الفصل الثالث
( عاطفة .. من نقيع الحظ الأملط )
مع بداية المرحلة الضنكا من الامتحانات النهائية للفصل الدراسي الأول ، وبما أنها السنة الأخيرة لي فهي المصيرية ، صباح شتوي شقي ، نهضت وجلةَ عند السابعة والنصف ..تحسست بوجلٍ بارز منبه هاتفي ! لما لم يرن! لما لم يوقظني أحد ! إنه امتحان الفيزياء المهيبة اليوم ، الامتحان الذي يكفي لجعل أسناني تهتز وترتجُ وتُطبقُ وتَزلجَ وتُفتح ، لا بل إنه هذا الامتحان العزيز يؤدي هذه المهمة عوضاً عن الجو البارد ! ..
أسرعت لأغسل وجهي الذي أعياه السهر ..كما قال أخي ساخراً عندما زار غرفتي البارحة ورأى ما رأى .." لو رآكِ نيوتن سيغتاظ ! إنكِ مثابرة أكثر منه وهذا لن يكون من دواعِ سروره"
ارتديت زي المدرسة ولم يكن لدي أي مجال لأصفف شعري بطريقة أنيقة كما في كل مرة ، فتركته مسدولاً منفوشاً بعض التعب ، ورغم أن هذا لم يسرني إلا أن همي المتوسد ثوب الرعب كان يقتصر على من سيوصلني ! فقد تفاجأتُ أنه لا أحد في المنزل ! والأعجب الأغرب الأصعب أنهم نسوني نائمة في غرفتي ! أخوتي في المدرسة وساري في الجامعة وأبي في العمل وأمي ليس لديها سيارة وهي نائمة الآن! خرجت من المنزل عند البوابة وأنا أبكي .. أحسست بالتورط وببنيات المجهول توعك ظنوني ، والوقت في ساعتي لا ينذر بلطف المعلمة ! لم يكن أمامي سوى منزل جارتنا السيدة ليليان .. إنها لديها سائقها الخاص وقد تسدي لي خدمة لن أنساها لها كعادتها .
دخلت الفيلا الضخمة والساحرة ، الفيلا التي يدهشني موهبة مصممها دهش الجلطة ، حديقتان غَنّاءتان عن يمينك وعن يسارك ، ونافورة أسطورية تتزين في الوسط ، ورائحة الياسمين والجوري المسكوب بعنايةٍ عليها قطر الندى .. ربما ..خففت هذه اللوحة الجمالية شيئاً من مصيبتي المنتظرة ، طرقت الباب مرة فخرجت لي خادمة لم يخيل لي أنها خادمة قط! ثيابها شديدة النظافة والأناقة والبهاء ، ترتدي فستانَ عملياَ يشبه فستان فيكتوريا أو الأميرة لوليتا .. المنزل كلاسيكي فاخر ، رائحة الورد الإنجليزي والصندل تنبعث من حيث لا أدري وبين جنبات ما حولي ..
- سوار :مرحباً ، هل يمكن أن أكلم السيدة ليليان ؟
- الخادمة : أجل تفضلي .. استريحي هنا سأناديها .
رأيت نعيماً في الدنيا ! ..جلست وأنا أتأمل ! كم يملك جيراننا من المال ليضعوا كل هذه اللوحات والتحف والمزهريات في الممر فقط ! كم هي ملمة بتفاصيل الديكور السيدة ليليان لتصنع تحفةً مظهرية تساهم في علاج التوتر عندي ! .. إذ أنها عالجت توتراً نادراً وهو الخوف من مجيء الامتحان متأخره! وأنا أتساءل من مكاني ..ارتفعت عيناي إلى أعلى الدرج المتوسط الصالة الكبيرة ، رأيت قدمان ناعمتان تنزلان بتغنجٍ فطري وتحتكان بالبساط الأحمر الملكي حتى وصلتا إلي ، تقف أمامي سيدة شقراء في غاية العذوبة واللطف ، فاتنة وأخاذه ..لم أتخيلها وأنا سابحةٌ بها إلا أنها واحدة من سيدات المجتمع الإنجليزي الراقي في العصور الوسطى ! ولأنني رأيتها من قبل فلم أنهمك بالإعجاب بها كثيراً ..كل هذا وليس كثيراً !
- السيدة ليليان: آهه كيف حالك يا عزيزتي ؟
- سوار : أنا بخير يا خالة ..
- السيدة ليليان : إنه لصباح فريد هذا الصباح الذي أقابل فيه فتاةً جميلةً ولطيفةً مثلك ..
– سوار :من لطفك حقاً ، في الحقيقة أنا ..أنا .. لقد استيقظت متأخرة اليوم وفوجئت أنه لا أحد في المنزل ولدي امتحان فيزياء ، أنا لا أعرف كيف سأتصرف .
- السيدة ليليان : أهذا كل ما في الأمر ؟
-سوار :أجل ..أنا خائفة جداً .
- السيدة ليليان : اطمئني صغيرتي ، جياد الآن سينزل ليتناول الإفطار ويذهب لجامعته سأطلب منه أن يوصلك للمدرسة ..وينتهي الخوف.
- سوار :من ! جياد ! لااااااااااا أنا سأتدبر أمري .
- السيدة ليليان : ما بك ! كيف ستدبرين أمرك ! إن كنتي تجدين حرجاً في ركوبك السيارة معه فلا بأس أن أرافقكما .
- سوار :حقاً ، شكراً جزيلاً يا أروع خالة في العالم .
- السيدة ليليان (بضحكة هادئة ) : يا إلهي لكم أنتي لطيفة ..يا قطعة السكر .. لا شك أنكِ لم تتناولي الفطور بسبب قلقك ، هيا إلى المائدة .
- سوار :شكراً يا خالة .. لا بأس لست جائعة .
- السيدة ليليان (تمسك بيدها) : هيا هيا ورائك امتحان ..وتحتاجين إلى تركيز عالي .
سحبتني من يدي بلهفة إلى الطاولة هذه الرائعة ، وأجلستني بجوارها ..كانت تقدم كل الأطعمة المتنوعة بقربي ، كانت تجيد الحضور في التفاصيل ، تتقن اللباقة في الدقائق ، حتى إنها نسيت أنها لم تأكل شيئاً في ذات الوقت كنت منهمكة بالسعادة ، سعيدة فوق المدى بالقرب منها ، أحب ذلك الصباح الذي جمعني بها ، أحبها.
