الفصل الأول

9 0 00

الفصل الأول

( لقاء الشرق بالغرب)

_ الساعة الآن السادسة صباحاً ! إنه موعد أسوأ موعد على الإطلاق

لا ليست المدرسة .. وليست الجامعة .. وليست الوظيفة ..وليس موعد التسوق الإجباري التعسفي السوفييتي النازي لوالدتي البتة البتة.

إنه موعد الوقت الذي أقابل فيه أكثر شخص مغرور في العالم .. أكثر شظية نارية وهاجة نزلت بقربي جراء انفجار عظيم من بطن أمه ذات ليلةٍ لم أحضرها ، خرج من القَدر نيزك مضيء يدعى " جياد" .. جياد الذي قلب حياتي وصار من حياتي ! جاري وصديقي وقدري .. معالي السيد جياد !

- جياد: مرحباً يا صاح ، كيف حالك ؟

- ساري : بخير يا صديقي .

- جياد : ما رأيك بشكلي اليوم ؟.. أعلم أنني وسيم ولكن أريد أن أسمع "وسيم" من لسانك .

- ساري: ربما تكون .. غبي .

- جياد: أنت تغار مني ، أخشى أن تصيبني عينك.

- ساري : الآن تأكدت أنك غبي فعلاً .

كان يزعجني جداً هذا الصديق رغم أني كنت أحبه للغاية ، لا أدري أي غيضة تنتشل صفاء قلبي عندما يبدأ بقول مثل هذا الكلام .. ويخبرني عن أناقته ووسامته وأسماء المعجبات به كل صباح ..باذخ حبه لنفسه هذا !

لم أكن أغار منه ، لم أكن أكرهه .. لكنني كنت أود لو لم يكن بهذه الوسامة ... لأنها سلبت مني ثقتي بملامحي ..

في ممرات الجامعة عندما أمشي معه أشعر بأني صفر يقف وراء مئة ، أحس أني بقربه الشبح ، لا بل ماموث لقي مصرعه قبل الوجود ..فارق حي يفصل بين البلاستيك والذهب ، لا قيمة لي أمامه ، مع أني أعلم أن الوسامة ليست كل شيء .. رغماً عني أتهشم بهذا الإحساس ، اتآكل طويلاً ، فليته كان وسيماً فحسب ..لقد كان أكبر من أن يكون شخصاً عادياً حسن الخِلقه .

مشكلتي بدأت منذ أن ولدت معه في نفس السنة ، القدر الذي لا مفر منه .. منذ عامِ 1993 وهو يسابقني في كل شي، لم يكتفي هذا الأرعن بمسابقة الزمن ، بوفرة الرغد الذي ينعم به سنةً تتبعها الأخرى ، طغياناً بذاتٍ سادية أتوهمها عنه أنه " يسابقني" دون أن يعلم ، يجري لا لكي يجري ، يجري كي أكون في الخلف .

المراحل الأولى من المدرسة نفتني مني بسببه ! كنت أشعرُ بنعيم حظه إذ أن جميع الطلاب والمدرسين يحبونه ، ليس لأنه ذكي وحنك ومتفوق وبارع في الرياضيات فقط ، ولا لأن حاسته السادسة دائماً ما تصيب فقط بل لأنَ الجميع يراه مثالي في كل شيء .. ربما أكون الوحيد الذي لا يراه كذلك .

جياد ولد في بيئة لم تشبه البيئة التي ولدت فيها مطلقاً مطلقاً.

جياد لديه أم لطيفة وحنونة وشقراء ومن أصول أجنبية ، ولديه أب تاجر للمجوهرات لا يرفض له طلباً .. ولديه أخت تبلغ من العمر زهره فواحة واحدة لا تحدث له أي ضجيج أو ضغط أو منافسة .

وهو الفتى الوحيد لعائلته، الذي امتلك جميع العطايا والهبات .. النعم التي توزع على كل عشرون شخص امتلكها هو بمفرده..

مدلل للغاية ، يستطيع أن يشارك في أي نادي يحبه ، يهوى الحياة .. وسيم وسيم وسيم وهذا يكفي في نظري لجعله يتقلب في زمرة السعادة .. متفوق على أقرانه في دراسته .. المال والأعمال والإدارة .

