(2)

8 0 00

(2)

الشمس عليلة تنثر في الأفق دماءً قانية تنعكس على صفحة النهر الذي سكنت جرائره... الأشجار بدأت تستعيد عافيتها، والزروع طاولت أعناقها بتحدّ، وكل شيء على مد البصر يوحي بالخير والأمل، وكان أبو أحمد يراقب الضوء المذاب في الأفق لحظة الغسق، ويستقبل هواءً بارداً منعشاً يهبّ من النهر محمّلاً بعبير أشجار مسك الليل. أحس بسحر اللحظة يصنع خدراً ناعماً لذيذاً يسري مع الدم في عروقه، فتساءل لِمَ أكتئب وقد قدّر الله ما قدّر؟!

لغط الناس يدور في كل اتجاه حول المساعدات التي وُزعت، ومصدرها، وأهدافها، والغمز واللمز في كل مكان، وكان أبو أحمد يراها مهمّة جداً على عكس الآخرين، وثقته بعلي بك كانت كبيرة، لأنَّه يعرفه وطنياً رغم إسباغ لقب (بك) التركي على اسمه، ويعرف أيضاً أن هذا اللقب يحصل عليه كل مثقف حصل على شهادة عالية من الأستانة، وعلي بك قد حصل عليها وعُيّن بموجبها موظفاً كبيراً في ديوان اللواء...

أشياء كثيرة كانت تثير إعجاب الجميع بعلي بك وفي مقدمتهم أبو أحمد... كان مثقفاً وعالماً لغوياً ونحوياً، يتمثل دائماً في إجاباته بالقرآن الكريم والشعر العربي وبخاصة شعر الحكمة، كما أنه مطّلع على الأحوال السياسية التي تلف العالم بأسره، ومطامع الدول الكبرى بالوطن العربي الكبير، ولا سيما الأجزاء الواقعة تحت الاحتلال العثماني، وكان بقرارة نفسه لا ينفي تخلف الأمة العربية وفي مقدمتها بلاد الشام، وأن لواء الزور قمة التخلف لشيوع الأمية، وهيمنة الفكر السلفي عليه، لكنه رغم كل ذلك كان يرى أن الأتراك أخفّ وطأة من المستعمر الغربي الشرير الذي يتربص بالأمة العربية، وبشمسها الساطعة، وبخيراتها، وموقعها الاستراتيجي، لذلك آلى على نفسه أن يجمع في مضافته العامرة أكبر عدد ممكن من المتنورين وشرائح أخرى من المجتمع ليتم توجيههم نحو الخير والعطاء، وتشكيل خلايا ثورية يقع على عاتقها جنباً إلى جنب مع جمعية العهد السرية التغيير السياسي والاقتصادي والثقافي نحو الأفضل، ومناهضة التخلف والطامعين.

عندما دخل أبو أحمد المضافة وجد عدداً كبيراً من الرجال المشهود لهم بالوطنية والصدق والإيثار قد سبقوه... حيّا الجميع بتحية الإسلام وجلس بالقرب من أبي ياسين وأبي عدنان المختار. سمع الجميع مواعظ الشيخ حسين والشيخ سعيد، ثمَّ تحدث الأستاذ تحسين عن مستقبل الأمة العربية على ضوء المستجدات العالمية، ثمَّ تحدث علي بك عن المساعدات التي تمَّ توزيعها على المنكوبين والمتضررين من الفيضان، وأشاد بالتجار والمزارعين الذين أسهموا بها، ملمحاً عمّا همز ولمز به بعض الناس، مؤكداً أنها خالية من أية مآرب أو أهداف سوى حب الناس والوقوف إلى جانبهم عند الملمات، وتمنى أن يكون ما قدّمه المحسنون كافياً، وأخذ يتأمل وجوه الجالسين... كان أبو أحمد الصباغ يردد في سرّه:

ـ لتكن من أية جهة كانت، المهم أنها أنقذت أُسَراً عديدة من الجوع والحرمان، ثمَّ همس في أذن أبي ياسين قائلاً:

ـ لو وزّعوا علينا الألبسة وقليلاً من الزيت لكنّا لهم من الشاكرين.

ضحك أبو ياسين عالياً دون أن يعي، وكان علي بك يراقب المشهد بصمت، فاقترب شيئاً فشيئاً من أبي أحمد حتَّى تنبّه له، فوقف أبو أحمد احتراماً وتقديراً له.