وأنا امضغ اللقمة الصغيرة رأيت شاباً وسيماً فوق المعتاد فوق المألوف ، متجاوزاً كل حدود الفتنه .. ينزل من الدرج ذي البساط الأحمر مقبلاً نحونا .. تفاعلت دقات قلبي كلها مع ذلك المشهد .. شعرت بأنني أغص ، ولحسن حظي لم تلحظ خالتي ذلك ، حنيت برأسي متظاهرةً بأن شيئاً لا يهم ، طأطأت والحياء يتفجر من وجنتاي بخبثٍ مترجم لا وقت له .
- جياد : صباح الخير يا أمي كيف حالك ؟
- السيدة ليليان : أهلاً جياد ، تعال إلى الفطور .
- جياد : أرى أن لدينا ضيوف ؟
- السيدة ليليان : إنها سوار شقيقة صديقك ..
- جياد : امم سوار ..كيف حالك ؟
- سوار (بإحراج) : بخير .
- السيدة ليليان : بني ..سآتي معك أنا وسوار الآن في سيارتك ، لتوصلنا إلى مدرستها فلا يوجد أحد من أهلها في المنزل .
- جياد (يجلس على الطاولة متقابلاً ويشرب الشاي ): من دواعي سروري ..
كنتُ دائماً أسمع من أخي عبارات جعلتني أتصور جياد نجماً سينمائياً يرفض التصوير مع الأشخاص العاديين ، ويرتدي نظارة سوداء تحجبه عن الناس لفرط غروره ! كنت أتصور أنه ليس كما هو – على حقيقته – أمامي ..لقد بدى شاباً لطيفاً منسجماً جداً في علاقته مع والدته ، مليء بالاتساق وعدم التكلف ، ومحب للمساعدة والعون .. كان يقابلني على الطاولة فلم استطع أن أضع في فمي حياءً منه لقمةً واحده ،وكنت ابتذل جهداً في أن انهر رغبتي التي تدفعني إلى التحديق به .. لأنني لم أتصور أن فتاة عادية ومن أسرة أقل من عادية قادرة على تحريك شعور واحد فقط من بين مشاعره ..إنهم من أسرة متفتحة على عكسنا ، لو رآني أخي الآن أجلس على طاولة طعام يجلس عليها جياد .. لحولني إلى لوحة فسيفساء معلقة في متحفٍ مهجور.. ليس لأنه سيفهمني خطأً ، ليس لأنه غيور على أخته ، ربما لأنني فضحته عند صديقه الذي أخفى عنه الكثير من الحقائق ..خجلاً بواقعه و الذي من ضمنه أنا .
- السيدة ليليان : حسناً ، لقد شبعت .. سأذهب لأبدل ملابسي كي لا أتأخر عليكِ ..
- سوار : حسناً .
تمنيت لو لم تقم خالتي ، تمنيت لو طلبت مني أن أحظر لها ما سترتديه ..مع جزمي بأن هذا لن يحصل ! ..ولكنها رفعت درجة حرارتي ..حاولت أن أفعل شيئاً ، أن التقط ما تبقى من وجهي الخجول وأهرب من هذه اللحظة التي أنا – فيها الآن - .. أن أغيب عن التفاعل مع الأحاسيس العشوائية .
لم يبدو على جياد أي اكتراث بي في البادئ ..وهذا ما لم استغربه ، إلا لما أن رفعت رأسي قليلاً لأراه يضع يده على خده وينظر إليَ بجرأة بلعمتني ..شرقتني .. غربتني ..حيرتني ..أسرتني .
اغتصبت والدته هذه اللحظة التي خِلتُ أنها نُسجت من حلم ورديٍ شفاف بمجيئها .. أخذت تدعونا لركوب السيارة ..وركبت هي في الوراء معي ! ..كانت طوال الطريق تضع يديها على كتفي وتلاطفني كأني مولودتها الدمية .. تشعرني بدفئها بطريقة الافتتان ، جادة في مشاعرها ، عميقة كذوبان البحار في المحيط ، كزرقة المحيط تذوب فيه البحار جمعاء ، لن يتصور أحد أنها تجاملني الآن ..كما أنها حقاً ..لا تجاملني .. أي طفرة فرط أنوثة وثورة مشاعر تحملها هذه السيدة ، أمي التي قضيت معها عمراً باذخاً لم أحس معها ذات حلمٍ حتى .. أنني مدللة ومفضلة لها إلى هذا الحد ..سماوية ، ملائكية ، متوردة ..وردة .. فله هي ! كانت تقول لي أشياء أججت عواطفي الجامحة وأدخلتني إحساس الأمان فعالم اللطفاء ، عالم لا يفترض أن يكون وقته بقرب امتحان فيزياء! ..وكلما كانت تشرع بالكلام ، كنت اخجل لا بل ارتدي مسحةً خجلى ..وأغمق أغرق فيها .
- السيدة ليليان : أتعلمين يا ابنتي ، كنت دائماً استعجل الأحداث ، طالما وددت أن تكبر ابنتي جودي لأراها مثلك ..أحب أن تكون ابنتي صديقتي ، صديقتي مثلك !
- سوار (بخجل) : أنا سعيدة لأني صديقتك ! مثل أمي !
- جياد : احم احم .
- السيدة ليليان : لكن الحمدلله ..فلقد كبر ولدي وهذا جميل أيضاً .. لكنه يبقى ولدي .. لن يحصل أن يكون صديقي !
- جياد : أمي اغمضي عينيك .
- السيدة ليليان : اغمضتها .
- جياد : افتحيها !
- السيدة ليليان : فتحتها !
- جياد : لقد وصلنا .
- السيدة ليليان (تضحك وسوار) : هههههه يال َ المفاجئة !
- سوار :خالتي شكراً جزيلاً ..الساعة الآن الثامنة أنا خائفة لقد مضى على الامتحان نصف ساعة ..ماذا سأقول لهم أخشى أنهم لن يسمحوا لي بدخول القاعة .
- السيدة ليليان : ألا ترين أن الطالبات مازلنَّ يأتينَّ بعد ..لا تقلقي دعي الأمر لي ..أنا سأكلم المشرفة .
- سوار : سأسبب لك المتاعب ..
- جياد : لا تقلقي ، بمجرد رؤية المشرفات لوالدتي سيسمحنَ لك بتقديم الامتحان ،إنها معروفة في المنطقة كلها ..ستساعدك .
- سوار :حقاً ..شكراً جزيلاً جياد .
- جياد : على الرحب والسعة ..متى ينتهي امتحانك ؟
- سوار : الساعة الحادية عشرة والنصف ..لما !
