(4)
كان الوالي التركي في حالة هياج شديد، يصرخ كل آونةٍ:
ـ صالح... صالح.. تعالى إلى هنا.
يدخل الشرطي صالح، فيمسكه الوالي من رقبته النحيلة قائلاً:
ـ هل ذهبت حقاً إلى علي بك؟
ـ نعم يا سيدي، وقال لي بأنه سيحضر في الحال.
ـ لِمَ لم يأتِ حتَّى الآن؟
ـ كان في مضافته عدد من الوجهاء، ولكنه سيأتي كما قال لي.
ـ ابقَ في الغرفة الثانية مع المُخبر شريف، ولا تغادرها أبداً.
ـ كما تريد يا سيدي.
أخذ الوالي يحدّث نفسه غاضباً، فالمخبر السرّي كان سيّئ السيرة رغم وعوده له بأنه سيغيّر من سلوكه وعطائه لينال الرضا، وكان يخشى كذب هذا المُخبر وتهويله لهذا الأمر، وإعطاءه أكبر من حجمه، فأراد أن يقف على الحقيقة من علي بك، فهو أدرى منه بهذا الأمر، وعندما دخل علي بك إلى الوالي خفّ هيَجانه، واستقبله بترحاب، فهو يحبّه كثيراً ويثق به.
أشار إليه أن يجلس قبالته، ثمَّ أخذ ينظر إليه بعينين ناعستين قائلاً بهدوء:
ـ أين ذهبت قافلة الأرمن يا علي بك؟
ـ قسم كبير منهم في المشفى، وعدد منهم توفّاهم الله، وآخرون توجّهوا إلى حلب.
ـ قيل لي إن عدداً من رجالات المدينة والريف تقاسموهم.
ـ ثلاثة رجال بحاجة ماسَّة إلى الزواج انتقوا ثلاث فتيات، ورجل بحاجة إلى عمال ميكانيكيين أخذ ثلاثة رجال، وعدد من رجال الريف انتقوا منهم عمّالاً زراعيين، وكلّ ذلك تمَّ بمعرفتي.
ـ كيف يا علي بك؟!
ـ أنا كفيلهم، وأنت تعرف يا مولاي غلاء المهور وفقر الناس، وندرة العمال الصناعيين والفنيين الزراعيين، والأرمن قد حلّوا لنا هذه الأمور المستعصية.
صاح الوالي بالحرس كي يُدخلوا المُخبر شريف على الفور.
دخل شريف فحيّا الوالي ونكس طرفه أمام نظرات علي بك. اقترب منه الوالي وعرك شحمة أذنه بقوة، قائلاً:
ـ أنت قلت لي إنك رأيت الرجال الذين تقاسموا كلّ القافلة، أليس كذلك؟
نظر شريف إلى علي بك، فغمزه بطرف عينه، فقال:
ـ ليس كل القافلة يا سيّدي...
ـ أنت تكذب إذن؟
ـ الرحمة يا سيّدي.
ـ سأودعك السجن أيها الكاذب.
تدخّل علي بك على الفور راجياً العفو عن شريف هذه المرة، فعفا عنه شريطة أن يكون صادقاً في نقل الأخبار، فوعده شريف بذلك.
ـ علي بك... أريد منك أن تُشرف بنفسك على كلّ قوافل الأرمن الآيبة خلال الفترة القادمة، وتعمل على ترحيلها إلى حلب دون توقّف في المدينة.
ـ لكن من واجبي أن أنقل المرضى إلى المشفى.
ـ انقل المُنهكين جداً فقط.
ـ كما تشاء... هل تريد شيئاً آخر؟
ـ لا... شكراً، وأنا آسف لإزعاجك.
ـ أستغفر الله العظيم، أنت تأمر في أي وقت تشاء.
ـ لم تقل لي من هم الرجال الذين أخذوا من الأرمن؟
ـ أبو سلطان الجابي، فهو يريد الولد يا مولاي، وأبو أحمد الصبّاغ انتقى عروساً لولده أحمد، وأبو ياسين انتقى أم ياسين، وأبو صادق الميكانيكي انتقى ثلاثة عمال ميكانيكيين لورشته، وعدد من شيوخ القبائل انتقوا عمالاً زراعيين لمزارعهم.
ـ خيراً إن شاء الله.
كان علي بك مسروراً جداً لهذه النتيجة مع الوالي، وعندما خرج من مكتبه سار متّجهاً إلى بيته، فلحق به المُخبر شريف، وتذلّل أمامه شاكراً تدخّله، وإعفاءه من السجن. نظر إليه علي بك بعينين غاضبتين، وهو في الحقيقة الذي يجب أن يشكره لأنَّه لم يقل الحقيقة، وإنما قصد بهذه النظرة إخافته من أجل ألا يتعوّد على نقل أخبار المناضلين والمحسنين إلى الوالي لقاء دريهمات معدودات.