ـ ما بك يا أبا أحمد؟

تلعثم أبو أحمد، ولم ينبس ببنت شفة، فوقف أبو ياسين وقال:

ـ إن أبا أحمد كان يقول لي: ليتهم وزّعوا علينا الألبسة وبعض الزيت، ليضاعف الله لهم الأجر.

ربّت على كتف أبي أحمد قائلاً:

ـ سيكون ذلك غداً إن شاء الله.

دخل المضافة عدد من كبار الملاكين والتجار، فبالغ علي بك في إكرامهم، ووقف لهم كل الجالسين...

كان الجالسون يعرفونهم حق المعرفة، ويعرفون أيضاً كيف نمت ثرواتهم حتَّى أصبح الواحد منهم يملك عدة قرى، لكن الذي يشفع لهم أنهم كرام يبذلون بسخاء إن طلب منهم أحد المتنفذين من ذوي الرتب والألقاب...

قال علي بك:

ـ لقد جئتم والله في وقتكم، كنت على وشك أن أرسل في طلبكم؟

قال كبيرهم:

ـ أنت تأمر يا أبا راغب، ونحن ننفذ إن شاء الله.

ـ الأمر لله وحده، وكل ما نطلبه باسم المتضررين والمنكوبين زيادة الدعم ليشمل الملابس والزيت...

ـ الملابس والزيت والسمنة والمال أيضاً يا أبا راغب... أريد منك أن تشكل لجنة لتوزيع المساعدات صباح الغد.

ـ اللجنة مشكلة وهي برئاسة المختار وعضوية أبي طارق وأبي ياسين.

ـ على بركة الله، وفي الصباح ستجدون ما يسرّكم.

صاح أبو أحمد فرحاً:

ـ الله أكبر... المال أيضاً؟!

قال علي بك:

ـ أجل يا أبا أحمد... المال من أجل أن تستعينوا به على الأيام العصيبة التي ستمر عليكم.

تململ أبو ياسين، وتطاول عنق أبي سلطان، وتمتم أبو صادق:

ـ أيام عصيبة أخرى غير التي مرّت علينا؟!

ـ أدعوا الله جميعاً لأن يرحمنا ويلطف بنا... يا إخوتي ربَّما لا تعلمون بأن المشفى الوحيد في المدينة به مئات المرضى، وليس لدينا سوى طبيبين واحد حكومي والآخر محلي، ولا يستطيعان القيام بواجباتهما الإنسانية كما يتمنيان، وأفواج المرضى والمنهكين تتهافت عليهما كل يوم...

ـ مرضى ومنهكون؟! ماذا جرى لنا؟!

ـ يا أبا صادق يسترها ربك... إخواننا الأرمن الذين هُجّروا إلى دير الزور في محنة، وهم بحاجة إلى عون من الله ومنكم... سيقع على عاتقكم إيواء بعضهم وإطعامهم وإلباسهم، وسأحث عشائر اللواء ورجالاتها الخيّرين على فعل ذلك.

أخفض عدد كبير من الرجال رؤوسهم، وقد وقع هذا الخبر وقوع الصاعقة، فهم يتحسبون لما ستؤول إليه حالهم، وهم في ظل حكم يبغض الأرمن، ويعمد للانتقام منهم لوقوفهم إلى جانب أعدائهم، كما أن التكلفة المادية ستكون باهظة، إضافة إلى عدم سعة بيوتهم وما إلى ذلك...

رفع الرجال رؤوسهم بعد لأي، ونظروا في عيني علي بك ملياً، فهزّ لهم رأسه الصغير بأسى قائلاً:

ـ أعرف بما تفكرون، والشاعر يقول:

يا إخوتي ما جمعتكم إلا من أجل المشاورة، وأعدكم بأنني وأخوتي الملاكين والتجار لن نتخلى عنكم مهما كان الثمن...

الأرمن شعب طيب، وذكي جداً. يستطيعون التأقلم بأي جو يُفرض عليهم... فكروا جيداً، ولا تخافوا أحداً، وثقوا تماماً بأنكم ستُرزقون بسببهم، وسيهلّ الخير عليكم من كل مكان.

قال كبير الملاكين:

ـ يا إخوتي لن نبخل عليكم بالمال، سنتكفل بمساعدة من يُؤوي الأرمن، وستصله الإمدادات إلى بيته دون معرفة الآخرين، واعلموا بأننا سنأخذ عدداً كبيراً منهم إلى القرى والبادية، ولن نترك لكم منهم إلا من ترغبون بإيوائه.

