الفصل الثالث

11 0 00

الفصل الثالث

بستان القمح يتوسط المسافة بين البساتين الأخرى: "المواسم" و"الصافي" و"الحبيب"

وعائلة بيت الحميدة من العائلات الكبيرة في بستان القمح، حتى إن من لا يعرف جيداً سيرة البساتين، يسمي بستان القمح، بستان بيت الحميدة، إلاّ أن بستان المواسم هو البستان الأكثر ارتفاعاً بين سائر البساتين المجاورة، وهذا ما جعل جابر العبود يطلُّ أكثر على البساتين، ويعرف تخومها ودروبها..

بيت عيسى الحميدة أول البيوت، يشرف على الدرب والساقية. يليه بيت ولد عمه قاسم، ثُمَّ يليه بيت ابن أخيه مجيد.. وبعدها تأتي بيوت الجيران. إلا أن بيوت آل الحمية تكاد تكون مستقلة عن سائر بيوت البستان، وتفصلها عن البيوت الأخرى أرض فسيحةٌ وأشجار عالية.

* * *

ـ جابر العبود يرى على كيفه، وأنا عيسى الحميدة أرى على هوى نفسي!!

قال قاسم:

ـ إلاَّ أنَّ رأي جابر العبود رأي من يتمنى الخير للبساتين! انتفخ وجه عيسى بالغضب، وهو ينظر إلى ابن عمه قاسم.. وحين أراد أن يعقّب على كلامه، وجد فمه ممتلئاً باللعاب والعيِّ، ولم يقدر أن يعبَّر عن رأيه إلاَّ بصعوبة بالغة:

ـ أنـ نـ تـ يا يا.. يا قـ قاسـ...م.. لا تعـ..عـ.. عـ رف.. جا..بر.. العبود.

انتبه قاسم إلى حالة عيسى الحميدة ولد عمه، فألفاه مغضباً يضيق فمه بالنطق، من كثرة الغيظ واللعاب. ولم يعرف في تلك اللحظة، لماذا اشتدّ غيظه، وغضبه.

بيت عيسى قريب من الدرب، وقد سمعت سعدى صوت عيسى، واستوقف انتباهها؛ أن سمعت اسم أبيها. قالت في سرِّها: "ما علاقة والدي بعيسى الحميدة؟ ثمّ تابعت سيرها باتجاه الساقية، حيث الدرب الصاعدة إلى بيت والدها.

ارتبك عيسى حين رأى سعدى بنت جابر العبود، وخامره القلق، من أن تكون سمعت كلامه عن أبيها: رمقها بنظرات ليست بريئة، ومثله رمقها ولد أخيه مجيد، الذي قال:

سعدى أحلى صبية في البساتين، لكنها قبلت بالتعيس شيبان، لا أعرف لماذا.

قال قاسم:

ـ أنت لا تترك أحداً ينجو من شرَّك أو لسانك!!

انزعج مجيد، واغتاظ، لكنه لم يجادل بشأن ما قاله عنه، لعلمه الأكيد أنه سيفشل في ذلك.

هدأ هياج عيسى الحميدة، كحمار بري كان ظمئاً، فارتوى.. أما قاسم فبقي قلقاً، إذ حاصرته المخاوف، من أن يستبدّ ولد عمه برأيه، وأن يضرب حاصد الدروك، أو أن يسرق لـه بقرته، أو أن يعتدي على امرأته..

تجاوزت سعدى الساقية، باتجاه الساحة التي لابدَّ لها، أن تمرَّ عبها وصولاً إلى الدرب، فبستان المواسم. عيسى ظل ينظر إلى سعدى نظرات غير بريئة، ومثله مجيد.. وقد راق لهما أن يتكلما كثيراً عنها، عن قامتها، وجسدها، وجمالها، لكن وجود قاسم منعهما من ذلك، لعلمهما الأكيد أنه سيقف ضدهما. رفع عيسى نفسه، فلم يرتفع إلاَّ ارتفاعاً يسيراً على المقعد الواسع، الذي يخصُّ به نفسه، واتجه إلى حيث قاسم، وراح يرمقه بارتياب، ثمَّ قال لـه:

ـ أنا لا أعرف لماذا تناصر آراء جابر العبود يا قاسم؟!