- جياد : سآتي لأخذك .. قد لا تجدين من يعيدك ..فشقيقك في الجامعة ، ووالدك مسافر !
- سوار : لا داعي لأن تتعب نفسك مرى أخرى ..
- السيدة السليان : لن يتعب نفسه ، أفضل من أن تنتظرين لفترة طويلة شقيقك .
- جياد:أسمعتِ ، سأقف في نفس المكان عند الحادية عشرة والنصف ..
كم تقدم لي خدمة عظيمة بلا مقابل يا جياد ! لقد بقيتُ ساعتين في البرد القارص البارحة عندما تأخر عليَ أخي حيث الصفوف مغلقة .. هل سخر الله لي هؤلاء الطيبين لأنجو من برد ساعتين، ومن حرمان درجات الامتحان ! ..شكراً ثلاث .. والرابعة دق قلبي!
- المشرفة : سوار ! أو و لا ! لا يكمن هل تعرفين كم مرَ على امتحانك!
- السيدة ليليان : مرحباَ سيدة فوزية!
- المشرفة : يا للمفاجئة ، سيدة ليليان تأتي إلى المدرسة!
- السيدة ليليان : أتمنى لو تقدمي لي خدمة ، بعض الظروف منعت سوار من أن تأتي باكراً ، هل يمكن أن توافقي على دخولها الامتحان ! إذا سمحتِ؟
- المشرفة : كيف سأردَ طلب إنسانه رائعة مثلك ، لكن .. هل هي ابنتك !
- السيدة ليليان : إنها مثل ابنتي .. شكراً جزيلا لك .
- المشرفة : العفو إنه الواجب ، سوار هيا إلى القاعة .
- السيدة ليليان : سوار حُلي جيدا ..
دخلت القاعة بسكينةٍ المؤمنين عند الحرب الضروس دخلت ليثيبني الله فتحاً في الفيزياء ! شاهق هو السمو ، سمو روحين جميلتين لهما فضلُ علي .. روح خالتي ، وروح جياد .
(بعد الامتحان) :
- نادية : سوار ، من هذه السيدة الجميلة التي كنتِ برفقتها عند الصباح! لقد رأيتكما مع المشرفة في الباحة.
- سوار :إنها جارتنا اللطيفة ، أوصلتني وابنها اليوم للامتحان !
- نادية : لدي فضول للتعرف عليها ، أعجبتني حقيبتها الداكنة ووشاحها ذو الفرو الباهظ !
خرجت وقد تنفست الصعداء بعد امتحانٍ مر كأن لم يكن ، وكنت قد سلمتُ على نادية ونور صديقتاي الشقيتين .. وبدأت ألتفت بعيني باحثةً عن السيارة الحمراء المكشوفة ، والشديدة البروز من بين باقي السيارات ! لكنني لم أرى شيئاً يشبهها ! ..لو لا أني استبعدت أن لا يلتزم بالمواعيد شابٌ كجياد مع فتاة غريبة عنه لصفعته بتهمة عدم الانظباط .. اقتربت بعد أن شدتني زحمة مجموعة من الطالبات ، ظننت أنهن يتصارعن على إجابة خاطئة تناقلنها في امتحان اليوم ! إلا أن هذا لم يحدث ..المتطفلات القبيحات! .. كنَ مذهولات بصاحب تلك السيارة الحمراء الذي ولأول مرة يقف بقرب مدرسة ثانوية للبنات! .. اقتربت " انظرن إلى شعره الأشقر" " نظراته سرقت قلبي بسرعة البرق " " يبدو أنه ثري " " يا فلانة ألا تتفقين معي أنه يحمل شخصية رائعة " ارتفعت نيران الغضب لدي وأنا اسمع هذه الكلمات موجهه إلى جياد ! جياد الذي خرج من سيارته إلى الكافتيريا ليحضر مشروبين دافئين ! بعفوية مطلقة .. تنتبه عليه كل هؤلاء الفتيات ولا يلتفت إلى واحده منهن ! وهل من اللائق أن أغار على شخص لا تربطني به علاقة !
تزاحمت من بينهن لأقترب إلى السيارة .. وعيونهن شاخصة ! اقرأ منها استغرابهن ، من هذه الفتاه " الساندريلا " التي تحظى بركوب السيارة مع صاعقة كجياد!
- سوار :آسفة لتأخري .
- جياد : لا أبداً لم تتأخري ..كيف كان امتحانك ؟
- سوار : بفضل الله ..كنسمة الهواء ..أين خالتي !
- جياد :أعلم أنك توقعتي أنها ستأتي ..لكن صار لديها ظرف طارئ في العمل ولم تأتي .
- سوار (بارتباك): أرجوك ، دعني أنزل إذاً .
- جياد : لا يمكن أن ادعك تنتظرين ساعتين كي يأتيك ساري ! لن ترضى والدتي علي إذا علمت بذلك .
- سوار: ولكن ..لا يمكنني ..
- جياد (بلطف) : مما كل هذا الخوف .. نحن لسنا الآن في امتحان ! اطمئني .
جعلني أركب في الأمام ، كان مؤدباً لدرجة تطمئنني ، تشعرني أنه ليس مثل الوحوش التي لم تحشر بعد و الذين قرأت عنهم في قصص الحوادث والمآسي .. أغلق سيارته المفتحة أبوابها وشغل نظام التدفئة ،وأعطاني مشروباً دافئنا .. وبقي الصمت يلف المسافة ويطويها ببطء وخجل .
كنت في غمرة فرحي الغير واضح ، حتى إن الخوف مات بل أُبيد لا بل انقرض بل انقضى .
مع أني برفقة شابٍ غريب ، إلا أنني هدأت وسكنت .. شعور الثقة الذي لا نمنحه لأي أحد أحسست به الآن ، كأني أعرفك منذ وقت بعيد يا جياد ، فأنا أثق بك! وأشعر بشيء غريب تجاهك .. شيء أتجاهله منذ أول صدفة ومنذ ثاني صدفة وحتى موقف اليوم والآن!
بيدَ أن ضعفاء الحيل والمآخذ أمثالي عاجزون عن فعل شيء يشبه نهاية مثالية .. واقعي يشبه واقع البطة السوداء ..حتى أخي لا يعلم أنه يعرفني ! .. تجاهلت شعوري حد الانفجار ، حد أني وددت لو أعيش ضمن نطاق هذه الأسرة .. يمتلكون قدراً كبيراً من السعادة والفخامة والوسامة..آههٍ لو أني شقيقة جياد ، وابنةً لوالدته ، تدللني برعاية مطلقة ، وأستمتع بالقدر الأعظم من الأزياء الجميلة والحياة الرائعة والبشر المحبون الذين يحلمون فقط بالقرب مني ويصعب عليهم نيلي ! آههٍ لو .. استيقظت على لحظة وصول السيارة لمنزلنا ، اللحظة التي لم أرغب بها ..اللحظة التي نطق بها جياد بعد صمتٍ مفتعل ، ليراني باكية دون أن أشعر ..!