قال المختار:

ـ لكن الخوف من عيون الوالي المبثوثة في كل مكان، وكما تعرفون وراءنا أطفال ويتامى وأرامل وعجزة بحاجة ماسَّة إلى رعايتنا.

قال علي بك:

ـ أعرف ذلك جيداً، وأعي كل كلمة قلتها يا مختار، وأقول لكم اطمئنوا، فلن يصيبكم مكروه بإذن الله ما دمت حيّاً.

قال أبو ياسين بعصبية:

ـ أنا ليس لدي ما أخسره، أو أخاف عليه يا علي بك، اعتبرني أول المتطوعين لهذا العمل النبيل.

صاح أبو طارق بحماسة:

ـ وأنا الثاني بإذن الله.

صاح أبو أحمد:

ـ وأنا الثالث إن شاء الله.

تعالى صياح الآخرين، ثمَّ وقف المختار قائلاً:

ـ بإذن الله سنكون عند حسن ظنّكم.

صفق علي بك والحاضرون طويلاً، ثمَّ قال:

ـ الآن ارتاحت نفسي... بارك الله فيكم، وسنحتفل الليلة بهذه المناسبة السعيدة.

رفع الواقفون والجالسون رؤوسهم عندما فتح الباب، وتمخض عن رجال يحملون أطباق الثريد، وعلي بك يشير إلى أماكن وضعها ويعطي توجيهاته إلى الرجال بجلب المزيد من المرق واللحم...

كان الطعام شهياً، والمضيف كريماً، لم يهدأ طوال الوقت وهو يفتت اللحم ويصنعه أكواماً أمام كل واحد... يضيف المرق على الثريد من آونة لأخرى، ويقدم اللبن وأعناق البصل والفجل، مردداً عبارات الشكر لله.

قال كبير التجار:

ـ اسمعوا يا إخوتي ما سأقوله: صدقوني لم أكن على ثقةٍ بصدق نواياكم، أمَّا الآن فإنني أرى أمارات الصدق ودلالاته على وجوهكم، وإني باسم زملائي التجار أعلن شكرنا وتقديرنا لما تقومون به من أعمال الخير، وسنبقى دائماً على اتصال مع لجنة المساعدات لمعالجة الأمور المستعصية كلها، وسنضع كل إمكاناتنا في خدمتها، ويجب أن تعلموا أنّ من يتزوج أرمنية له راتب شهري يتسلمه أول كل شهر من اللجنة.

رفع أبو ياسين يديه إلى السماء، وتمتم تمتمات غير مفهومة.

ضحك علي بك، واقترب منه قائلاً:

ـ أصدِقني القول يا أبا ياسين بمَ دعوت ربك؟

ـ والله كنت أقول: اللهم ارزقني أم ياسين من بين الأرمنيات، لتشاطرني تعاستي وآلامي وآمالي.

ـ أمَّا زلت تريدها شقراء زرقاء العينين طويلة نحيلة...

ـ بلى والله ليتني أحصل عليها...

ـ اطمئن يا أبا ياسين، فالأرمنيات يحملن هذه الصفات، وأنا على ثقة بأن الله سيهبك إحداهن، وستحمل بالمولود الذي انتظرته طويلاً.

ـ رباه لا أريد غير ياسين...

ضحك علي بك، والتفت إلى أبي سلطان، وكان يدعو الله خلسة، فقال ضاحكاً:

ـ وأنت يا جابي المالية يا أبا سلطان ما خطبك؟!

التزمَ أبو سلطان الصمت، ولم ينبس ببنت شفة، ولما صاح به علي بك ثانية، أجاب متلعثماً، وقد أفاق من شروده:

ـ كنت أدعو الله أن يمنحني الولد الصالح.

اعترض عليه أبو أحمد قائلاً:

ـ أنتَ تزوّجتَ مرّتين، ولديك سبع بنات فماذا تريد؟ أتريد الزوجة الثالثة؟ لن تكون خِلفتك يا أبا سلطان سوى البنات، ولو تزوّجتَ بأربع.

صاح به أبو سلطان غاضباً:

ـ لماذا تقطع رجائي بالله يا أبا أحمد؟ والله ليس حباً بالنساء، وإنما حبّاً بالولد الصالح إن شاء الله.

