ملامسة المسطرة الخشبية لكتفيهما..

غزال ذهل أمام قوام سحر، وفتوتها، وجمالها.. وأحسَّ برعشة غريبة، تجتاح روحه، وتهزُّ أعماقه.

قال جابر العبود كلمات قليلة، وودع الطلاب، باتجاه غرفة الإدارة، ودخل خلفه غصن والمدرسون، وتبعهم الطلاب؛ أما غزال بقي منشغلاً بالحيرة والرعشة والنظر إلى سحر..

رجاء وعمران اقتربا أكثر: كلّ منهما من الآخر، وسارا معاً باتجاه غرفة الدروس القريبة من المدخل الرئيسي للمدرسة.

فرحة عمران ازدادت، وهو يسمع كلام الطلاب عن أبيه.. لكنه بقي صامتاً، ولم يضحك، وهو يشاهد غزال، يضرب أكتاف الطلاب والطالبات بمسطراته الخشبية.. ويرشُّ لعابه ذات اليمين وذات الشمال، وكأنه في معركة لعابية، وعليه أن يفوز برش اللعاب، وإلاَّ يَضِعْ منه نفوذه.

لعاب غزال هو الحالة القصوى للتعبير عن شجاعته وقوته تجاه الفوضى التي تدبُّ بين الطلاب.

التفت إلى عمران ورجاء وهما يدخلان إلى الغرفة، ثم يجلسان على مقعد واحد.. أما سحر، فقد غنجت في مشيتها، وتمهلت..

وانقطعت عن الحديث مع سعاد حفيدة محمد الشحادة.

سألت رجاء، وقد احمّر وجهها حياءً:

ـ الدرس الأول هذا اليوم لمن هو؟

ـ الدرس لغصن..

ـ وأبوك هل سيترك دروسه؟!

سمعته في الأمس يقول لغصن ولوالدتي ولمحمد الشحادة: إنه لن يترك الدروس، حتى يوفق إلى مدرس يعرف التاريخ والأدب واللغة...

همست بصوت حميم تضجّ فيه الأنوثة:

انظر إلى غصن، إنه خرج من غرفة الإدارة، واتجه إلى غرفتنا..

استاء أول الأمر، لرغبته في أن يبقى الوقت متاحاً للحديث بينه، وبين رجاء العيسى.. تمنى لو أن غصنَ تأخر عن الدرس نصف ساعة، وتمنى لو أن المدرسة أغلقت أبوابها، ليهنأ لـه الوقت والحديث مع رجاء.

سحر دخلت قبل غصن بلحظة، وقد شاهدها وهي تدخل إلى الغرفة، وقد راقه أن يبقى يشاهدها، ويملأ روحه من النظر إليها.. ولعلّ سحرَ تأخرت في الدخول إلى الغرفة، بغية أن تشغل في نفس غصن النار: هي تعرف جيداً أنها صبيةٌ ممتلئة.. حسناء، وتعرف أنه معجبٌ بها وهي تريد أن يُثمر الإعجاب حباً.. ولعلها لم تحسب هذا الحساب.

سحر ورجاء من أجمل صبايا البساتين، حسب رأي محمد الشحادة، وحسب آراء نساء ورجال وشباب البساتين أكثرهم، أو عدد كبير منهم على الأقل.. وسحر أملاً من رجاء وأنضج أنوثة، وهي تكبرها بثلاث سنوات: رجاء لأول مرة تستعدُّ لدراسة الشهادة الثانوية، بينما سحر درستها سنتين، وهاهي تدرسها سنة ثالثة.

مدرسة البساتين تعرف سحر الزهيري معرفة جيدة، وتعرف تفاصيل حياتها..

جلست سحر على المقعد الثالث، الذي يلي مقعد رجاء وعمران.. وأغفلت غصنَ عن قصد ورغبة..

بدأ يرسم على اللوح الخطوط الهندسية المتوازية وغير المتوازية، ليشرح للطلاب كيفية التقاء الخطوط وارتكازها وتوزع النقاط وتلاقيها، إلاَّ أن سحرَ ابتعدت عن هذه الخطوط، وضاعت خيالاتها في فضاء من التعب والخيبة والرغبات. تذكر أيامها البيضاء، أوّل سنة تستعدُّ فيها لدراسة الشهادة الثانوية، ولد برهوم الحبيب، يوم وقف أمام الطلاب، في نفس المكان الذي يقف فيه غصن، وتذكرت أنه لم يرسم أية خطوط هندسية أو غير هندسية، بل شغلهم بالأحاديث الجانبية المضجرة.. تذكرت آنذاك كيف نظر إليها نظرات غريبة، وفي الأيام التالية، كيف شغل باله بها وأعلن لها رغبته بالتحدث إليها، وملأ رأسها بالوعود.. وكيف لوّن لها الآفاق تلوينات متداخلة، فهمتها حينذاك على أنها ألوان السعادة، التي تحلم بها.. واعتقدت أن جمالها حظي بالسعادة، وأن أنوثتها لاقت الجوّ الرائع لتعيش فيه.. وغابت عن ذهنها ملامح برهوم الحبيب، والأحاديث الكثيرة التي سمعتها عنه من أم أمين، ومن أمها، ومن جيران كثيرين.. غاب عن ذهنها الأفق الأسود، وحضر الأفق الذي لوَّنه لها بألوان فاقعة، لم تفهمها في حينها.

مدرسة البساتين شاهدت في تلك الأثناء ولد برهوم وهو يحاصر سحرَ بالاهتمام، ويسعى إليها.. وحاول آنذاك جابر العبود أن يبعدهُ عنها.. وأن يقنعها بكذب تخيلاتها، وكذب السعادة التي لوَّنها لها، ورسمها بألف شكل وشكل، لكن جابرَ خابت مساعيه، ولم يفلح إلا في أمر واحد، هو تنبيه ولد برهوم وتحذيره، إذ قال لـه:

سحر طالبة.. ويحقُّ لي أن أنظر إليها كأنها بنتي، بصفتي مديراً للمدرسة.

لكن الأمر جرى مجرىً مختلفاً..