- جياد : سوار ، لقد وصلنا الآن .
- سوار : شكراً جزيلاً لك ، أتعبتك معي اليوم ، بلغ سلامي لوالدتك .
- جياد : لا أبداً ، لم تتعبيني ..هل يمكن أن أفهم سبب دموعك! آسف إن ضايقتك بشيء!!
- سوار :لا .. لقد تذكرت شيئاً أحزنني .. إلى اللقاء .
لقد تذكرتُ " واقعاً" أحزنني ..لقد تذكرت "حلماً " أنكرني ..سامحني لأني تركتك في حالة استعجاب وتعجب .. كيف تنهمر الدموع بهذه السهولة ، وبلا موقف يحركها !
المواقف لا تحركنا من الخارج فقط ، مواقف صارت ذكرى من الداخل ، تبكينا بوجعٍ مضاعفٍ يا جياد ، تستنزف طاقاتنا الإيجابية ، تغرقنا فيها ، وبها نغرق .
عدتُ إلى البيت وأنا أتمنى لو يتكرر هذا الحلم الجميل كل يوم ، وكالعادة ، لم أخفِ عن والدتي أي شيء ..فقد أخبرتها بما حصل ، ولم تنزعج كما توقعت ! قلت لها " ألا يزعجك ما حصل" .. فأجابت : " يزعجني أن يفوتك الامتحان فقط ..ثم إن للضرورة أحكام " ..عندها ، اطمأننت .
في ذات الوقت كان أخي ساري في الجامعة ، بعد أن انتهى من تقديم الامتحان توجه مباشرةً إلى مكتب رئيس المستشارين الطلبة ، حيث ذلك المبنى الجميل والهادئ ، فلم يجد أحداً في المكتب ، فقد كان جياد في طريقه إلى الجامعة بعد أن أوصلني للمنزل .. جلس بكل ترنحٍ أليف على كرسي جياد ، بعدما صنع له قهوة الموكا الساخنة بآلة القهوة الخاصة بجياد في المكتب ..وبدأ يتصفح الأوراق الموجودة على الطاولة ، ويطلع على استشارات الطلاب !..يتصرف كما لو أنه جياد ! ويأذن لنفسه كل شيء ! حتى دخلت فدوى إلى المكتب .
- فدوى : ما هذا يا هذا ! ماذا تفعل هنا! أنت مرةً أخرى .
- ساري : لا شأن لك .
- فدوى : كيف تسمح لك بأن تأتي هنا بلا استأذان .. وماذا تفعل أوراق الاستشارات عندك ! ألا تعلم أن العمل يتسم بالخصوصية كيف تقراها !
- ساري (يلف قدماً على قدم): هل عندكِ شيءُ آخر ؟
- فدوى : أخرج من هنا فوراً قبل أن تضطرني للعنف .
- ساري : عنف ! عنف بالشطه أم بالتوابل ها ؟
- فدوى :سأعلمك كيف تتطفل يا خفيف الظل ! ( تركي تعال فوراً)
- تركي : ما الأمر !
- فدوى : أنظر بنفسك !
- ساري: تقصد هذه الشرسة ، انظر إليَ أنا يا حباب .
- تركي : ساري ! قم من كرسي الرئيس قبل أن يراك أحد ! .. واترك هذه الأوراق وانصرف فوراً من غير مشاكل !
- ساري: وإن قلت لا !
- تركي : أنت تبحث عن المشاكل .
- ساري ( يهمس في أذن تركي ): لستَ رجلاً ..ولو لا أنفك المحشور في كل شيء لكنت الآن عضو في قسم الاستشارة مكانك !
اشتد النقاش بين تركي وساري ..حتى وصل إلى النزاع والتعارك باليد وبالصوت .. في الوقت الذي فزعت فيه فدوى لتنادي أحداً يخلص تركي من براثين وقبضة المجنون ساري ! والذي قاتل كأن النقمَ يقاتل معه ! فهو يظن أن تركي لم ينل هذا المنصب بعرق جبينه وأنه هو أولى منه مكانه ! إلى أن وصل جياد بسرعة بعد أن سمع صوت الاحتداد من بداية المبنى !
- فدوى :أيها القائد لحسن حظي أنني وجدتك ، هناك مشكلة كبيرة .
- جياد(يدخل للمكتب) : ماذا أرى ! توقفواااااا !!
- تركي : جياد هذا المنفصم يحاول خنقي !
ساري لم يرى أمامه لا جياد ولا فدوى ، واستمر بغلظة ضرب تركي ! حتى اقترب منه جياد وصفعه صفعةً قوية أسكنت كل شيء في المكان .
- جياد : لم أكن أعلم أنك همجيٌ وأنانيٌ إلى هذه الدرجة! هل وصلت بك الحال إلى أن تنقض على صديقٍ لك كان معك العام الماضي بكل شيء!
- ساري (منحني الرأس) :أنا سأذهب ، لكن ثق أن صفعتك لم تؤلمني ! تصفع صديقك من أجل الدفاع عن صديقك .. !
- جياد (يتجاهل رحيله) : تركي هل أنت بخير ؟
- تركي : أنا بخير ..لو لم تأتي لتحول المكتب إلى شيء لا يشبه أي شيء ..!
- فدوى : جياد آسفه ولكنها ليست المرة الأولى التي يتطفل فيها على المكتب ، لقد كان يأتي إلى هنا كل يوم عندما كنت مسافراً !
- جياد : لا تقلقي ..سأتفاهم معه لاحقاً ..هيا لنباشر العمل.
لماذا تتصرف على نحوٍ مخجل يا ساري! ..لماذا تحاول أن تكون سيئاً وأنت لستَ كذلك ، لماذا لم يجبرك احترامك على المغادرة دون السعي للتشاكل الفارغ هذا ! هل يجب أن يصفعك جياد حتى تتأدب ، وتغادر مكسوراً ! ..هل كنت تنظر صفعة من أعز أصدقائك حتى تغادر! ، أنت دائماً تراني فتاة مخجلة و بسيطة ..ألا ترى نفسك أخي المخجل البسيط _ لو افترضت أني مخجلة _ كما تدعي ! ..قد أكون بسيطة ، لكن هذا لا يعني أنني مخجلة ..المخجل أنك لا تعالج عقدك المتشعبة ، المخجل أن تبقى ناقماً على جياد وأصدقاء جياد وأنت تحبهم .