ـ لكن لديك (سلطانة) وأخواتها، والله إن كل واحدة منهن تعادل عشرة رجال.

ـ صحيح ما تقوله يا أبا أحمد ولكن الولد غالٍ مهما كثر عدد البنات، فهو من سيحمل اسمي، أمَّا البنت فهي ضيفة وأمانة... إنها ليست لي يا أبا أحمد... أفهمت؟

قال علي بك عندما بلغ التأثر بأبي سلطان مداه:

ـ أخالفك الرأي يا أبا سلطان... أمَّا سمعت شاعرنا يقول:

والله إن بنتي بنظري قبيلة من الرجال، وعلينا ألا نفرّق بين الذكر والأنثى، لأنَّ ذلك حرام بشرع الله وسنّة رسوله.

قال أبو سلطان خجلاً:

ـ والله يا أبا راغب أنا لا أفرّق بينهما لو كان عندي الولد، لكنني أريد سلطاناً، ولعله يأتيني من أرمنية.

ضحك علي بك، وقهقه الآخرون، فشاركهم أبو سلطان بالضحك وضرب الكفين ببعضهما.

قال علي بك:

ـ اطمئن يا أبا سلطان، سيكون لك ذلك بإذن الله.

ثمَّ التفت إلى أبي أحمد، وهمس في أذنه:

ـ وأنت الآخر، ألا ترغب بزوجة ثانية؟

قال أبو أحمد متنهداً:

ـ الحمد لله الذي رزقني أم أحمد، فهي ابنة عمي، ولا أرغب بأخرى أبداً، لكن ما أتمناه من الله أن يمنّ على ولدي أحمد بزوجة صالحة، وكما تعرف (العين بصيرة واليد قصيرة).

ـ اطمئن يا أبا أحمد، سينال مأربه إن شاء الله، وأنا من سيدفع الصِداق وكل تكاليف الزواج شريطة أن يحضر إلى مجلسي معك، فهو رجل جاد ووطني.

تهلّل وجه أبي أحمد بالبِشر، وقال فرِحاً:

ـ منذ الغد سيأتي أحمد إلى مجلسك، ولا أعرف كيف سأرد إليك الجميل يا علي بك... إن ما تبذله لأجلنا كثير والله.

ـ أستغفر الله العظيم:

التفت الحاضرون إلى أبي صادق الميكانيكي الذي طال شروده. اقترب منه علي بك وقال له بصوت عالٍ:

ـ إيه يا رجل؟ أين وصلت؟

تنبّه أبو صادق، فابتسم وقال:

ـ أصارحك القول. كنتُ أحلم بثلاثة رجال مَهَرةٍ في الميكانيك ليجعلوا ورشتي تلبّي طموحاتي.

ـ اطمئن يا أبا صادق، الميكانيك في دم الأرمن، وستجد الكثيرين منهم، أنا على ثقة من ذلك.

ـ أريد ثلاثة فقط يا أبا راغب.

اقترب علي بك من المختار، فقال باسماً:

ـ المختار أبو عدنان سيؤوي عدداً غير محدود من الأرمن، لأنَّ بستانه كبير ورزقه قليل، ربَّما الأرمن سيحيلونه إلى جنة، وأنا على ثقة من ذلك.

ـ إذا كان هذا رأيك يا أبا راغب، فأنا لها إن شاء الله.

حدّق علي بك في عيني أبي طارق فرآهما لامعتين، تَسرَحان في المجهول. قال صوت خفيض عندما اقترب منه:

ـ ما لأبي طارق ساهماً شارداً؟ أيفكّر بتجارته أم بوطنه؟!

ـ تجارتي وسيلة يا أبا راغب وأنت تعرفني جيداً، لكنني فكرت أن أزوّج طارقاً بأرمنية رغم حداثة سنّه.

ـ سيكون له ذلك إن شاء الله، وأتمنى أن تحضره معك إلى المضافة غداً.

ـ لكنه ما زال حدثاً!

دعه يأتي إلى مجلسنا غداً، وسنرى رأيه.

ـ كما تشاء.

ـ الآن أقول لكم جميعاً:

بارك الله فيكم، وأتمنى من لجنة المساعدات أن تحضر إلى مكتبي في تمام العاشرة من صباح الغد من أجل استلام الأرزاق وتوزيعها على المتضرّرين والمنكوبين.