ـ أنا لا أناصر آراءه إلاَّ حين أرى فيها مصلحة البساتين.

ـ جابر العبود يقررّ مصلحة البساتين يا قاسم!؟؟

ـ لماذا لا يقرر مصلحة البساتين، وهو الرجل المثقف، والكريم، والمدرك للأمور، والعارف لأسرار البساتين..

قال عيسى باستهزاء:

توتَّر قاسم، وانتفضت في أعماقه مشاعر الكراهية تجاه عيسى ومجيد، وبدل أن يواجه استهزاءهما، تركهما، وقال لهما وهو يبتعد عن الفسحة التي أمام بيت عيسى:

ستعرفان أنَّ جابر العبود خير منكما، وستعرفان أنه مدرك، ويعرف الناس، والبساتين، وأنه لن يردَّ على آرائكما واستهزائكما، لأنه يعتبر نفسه أكبر من هذا.. نهض عيسى عن المقعد، رفع يده اليمنى، إعلاناً منه عن استعداده للضرب، إلا أن مجيداً وقف في وجهه، بينما قاسم ظل يبعد.

* * *

ـ افطر بسرعة يا محروس!!!

أسرع إلى حيث وضعت لـه ماري الطعام، دون أن يكلّمَها أية كلمة، أمّا هي فقد انشغلت بطلي شفتيها بالصباغ: وقفت أمام المرآة الواسعة.. ولم تنس أن تقول لزوجها "الجديد":

ـ الآن سنذهب إلى مختار بستان القمح..

ـ لماذا سنذهب؟

ـ أنت لا تعرف أيَّ شيءٍ عن الحياة، إلا إطعام "البغل" وربطه، وفكِّ رباطه..

لم يعرها اهتماماً بالغاً، ولم ينزعج انزعاجاً شديداً، لأنه يعتبر هكذا كلمات، من ماري، بمثابة الإطراء، وبمثابة التعبير عن الحب.

عادت إلى الكلام وهي بعد منشغلة بتزيين ملامحها، وتسريح شعرها الطويل الفاحم، كأنه شلال ليلٍ، قالت لـه:

ـ هل تعرف من هو المختار؟؟

ـ تسألين عن أي مختار؟

ـ عن مختار بستانكم.

ـ هل تعرفين إلى أي بستان نحن نتبع؟

ـ أنا سأعرف، أم أنت الذي يجب أن تعرف؟؟

أنهى محروس السطوف تناوله الطعام، وهمَّ بالنهوض، ولم يفكر كثيراً بسؤال "ماري" عن المختار الذي يجب أن يذهب إليه.

تأملت "ماري" زوجها، وأحسَّت بالغم يملأ نفسها، وهي تعاينه وتفكر به قالت لنفسها: "رجل ضخم، لكن عقله صغير، وتفكيره محدود.."

انتهت من ترتيب هندامها، وتزيين ملامحها، وعاينت نفسها، ما أمكنها ذلك، لتتأكد من حسن هندامها، ومن أنها على خير ما يرام..

سمعت صوت السيارة، فخرجت على عجلٍ إلى الفسحة التي أمام البيت، لعلها توفق إلى سؤال سرحان أو أحد الركاب عن المختار الذي يتبع بيت زوجها "محروس السطوف" لبستانه.

انتبه سرحات بكل مشاعره إلى الصبية الممتلئة، والشفتين المكتنزتين بالأنوثة.. والقد الرشيق.. استرعت انتباهه وقد ابتهج حين رآها تشير بيدها إشارة من تريد أن توقف السيارة..

وقفت السيارة، ووقفت ماري إلى جوارها.. اقتربت من باب السيارة حيث يجلس وراء المقود، وإلى جواره رجلٍ ثان، مديد القامة، في ملامحه ملاحة وشجاعة ورجولة.

