(3)

7 0 00

(3)

الفرات ينثر زبَدَه كثورٍ هائج قد سقط إعياءً، وعشرات الرجال والفتية سيّجوا شاطئه عند المعبر الوحيد؛ ينظرون بقلق إلى سفن ملآى بالوافدين... ظلّوا في المدى المفتوح أزهاراً تفوح؛ توزّعوا في مفردات الوقت أسئلة تهمي شروقاً بلا أجوبة...

إيه يا نهر المآسي والمحن... نهر الكوارث والنكبات... ماذا تحمل اليوم على سطحك الرجراج؟ أرفق بمن تحمل، افرد جناحيك عليهم، امنع عنهم لفح الهجير وسياط التيه؛ والله ما جاؤوك خائفين ولا طامعين، جاء بهم الظلم ليموتوا أوفياء، أو يعيشوا شرفاء... لقد فقدوا كل شيء إلا الأمل، وهاهم اليوم في رحاب النقاء يتجمّعون... فإلى ماذا ستؤول مصائرهم؟ وإلى أي مدى سينظرون؟!

يا ربّ... إنهم بلا أجنحةٍ فكيف سيطيرون؟!

يا رب... إنهم بلا زادِ فكيف تُراهم يَحيون؟!

يا رب... إنهم حفاةٌ عراةٌ فكيف يسيرون؟!

كان الواقفون وهم ينظرون إلى السفن التي أخذت تقترب رويداً رويداً يدعون الله أن يحمي الوافدين من كل مكروه، ويتمنون عليه أن يحميهم من كل عينٍ شريرة.

القوارب المدعّمة بأعمدة طويلة وصفائح عريضة لامست الشاطئ برفق... عشرات من الأطفال والشيوخ والنساء وقلّة من الرجال تهالكوا على الشاطئ بلا زاد أو متاع... وجوه مصفرّة، وثياب بالية، وشِفاه يابسة، وعيون دامعة، وتمتمات تتهالك من شفتي شيخٍ طاعن في السنّ:

ـ يا رب... "قتلوا الرجال وأبقوني...

لا تبعد قدسيّتك عني عند رحيلي...

لا تهدر شرفي ـ أنا المدين ـ عند تكفيني...

لا تبخل على روحي بالخلاص يا من لا يخون...

لا تطمس خطوط حياتي المحسوبة عليك في أنفاسي...

لا تمحُ صورة الرحمة في وجوه من أراهم...

ولتسكن معي في قبري...

وليبق زيت نعمتك محفوظاً عندي بعد فناء جسدي..."

تهاوى الشيخ المسكين عندما وطئت قدماه تربة الشاطئ الندية، وهو متشبّث بابنته وحفيدته.

هرع الرجال بنقله إلى المشفى، ونقلوا معه كلّ المرضى والمُنهَكين...

اقترب أبو ياسين من الأم وابنتها وأخذهما إلى بيته.

نظر أبو أحمد إلى ابنه الذي تسمّرت عيناه في وجه فتاة لمّا تتجاوز السادس عشر ربيعاً... شقراء، ذات عينين زرقاوين، وبشرة نحاسية، طويلة، نحيلة، ثوبها ممزّق من أعلى الصدر، وكانت تلملمه بحياء، فتعانقت الأحداق طويلاً...

أيّ عشقٍ توهّج في قلبها؟! وأي سماء توحّدت في مقلتيها؟!

تلفّت يمنة ويسرة بهلع... كان الخوف يمتدّ أملاً حتَّى انتهاءات الوصول... اقترب منها كثيراً. أخذت خفقات الروح تزهو في خارطة الأحلام أقماراً. احتضنت كفّه كفّها، جرّها بهدوء، فتشبّثت برجل كهل ناهز السبعين عاماً؛ أخذه معها دون تردد، وقد عرف فيما بعد أنه جدّها...

أبو صادق الميكانيكي الذي جاء بلباسه الميداني الملوّث بالشحم والزيت مرّ مستعرضاً وجوه الرجال، وكانوا ينظرون إليه بدهشة، وعندما توقّف أمامهم أقبل عليه ثلاثة رجال عرفوا صنعته من لباسه. أشار إليهم أن يتبعوه، فساروا على عجَل، وكأنّهم يفرّون من الموت، أخذهم إلى ورشته الصناعية، فتعانقوا، وعانقوه...

أمَّا أبو سلطان الجابي الذي تأنّق عند حضوره، فقد تعلّق قلبه في أهداب امرأة وجهها شمس من عسل، وفي عينيها ذهول لا يُحتَمل... عندما اقترب منها كثيراً احتضنت طفلها الصغير وعيناها تدمعان... قبّل أبو سلطان طفلها، واحتضنه بحنان، وشبك أنامله بأنامل المرأة وسار بهما إلى بيته وهو يتمتم:

ـ إن لم أرزَق منها بطفل فسيكون ابنها بمثابة ولدي.

أمَّا أبو طارق فكان ينقّل عينيه، تارةً إلى ابنه طارق، وتارةً أخرى إلى وجوه الفتيات الأرمنيات. أحس بالغبطة عندما تقدّم ابنه إليهن، وزادت غبطته عندما أمسك يد فتاة جميلة ذات عينين عسليّتين ووجه مستدير لوّحته الشمس حتَّى غدا نحاسياً. يستر جسدها النحيل ثوبٌ أرجوانيّ ممزّق يُظهر يعض مفاتنها، تبث اللواعج شهقة، وتفتح القلب ابتهاجاً. اعتصر طارق يدها الناعمة برفق، وسار بها إلى والده الذاهل، قبّل أبو طارق ابنه، وخلع كوفيّته، ولفّ بها جسد الفتاة، وسار بهما إلى بيته والفرحة تغمره.