أما أنا .. فلا شيء.

من أسرة أقل من متوسطة الدخل ..لا أمتلك سيارة حمراء مكشوفة مثله ، ولا يتهافت عليَّ المحبين من كل صوب ولا أشعر أن لي أم وأب .. أدرس السنة الثانية من الجامعة في كلية الآداب ، قسم اللغات .. والدتي خياطة في إحدى المعامل النسائية وهي مرحة للغاية وتتصرف بطريقة ساذجة جداً ، تسبب لي تصرفاتها الكثير من الإحراج خصوصاً أمام أسرة جياد ، والدي غير مسؤول ومتزوج على والدتي بامرأتين وأظن أن هذه الخطيئة التي جناها والدي على نفسه سببت له زهايمر وصداع وانفصال غضروفي وآلام في عموده الفقري وإلتواء في مفاصله ونقص حاد في المناعة .. إن الزوجتين الجحيم برمِ عينه .. موظف بسيط في قطاع حكومي كأبي لا يمكن أن يلبي احتياج ثلاث أسر ، لدي من والدتي أربع أخوة صغار أشباح وأنا أكبرهم ، ولدي أخت أصغر مني بسنتين ، هي الآن في المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة وهي النعمة من بين النقم ..هي الزهرة وسط غابة الأشواك ، لطيفة جداً وهادئة ولا تجرأ على مضايقتي ، أما عن زوجتا أبي ، فأحظى بشقيقة رضيعة من زوجة أبي الثالثة ، وثلاث أشقاء أصغر مني من زوجة أبي الثانية ..الأفواه تصرخ ، الضوضاء هي لغة الحوار في منزلنا ، فوضوية شديدة عائمة هنا وهناك أجهل مصدرها ، أتكون من الجوارب الملقاة على سطح السرير ، أم من رأسي الغارق في التشتت ، أو من أوراق امتحانات سابقة نسيت رميها منذ العام الماضي ، أم يا تُرى لأن لي أخوة صغار مفرطو الحركة، وكثيرو الشغب ولا يوجد لدينا خادمة ومربية وطباخة ومحاربة تجاريهم أكثر من أمي .

حياتي كانت باهتة ، مليئة بالاصتدامات خصوصاً مع والداي اللذين لا يعجبهما العجب، لا تروق لهما درجاتي، لا تروق لهما تصرفاتي، لا يتقبلان عنادي ، يريدانني شاباً مثالياً وهما لم يكونا ولو ليومٍ واحد الأبوين المثاليين في عيني ، بل إنهما طالما أسمعانني " أنظر إلى جياد وانظر إليك ! " المقارنة بحد ذاتها مستفزة ليس لكونها غير عادلة بقدر أنها تزيد من ثقتي بنفسي الغافية تحت الأرض انحطاطاً ، وترميني إلى عوالم الحظيظ حيث لا شيء سوى اللا شيء ، ومع أن مسيرة العنف الأسري قد خفت الآن ،وأن غبار الحروب السابقة قد انقشع قليلاً ، لأنني خرجت من المراهقة المريرة للتو ..إلا أنني ما زلتُ فاشلاً .. حتى لو نضجت قليلاً!

أتساءل ! كيف لنا أن نعيش في ظل هذه الظروف العسيرة من دون أصدقاء ! كيف للحياة أن تُبلع تطاق بدونهم ؟ صحيح أنني أرى كل شيء يتداعى أمامي ويتحطم مني ويتداعى ورائي ويتحطم بسببي ، وكل شيء ناجح ومبدع من جياد ، أتصدقون أنني مع كل هذا لا استطيع أن أقضي لحظة من عمري بدونه !

ربما لكون الأيام تضخُ الاعتياد عليه مذ كنا صبيه نتوشح أضواء النار مواقد فرح في ليالي الشتاء القارصة ، ونستهل بالأمنيات منابر الحب..ربما لأن منزله الفاخر جداً بقرب منزلنا العادي جداً وأنا جارٌ له .. أكلُ هذه الأسباب كافية لتكون علاقتي معه عميقة إلى هذا المدى ، إلى الأخوة ..إلى المحبة ، إلى الاعتياد!.

