(1)

10 0 00

(1)

لم يكن الفرات هادئاً... إنه يشاطر الريح دويّه، كما يشاطر أبناء المدينة أحزانهم، كان صاخباً هادراً ساخطاً متوعداً كل الذين رسموا السدود في طريقه، وعرقلوا شغبه بأوخم العواقب، فقذف موجات هائجة كنست كل النفايات، واقتحمت جدراً تنزّ عفونةً وجرفت كل ما اختزنه المتشاطئون من مؤونة...

كان الشيوخ والعجائز يعرفون سطوته وقرابينه، فكانوا يصلّون، ويرفعون الأكفّ بالدعاء كلّما أهلّ عليهم شهر نيسان، وكان الفرات عنيداً عاقاً لا يقيم وزناً لصلوات، ولا يكترث بالأدعيات... يقتحم حصون الأمل بهمجية، ويفتح حقائب الصمت بعنجهية، ويهزّ جذع الريح بقوة، فيتساقط الدمع المعتّق أياماً، وتُجلد الوجوه بسياط اللوعة والرهبة...

هو الفرات الذي نعشقه رغم مآسيه وجرائره... ملهم الأدباء وملتقى الأحبة، وشريان الحياة الذي يمدّنا بالعطاء... هو الفرات الذي نطوّف على سطحه الرقراق في كل حينٍ شموع الأمل... لم يصمد أحدٌ أمام هيجانه المدمّر... وحدها أشجار التين استطاعت أن تردّ له الصفعات رغم الغثاء الذي جلل لحاءها، ولوى أعناق المزروعات التي لاذت بها...

كل عام، وفي نيسان يرسم الفرات للمنطقة خرائط ملوّنة، حدودها صحارى ومتاهات وأخاديد تهزّ الوجدان، وتقشعرّ منها الأبدان...

الرجال يستغيثون، والأطفال يبكون، والشيوخ يحوقلون، أمَّا النساء فتندبن، وتولولن بعصبية...

قال شيخ المدينة لمن احتشد أمامه:

ـ إنها ضريبة البقاء يا أبنائي، وامتحان من الله تعالى... أكثِروا من ذكر الله والعمل الصالح، فبهما منجاتكم...

هزّ الواقفون رؤوسهم بأسى، وتفرقوا دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.

أزهار الربيع لوّثها الغثاء، فأصبحت نفايات، والبسمة اختفت من الشفاه، والعيون النديّة ما زالت تذرف دموعاً حارقة تلهب الوجنات...

إيه أيها الآتي... ماذا تركت لنا؟!

البيوت تآكلت حيطانها، وتقشّر طلاؤها، وفقدت الأبواب والنوافذ انتماءَها لأي لونٍ سوى الصدأ والرطوبة...

الخوف يمتد دماً حتَّى انتهاءات الوداع، وقد طيّرت أشياءَها الأشياء، وانسابت على الغثاء تبحث عن سر الضياع.

إيه أيها النهر الجبّار كنت تمنحنا فرحاً، ألقاً، وتحذّرنا من يباب الأجل... كنت تهدي إلينا عطر الأمل، ثمَّ تغرس في حقولنا فسائل الحب والمودة... كنت تقطف ذوب القلوب، وتجعلنا نتماهى على عجل، كنت توقد نار العشيات في مرابِعنا فيهلّ الحجل...

ماذا جرى لك اليوم على غير عادتك؟!

لِمَ جعلتنا في المدى المفتوح وجعاً ينوح؟!

لِمَ توزعت في مفردات الوقت أعاصير تهمي خرائب ودموعاً؟!

لِمَ لوثت نقاء الصمت وصفاء الصبر، وجعلت الفقراء يزدادون فقراً، والأخيار يمدون أياديهم للأشرار؟!

وقف أبو أحمد الصباغ متسمراً أمام ما آلت إليه أحوال بيته المتصدّع، وما خلّفه الفيضان... لقد أفسد أصبغته كلّها، ولوّث الأصواف المتراكمة، وغدت جدران بيته وأرضيته خرائط ملوّنة، ولوحات تشكيلية مذهلة، أمَّا مؤونة البيت من الطحين والبرغل والسكر والشاي وغير ذلك، فقد أصبحت مع الغثاء طعاماً لهوام الأرض وأسماك النهر.

حوقل أبو أحمد، وبسمل عدّة مرات، وعندما عجز أهل بيته عن إنقاذ شيء، رفع يده إلى السماء، سائلاً الله تعالى الرحمة والعون.

