مقدمة

11 0 00

نَغَم

رواية

سناء السلطان

إهداء طارئ إلى :

كل من يبحث عن الذات ، كل من يبحث عن صديق .. !

" أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصاً آخر "

ويليم شكسبير

ربما ..

تُسد الثغور .. إن أغمضنا أعيننا عن العالم .. وفتحنا بصائرنا للعالم .

( النَغْم )

نحنُ نحيا كما نريد ، سعداء ، أشقياء .

أقدارنا لم تمنع إرادتنا يوماً .. نحن من منعها .

أكبر تغيير قد يحصل للعالم هو من داخلنا .

وأكثر فساد قد يدمر العالم هو من داخلنا .

" قُل هو من عند أنفسكم "

أجل ..نحن ..

نحنُ .. النَغَمْ .

_ سناء السلطان _

( البداية ، حيث لم تَكُن بعد )

على الحافة ، نتأرجح لثوانٍ تتنكه بالحيرة الآسرة ما بين كيف كنا و كيف يجب أن نكون .. على الحافة ، نُغدق بألسنة الهرطقة الطويلة : أنْ لو كان بيدنا تغيير الواقع ، قليلاً لو كان بيدنا فقط ، لعلنا سنحب الحياة .. أو نتقبلها ..

وغالباً ما نرمي أسهم عدواننا على القدر ، مثل ساري الذي لام أمهُ طويلاً لماذا أنجبته! الأجدر أن يلوم أمه لماذا تصبر على شحنات انحساراته المتواصلة .. وانكساراته ..وخساراته ، والكثير من المسومات حوله ، أدعى أن لا يلقي لها بالاً ، لكنه ألقى وألقى وألقى !

في حياة كلٍ منا قصة خاصة به ، لا يمكن ولا حتى من قبيل الصدفة أن تشبه قصة أحد مهما بدت متشابهه بغيرها ، تبقى مختلفة ما دامت لك أنت ، وإن تشابهت فهي حتماً ستختلف ، لكونك صاحبها بمشيئة القدر ، تنقطع كل فروع التماثل عند البحت وينتصب خيط الأصل .. وهو أنت .

فقد لا يستحضرك أنك تمتلك تكوينة فريدة ، وعبر مر العصور والحقب لم تطرأ بأٌمها و جلها ودقها على غيرك ، حتى وإن نطق منظورك بالحكمة وقال إنك تشبه على الأقل أربعين يشبهونك على هذا الكوكب ، لا لا ..لست طفرة ، لكنك كبصمة الأصبع لا تتماثل مهما تشابهت الأيدي والتعرجات .

الواقع شيءٌ آخر .. بحتمية تقدس سنه من سنن الحياة ..سنة الاختلاف .

حياتك ليست صفحات تطويها حلوة كالشهد كانت أم لاذعةً كالعلقم وإنما هي أنغام ..إحساس أكثر من كونها ماده .. ما حولك لا يمكن أن تفهمه إلا إذا شعرت به .. الأشياء التي لا تشعر بها لن تفهمها أبداً ، أو لن تفهمها كما هي على الأقل ، فعندما لا تتضور جوعاً لن تفهم لماذا يتعارك العشرات بل المئات في أفريقيا على رغيف خبزٍ وصل للتو من قبيل التبرعات النادرة في المناطق النائية .. عندما تحيطك النعم ولفرط وجودها لن تكترث لها كما لو كانت فعلاً مسلوبة منك .. ولن تفسر على قدر إدراكك للماهيات التي تحوط عالمك لماذا يبكي الليل كله من حرم منها .. ما لم تشعر ..لن تفهم .

قبل أن تولد كانت الحياة صاخبة جداً يا صاحب الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين ، كان كل شيءٍ سريع بدرجة أقل من سرعته الآن ، قدمت فرحاً عام 1993 .. العام المفضل لدي إلى الحد الذي قضيت فيه أجمل أوقاتي رغم أنني عانيت في ولادتك .

لا تفهم أنت كشاب شديد الوسامة ، مرفه من الطراز الأول ما أرمي إليه ، في العام نفسه شهدتُ ولادة ثلاثة معك : أولهم النعجة التي يربيها جدك في مزرعته الكبيرة ، لقد أنجبت حملين وديعين هزيلين ، سببا نشوةً كبيرة لجدك الوحيد ، وصديقتي السيدة هنادي التي أنجبت صبياً ظننا أنه لن يعيش طويلاً ، لكن الله كتب له عمراً وألهمك إياه سنداً في الحياة ، ما زال لا يغيب عن ذاكرتي القديمة أنها كانت في شهرها الخامس عندما وَضَعتكَ يا بني ، رأتك ملاكاً في مهدك ، وشدها مراراً رضيع بهذا الجمال ..أي رغبة اجتاحتها لتصر على أن يكون مولودها القادم جميل مثلك ، أشقر مثلك ! الطريف أن شِفتها تشققت من كثرة ابتلاعها الليمون ! أوتظن هذه السيدة الخرقاء أن وليدها المنبعث من رحمها سيكون أشقراً هكذا ..عنوة ! بالمناسبة ، عبثاً حاولت ، فقد باءت حزمة من خططها بالفشل مرة بعد مرة ، حتى أتى مولودها حنطياً بشعر أسود مجعد يعاني فقر الدم المنجلي ! اكتفت بدموع الفرح ( المحزنة الراضية ) وتمتمت .. يكفي أنه خرج ! المهم أنه ليس مريضاً جداً !

ولكم كنت رضيعاً يهواه الجميع ببساطتك وبرائتك ..كما خلقت كنت ..هل يبدو أنك تغيرت !

**********