- ساري: سوار ! ماذا تفعلين ..

- سوار (أخت ساري) : طلبت مني والدتي تنظيف السجاد ثلاث مرات ومسح النوافذ ومحق كل ذرة غبار في الصالة .

ساري: لا تنسي البسملة .

- سوار : هل تحاول أن تمزح ؟

- ساري: أنا محظوظ لأني صبي ، " يغني".

- سوار : أنت دائم التضجر ، مالذي يجعلك محظوظ الآن! فقط لأنك لا تفعل ما أفعل!

- ساري: دعكِ من هذا الآن ، واخبريني لما تفعلين كل هذا !

- سوار : ماما دعت جيراننا أسرة جياد لحفلة عيد ميلاد " نوير" الليلة ، وسيتناولون العشاء معنا.

نوير هي شقيقتي ذات السنتين من زوجة أبي الثالثة .

- ساري (يصرخ ) : مستحيل !!! من سمح لها بهذا !

- سوار : مزقت طبلة أذني ، أذهب واسألها بنفسك .

لا تعلم سوار كم يبدو مخجلاً هذا اليوم الذي يزورني فيه جياد مع أسرته الرفيعة المستوى ، مع أنها لم ولن تكون الزيارة الأولى فقد زارني من قبل مراتٍ عدة، لكنني في كل مرة أتمنى لو تنشق الأرض لتبتلعني ولا يرى منزلنا وطريقة حياتنا وطعامنا الشعبي وأخوتي المشاغبين الذين لا يتصرفون بلباقة..أتعرق ، أبلع ريقي، أغص .. أحمر أخضر أزرق وأغضب .. أتوجه إلى المطبخ ..أتجاسر ..

ساري (بغضب) : أمي مالذي حصل لعقلك! أنتِ تعرفين الفرق بيننا وبينهم لماذا تصرين على دعوتهم في كل مناسبة ،ألا يوجد أشخاص تعرفينهم سواهم !

السيدة هنادي: تأدب يا ولد ! ولا شأن لك بالمدعوين .. ثم مالذي يجعلك ثائراً هكذا ،ألا تريد أن يشاركك صديقك فرحاً ولا حزنا!

ساري: إنهم أرستقراطيين .. ونحن كل عيوب الناس في أسرتنا جامعة!

السيدة هنادي: بني .. الذي يحبك سيتقبلك كما أنت ، لن ينظر أمامك إلى فوارق تافهه لا قيمة لها عند الله !

أمي دائماَ تقول حكماً وأمثالاً لا أدري ممن تقتبسها ، كلما شكوت لها قالت لي حكمة من الفضاء الخارجي لا اقتنع بها ، كثيراً ما كنت أشعر أن أمي لن تفهمني أبداً .

عفويتها تتعبني ، بساطتها تحرجني، أمي لا ترتدي ثياباً أنيقة كوالدة جياد .. ولا تصفف شعرها الملتوِ والمتطاير ، ولا تفقه شيئاً في الموضة والأزياء ..رغم ضعفها أنا أفتقد الأنثى عندما أراها .. !

حاولت يمنةً ويسرى أن أصرف جياد على الأقل من زيارتنا الليلة ، لأنني أتوسد نائلة همه أشد من هم مجيء أسرته ..سطع فجأه مصباح أصفر فوق رأسي المعتم وقررت الاتصال به لأدلي دلوي .

( على الهاتف)..

- ساري: جياد أرجوك أريد أن أخرج أنا وأنت الليلة لمعرض السيارات.

- جياد : لماذا ! هل تود أن تشتري سيارة جديدة !

-ساري : ربما .. وأنت من سيحددها.

- جياد: هههههههههه من مصروف جيبك أم من حصالتك !

- ساري : توقف عن السخرية ..

- جياد : مشكلتك أنك غير منطقي ، تريدني أن أختار لك سياره وأنت لا تملك ثمنها! أنت تعرف أنني لو اخترت لك فلن اختار لك سيارة عادية .

- ساري : لن اشتري الآن .. سآخذ قسطاً من البنك واشتريها فيما بعد ، المهم أن نذهب إلى المعرض.

- جياد : والدتك دعتنا لحفلة الليلة ! ألا تريدني أن أحظر !

