الفصل الثاني
رزوق الحامد لم يترك لنا ماء يا عمران، والموسم سيئ هذه السنة.
ـ قلت لك منذ وقت بعيد: اتركني لأعلّمه كيف يعتدي علينا، ويأخذ ما لـه وما ليس لـه من ماء نبع الدلبات.. ومن غير ماء النبع.
طوّل بالك، طول البال نعمة.
ـ والأشجار والمزروعات إذا يبست من أين نعيش؟!!
دار هذا الحديث بين جابر العبود وولده، وهما جالسان إلى المقعد الخشبي الذي أمام البيت، قريباً من المطبخ وبيت الدجاجات.. وأمامهما يترامي السهل فسيحاً، يلفه الاخضرار وعبشُ المساء المقبل.
فتح جابر عينيه جيداً، ونظر إلى جهات السهل البعيد، وإلى البيوت المبعثرة فوق التلال، وقال لعمران:
ـ أنظر إلى تلك البيوت! وأشار بيده إلى جهة الشرق، حث ظهرت البيوت.
قال عمران:
ـ نظرت إلى البيوت ورأيتها جيداً؟
ـ هذا بستان الصافي.
والبيوت التي على التلة القريبة من بستان الصافي، ما اسمها؟
اسمها بستان القمح.. والتلة التي تجيء بعدها اسمها بستان الملتقى، لأن الدروب تلتقي عند سفحها..
مضخات قليلة بقيت تزعج بأصواتها هدأة المساء، وتمزِّق أوصال الأحاديث، من بينها مضخة رزوق..
قال جابر:
ـ هل عرفت صوت المضخة؟
ـ لا يا أبي.
ـ أنا عرفته.. وتأكدت منه.. رزوق الآن يضخ ماء النبع بالمضخة إلى أعلى أرضه لسقي الأشجار الحراجية المحيطة ببيته، التي أحضرها لـه صهره وأصدقاؤه ليزين بها إطلالة بيته، ومزروعاتنا وأشجارنا لا تبعد عن فم النبع إلا أمتاراً قليلة، ولا يمكننا أن نسقيها.. إنها الخيبة والقسوة والتعاسة.
لمح الولد في ملامح والده الغيظ والمكابدة، لكنه لم يحدثه عن أي شيء، لأن رجاء خطفت انتباهه.
رآها بوضوح على السطح، وفي يديها كتابها.
سرقته من المساء والحديث مع والده، ومن السهل والتلال، وقرَّبته منها، فغاب في ذهوله، ليراها بوضوح أكثر، ليتذكر رنة صوتها، وقت تكلمه عن القراءة والامتحان، ليلمح شهامة وجهها التي لا تفارق مخيلته.. ليحس أنه يمشي معها، أو يجلس على المقعد المجاور لمقعدها.. قال في نفسه، والمساء يلف الجهات بإزاء من غبش: (ليتني قلت لها: إنني أحبُّ سطح بيتهم.. والدرب الذي يمر قريباً منه..).
قطع صوت أبي أمين علي تأملاته، وأيقظ جابرَ من ذهوله المزدحم بالمكابدات:
ـ (شايف اليوم بو عمران راجع من الأرض بكير، وشايف عمران على غير عادته: ما هو منشغل بالقراءة، والامتحان.. صار على الباب!؟!.)
قال جابر: أهلاً وسهلاً بأبي أمين! أين كنت؟؟
ـ كنت في هذه الدنيا المتعبة يا جابر، أحاول أن أعيد أرضي.
أوسع جابر وعمران مكاناً لأبي أمين على المقعد الخشبي.
جلس الجاران، أمّا الولد فقد نهض:
ـ أنا الآن سأقرأ..
قال والده:
ـ وفقت في سعيك إلى الخير والنجاح..
قال أبو أمين:
ـ صار عمران شاباً ممتلئاً، ولا ينقصه من الشباب شيء.. قامته قامة رجال وصحته كيِّسة..
البيت في أعلى البساتين.. والجالس أمامه يمكنه أن يرى التلال القريبة والبيوت المنتشرة في جهاتها، ويمكنه أن يرى أشجار السهل المترامي..
أخذ أبو أمين علبة التبغ ولفَّ منها لفافةً عريضة، أشعلها، وعبَّ منها نفساً عميقاً، ثم أطلق ما تبقى منه.. وتساءل:
ـ أرى إلى الآن باب بيت الدجاجات مفتوحاً؟
أم عمران ذهبت من الصباح لزيارة ابنتها المتزوجة شيبان بن حمدان الصقر.