رجل حساس وعاطفي مثلك لا يليق به سوى أن ينهل منه الآخرون الألفاظ المعسولة ، هو شلال من عسل .. هو خالص ، هو نظيف قلباً وقالباً .
تغير يا أخي أرجوك ..قبل أن يغيرك الواقع الذي أفشى فيك الغل والتمنع !
أخبرتني عندما عدت من المنزل بأن ثوبك الممزق وشعرك المتطاير و وجهك المتورم نتاج طبيعي للعبة لعبتها مع الأصدقاء ، هل يتعارك الأصدقاء ! وهل تظن أختك بلهاء لتصدق كل ما تستره بالمراوغات ! صدقني لم أصدق حرفاً واحداً مما كنت تقوله ، لكن وكي لا أصنع منك رجل ثورة ! ارتديت قناع الصمت .
يوم ، يومان ، ثلاث .. أربع .. أسبوع .. لقد بدأت والدتي تستعر لتصرفاتك الغير مسؤولة ، طوال الوقت في غرفتك كسجينٍ محجور عن العالم ، لا تشارك رفقتك القليلين الذهاب للنادي ، ولم تعد تكترث لدروسك ، كأنك يا " جونغر" زمانك تضمن الامتياز ! ..تذهب لتقدم امتحاناتك ثم تعود قبل الجميع كفتى الأدغال المصاب بعقدة من رؤية البشر ! .. كأنك تهرب من الكون إلى محور الكون ، وترى بغير إدراكٍ أن محور الكون هو "المنزل".
نزلت عند السادسة مساءً إلى الصالة بعد صياح والدتي عليك ، نزلت مبرطماً مقطب الجبين ومنفوش الشعر ، الزهد كل الزهد ينبع من تقاسيمك الكئيبة ! لترى والدتي تنتصب في الصالة غاضبةً ساخطة .. المرأة التي أنجبتك لتقارنها بجارتها !المرأة التي لم تتفق معها يوماً ، ولم تجرب أن تجرب لو تتفق معها على الأقل ..ساعة من نهار ! وقفت قبالتها وهي واقفة كخيزرانة من اللهيب ، صرخت بك .. "أهوج " !
- السيدة هنادي : إلى متى وأنا أعلم وحيطان المنزل وحدها التي تطبق ما أقوله ! أخبرني أنت ..إلى متى!
- ساري (ببرود) : إلى أن تتفطر الحيطان .. أو أختفي أنا !
- السيدة هنادي : أسمعني جيداً يا ساري ، لقد طفح الكيل طفحاً ، واحتمل السيل زبداً رابياً وضعك لا يعجبني منذ أسبوع ، كيف لشابٍ في عمر الزهور أن يحبس نفسه في غرفة فوضوية أسبوع كامل ! دروسك وأهملتها ، أصدقائك وانقطعت عنهم ، أخوتك وعاديتهم ، أنا ونسيتني !
- ساري : أسمعيني جيداً ، لا شأن لك بما يحصل معي ! لم أعد طفلاً علي تبرير كل تصرفاتي أمامك!
- السيدة هنادي : وهذه هي المشكلة ، أنك لم تعد طفلاً ! ساري لن يقدم لك أحد العون على طبقٍ من ذهب إن لم تقرر أن تساعد نفسك !
- ساري : حسناً شكراً على النصيحة ،أهناك شيء آخر ؟
- السيدة هنادي : أجل ، أذهب واستحم ومشط شعرك وتهندم وتعال معي ..احتاجك لترافقني إلى مكان ..قد يخرجك من حالة البؤس هذه !
- ساري : إلى أين !
- السيدة هنادي : أفعل ما قلته لك ..واترك الباقي علي!
ذهب مشدوداً هذا الذي يدعى ساري إلى غرفته ، وبعد ساعة ! عاد إلى الصالة كأنما نشط من عقال! لقد أصبح أنيقاً نظيفاً قطيفاً ! وربما تحسن مزاجه بسبب الاستحمام !
تولينا أنا وأمي ظهرك ..لعلك تتبعنا إلى الخارج .. فضلاً وليس أمراً .
- السيدة هنادي : ساري هيا شغل سيارتك !
- سوار : أتمنى لكما رحلة سعيدة ، ساري لا تنسى أنَ الابتسامة بالمجان !
- ساري (مكشراً) : ادخلي إلى الداخل قبل أن يراكِ أحد ..ولا تتصلي بنا أفهمتي
- السيدة هنادي : سوار اعتني بأخوتك جيداً ..سلام .
(في الطريق)..
- ساري : لما طلبتِ مني أن أذهب معك إلى مطعم الواحة ! لستُ جائعاً !
- السيدة هنادي : هناك مفاجأة تنتظرك ..
- ساري :ماذا ماذا ..! يا سلام يهووو لنسرع إذاً !
مالذي غير تقطيبك فجأه ، أتكون متعطشاً للمفاجئات إلى هذا الحد ! أتراك جاد عندما تعترف بمزاجيتك ، أم أنك لا تخجل من طبعك المألوف أمام أمي .. إنها الوحيدة التي تدرك كيف تحرك طاقتك ! كيف تجعلك بركاناً ، وتطفئك بملء إرادتها متى شاءت ، وفي الحالتين لا خيار لك سوى أن ترضى ، أو تتحامل على نفسك ، أو تتراضى ! وحدهنَّ الأمهات القادرات على فهم الأبناء رغم أن سياط الاتهام لا توجه غالباً إلا إليهنْ .. كثيراً ما نتهم أمهاتنا بأنهن عاجزات عن فهمنا ، ونكتفي مراتٍ بالصمت ، ينقطع البوح وتأكل القطط ألستنا في حضرتهن .. ليس خوفاً ! لعلها طريقة لإيجاد منفذ نخرج به من صدق نظراتهن ..النظرات المحشوة بالخوف ، وبالعتب .. وبالكثير من الأمان !
رقص عقرب الثامنة .. وغنت الدقيقة الأولى لحن الترقب .. خرج ساري من السيارة قبل القبل وفتح الباب لوالدته على غير العادة !
- ساري :تفضلي يا ملكتي إلى المطعم !
- السيدة هنادي ( متسعة العينين) : سبحان من أمره بعد الكاف والنون ، وإن أراد شيئاً قال له كن فيكون !