- ساري (يتلعثم): من .. من من قال هذا ، يا أهلا وسهلاً لقد نسيت .. يالي من أحمق.

ليتني لم أحاول التهريب به إلى أبعد نقطة جغرافية عن حفلة عيد الميلاد اللعينة هذه ، أخشى أنه لاحظ رغبتي بعدم مجيئه ، لا جدوى .. يجب أن أضع نفسي أمام نفسي لأستسلم راضخاً لمهزلة الأمر الواقع ، وأنزل إلى هذه النازلة .

- سوار : أمي هل أزين الكعكة ؟

- السيدة هنادي: كلا ، يجب أن يتماسك القوام ثم نضع عليها الكريما.

وليد ( 12 سنة / شقيق سوار): أمي ماذا أرتدي ؟

ناجي (10 سنوات / شقيق سوار) : أمي أريد أن أتذوق الحساء .

سوار: سأذهب وأرتدي فستان العيد الماضي إنه الأنسب ..

ساري : يا أنتم يا كائنات غريبة ! مالذي تفعلونه في المطبخ إلى الآن .. سيصل الضيوف بعد دقائق ..

عجَ المنزل بالصراخ والضَجّة والصراخ والضَجّة ..أحس أن جدران منزلنا تهتز كأنه الزلزال ! سوار الوحيدة التي كانت تقف بجانب أمي لمساعدتها ، فهي من تكفل بكل شيء يتعلق بالحفل ..تزيين .. طهو ..تنظيف .. والاهتمام كذلك بثياب أخوتي ونظافتهم.. شعور غريب انتابني عندما دخل جياد إلى حديقة المنزل ، شعرت بأن كل خطوة يخطوها نحوي هي كل خطوة أتسمم فيها ، هل تتعمد تسميمي يا جياد! كان أنيقاً للغاية ، ثوبه الأبيض الذي نسجته رائحة العود والأصالة ، وشعره الطويل الأشقر الذي انسدل إلى كتفه ، ونظراته الحادة الساحرة ، ينظر فيأتي الربيع وتبتهج الأرض ! يبتسم لتشتعل الفتنة في المكان ، شخصيته باذخة القوة الواثقة التي أعرفها من هيئته وتقاسيمه أربكتني أكثر ..أنا لا استطيع حتى الوقوف أمامه ، إنه وقوف الحنظلة أمام الوردة إنني بقربه الفارق الشاسع بين السماء والأرض .. بين الشرق والغرب .. بين النقيض والشبيه .. إني أبدو ضئيلاً جداً حتى في مقدار اعتزازي بذاتي وثقتي بنفسي أمامه ، حتى زوجات أبي المصروعات ! لمحتُ في أعينيهنَ إعجاباً شديداً بكمية الجمال واللباقة والمثالية والسمو التي تحظى بها أسرة جياد ، ويحظى بها جياد خاصة .

( في الحفل)

- السيدة هنادي : سعيدة جداً بزيارتك سيدة ليليان ..

- السيدة ليليان (والدة جياد): وأنا أيضاً يا جارتي العزيزة ..أرى أن منزلك مرتب للغاية .

- السيدة هنادي : أجل لقد أجريت بعض التحسينات بديكور الصالة ، لكنه لن يعادل أناقة منزلكم.

- السيدة ليليان : آهه من لطفك .. سوار يا حبيبتي كيف أحوال دراستك ؟

- سوار : شاقة ومنهكه .. لكنها ستثمر بالتأكيد.

- السيدة ليليان : إن شاء الله ..أود أن أسمع أخبار طيبه عنك .. بالمناسبة لم أرى ساري !

سوار تأتي لتناديني وتذهب مع أمها لإحضار العشاء ..

- السيدة ليليان : كيف حالك يا بني ؟ من الواضح أنك انشغلت بجياد عنا .

- ساري ( محرج) : لا ليس كذلك ..أنا بخير .

- السيدة ليليان : كيف هي أمورك يا ساري! تبدو شاحباً ألا تهتم بصحتك ؟

- ساري : الحمدلله على كل حال ..لا تقلقي بشأني .