أدرك شريف سرّ نظرات علي بك، فقال بصوتٍ خفيض:
ـ لست أدري ماذا جرى لي عندما قلت له بأن القافلة كلّها قد اقتسمها رجالات المدينة والريف؟ وعد مني ألا أشي بمناضل أو محسن بعد اليوم، بل سأعمد إلى مساعدتهم بكل ما أستطيع.
ـ هذا ما أطلبه منك يا شريف، ووعداً مني إن احتجت إلى أي شيء فسيكون لك بإذن الله.
كانت ليلة ثقيلة لم ينم خلالها علي بك إلا قليلاً... ثمّة كوابيس مرهقة كانت تتعاوره من حين لآخر. تشتّتَ فكرُه بين متاهات الظنون ومسارب الشك... بين الحاضر والمستقبل... بين الواقع والخيال... قدح زناد فكره مراراً، فرأى، ويا لهول ما رأى!
رأى الحاضر يحتضر، والمستقبلَ مرعباً... رأى الواقع دفلى والمستقبلَ علقماً.. شطّ به الخيال إلى رؤى وأوهام وهواجس وعواصف وزوابع، كان يتهاوى بينها لا يلوي على شيء، ولا حول له ولا قوّة... هرش جلدة رأسه الصغير، ومسح أنفه الدامع، ورتّل أبجديّةً عشقها منذ الصغر وتربّى عليها، وأقسم على الوفاء لها مهما كان الثمن. كان أبوه يقول له دائماً: (الشجرة المُرّة يا ولدي لو طليتها بالعسل لن تثمر إلا مُرّاً).
كان والده ـ رحمه الله ـ يحثّه على حبّ وطنه والإخلاص له، وأنّ المحتل مهما كانت مواقفه إيجابية فوجوده سلبي.
كان يطلب منه حبّ الناس والإحسان إليهم قدر استطاعته مردّداً على مسامعه أيضاً ما قاله الشاعر:
فالكرم والسخاء أحب الصفات إلى الله تعالى، وهما هبتان يهبهما الله لمن يصطفي من عباده...
كان والده مدرسةً، يردّد على مسامعه صباح مساء الفضيلة والخير والعطاء حتَّى آخر لحظة من حياته...
اقتحم خلوتَه حارسُه الأثير، وناوله وريقةً صغيرة، قرأها علي بك بتمعّن وشردت عيناه...
الأخبار السعيدة بتحرّك الجيش العربي من الحجاز إلى الأردن، ومن الأردن إلى سورية، والحركة الوطنية تلحّ عليه أن يُجهر بالعداء للولاة والسلاطين العثمانيين، وأن يدعو الشعب إلى الثورة.
كان يرى ضرورة التمهّل والعمل بسريّة وكتمان، هذا ما طرحه جهاراً فاتّهمه بعضهم بأنه مع الأتراك قلباً وقالباً...
يا لأخلاق الناس الضيّقة! يا لحصاد ألسنتهم! أبعدَ كلّ ما قدّم يُشَكّ بوطنيته وسلوكه... تمتم عليٌّ بحزن:
كان علي بك يعرف أكثر ممَّا يعرف الآخرون... إنه يعرف الوالي جيداً منذ أيام دراسته في الآستانة، وكانت له مواقف إيجابية من العرب، وحتى من الأرمن، وكان يأسف لِما جرى لهم في /مركدة/ وغيرها، ويلحّ على رحيل السوقيات فور وصولها دير الزور خوفاً من غضب رؤسائه، وكان عليّ يقدّر مواقفه جيداً، ولو كان غير ذلك لتغيّر كل شيء... هذا ما كان يجهله رفاقه.
بعد شروق الشمس بقليل، كان المختار وأبو أحمد الصبّاغ وأبو صادق وأبو سلطان وأبو ياسين أمام بيت علي بك...
لم يستطيعوا النوم، ولم يهنَؤوا بمن أخَذوا. القلق والهواجس والظنون تتناهبهم من حين لآخر...
اتّفقوا فيما بينهم على المجيء إلى بيت علي بك بعد شروق الشمس، فاجتمعوا عند بوابة الحديقة الملأى بالزهور والرياحين...
كان علي بك يقِظاً يتنقل من شجرة إلى أخرى، يشمّ الورد، ويرشّ الماء، ويبعد اليباس إلى ركن قصيّ...
كانوا ينظرون إليه باحترام وتقدير، وهو منهمك في العمل... حتَّى إذا ما انتهى وجلس على كرسيّه يحتسي الشاي تنحنحوا بصوت عالٍ.
وقف علي بك وأمرهم بالدخول، فدخلوا وهم منكّسو الرؤوس...
ـ أهلاً بكم... سنتناول طعام الفطور معاً.
قال المختار:
ـ نحن لم ننم ليلتنا يا أبا راغب. أرجوك قل لنا ماذا سنفعل؟
سقط أبو سلطان عند قدمي علي بك ناشجاً:
ـ أرجوك يا أبا راغب، لقد أحبَّها قلبي والله، ولن أقوى على فراقها. أتوسّل إليك... ساعدني.
مدّ علي بك يده، ورفع جسد أبي سلطان المتهالك، ونظر في عيون الآخرين، فوجدها كابية لا لمعان فيها ولا ضوء، فقال بنبرة قاسية:
ـ إذاً ستتخلّون عن المقاومة؟!