- ساري : بل قولي سبحان مغير الأحوال ! هيا هيا إلى الداخل ، لقد نفذ صبري وأنا انتظر المفاجأة !
دخلت والدتي للمطعم بصمت يثير ساري ، اتجهت إلى إحدى الطاولات ذي الأربع مقاعد ! وأجرت مكالمة هاتفية بعيداً عن ساري ثم عادت !
ما لبثت أن غنت الثامنة إلا خمس دقائق حتى أقبلت امرأة ثلاثينية وفتاة شابة إلى السيدة هنادي وساري !
- السيدة نهى : أوه هنادي يا عزيزتي كيف حالك !
- السيدة هنادي : ما دمت أراكي أنتِ وابنتك فأنا بألف ألف خير! تفضلا بالجلوس ..
ساري راقب المشهد بلغة الاستفهام .. من هؤلاء ! وإن كانت هذه السيدة صديقة لوالدتي فأين المفاجأة ! هل تحاول أن تحمسني أمي على لا شيء!
همس لها ..
- ساري :أمي من هؤلاء ! وأين المفاجأة !
السيدة هنادي : ميَّار كيف حالك !
- ساري : أمي من هؤلاء!
- ميَّار : بخير يا خالة ..
- السيدة نهى : هل هذا هو ابنك الأكبر يا هنادي ؟
- السيدة هنادي :أجل ، ويدعى ساري ..إنه في السنة الثانية من الجامعة .
- السيدة نهى : كيف حالك يا بني ، ما شاء الله تبدو شخصاً جيداً !!
- ساري : بخير ، وشكراً على المجاملة .
السيدة هنادي (تقرص ساري وتتدارك! ) : آهه إن ابني خفيف الظل .. ( تتمتم ..احذر من التخبيص في الكلام ! وإلا ).
السيدة نهى : هذا لطيف .. و واضح !
- ساري (يصرخ) : آييي ..لماذا قرصتني !
- السيدة هنادي : بني تعال ودلني على الحمام لأغسل يدي قبل العشاء ! عن أذنكم .
خرجت السيدة هنادي من عند الأخيرتان تجر ساري من أذنه بعيداً عن الأعين ، لتنفجر به دفعة واحدة !
- السيدة هنادي (بغضب) : ما هذا ! هل تتعمد إحراجي أمام صديقتي ..ألزم الصمت وتصرف بأدب وإلا .. ستندم عندما نعود في يوم لا ينفع الندم ..تفهمني !
- ساري : أنتِ تجبرينني بعدم توضيحك لي أي شيء على ذلك ! من هذه السيدة البارعة في المجاملة التي معك ! ولماذاجاءت هي وابنتها ! وأين المفاجأة .
- السيدة هنادي : يا فالح ، لن تكتشف المفاجأة إلا في نهاية اللقاء ..هيا بسرعة لنعد إليها!
- ساري : سأتناول العشاء في طاولة بمفردي ، أنا الصبي الوحيد من بينكن!
- السيدة هنادي (بنظرة الغضب) : ساري ..أنت تعرف عقوبة من يعصي الأوامر!
- ساري :أهدئي ماما الحلوة سأفعل ما طلبتِ مني ..حتى لو كنتُ مرغماً !
( عادا إلى الطاولة) ..
- السيدة نهى : جيد أنكما لم تتأخرا!
- ميَّار : هل جئنا هنا لننظر إلى الناس وهم يلتهمون الطعام !
- ساري ( يتمتم) : واو !!
- السيدة هنادي : هيا لنرى ما في القائمة من أصناف .. ماذا تحبين يا ميَّار !
- ميَّار : ارغب في " البيبسي" وال" تشيكن برجر فورن "!
- ساري : أنا أرغب في " البيبسي" وال" تشيكن برجر فورن" كذلك !.. لكن بحجم مضاعف للوحوش!
جاء النادل وطلب الطعام وقضي عليه أسرع من المتوقع ! ..بدت الجلسة مريحة جداً لساري ، خصوصاً عندما شعر أن مستوى اللتان أمامه ليس أقل من مستواه .." مادياً " .. لذا لم يبذل أي مجهود في التكلف والتصنع أمامهما ، بل تصرف وفق سجيته المعهودة ، حتى أنه نسي أن هناك مفاجأة وعدتها له أمه !
دارت الأحاديث الطويلة بين الأطراف الأربعة ، كانت الضحكات ترتسم ، والانغماس بنشوة الحديث تتضح ! وتعرف ساري أكثر على السيدة والآنسة اللتان أمامه ، لقد تحدثت السيدة نهى عن الوقت الطويل الذي عاشت فيه مع ابنتها وزوجها في المهجر ، وكيف كان التأقلم زمن الغربة أمراً مستحيلاً .. وعن فرحتها العارمة الغامرة بعودتها لأرض الوطن .. تحدثت كأنها لا تصرف وقتاً بالحديث! ..وأردفتها السيدة هنادي أنها تمنت لو تحلُ مكانها ، وتسافر لتبتعد ولو ..سويعات.. عن مسؤولية الأم وضغط الحياة هنا ! ..وحيث أن الموضوع انتهى بعبارة صريحة من ساري ! " لا أحد يرضى بواقعه"!
في حين أن ميَّار اكتفت بالإصغاء ! ميَّار التي كان ساري متفاجأً جداً من جرأتها ! جرأتها بانتقاء قصة شعر صبيانية بحتة لشعرها الأسود الليلي ! جرأتها في اختيار ملابسها الداكنة التي تستر معالم الأنوثة من جسدها! بنطال أسود وحذاء رياضي وسترة جلدية ذكرته بسترة ارتداها جياد ذات مرة!
غنت العاشرة كفى كفى ، لينتهي لقاء الليلة الشتوية ، بتوديعات حارة من السيدتان وتوعدات مكررة بالزيارات!
ونظرات حادة تنافسية! من ميَّار وساري! وعندما غاب طيف السيدة نهى ميَّار .. وصعد ساري والسيدة هنادي إلى السيارة..
- السيدة هنادي : ما رأيك يا عزيزي بهذا اللقاء!
- ساري :لا بأس به ، ..تذكرت .. أين المفاجأة .
- السيدة هنادي : ميَّار! منذ وقتٍ طويل وأنا أرى أنها تناسبك ! لذلك قررت أن تراها اليوم فتعجبك ..وأخطبها لك!
- ساري (بحدة) : من من! أتقصدين هذه المسترجلة التي جعلتني أغص بلقمتي إثر جرأتها في الكلام!