كثيراً ما يسحرني لطف والدة جياد ورقتها معي ،إنها تعاملني كما لو أنني ابنها الأكبر مع أني مجرد صديق لإبنها ، اغبطك حقاً يا جياد على أم ملائكية حنونة وجميلة وفي بداية الثلاثينيات مثل والدتك ، دائماً ما تتفقدني وتتفقد صحتي ، وترسل مع الخدم نوعية الطعام الذي أحبه إلى كراج السيارات الذي اعشعشُ فيه لأعمال الصيانة .. إنها تمنحني دفئ الأمومة وأشعر فعلاً أنه لا يليق بها سوى أن تكون أنثى أنيقة كما هي ..عكس والدتي ! ليتني استطيع أن أتقبل والدتي كما أتقبلها ..وأن أشعر بأمي كما أشعر بأم صديقي!

أحدث نفسي ولا أفصح عن خَلجاتها .. وأراقب بسكون مالذي يحصل ثم أسحب أخوتي كلما هموا بفعل شيء يخجلني أمام جيراننا ، يخطف المشهد ناجي الطائش وهو يحاول أن يصل إلى مركز الكعكة كي ينزع الفراولة بمرأى من الجميع ، أفزع وأقد قميصه من دبرٍ ليتراجع .. أهمس له همس المردة والشياطيين " تراجع وإلا .. " .

انتهى الحفل .. الحفل الذي بدى لي سنة أو يزيد ، ودعَ الجميع بعضهم بعضاً ، وانطلقت أمي بسرعة الصاروخ إلى النوم بعد يوم حافل ومرهق بالنسبة لها ، بينما بقيت شقيقتي سوار ترتب الحديقة التي وضعنا العشاء فيها ، في ذلك الليل الهادئ بعد غثيان أصوات العالم مجتمعة في منزلنا وبآنٍ واحد ، و حيث أن السماء ازدانت صفاءً ،والقمر بازغاً يشبه مرجانة .. كان جياد يتكأ على سور منزلنا يحادث صديقه فارس الوسيم والغني مثله بهاتفه المحمول ، وكنت انتظر أن ينتهي فوراً لأقدم له عذري على حفلة اليوم البسيطه خجلاً منه لحضورها وهي لا تليق – كما يبدو لي - له ، بيد أنه أطال قليلاً فغادرت لإحضار إحدى المفكرات الجامعية الخاصة به والتي نسيها عندي البارحة .

جياد انتهى من المحادثة ، والراجح أنه التفت من السور المكشوف للحديقة إلى أختي سوار في الوقت الذي غفلت فيه هي أن جياد كان ينظر إليها ، ما إن أدارت وجهها والتفت حتى رأت رجلاً غامضاَ يتكأ على سور منزلنا ، وبسبب الظلام لم تعرف ماهيته ، فزعت وألقت ما في يدها وتولت مكفهرةً إلى باب المنزل إلا أنه كان موصداً بإحكام لأني دخلت وأقفلته ونسيت أنها ما زالت في الحديقة .

لم تجد بداً للفرار من حديقة المنزل إلى الشارع ، ظنت أن الرجل الواقف لص ! كم هي بسيطة حتى في توقعاتها ! عنفوانية بتجاربها المعدودة إذ أنها لم تعرف أن شاباً في منتهى الوسامة كان مكان اللص !

تفاجأت سوار أن الرجل ما زال يحدق بها، بدى لها أنه مُصر على أذيتها ، فصرخت بكل ما أوتيت من جبروت في وجهه..

- سوار: هييييه أنت ، ماذا تريد .. لما أنت بقرب منزلنا أيها اللص!

- جياد: ههههههه لص يا جبانة !

- سوار (تقترب) : أنت جياد صديق أخي أليس كذلك !

- جياد : بلى بلى كذلك ، وأنا انتظره .

- سوار: آسفة بحق ، علي المغادرة .

- جياد: أنا الذي يجب أن اعتذر فقد اخفتك ..

- سوار : لا مشكله .

- جياد : لم يخبرني أخوكِ الفالح يوماً أن لديه أخت شابة ظننت أنه لا يملك سوى أشقاء صغار!

- سوار (بنبرة حزن): لأنه يخجل مني ! بالتأكيد أخفى عنك هذا لأنه لا يريد أن تعرف أن لديه أخت بسيطة بثياب بسيطة مثلي ..لا تهتم.

