سورين
البريد الالكتروني: [email protected] E-mail
موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت
www.awu-dam.org
لوحة الغلاف : للفنان الإيراني الكبير
رضا كاتوزريان
محمد رشيد رويلي
ســـــورين
رواية
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2005
الإهداء
ـ إلى روح العلامة (علي بك صائب) الذي نظم أهزوجة النضال، ورحل عن الدنيا بصمت كالأولياء والقديسين.
ـ إلى روح المفكر السوري (ياسين الحافظ) ابن دير الزور البار... ابن الأرمنية كما كان يحلو للبعض أن يسميه.
ـ إلى أرواح شهدائنا الأبرار الذين ضحوا بأرواحهم وأولادهم وأموالهم، كي نعيش أحراراً أباة.
ـ إلى الصديق العزيز (سورين) والغاليتين (هاصميك وتروندا) والأخوات (نورا، ميرنا، لوسين...)
أهدي هذه الرواية
محمد رشيد رويلي
« لا شيء يجعلنا كباراً كالألم الكبير »
ـــ لامارتين ـــ
رأي في الرواية
أ. د. عبد الحق حمادي الهواس
دكتوراه في اللغة العربية وآدابها.
ما قرأت رواية أصيلة من عيون الأدب العالمي إلا وجدت نفسي أعيش تفاصيلها أثناء وبعد قراءتها. ولا غرو في ذلك فالرواية المتميزة هي التي تستولي عليك وتدخلك في عالمها، بل تأسرك وتسيّرك حسب ما يريد كاتبها، لتصبح جزءاً منها تقول ما قالته، وتحب وتكره، وتوافق وترفض وتفرح وتحزن، وتثور وتهدأ وفق مجرى أحداثها وموقف شخصياتها في سلوكهم الحيوي.
وبهذا التأثير تقاس عظمة العمل المبدع، ويشار إلى نجاحه وإبداعه، وحقاً هكذا كان أثر رواية (سورين) للكاتب محمد رشيد الرويلي في نفسي، وأنا أعيش أحداثها، وأنفعل وأتفاعل مع تصاعدها وتطورها وحركة شخوصها وتعاملهم مع الأحداث الكبرى والصغرى فيها..
إن أهم ما يميز الرواية هو منهجها في رسم الحدث الذي بنيت عليه إذ استطاع الكاتب أن يصور الواقع المادي والمعنوي في المرحلة التي تناولها، أعني قسوة الطبيعة في بيئة دير الزور، وسلوك أهلها اتجاه كوارثها، ليبرز الجانب الإنساني التكافلي نحو المنكوبين، ليكون ذلك توطئة لإظهار القيم العليا لهذه المدينة التي ستحتضن المنكوبين من خارج حدودها الجغرافية والعرقية والدينية.
فالكاتب بذكائه لم يفتعل المسوّغ الإنساني، وإنما صوّره، واختاره باكتشاف إبداعي يمنح المتلقي الأسباب المنطقية الطبيعة للفعل الإنساني نحو الآخر بقطع النظر عن انتمائه وهويته، والكاتب يؤكد الأصالة، وهو يتحدث عن غياب الثقافة والعلم، وأن هذه الأصالة طبع في المجتمع وليست اكتساباً، وإذا كانت الثقافة والعلم يهذبان الأصالة ويطوران فعلها الإنساني الشمولي، فإنهما بالتأكيد لا يخلقانها، ولا يمنحانها لشعب مقطوع الجذور الحضارية، وتلك مقولة قاعدية يستخلصها القارئ من سطور الكاتب أن هذا الشعب الذي يرزخ تحت نير الاستبداد وما يعانيه من تخلف وأمية هو جزء من أمة عظيمة لها تاريخها العظيم، وتعيش كلها المعاناة نفسها محافظة على أصالتها وارتباطها في أصولها وعطائها بانتظار اللحظة التاريخية المهيئة للانطلاق، وأخذ المبادرة للنهوض ثانية وإغناء وإثراء الواقعين القومي والإنساني.