- السيدة هنادي: لا تكن سطحياً ..إنها لطيفة جداً ومظهرها لا يعني جوهرها ! صدقني إحساس الأم لا يخطئ إنني أشعر أن شخصيتك تتفق مع شخصيتها!
- سوار (يضحك بسخرية) : تتفق ! أجل أنتِ على حق ..لكن ليس في الشخصية ، بل في المظهر ! غير أن شعري أطول من شعرها ببعض السنتيمترات!
- السيدة هنادي : سأكرر مثل هذه المفاجآت ..حتى تقتنع بها وتعرفها أكثر ! كم انتظر ذلك اليوم الذي أراك فيه عريساً!
- سوار :أمي هل تعانين من الحمى ! ماذا جرى لك ! من قال أني سأتزوج ! ومن قال أني أرغب بمفاجئاتك بعد اليوم ! ثم ألا ترين أنني ما زلتُ طالباً لا أعمل ولا أملك أكثر من مصروف جيبي ! اندفاعيتك تغضبني!
- السيدة هنادي : حسناً لا داعي للانفعال .. لنؤجل الموضوع الآن !
ردة فعل ساري كانت غير متوقعة أبدا ، هي بمثابة الخيبة لوالدته ، ظنت المسكينة ..أن الحب سيجعله أفضل مما هو عليه الآن ..وسيحثه للعمل والسعي الدؤوب حتى يؤسس نفسه ويهتم بدروسه ، إلا أنها تفاجأت بعدم طواعيته لها، فقررت أن تبحث عن مفاجئة أخرى ظنناً منها أن الأخرى ، ستنجم عن التماس كهربائي عنيف بدماغ ساري .. ليحدث تغيير اً صاعقاً !
أمي رغم رباطة جأشها أحياناً إلا أنها أكثر حناناً مما نستبعد ، تحاول بشتى الوسائل القريبة والبعيدة والغير متاحة والمتاحة أن تكون أماً ترضينا بما تفعل ! تأخذ من عمرها أجمله لتعطينا أجوده ، تخزن سعادتها المهددة لتودعها في خزائن أرواحنا عند ما يحل شتاء الروح وينفذ زاد القلب.. أمي ، مثل أي أم تغالبها نزعة الفطرة على أن تتسم بالأمومة .. أمي مثل أي أم في العالم تؤثر على نفسها ولو كان بها خصاصة ، أمي مثل أي أم في العالم ، تمنحنا _ بعد الله_ الحياه .
عاد الاثنان لأتوقع أن " ميَّار" هي كل ما يفكر به ساري الآن! ..بعد أن أخبرتني أمي بما سيحصل ، ظننت أن نفسية ساري مشروحة إلى حدود الصين ! إلا أن ظني لم يكن في محله ..
فقد زأر كالأسد في وجهي يسألني أين اختفى شاحن هاتفه ! على الأرجح ظن لفرط قلقه أنني أخفيته ، فقد اتصل به " جياد" ثلاث مرات وعندما وصل المنزل انطفئ هاتفه ! علمت حينها أن جياد هو كل يفكر به ساري الآن وليس "ميَّار" !
هل امتص هذا الأسبوع غضبك من فعلة جياد الأخيرة عندما صفعك دفاعاً عن تركي في المكتب ! وأنستك الأيام بسرعتها التي انعدمت فيها رؤيا جياد كبريائك ! أهذا كل ما يشغلك ! جياد فقط جياد جياد! هل صار إنسان لم تفلح في أن تصير مثله محور حياتك .. أيكون حجرتك التي إن خرجت منها ما قدرت إلا أن تعود إليها .!
أعطيتك شاحنتي المطابقة لشاحنتك علك تكف عن ركل الأرض وضرب رأسك بالحائط ، تتصرف هكذا أمامي كي أشفق عليك ..وأقلب المنزل رأساً على عقب بحثاً عن شاحنك ! وأنت قادر بجدارة على جعلي " مكسورة من أجلك " ..فأسرع بتقديم الخدمة الفورية لك ، مهلاً أخي ! ألا تعد هذه موهبة !
بعد مرور أسبوع بخصام غير مبرم بين الصديقين ، أذهب أنت وصديقك بحرب أخرى يا ساري ، ها أنت ذا تتنازل .. وتتصل به !
(على الهاتف) ..
- جياد : ساري حبيبي لقد اشتقت إليك كثيراً!
جدير بالذكر أنك بعد أمي قادر على جعل ساري يلين يا جياد ! وبأعجوبة !
- ساري: وأنا كذلك ..
- جياد : أعلم أنك منزعج مني ، لأنني أهملتك أسبوع كامل !
ودَ ساري لو يقول أنه لم ينزعج من إهمالك بقدر ما انزعج " جرحاً" من صفعتك ! جعلته يا جياد يبلع ألمه ودمعه ، جعلته يكتم أن يقول لك :" طعم الدم الذي خرج بعد الصفعة ما زال في فمي ".
- ساري: لا .. لستُ منزعجاً .
- جياد : أنزل إليَ ..أنا جالس في حديقة منزلي تعال لنشرب القهوة التي تحبها سوياً !
- ساري : تأخر الوقت ..لاحقاً .
- جياد : أنا انتظرك .. أسرع ستبرد القهوة .
وأغلق الهاتف ، وتستمر القهوة في كونها "الوسيط" الفعال السريع ل"صافية لبن" !
نزل ساري إلى الشارع واقترب من بوابة الفيلا الضخمة ، كانت مفتوحة كأنها ترحب به وكل من فيها يرحب به! شعر ساري باحترام غير موجود ! انتشى به! .. رفع رأسه ليرى جياد يبحلق فيه ويؤشر له من بعيد ليأتي .. اختناق يداهم أخي كلما مرَ على مكان رأى فيه هذا الإنسان الماثل أمامه للعتاب! يحدث نفسه ، " لم يمض على انقطاعي عنه سوى أسبوع وهو يبدو وسيماً وفارهاً وقوياً برتبةٍ مضاعفة ، هل يزداد وجهه في كل يوم توهجاً وتفتحاً وازداد شحوبا وصدأً ! هل تترى من سقف السماء عيناه الزرقاوان كل هذا البريق واللمعان الخيالي! أطعام الأثرياء يجعلهم محطة للإعجاب لأقصى درجات الانشداد! ماذا يأكل هذا الأرعن ليصير كما هو – بديع – أمامي! جياد ذي السترة الحمراء الغالية والقميص الأبيض التي تنعم به، يلف قدماً وساق بكل رحابة ليحاول إقناعي أنه لم يكن مسروراً أسبوعاً كاملاً بغياب عادي مثلي ! إياك أن تقتنع يا ساري إياك ! إنه يكذب ! يحتال المراوغ.. أرمقك محاولاً استيعابك علي أخفف من شعلة العتب عليك ..أطالع فيك ما لا أراه فيني ..رغم كل ما أنت عليه ، تبقى طيباً ، أو حنوناً يا جياد! ومع أنني من أخطأت في حقك وحق من لا ذنب له تركي إلا أنك تأتي بعد مدة لتصالحني ، لتجبرني على الامتثال لحقوق أخوتنا .. تجبرني على العودة إليك ، أقبلت إليك لتصافحني وتشد على يدي وتدعوني للجلوس بقربك ..ثم وقبل كل شيء تسكب لي القهوة ! هل أذكر أننا اختلفنا ! لقد جعلتني أشعر بإحساس أننا أصدقاء للتو ، وأننا لم نتعرف علينا إلا الآن ولم نكن نعرف بعض سابقاً لنختلف !"