كان ابنه الوحيد (أحمد) يساعد أمه وأخته (حميدة) في تصريف الماء، ونشر الفراش والملابس على مصطبة مرتفعة، وهو يتأملهم واحداً تلو الآخر...

عيناه ترقرقتا بالدمع، وهما تفتشان عن وجيب خافق متموج بالحياة... عن ربيع دافئ وشوق عابق لإبنه الوحيد الذي بلغ مبلغ الرجال، ولكن من أين ونرجس الوقت ذبول، وقامة العمر انحناء، وغابة الحلم هباء؟! من أين والأماني استطابت نومها في مهدها والأغاني في سبات؟!

قال أحمد لأبيه عندما بلغ به التأثر مداه:

ـ لا تحزن يا أبي... بإذن الله سأعيد صباغة الأصواف، وستكون أفضل ممَّا سبق...

التفت أبو أحمد إلى ابنه فوجد دمعتين تنسابان بهدوء إلى وجنتيه، اقترب منه كثيراً، وطبع على جبهته قبلة دامعة، وقال:

ـ أنا يا ولدي لم أحزن يوماً على قضاء الله وقدره... أليست هذه حالنا في كل نيسان؟! صحيح أن فيضان هذا العام كان مأساوياً، لكن الله لن يتخلى عنا لأننا صالحون. الله يشهد أنني لم أرتكب إثماً أو جناية، ولم أطعمكم إلا الحلال. كل ما أطلبه من الله تعالى اللطف بنا، وأن يبقيك وأختك ذخراً وسنداً... أنت يا ولدي ما زلت شاباً وعندما تتزوج إن شاء الله، وتكوِّن أسرة، ستعرف الكثير عن معاناة الأب.

ـ أبي... ليس الزواج هاجسي الآن... أريدك أن ترتاح، وتترك العمل لي، لأعوّضك عن الكثير من الذي فقدته...

ـ أنت يا ولدي بحاجة إلى المال لتتزوج... أريد أن أفرح بك قبل أن يسترد الله أمانته.

ـ بعد عمر طويل يا أبي، وإن شاء الله سترى أولادي وأحفادي.

هزّ أبو أحمد رأسه مراراً، ثمَّ اقترب من ولده، وضمّه بحنان إلى صدره، بينما كانت زوجته وابنته تلملمان حوائج البيت المتناثرة.

كان اللغط قوياً أمام البيت وعند الجيران، اختلطت الأصوات الرعناء بالبكاء والنحيب، وكان ثمَّة صوت شنّفت له أذنا أبي أحمد، وقد هزّ له رأسه مراراً... إنه صوت (الكسّاري) وهو يشدو بشِعر شعبي يثير النخوة والحميّة لدى الآخرين، فيردد كل من كان يعمل معه عبارة يشير إليها عندما ينتهي من إنشادها...

ألقى أبو أحمد بصره إلى السماء... كانت صافية إلا من ذؤابات شائبة، والشمس تبث أطيافها السحرية بين أغصان الأشجار وشقوق الجدران، ليلوّن الغثاء بألوان قوس قزح...

تأمل أبو أحمد النهر والشجر ووجوه المارة، وأصاخ السمع إلى أصوات البلابل المبعثرة على الأشجار، فوجدها لا تقلّ عذوبة عن صوت الكسّاري... لكن نكبات النهر طغت على كل ما هو جميل وعذب وممتع، فأشاح وجهه وخطا خطوات ثقيلة، وقبل أن يبتلعه الزقاق، قال لولده:

ـ ساعد أمك وأختك في ترتيب البيت يا ولدي، فأنا ذاهب لأرى عمك أبا ياسين ماذا حلّ به هو الآخر، وأساعده إن احتاج إلى مساعدة.

ـ اذهب يا أبي مصحوباً بالسلامة، وبلّغه تحياتي وأشواقي. إن احتاج إلى مساعدة فأنا جاهز إن شاء الله.

كان الطريق إلى بيت أبي ياسين قصيراً لكنه متعرج وصعب... مليء بالسواقي الصغيرة والحفر الكبيرة...

اتّكأ أبو أحمد على عصا عجراء، ونقّل خطواته بحذر شديد، رغم ذلك كاد يقع أكثر من مرةٍ حتَّى وصل...