إن الصراع الذي أداره الكاتب اتجاه الكارثة الطبيعية والكارثة السياسية كان الهدف منه واحداً انعكاسياً بتأثير كل منهما بالآخر، واتهام المستبد بنتائجه القاسية. لقد عرف الكاتب كيف يقيم هذه الثنائية في واقع متخلف يعجّ بالمرض الجسدي والاجتماعي، وصورة المتحكم بهذا الواقع ومسؤوليته المباشرة عن هذا الواقع المزري والمعقّد، وهذا الواقع المؤلم الذي ينوء بأعباء الجوى والسلاسل عليه أن يقف على قدميه رغم قسوة التحديات ليخفف أو يشارك في معاناة شعب آخر ساقه القدر إلى ساحته في أبشع مجزرة وحشية لطّخت جبين الإنسانية بالعار والشنار.
إن كتابة التاريخ في توثيقه وتثبيت أحداثه، والحكم لها أو عليها، هو عمل مختصيه ورواته ونقاده حين يسجلون حوادثه الكبرى ونتائجها، وهمهم أن يذكّروا الإنسانية بما جرى عملاً بقوانينها الكبرى، أما الرواية التاريخية فإنها تضيف على ذلك تفاصيل المعاناة في دقائقها إذ يجسّد الروائي أحداثه من خلال! إشراك الآخر في هذه المعاناة، وإظهار تعاطفه مما يجعل منها عملاً حياً لا تغيب أحداثه في بطون الكتب التاريخية، أو ليحضر أثرها في مجموعة المختصين أو المهتمين بشؤون التاريخ وحركته، وإنصافهم أو تجاهلهم أو ظلمهم لشعب ومشروعية قضيته، أو نسيان أو استذكار ما حلّ به في مرحلة تاريخية مظلمة عملت الأحداث الأخرى على نسيانها، أو إلقاء الغطاء عليها، ويأتي نجاح الرواية من نجاح كاتبها وقدرته في رسم الحدث وجزئياته وشخوصه الرئيسة والثانوية، وتطور هذا الحدث بمؤثراته وصولاً إلى تشابكها في ذروتها، ثم انفراجها وحلّها، ورؤيته نحو المستقبل في استخلاصه الفكري للنتائج الباعثة للمستقبل، أو الدافعة لحركة التاريخ نحو الأمام بغية تغيير الواقع، أو كسر الرتابة المستطيلة تحت قيود الظلم السياسي والقهر الاجتماعي وسلب حرية وإرادة الأخر.
ومهما كان الحدث عظيماً والهدف نبيلاً، فإنه رهن بقدرة الكاتب على تصويره وحسن تناوله، وهذا ما يُسجّل للكاتب محمد رشيد الرويلي، فهو لم يتألق بتصويره وحسن تناوله فحسب، وإنما أيضاً في قدرته على بث الحياة في جميع مناحيها الكبرى والصغرى في عمل متكامل يتحرك فيه الجزء نحو الكل، وينفتح فيه الكل نحو الجزء ليكمل أبعاد الصورة في ألوانها المواكبة لحقيقة وجودها من دون افتعال أو خلط أو مبالغة أو إهمال، وهذه الدقة أضفت على العمل شكلاً من أشكال التشويق الأخاذ بفعل أسلوب الكاتب صاحب التجربة الناشئة عن ممارسته الطويلة لصناعة الأدب، مما أتاح له إمكانية تقدير المواقف بعين الناقد الذي لا يطغى عنده موقف على آخر، أو يُضخّم ما لا يستحق، أو يقلّل من شأن ما يجب إبرازه وإعطاؤه أهميته، ورغم عمق هذه التجربة، فإن الكاتب الأديب لم يتدخل في صنع الأحداث، ولم يركب ألسنة شخوصه، أو يتربع داخل عقولهم، أو يتبطن عالمهم الداخل، وتلك معضلة كبرى عزَّ في عالم الرواية حلُّها، ومركب صعب كثيراً ما يجنح بربانه أو يتيه به حين يتدخل الكاتب بثقافته وعلمه ليقول ما لا يقوله شخوصه.
وكان مما أسعف الكاتب حضور معجمه اللغوي الثرّ، وحسن انتقائه ما يناسب تصويره، فاللغة التعبيرية والتصويرية أدت وظيفتها في إنجاح العمل، وإدخال المتلقي به، وأخذ مصادقته عليه.
فكان لمعنى الحزن ألفاظه، ولمعنى الفرح ألفاظه، إن همس الحزن سمع القارئ أنّاته، وإن جلجل الفرح طار المتلقي معه، وكان للرفض صوته، إن قال لا رددت الأصداء صداه، وكان للحماسة حضورها، إن التهبت تأججت معها العواطف والمشاعر والأحاسيس، وإذا القارئ يعيش الماضي بكل ما فيه من حياة تتدفق أنفاسها مع أنفاسه، ويشارك بأحداثها في أعماقها واحداً منها لا مراقباً عن بعد لما جرى بها.