أمَّا المختار أبو عدنان فقد واجه الموقف بحذر شديد، ومع ذلك فقد انتقى عدداً من الرجال والنسوة والشيوخ أخذهم إلى بستانه الكبير الواقع في طرف المدينة الغربي.

ثمَّ جاء عدد من رجال الريف فاقتسموا من بقي منهم، وساروا بهم إلى قراهم مسرعين.

كان علي بك مسروراً لكل ما حدث، وقد سارع بمعونة التجار والمزارعين بإرسال المؤونة واللباس إليهم جميعاً. قال مفتخراً بهم:

ـ الآن صدق الوعد، وحلّت النعمى يا إخوتي... الآن أستطيع أن أفاخر بكم، فكل الشكر والتقدير لكم.

قال المختار:

ـ لا شكر على واجب، والله لقد ندمتُ لأنني لم أجلب المزيد منهم.

قال أبو أحمد:

ـ نحن الذين يجب أن نشكرك، فسعادة ولدي لا تقدّر بثمن، ووالله لو أن في بيتي سعة لجلبتُ المزيد.

أمَّا أبو ياسين فكان في غاية السعادة والسرور... قال باسماً:

ـ وأخيراً جاءت إليّ أم ياسين... ومعها أمها... والله لم أرَ امرأةً بجمالها، لقد فاقت التصور... فتاة شقراء، عندما تنظر إليّ بعينيها الخضراوين أحلّق في سماء الحب، وقوس قزح يلفّني من كل اتجاه... يا إلهي، إنها فتاة خُلقت من سوسن الربيع وأقاحه. زادها البؤس والحرمان جمالاً وألقاً، والخوف والهلع فتنة وروعة.

ـ ما هذا يا أبا ياسين؟! أنت شاعر والله...

ـ يا أبا راغب... ستراها وستحسدني عليها.

ـ لن أحسد أحداً. هنيئاً لك بها.

قال أبو سلطان مرتجفاً:

ـ أخشى يا علي بك أن يعلم الوالي بما فعلنا.

ـ لا تخافوا رغم أن الخبر سيصله حتماً.

صاح المختار:

ـ وامصيبتاه! وماذا سنفعل وقتذاك؟!

ضحك علي بك وقال:

ـ قلت لكم لا تخافوا. سأتدبّر الأمر في حينه.

ما كاد علي بك يكمل عبارته حتَّى دخل رجل يرتدي لباس الشرطة، وهو من أتباع علي بك، فسلّم على الجميع، ثمَّ همس في أذن علي بك كليمات، هزّ لها رأسه، وقال بصوت عالٍ:

ـ اذهب إليه، وقل له بأني سآتي إليه بعد قليل.

رحل الشرطي مودّعاً، فتعلّقت قلوب الجالسين وعيونهم في عيني علي بك الذي تغيّر لونه قليلاً، وتحاشى النظر إلى جلسائه.

اقترب أبو عدنان من علي بك كثيراً، وقال بصوتٍ راجف:

ـ خيراً إن شاء الله!

رفع علي بك رأسه عالياً، وابتسم ابتسامة صفراء، وقال ساخراً:

ـ لقد وصل الخبر إلى الوالي، وهو يطلبني لهذا الأمر.

ـ وماذا نفعل الآن؟

ـ اذهبوا إلى بيوتكم، ولا تخافوا أحداً إلا الله، وأنا سأعالج الموضوع بحكمة.

وقف أبو ياسين متحدّياً وقال:

ـ أنا على استعداد لأنَّ أفجّر دار الحكومة الآن، وأقتل الوالي وحاميته.

ـ لا يا أبا ياسين، لا داعي لما تفكّر فيه. الأمر هيّن ولا يستدعي إلا قليلاً من مكر ودهاء.

قال أبو أحمد غاضباً:

ـ والله إن أرواحَنا فداءٌ لضيوفنا، ولن يستطيع أحد المسّ بهم إلا على جثثنا. نحن الذين نقول لك الآن اذهب إليه ولا تخف، ونحن رهن الإشارة، إن أراد الوالي خيراً فخير، وإن أراد شرّاً فنحن لها.

وقف علي بك شامخاً، وربّت على كتف أبي أحمد قائلاً:

ـ أصيل يا أبا أحمد، شكراً لك ولكل الحاضرين. اذهبوا الآن، لا أريد أن أتأخر على الوالي، وأحبّ أن أطمئنكم مسبقاً بأنه لن يحدث لي إلا الخير إن شاء الله.

رحل الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير، وكل واحد منهم صار يضرب أخماساً بأسداس... يفكرون بأسوأ الاحتمالات... ماذا ستكون مواقفهم إن أخذوا الأرمن من بيوتهم؟ ماذا سيحلّ بهم؟ كيف سيواجهون الموقف إن أخفق علي بك في محاولته مع الوالي؟

أخذوا يفكرون بعمق، حتَّى إن بعضهم ضلّ طريق بيته، وبعضهم الآخر اصطدموا بالجدران ووقعوا في حفر الطريق وسواقيه...

وبينما كانوا على هذه الحال... كان علي بك يسير بتؤدة متوجّهاً إلى دار الحكومة، حيث الوالي ينتظره على أحر من الجمر.