كان أبو ياسين يجلس على مصطبة بيته المرتفع، يتأمّل كل من حوله بقلق، وعندما رأى أبا أحمد مقبلاً هبط الدرجات الخمس بسرعة، واحتضنه بلهفة، وأمطره بوابلٍ من الأسئلة:

ـ طمّني يا أبا أحمد إن شاء الله خفيفة؟

طمّني هل أنتم بخير جميعاً؟

طّمني هل الأصبغة والأصواف سالمة؟

خلّص أبو أحمد جسده النحيل من ساعدي أبي ياسين بصعوبة بالغة، وتمتم بأسى:

ـ الكل بخير... والأضرار يعوّضها الله.

ـ ألم ينصحك أبي رحمه الله أن تجعل بيتك على مرتفع كما فعل؟

ـ بلى والله نصحني، وقد خاب أملي في السدّة التي عملتها (النافعة) والألسنة الصخرية التي امتدت على ضفاف النهر...

ـ هيا ادخل الآن لنشرب الشاي الأحمر.

ـ لا. هيا بنا لنطمئن على أبي عدنان المختار...

ـ المختار مازال يدور على البيوت ليطمئن على أحوال سكانيها. لقد رأيته منذ فترة وجيزة مع أبي طارق وأبي سلطان الجابي... اطمئن سيمرّون عليك، أمَّا الآن فتعال ادخل بيتي لأفضي لك بسرّ.

دخل أبو أحمد والهمّ يتملكه، تسمّرت عيناه في عيني أبي ياسين فرآهما فرحتين...

ـ أرى البسمة على شفتيك وفي عينيك يا أبا ياسين؟

هل عثرت على شريكة الحياة؟

ـ شريكة الحياة يا أبا أحمد ستأتي عاجلاً أو آجلاً، أمَّا سبب سعادتي يخصّك ويخصّ كل بيت تضرر من الفيضان.

ـ أفصح يا أبا ياسين...

ـ قرّر (علي بك) البارحة أن يعطي لكل صاحب بيت متضرر كيسين من الطحين، وكيسين من البرغل وبعض السكر والشاي السيلاني.

ـ أهذه نكتة يا أبا ياسين؟

ـ لا والله إنها حقيقة.

ـ إذن لك البشارة، أتريد عصيداً أم هبيطاً؟

ـ الهبيط يا أبا أحمد أرجوك.

ـ هو لك بعد أن نتسلم المعونة، والآن منك الإذن.

ـ لا والله لن أسمح لك قبل أن تشرب الشاي الأحمر معي.

احتسى أبو أحمد الشاي القرمزي بتلذذ، وغاصت عيناه في الأسلحة المعلّقة على الجدران، والمتراكمة على الطاولات... كان الوحيد الماهر الحاذق في إصلاح صنوف الأسلحة كافة، والخبير في الذخائر وصناعتها، وقد أدرك أبو ياسين سر نظرات أبي أحمد، فقال له على الفور:

ـ لولا حاجة الأتراك الماسّة لي لما استطعت أن أعرض بضاعتي في بيتي... انتظرني لحظة لأريك نوعاً جديداً من السلاح... انتظرني...

بخطىً عرجاء سار أبو ياسين إلى طاولة منفردة في أقصى الغرفة ولملم أشلاء مسدس كبير، فركّبها بسرعة مذهلة بعد أن نظّفها بخرقة ملساء، وهرول بها إلى أبي احمد.

ـ ما هذا؟

ـ إنه سلاح أحد شيوخ البادية، استعصى عليه، فأعطاني إياه لأصلحه له، ورآه ضابط تركي فعشقه، وعرض عليّ مبلغاً كبيراً من المال لقاء اقتنائه، فاعتذرتُ بحجة أنه لا يعمل، حاول أكثر من مرة، وفي كل مرة تكبر عروضه المغرية، وآخر عرض طلب مبادلته بعشرة مسدسات صغيرة مع ذخائرها، فأقسمت لـه كذباً أنه يحتاج إلى قطع غيار غير متوفرة ولا أستطيع تعويضها، فرحل مطمئناً ومتحسراً بآن واحد.

هزّ أبو أحمد رأسه، وهو يتأمل وجه أبي ياسين الطيب محدثاً نفسه: والله لو طلب مني ابنتي حميدة لما ترددت في قبول طلبه لأنَّه رجل شريف وأمين وكريم ووطني.

نهض أبو أحمد، وهمّ بإلقاء تحية الوداع، لكن أبا ياسين اعترضه قائلاً:

ـ بعد صلاة العشاء سنلتقي في مضافة علي بك.

أليس كذلك؟

ـ لست أدري والله.

ـ لا. لا... أريدك إلى جانبي لأمر مهم.

ـ كما تريد إن شاء الله.