وهذا ما عنيته بالرواية التاريخية ومهمتها الرئيسة في نقل تفاصيلها الحيوية وقدرتها على إشراك الآخر في هدفها إشراكاً يصل حدّ تبني ذلك الهدف وجعله جزءاً أصيلاً من موقفه الفكري في دفاعه عن كل المظلومين، أو في تبنيه للعدالة والحق والخير في أوسع معانيها ومفاهيمها الإنسانية.
أستطيع أن أقول بملء فيّ أنني فخور بشعب أنتمي إليه، أكد لي فخري بأمتي وأصالة قيمها وعظمة تاريخها، وهذا فضل الكاتب علي، أما فضله عليك أخي القارئ الكريم، فهذا ما ستقوله أنت، ولربما قلت أكثر بكثير مما قلته.
كلمة لابدَّ منها
في عنفوان التشظي يقضم الأديب أعزَّ أحلامه، وأغلى أمانيه، يلمّ الفجر من ليل تناسل في الذاكرة، ليعيد طلاء الفصول، ويمسح الوجه الذاهل بحفنةٍ من صبرٍ جميل.
وأنا أكتب هذه الرواية التي أرّقتني، تراءت لي نوافذ الأحلام وهي تستجدي صلاة الريح، ودعاء الركّع السجود، والأرض محفورة بحوافر أحصنة القهر، تلتف عروقها حول أكوام من الصدأ وأكداس من العفونة...
تراءت لي همهمات الفرح تتسلل بفضول مثل قطط الأزقة ووجوه المحسنين، فكنت أتماهى في دروب الليل الطويل، أساهر نسيم الوديان والتلال العابقة بالذكريات، وأستعيد حوار العنادل بين أغصان الغَرَب والطرفاء، فأحمحم كفرس جندلت فارسها في لحظة المجابهة...
وأنا أكتب هذه الرواية تراءت لي دموع اليتامى، وشهقات الأيامى، وندب الثكالى، والألم يعتصر القلب حتَّى حدود السقم، وتراءى لي من احتضن كومة تراب بكر، يشمها بكبرياء ويقبّلها بإباء، ثمَّ يذروها برفق على أجساد من رحلوا، لتنبت أزاهير الخلاص...
أعترف بأن الأوهام قذفتني من شاسع السهد طويلاً، لكنها لم تستطع أن تنتزع من الذاكرة صور الوجوه الناحلة التي حاصرها النفي والتشرد والظلم، وهي تسطّر ملاحم خالدة في التضحية والإيثار...
لم تستطع أن تطمس في سِفر التاريخ حقبةً كانت بدايتها مؤلمة، ونهايتها مفرحة...
كانت البدايات سَوقيات الأرمن إلى دير الزور، إلى حيث الدفء والحنان عام 1915، وكانت النهايات سَوق الفرنسيين إلى حيث الخزي والعار عام 1946، ولعلّي من خلال هذه الرواية ألامس جانباً من الحقيقة التي لا تخفى، وأعبّر عن دقائق اللحظات الحرجة والألم الإنساني والصفاء الروحي والعزيمة المتوثبة التي كانت مشاعل نور تضيء عتمة الطريق ووحشة المكان، ورحم الله الأديب والروائي الكبير (عبد الرحمن منيف) حيث يقول في (الكاتب والمنفى):
(إن الأجيال القادمة لابدَّ أن تقرأ التاريخ الذي نعيشه الآن وغداً، ليس من كتب التاريخ المصقولة، وإنما من روايات هذا الجيل والأجيال القادمة).
دير الزور 10/7/2004
محمد رشيد رويلي
تُرى هل أرى مركب جسمي معتادَ الغرق مرمماً؟
ترى هل أرى فَلك روحي المحزن عامراً من جديد؟
ترى هل أرى تشتّتي بعيد المسافة موحداً من جديد؟
ترى هل أرى قلبي المكتئب الحزين منشرحاً؟
ترى هل أرى خيمتي المهدودة أنا البائس منصوبة مرة أخرى؟
ترى هل أراني أنا الأسير الممقوت محرّراً؟
ـ كتاب المراثي ـ من الحوار الخامس والعشرين ـ
ص189 ـ كريكور ناريكاستي ـ ترجمة نزار خليلي.