ـ راح تنام عندها وإلاّ راح ترجع اليوم؟
ـ لم يجب جابر، لأن قامة أم عمران بدت عبر الدرب القادم من جهة بستان الصافي..
* * *
ـ كيف أم عمران.. وكيف البنت؟ وزوجها.. والأقرباء؟..
ـ بخير يا أبا أمين.
لم ينتظر جابر العبود أبا أمين حتى ينهي أسئلته المتلاحقة، بل قاطعه، وطلب من زوجته أن تهيِّئ لهما مائدة مفتوحة أو مغلقة أو محدودة..
أبو أمين يفتتح نهاراته بالمشي في دروب البساتين، أمّا لياليه، فلا يعرف أن يعيشها من غير أن يطفئها بالكؤوس الملأى، حتى ينطفئ، فينام..
النسيم لم يتعب من مداعبة أغصان الشجرات القريبات من البيت..
جابر العبود ومحمد الشحادة أخذهما النظر إلى السهل والبيوت، وظل صوت مضخة رزوق الحامد يزعج سمعهما وسمع الآخرين والمسافة..
أضواء مبعثرة بدأت تنشر نورها الشحيح، في أنحاء البساتين والسهل.
وخفق أجنحة الطيور العائدة إلى أعشاشها، لم يحرم العشاء من بهجته..
جابر العبود لم يبتعد بنظراته عن السهل، وأذناه بقيتا منشدتين إلى خفق الأجنحة والأصوات المرمية على عتبات الظلام، وبقيت المزروعات والأشجار نصب عيني ذهنه يلاحظها بتلهف..
محمد الشحادة أخذ القنينة وأفرغ من فمها في كأسه، ثم تناول كأساً ثانية وصبَّ فيها قطرات قليلة، ثم أخذ الإبريق وصب في الكأسين فغّير لونهما، وانتشرت منهما رائحة كرائحة مساء رطب على مدخل الربيع.
غاب السهل والبساتين في عباءة الظلام الواسعة، وما عاد جابر وأبو أمين يريان إلا أضواء بعض البيوت..
قال جابر:
أنت يا أبا أمين لا يشغلك في النهار شاغل، من أين يجيء إلى رأسك الهم؟!
ـ العوز يا جابر همُّ الهموم وغمُّ الغموم.. وأنت تعرف أنَّ أولادي.. لا يعينونني على العيش، وأرضي في السهل راحت..
أشعل جابر لفافته وعبَّ منها نفساً عميقاً، وأعاد ما تبقى منه.. ورفع رجله اليسرى ووضعها فوق اليمنى، وأسند ظهره إلى خشبة المقعد الخشبي الحزين، وراح ينظر إلى بيت الدجاجات، والمطبخ، وإلى بيوت البساتين البادية أضواؤها، وأذناه ظلتا تصغيان بين الحين والحين للأصوات المتبقية في ليل البساتين والسهل، والعواء القادم من جهة النهر ونبع الدلبات.. والمسافات..
نبه صوت أبي أمين أذني جابر:
ـ ألا تسمع مثلي عواء ابن آوى..؟
ـ نعم أسمع..
ـ إنه يأتي من جهة بيت رزوق الحامد..
ـ ابن آوى يحن إلى أخيه رزوق..
ـ والعواء يجيء من جهة بستان بيت الحبيب أيضاً...
أم عمران أخذها النعاس فنامت.. ولم تسمع صوت مشية ولدها في الغرفة العليا، وصوت زوجها ومحمد الشحادة..
غرفة نوم أم عمران ليست للنوم فقط، رغم التصاق هذه التهمة بها!!
إنها للزيت والقمح والصابون والبطاطا والأحذية الخربة.. وسريرها مشجب لتعليق كل ما يمكن تعليقه، كالثياب والأكياس القادرة على البقاء معلّقةً.. يشبه إلى حد بعيد سيارة، فقدت توازنها وقدرتها على الحركة منذ عهد غير قريب:
مُخلَّعٌ وقوائمه تكاد تنفصل عن بقية أجزائه، لكن انفصالها وإن جاء دفعة واحدة، لن يؤذي جابر وأم عمران، لأن ما تحته من الأغراض والحاجات وصفائح الزيت وأكياس القمح وسواها، يشارك في رفع السري عن سطح اليابسة أكثر من قوائمه.. ولهذا لن تجد قوائمه الفرصة متاحة أمامها للانفصال عن السرير وإيذاء الزوجين..