- جياد (بتحديٍ) : عيناك جاحظتان ! يبدو أنك لم تنم أسبوعاً كاملاً ، هل الشوق إلي يصنع كل هذا!
- ساري (بحدة): أنت تزداد غروراً حتى تنفجر !
- جياد : هل ترى أني مغرور ؟
- ساري : لا يهمني .
- جياد : لقد كان أسبوعاً مريراً من غيرك ، ألتقي وجوهاً لا تحصى ولكن وجهك هو كل ما افتقدته حقيقة هذه الفترة . هل تعتقد أني سأصارحك بما شعرت به من دونك لو كنت مغروراً ؟
لم يستطع ساري أنْ ينكر صدق ما قاله جياد ولو بكلمة ! لأنه أحس بكلامه ..والإحساس لا يكذب صاحبه ، هكذا يؤمن جياد .. في الوقت الذي فاجأه أن جياد عانى من أسبوع مرير مثله !
- ساري : أسبوع مرير مرتين لي أنا أيضاً ..
- جياد : لما ؟
- ساري : لأنني عانيت الأمرين ، الأمَر الأول أنني فقدت سنداً ، والأمَر الثاني أنك جرحتني بفعلتك الأخيرة !
- جياد ( يضع يده على كتف صديقه) : آنا آسف على كل حال ، ولكن هل ما فعلته كان صحيحاً ؟
- ساري : لم أدخل المكتب أثناء سفرك إلا لأني أردت مساعدتك ، ولم أدخله آخر مرة إلا لأني ..
- جياد : لأنك ماذا ! لأنك أردت أن تجرب شعور صديقك أليس كذلك؟
- ساري :لا ، مطلقاً ..لأنني ..
- جياد ( يقاطعه) : صديقي العزيز المكتب وصاحب المكتب تحت أوامرك ، أنا أرحب بك في أي وقت فيه ولا أمانع لو تنظم إلينا .. ما أغضبني ليس دخولك ، بل فقدانك السيطرة عندما غضبت وحاولت خنق تركي !
- ساري : لأنه حاول أن يتعالى علي لكونه عضو في الفريق وأنا لا !
- جياد : صدقني لا أحد يتعالى عليك ، أنت ترى ذلك لكونك لا تثق بما تملك .. أشرب قهوتك ستبرد !
- ساري(منحني الرأس): لا أريد ..
جملة جياد كانت واقعية مع الأسف لأخي لذلك أوجعته ، فعلاً إنه لا يثق بنفسه وبذاته لذلك ينشغل بتفسير ردود فعل الآخرين ، عندما لا يعجبونه بالتعالي .. يفهمك جياد يا ساري بطريقة استثنائية ، كأنه يملك عصاً سحرية تخبره بكل شيء عنك .. بداخلك ، وخارجك! بدوت يائساً جداً أمامه و بدى متفهماً كعادته لحالتك ! على اعتبار أنك تعاني من حالة ! أو عقدة .
غنت الثانية عشرة في ساعة جياد ، وما زلتُ صامتاً بجانبه يطالع هو السماء والنجوم وتطالع أنت الأرض ! حتى التفت إليك وعانقك ، وكأنه يمتص غضبك بعناية فائقة وبلطفٍ رهيب.. كأنه ليس من صفعك ! كأنه يحبك كثيراً ويخاف عليك كثيرا!
- جياد : أريدك أن تكون قوياً يا أخي ، وأريدك أن تنظم للفريق ..
- ساري : سأكون قوياً ولكن لن انظم معكم !
- جياد : كما تشاء ، إلا أنني أرحب بانضمامك في أي وقت ، وسأجعلك مساعدي الأول !
- ساري : لا يثير حماسي كلامك أبداً !
- جياد : أما زلت غاضباً مني !
- ساري : قهوتك أنستني ألم الدم الذي خرج بعد صفعتك ! قادر على جعلي أرضى بسهولة .
- جياد : لستُ متفرغاً لإرضاء الجميع ..فقط من يهمونني سأرضيهم إن تخاصمت معهم !
- ساري : أنا إذاً أهمك ولكن ليس كثيراً ..فقد جعلتني انتظرك أسبوع كامل ريثما صالحتني!
- جياد : إطلاقاً ، تركتك أسبوع لتفكر فيما فعلته ..وتفهم أني أريد مصلحتك .. صافية لبن ؟
- ساري (يبتسم): صافية لبن .
- جياد : بالمناسبة أين كنت اليوم ؟
- ساري: كنت مع سيدة متغطية بمساحيق التجميل والمجاملات ..ومع فتاة شعرها أقصر من شعرك وشعري ! إلا أني أحسست براحة فوق الوصف !
- جياد : يا للهول .. حدثني فالليل طويلٌ و لا يحلو فيه إلا السهر .
وتكلم ساري ما كتمه أسبوع ..وأثرى حديثه بسرد كل ما جرى معه .. وعن رغبة أمه بالارتباط مع ميَّار .. وعن وعن .. حتى غنت الواحدة ..ليفترق الصديقان ، ويتفق الصديقان ..
عاد ساري إلى غرفته بعد أن عاهد جياد أن يهتم بما تبقى من امتحاناته ، و بعد أن فارقته النجوى ، وأخذ يصرخ بأعلى صوته كغرباء الأطوار !" أمي أروع أم في العالم ..جياد أروع صديق في العالم " !!
وأنا بدوري ، أشكركما فقد ساهمتما في التخفيف عن أخي كثيراً ..القلوب الطيبة تصنع الحب والأمل والربيع ..من جديد .
**********