- جياد : لكنني لا أرى ما تقولين ..

سوار أحست بأن أحدهم قادم فقررت المغادرة في الحال من باب المطبخ وراء المنزل ، وخرجت أنا بعدها حاملاً مفكرة جياد من الباب الرئيسي ، ولحسن حظها ، لم أرى سوى جياد .

- ساري :هل انتهيت من محادثتك الطويلة مع فارس !

- جياد : جاءت في وقتها لقد أدهشتني !

- ساري : من تقصد!

- جياد : ال ال المفكرة .

- ساري : لم أكن أعلم أنك تمتلك صفة سلبية وهذا لا يصب في صالحك مطلقاَ ، ألا وهي أنك كثير النسيان!

- جياد : حتى توقن أننا لسنا رائعين في كل شيء .

- ساري : أحبك كثيراً يا صديقي ،وأحب روحك التي عجزت عن فهمها .. أنا حقاً متأسف لبساطة وتلقائية حفلة اليوم .

- جياد (يضع يده على كتفي) : لا تقل ذلك ، إنه لشرف كبير لي أن أزورك وأشاركك بعضاً من أفراحك ، ثق بنفسك أكثر ، اتفقنا.

- ساري : اتفقنا ..

- جياد : حسناً ، سأنصرف الآن ، أراك غداً في الجامعة ..

- ساري : وداعاً جيادي .

في العِليه ، غافلُ تماماً عن أختي سوار .. الفتاة التي استتر منها ،وكأنها " عيب" بلا عيب! .. إنها دائماً مقوقعة في المنزل .. يكلفها أهلي بتحمل المسؤولية منذ صغرها لكونها أكبر فتاة في عائلتنا فهي من تغسل ثيابي وتكويها ، وتصنع لي الطعام عندما لا تصنعه أمي ، وترتب غرفتي وتنصحني وكأنها أمي ، وهي مستشارتي الخاصة عندما تواجهني الأزمات ..تصبر على غضبي وعنادي وعنفي أحياناً معها .. تتحمل أخوتي وفوضويتهم ، قليلة الخروج من المنزل ، شديدة الاهتمام بمستقبلها .. ويعجبني فيها الصبر! الصبر الذي لا حدود له ..ويعجبني فيها الفأل ، الفأل الذي لا حدود له .

بعض الظروف المؤلمة التي مرت في حياتي وحياتها عجزتُ عن تحملها في الوقت الذي تحملتها هي بأسرها و حملت فوقها عني ظروفي و همومي .. أختي لا شبيه لها في العطاء ..روح متفائلة تحب الحياة .. تحب الحياة مثل جياد ..إلا أنها ليست شقراء مثل جياد!

هل جننت يا ساري! كيف لك أن تقارن بهذه الطريقة القبيحة التي تنزع كل شيء إلا معايير الجمال النسبية!

بالنسبة لي فإني أرى أن أختي هي أجمل الفتيات ، لأنها تمتلك روحاً عجزت أنا عن امتلاكها، أختي جميلة بملامحها ولكن .. لماذا خجلتُ أن أخبر جياد أن لي أخت لا أدري ! مع أن جياد جاري وصديقي ونشأنا قريبين جداً من بعضنا .. إلا أنه لم يعلم بأن سوار أختي وليست أخت لي من زوجات أبي إلا اليوم !

سوار لم تخبرني أنها قابلت جياد ..هي تعرف أني سأوزعها ضرباً بأقرب " عقال" لو قالت ذلك ، لكنها عفوية إلى حد أن مجرد سرحانها قد يفضحها! فعندما دخلت غرفتها في المساء وجدتها شاردة الذهن متوردة الخدين ..سألتها:

- ساري : لما لم ترتبي الحديقة !

- سوار : جياد أنا متعبة .. سأرتبها غداً!

- ساري (بعينين تتسعان) : جياد!

- سوار (تنتبه) : لا ..اقصد ساري ، لكثرة انشغالي بالتجهيز لأسرة جياد صار اسمه على طرف لساني !

- ساري : اها .. تصبحين على خير .

- سوار : وأنت كذلك ساري .

**********