* * *
ـ تأخر أبوك يا رجاء..
ـ هذه عادته يا أمي!!
ـ العمل على السيارة ونقل الركاب من مدينة إلى أخرى.. والسفر في الليل والنهار.. أمور صعبة.. لكنَّ أباك تعوّد على هذا العمل..
صمتت رجاء، ولم تكمل الحديث، وتمنّت أن تذهب إلى غرفتها، لكنها قدّرت في نفسها أن أمها ستبقى وحيدة وستضجر إن هي تركتها..
غرفة تقع في الطرف الشرقي من البيت.. يفضي إليها ممر داخلي. ويفصلها عن غرفة الضيوف، غرفتان الأولى لأخويها صديق وعصام، والثانية لأبيها وأمها.. وأمام الغرف شرفاً واسعة.. بيت سرحان العيسى يطلُّ جيداً على كل الدروب، وعلى بيوت الجيران القريبة.
نظرت رجاء إلى حاجات الغرفة، ثم انصرف ذهنها إلى التفكير بالمدرسة والمدرسين والمقاعد.. وعمران..
كادت تنسى أنها جالسة مع أمها، وأن الليل قارب أن ينتصف.
زمَّت شفتيها.. وأطرقت.. فواجهها الكتاب، الذي بقي في حضنها منذ دخلت الغرفة.
مدت يدها إلى جلد الكتاب، وقلّبته، فطالعها على الصفحة الأولى اسم عمران وتحت اسمه قرأت ما كتبه:
"أحببت شامة وجهها..وعشقت بسمتها الرضية..
ليت عينيها تقولان لعيني كلاماً وسلاماً.."
قرأت الكلمات لأول مرة، رغم أن الكتاب معها منذ أكثر من شهر ونصف.. لكنها لم تكن تنتبه للكلمات المكتوبة، لاعتقادها أنها خربشات لا معنى لها.. أم رجاء غفت على كرسيها الواسع، ولم يوقظها إلا صوت سيارة زوجها..
فتحت عينيها وقالت لرجاء:
ـ أنا نمت، ونسيت أنك جالسة؟!
ـ أنا قرأت في أثناء نومك.
ـ سمعت صوت سيارة والدك، أين هو؟
ـ صعد الدرج.
ـ اسمعي صوت مشيته على الدرج..
أبوك ينطُّ وهو يمشي، ولا يعرف أن يمشي إلا وهو ينطُّ.. لأن قدَّه صغير.
ـ وأنت يا أمي قدك كبير على عكس والدي تماماً.
ـ لا تخافي: أنت تشبهينني أكثر مما تشبهين أباك، وشامة وجهك أخذتها مني..
فنظرت إلى وجه أمها فرأت شامة على طرف خدها السفلي..
قالت الأم:
ـ شامتك أحلى من شامتي..
ـ وأنا أجمل منك يا أمي، ألا ترين هذا الوجه الواسع الوردي وأشارت إلى وجهها، وهذا الشعر الأسود كالليل، وأمسكت بشعرها، وهذا الخصر الذي يسحر الألباب..
قالت الأم:
أنت.. بنت أمك..
قطعت رجاء وأمها الحديث ووقفتا أمام الباب..
سرحان رغم حبه لرجاء، لم يقل: مساء الخير يا بابا، ورجاء لم تفاجأ بذلك.. لأنّه لم يعودها على ذلك..
لو تحصى تحياته التي يحيّي بها زوجته وأولاده والناس في شهر لما تجاوز عددها أصابع اليد...
مشى ومشت وراءه رجاء، فظهر قصر قامة والدها، أمام قامة أمها المديدة..
* * *
لم يستمر محمد الشحادة وجابر العبود، في تناول أطراف الحديث، ونبش الذكريات وحكايات الأيام، لأن الأصوات العالية التي انطلقت من جهة بستاني الصافي والحنطة تكفي لإيقاف ساقية عن التدفق..
ترك كأسه ووقف، ومد جسده، ومثله فعل جابر العبود.
قال جابر:
ـ انظر إلى القناديل قد انتشرت في جهات بستان الصافي والحنطة؟!