وقفت واقتربت بفمها من سرحان، حتى داخ، وغاب عن نفسه وعن الركاب، وتاه في دنيا ماري، التي سمع عنها كثيراً، لكنه لم يرها قبل اليوم.

شفتاها، وطريقة نطقها للكلمات أدهشته، واسترعت انتباه الركاب جميعاً.

قالت لـه، وهو تائه في دنياها:

ـ أنا زوجة محروس السطوف.. وأريد أن أسألك عن بستان القمح.

سمع جابر العبود كلماتها.. وسرحان سمعها كذلك، لكنه لم يجبها، لأنه لم يستوعب فحوى الكلمات..

عادت تسأله:

ـ هل تعرف إلى أي مختار نحن تابعون؟؟

انتبه جابر إلى أن سرحان لا يعرف ماذا تريد ماري منه.

قال لها بصوت رزين:

ـ أنت "زوجة محروس السطوف"؟؟

فرحت حين رأت الرجل المليح، الذي يتجه إليها، ويكلمها، ويهتم بها.. وعبَّرت عن فرحها بابتسامة رسمتها بإتقان على شفتيها النضرتين.. قالت لـه:

ـ نعم، أنا ماري وزوجي محروس السطوف، لكنه لا يعرف إلى أي بستان يتبع بيتنا، ولا يعرف من هو المختار الذي يجب أن نذهب إليه، ليشهد لنا على صحة زواجنا، وأوراقنا.

تأمل جابر العبود ماري الدريوسي، باهتمام وسأل نفسه: "إلى الآن لم تثبت صحة زواجها من محروس السطوف، لماذا؟؟"

ظلت تنظر إليه، تريد أن يبقى يكلمّها، وتريد ـ لو يمكنها ـ أن تقبّله قبلةً ناريةً.

وهو أيضاً وجد نفسه مهتماً بها، لكنه بقي متوازناً، في نظراته، وفي كلماته، وقد أجابها على سؤالها:

ـ بيت محروس السطوف.. يتبع لبستان القمح، أمّا بقية بيوت بيت السطوف، فهم يتبعون إلى بستاننا.

ـ ما اسم بستانكم؟

ـ "المواسم" يا ماري الدريوسي!!

ازداد فرحها، حين سمعته يلفظ اسمها، وكنيتها.. وتراءى لها عمرها.. كأنه دروب تبتعد، وتضيق.. تحيط بها الغابات.. تراءى العمر كأنّه الحلمُ، وتراءى لها الرجل الذي سمعته يُكلمِّهُا، حبيباً شجاعاً، يحميها، ويملأ كونها دفئاً وحياة وإنسانية..

عادت من حلمها الحنون السريع إلى الحديث:

ـ من هو مختار بستان القمح؟؟

ـ عيسى الحميدة..

انتبه سرحان، وهزَّ سمعه أن سمع اسم عيسى الحميدة، فتوجه إلى جابر، وسأله:

ـ عيسى الحميدة، هل هو مختار القمح؟

ـ أنت مثل "محروس ماري" لا تعرف مخاتير البساتين، ولا تعرف تخوم البساتين.. ضحكت ماري، وقد غمر مشاعرها افرح، إذ سمعت جابر يسمي زوجها: "محروس ماري" بدل أن يقول "محروس السطوف".

* * *

صعدت ماري العربة ومحروس صعدها، لكنه لم يجلس قبالتها بل جلس في مقدمة العربة، وأمسك بيديه قياد البغل، وراح يشده شداً سريعاً، ليسرع، وقد أسرع فعلاً، مما جعلها تصرخ:

ـ مالك!؟ ألا تعرف أن تقود البغل على خير ما يرام؟!

فهم أن زوجته انزعجت من السير السريع، فشدَّ القياد شداً صعباً.

قالت لـه:

ـ ألم تر أن الدرب محفَّر؟

لم يجب محروس على تعليقات وأسئلة زوجته، التي أغضبها أن يسرع البغل السير، في درب محفَّر، مما أزعج جلستها على مقعد العربة، ومما جعل شعرها يطير مع النسيم قليلاً، ويضطرب انسيابه..