قال المختار دَهشاً:
ـ وما دخل المقاومة بهذا الموضوع؟!
ـ إما أن تسلّموا الأرمن، أو تقاوموا الأتراك.
سكت أبو أحمد الصباغ، ولم ينبس ببنت شفة، أمَّا أبو سلطان فقال:
ـ أنا سأسلّم ما أخذت عندما أعجز عن المقاومة.
قال أبو ياسين بعد تفكير عميق:
ـ والله سأودع مخزناً من الرصاص في قلب من يقترب من أم ياسين أو من أمها.
أمَّا أبو صادق فقد أخرج مديةً طويلة من جيبه، ورفعها عالياً، وقال بأعلى صوت:
ـ أنا لها يا أبا راغب.
نظر علي بك في عيني أبي أحمد الصباغ قائلاً:
ـ لم تقل شيئاً يا أبا أحمد!
تنهّد أبو أحمد، وأطلق زفرةً من أعماقه، ثمَّ قال:
ـ والله لن يأخذوا زوجة ولدي أحمد إلا على جثتي.
ضحك علي بك طويلاً، وقال:
ـ هنيئاً لكم ما أخذتم، ولن يستطيع أحد أن يسلبكم الأمانة التي أرتضيتم حملها بصدق. الأرمن يا إخوتي أصبحوا جزءاً منا، ولن تستطيع قوّة غاشمة أيّاً كانت اقتلاعهم من أرضنا، أمّا بالنسبة للوالي فقد أقنعته بأنّ ما أُخذ من القافلة قليل، وذلك لشدّ احتياجات من لا يملك مهراً أو عمالاً، وقلت له إن من أخذوهم أعرفهم وهم بكفالتي.
هدأت النفوس قليلا، ما لبث أن تنهد المختار.
ـ ما بك يا أبا عدنان؟
ـ لم تقل لي من وشى بنا يا أبا راغب؟!
ـ لم يكن تركياً، ولا ديرياً أصيلاً.
ـ من هو أرجوك؟
ـ لا يهمّكم اسمه، فهو من منبتٍ سيئ على كل حال، وأرجو ألا تلوثوا أنفسكم به، لقد هديته إلى سواء السبيل، وأرجو أن يكون صادقاً بما وعد.
التفت الرجال على صوت جلبة بالقرب من الحديقة...
كان ثلاثة رجال من الخيّالة، وعندما أومأ لهم علي بك عرفوهم جيداً، إنهم من كبار التجار...
قال علي بك:
ـ الآن طاب طعام الإفطار...
دخل علي بك بيته، وقد جلس الحاضرون جميعاً وما هي إلا دقائق، حتَّى كان الإفطار جاهزاً. تناولوه بارتياح وحمدوا الله كثيراً.
قال علي بك لكبير التجار:
ـ لِمَ لم يأتِ أبو طارق معكم؟ ما أخبار ابنه؟
ـ أبو طارق يعيش الفرحة بعد أن تزوَّج ابنه من الأرمنية، وهو سعيد جداً بها، وليتك رأيت العروس بعد أن ألبسوها أجمل اللباس، وزيّنوا يديها بالذهب. كل من رآها قال: هذه ملاك وليست من البشر. هنيئاً لطارق بها!
ـ كنتُ أتمنى أن يعيش الفرحة هؤلاء الرجال الذين تراهم أمامك... إنهم لم يناموا ليلتهم خوفاً ورعباً.
ـ ماذا تقول يا أبا راغب؟
ـ إن ثقتهم بي ضعيفة.
قال المختار بصوت عالٍ:
ـ لا والله... إن ثقتنا بكَ يا أبا راغب أكبر ممَّا تتصوّر.
قال كبير التجار:
ـ يا إخوتي، لتتعزّز ثقتكم بنا أيضاً، أرجو أن تأخذوا...
ومد يده في جيبه، وأعطى لكل واحدٍ منهم صرةً، ثمَّ قال:
ـ في كل صرّة عشرون ليرة رشادية، هي دفعة أولى لكم لتساعدكم على تحمل مسؤولية الأمانة التي بين أيديكم.
لم تكن الحديقة تسع فرحتهم. دسّوا الذهب في جيوبهم، واستأذنوا بالانصراف.
قال علي بك قبل أن يغادروا:
ـ أوصيكم يا إخوتي بحفظ الأمانة، والدفاع عنها أمام أي خطر يتهدّدها، تزوّجوهم على سنّة الله ورسوله، واكتبوا وثيقة بذلك، واجلبوها لي كي أُمهرها بخاتمي وتوقيعي.
قال المختار:
ـ سنفعل ذلك هذا اليوم إن شاء الله، واطمئن فوالله الذي لا إله إلا هو ستكون رقابنا فداءً لهم...
وخرج كل واحد إلى بيته والفرحة تغمرهم، بينما بقي علي بك مع التجار الثلاثة يتداولون شؤون البلد، ومستلزمات المرحلة القادمة.