ـ لابد من أن تكون وقعت سرقة أو مشكلة أو حادثة.
ـ ما رأيك أن نذهب إلى حيث القناديل والأصوات..؟
ـ أنا معك.
أحسَّ جابر العبود بعزيمة لا تلين، تهيب به أن ينطلق.
مشى ومن خلفه محمد الشحادة.
بدا على هيئته القلق والارتباك والتحفز.. وهذا حاله دائماً عندما يشعر بمداهمة لـه أو لجيرانه، أو عندما يحس بأن أمراً لا تحمد عقباه، اقترب وقوعه، أو حين يزعجه أحد ما أو يزعج أهله أو جيرانه.. أو يتطاول متطاول على مزروعاته وأشجاره.. في هكذا وقت تصير هيئته تشبه حالة غضب خاصة، أو حفنة غيظ مُكوَّمة على مدخل سنة موحشة، أو كومة حزن منسية عند فصل بائس المواسم. وحين تذهب حالة القلق، يعود هادئاً: وجه مجعد تجاعيد يسيرة، مكتنزة دائماً بالخوف من الجوع.. والكرم الزائد عن الحاجة. وهو طيّب شجاع، ولا يضحك كثيراً، ولهذا فالحزن هو الملمح الفارق في ملامحه.. ابتسامة لا تولد بسهولة.. وإن ولدت فعمرها قصير.. إرثه ومن الابتسامات والفرح أقلُّ من إرث أية دجاجة من الأمان وسط ليل مزدحم ببنات آوى. حين يضحك يشمر شفتيه قليلاً، فتظهر أسنانه ثم لا تلبث أن تغيب..
يزيده تماسكاً عناد طباعه المعروف، إذا جرحت كبرياؤه أو أوذيت مزروعاته.. ومفهومه للكبرياء خاص لا يدركه إلا معاشروه القريبون منه، في كل الفصول.
محمد الشحادة من هؤلاء القريبين من جابر العبود، يحبه.ز ويأوي إليه في حالة البؤس الشديد، فيجد عنده الطعام والمودة..
ولأنه يعرف طباعه حقَّ المعرفة، لم يحاول أن يثنيه عن رغبته في الذهاب إلى بستان الحنطة.
ـ اسمع صوت عيسى الحميدة.. وصوت ولد ابن عمه قاسم، إنهما يتحدثان عن سرقة بقرة.
ـ من يكون برأيك يا جابر سرق البقرة، ولمن ستكون هذه البقرة؟؟!
وصلا إلى حفاف الساقية، التي تفصل بستان المواسم عن بستان الحنطة..
قال جابر:
ـ كن حذراً في مشيتك، لأن الدرب هنا محفّرٌ، والدنيا ليل.
ـ أنا أمشي على خطواتك: إن أسرعت أسرع، وإن أبطأت أبطئ.
انحدر الرجلان عبر درب الساقية.. وانحدر معهما حماسهما الشديد لمعرفة من سرق البقرة، وكيف جرت الحادثة؟!
لم يشعرا بثقل الليل، لأن المودّة التي تربط بينهما أعطتهما الحماسة، وأشعرتهما بالأمان والشجاعة.
انحدرا إلى عمق الساقية وصعدا حفافها المقابلة، وروحهما مسكونةٌ ببهجة محدودة أوجدتها الأحلام والشجاعة التي في أعماق كلٍِّ منهما.
قال جابر:
ـ ما من أحد في بيت عيسى الحميدة.
ـ أين هم؟؟؟.
ـ انشغلوا بالبحث.
لم يدم حديثهما، لأن صوتاً قوياً باغتهما:
ـ من القادم من جهة الساقية؟؟؟
قال جابر:
ـ هذا الذي ينادي قاسم ولد عم عيسى الحميدة.
ـ قل لـه: من أنت ومن معك ليذهب خوفه..
نادى قاسم الحميدة ثانية بصوت مرتجف:
ـ من القادم من جهة الساقية..؟
ـ لا تخف يا قاسم؛ أنا جابر العبود..
ـ ما القصة؟؟!!
ـ بقرة ابن عمي عيسى سرقت منذ ساعة.. ولا نعرف أين هي الآن ومن سرقها..
التفت إلى جهة بستان بيت الحبيب المقابل لبستان الصافي، فشاهد ضوءاً فعرف أن خبر سرقة البقرة انتشر..