عبر البغل درب الساقية، باتجاه بستان القمح، فبان لعينيها لأول مرة بستان القمح، وبانت لها الكروم الفسيحة والبيوت المنتشرة في جهات المسافة. سألت زوجها:

هل تعرف أين بيت عيسى الحميدة، الذي قال لنا عنه الرجل الذي كان جالساً قرب سرحان: أنه مختار بستان القمح؟

ـ أعرفه.. نعم يا ماري.

لم يجرؤ محروس السطوف أن يقول لها:

يا زوجتي، أو يا حبيبتي، لأمرين: أولهما جمالها الذي لم يكن يحلم في عمره أن يحظى به، وثانيهما عدم إتاحة الفرصة لـه، لمثل هذه النداءات الأنيقة.

كثيرون من الجيران وقفوا يرقبون البغل ومحروس السطوف، والصبية الجالسة على مقعد العربة..

قاسم الحميدة كان أمام البيت..

سألته زوجته:

ـ من هي هذه الصبية الجالسة، على المقعد؟؟

ـ ألا تعرفينها؟؟

ـ لا.. لا أعرفها.

ـ أظنها ماري الدريوسي، زوجته..

لفظت زوجة قاسم هذه الكلمات بتأمل وحيرة وتساؤل:

"منذ متى تزوجت محروس السطوف؟".

قال قاسم:

عربة يجرها بغلان..

ضحكت زوجته ضحكة خافتة، ولم تبتعد بنظراتها عن العربة وماري ومحروس.

قاسم من حيث لا يدري وجه نظراته إلى ماري، حتى اغتاظت زوجته، وعاتبته:

ـ رأيتك انشغلت بالنظر إلى ماري؟

ـ هي جميلة يا سيدة عبلة!

ـ وأنا لا أعجبك يا سيد قاسم؟!

ـ أنت سيدة السيدات، وأنت الأحلى والأغلى..

ـ هدأت غيرة عبلة وخمدت نار غيظها، حين سمعت كلمات قاسم الأخيرة.

لم يخطر في بال ماري الدريوسي بتاتاً، أن الذي رأته أول وصولها هو المختار..

وقد أهملته بتحيتها.. ونظرت إليه بازدراء.

سلّم محروس السطوف على عيسى، كعادته، سلاماً عاجلاً، لا يعرف إن كان سلاماً، أو سباباً:

ـ هل عرفتم من سرق بقرتكم يا عيسى؟!

لهجة محروس توحي بصنوف شتى من الغضب، والغباء، لكن جواب عيسى ليس خيراً من سؤاله.

حاول عيسى أن يرفع نفسه في الكرسي، فلم يرتفع، وأن يمسح وجهه، ليرى جيداً ماري الدريوسي، التي شغلت بحسنها الأنفس، وحيَّرت روح البساتين.

سمعت زوجها يقول: عيسى، لكنها لم تقف بانتباهها عند ذلك..

ردَّ عيسى، وهو جالس، وعيناه الجاحظتان، كأنهما عينا ذئب، راقته فريسة قريبة منه، لكنه لا يقدر على الانقضاض عليها:

ـ البقرة سرقها حاصد الدروك، وزوجتك تعرف القصّة من أولها، وتعرف أن برهوم الحبيب هو الذي دفع حاصد ـ إلى سرقتها.

تأملت ماري بغيظ عيسى الحميدة من دون أن تعرفه.. وتأملت كلماته. واستبدَّ بها قلقٌ وخوف شديدان.. وراودها الظنُّ بأن حكايتها مع برهوم لم تعد بالنسبة للبساتين سراً. وكيف تعتبر حكايتها سراً، وقد غدا برهوم يتردّد عليها أكثر من زوجها أحياناً، لكن الأمر الذي شغل تفكيرها أكثر من سواه، وهي تسمع عيسى الحميدة يتحدث مع زوجها، هو أمر البقرة والسرقة.

تراءى لها في هذه الأثناء برهوم، وحاصد الدرك، وهو يقف محنياً أمامه، يصغي إلى كلماته، ويعلن استجابته لأي طلب.. وتذكرت الليل الذي أرسل فيه برهوم حاصد إلى أحد البساتين..

وأضواء البيوت الكسولة في تمزيق ثوب الليل..

بقيت واقفة بانتظار أن ترى المختار يدعوها للجلوس.. لكن محروس أوضح لها، بعد أن شاهد عيسى، وهو ينظر إليها نظراته الجائعة جداً.. قال لها:

هذا هو المختار..

رمقته مندهشة متسائلة:

ـ أنت عيسى الحميدة؟!

تلمّظَ شفتيه الخشنتين كجلد حذاء مشقق، بسبب عوالم التعرية العامة والخاصة.. وأرسل نظراته من جديد إلى عجيزتها المكتنزة، ثم أجاب:

ـ أنا مختار بستان القمح، وأبي قبلي كان مختاراً..

أنا ومحروس نريد أن نسجل تاريخ زواجنا وأن تشهد على ذلك، وأن تزودنا بالأوراق اللازمة، التي تثبت أننا من بستان القمح، وأننا تزوجنا.

ـ تفضلي بالجلوس أولاً، وأرينا حسنك الذي فتن قلب برهوم وقلوب سواه.

اغتاظت ماري لعلمها أن خبرها مع برهوم قد ذاع وانتشر، وطربت للإطراء الذي قدمه لها عيسى مجاناً.. وبدل أن تجلس على كرسيها جلسة عادية، جلست وتركت مساحة نضرة من فخذيها تظهر لعيني عيسى، لتؤرِّقه، وتشعل نار الاشتهاء اللعينةَ في صدره.

لم يفهم محروس السطوف جيداً معنى كلمات عيسى عن زوجته وبرهوم، ونسيها، وتذكر البغل والعربة، والليل، إذ تسمح لـه ماري بالنوم معها على هواها، وبعد أن تشرف على غسله غسلاً شاملاً.

خرج محروس ليعاين البغل والعربة، بينما هي بقيت على جلستها، وبقيت عينا عيسى تنظران إليها بجوع واشتهاء وجنون.

نهضت، وأقبلت على عيسى مطالبة إياه، وهي تغنج، بأن ينجز لها مطالبها:

ـ سيد عيسى، أتمنى منك أن تنجز لي طلبي، وأنت على الرأس.

ـ أسعدته كلماتها.

استجاب لطلبها، وهمّ بكتابة ما أرادت أن يكتبه قال لها:

ـ قولي لي: ماذا أكتب؟ وأنا رهن قولك يا ماري بستان القمح.

ـ شكراً لذوقك الرفيع..

لم تكن تعتقد أن واحداً مثله يعرف أن يلاطف الناس، لكنها قالت في سرها: "إنني ليَّنت طباعه، وجعلته يلاطفني، وسأجعله يبحث عني، ويسعى إلى زيارتين مثله مثل برهوم!! الآن أمكنن أن أصل إلى مفتاح البستان..

عاد من ذهوله إلى الحديث:

ـ قولي لي: ماذا أكتب.

ـ أكتب:

ماري الدريوسي من مواليد حارة بيت الدروك، في بستان الحبيب تزوجت من محروس السطوف، من مواليد حارة الساقية، بستان القمح، وأنا أشهد وأقرُّ بصدق هذه المعلومات.

كتب عيسى ما أملته عليه ووقَّع عليه وختمه، وناولها الورقة، وهو مندهش بغنجها.. قال لها:

ـ هذه هي الورقة التي تريدين.. واسمحي لي أن أقبِّل يدك.

غنجت غنجاً عجباً، ورفضت برقة وأنوثة أن يقبِّل يدها، وقالت لـه:

ـ تقبِّل يدي، ليس الآن.. تقبِّلها في الوقت المناسب.

قالت كلماتها، وخرجت، فتبعها بقامته القصيرة، ورأسه المفلطح كأنه بطيخة، تضخّمت بشكل غير متناسق.

محروس رأى زوجت وقت خرجت من الغرفة، فأسرع إلى العربة.