(2)
بعد حفل عيد الميلاد السعيد ..
أصرت رشا على أن نبيت أنا وشادي عندها ..
ولم نستطع أن نرفض طلبها لقد تعلقت الصغيرة بكتف خالها ..
وأصرت أن تنام على صوته وهو يحكي لها قصة صغيرة ..
من قصصه الجميلة التي كان يحكيها لها دائما..
والتي بطلتها دائما اسمها .. نـــور..
لم يستطع شادي أن يرفض هذا العرض المغري ..
إنه يحبها كثيرا وقلبه لا يحتمل أبدا أن تخاصمه نــور..
دق جرس الساعة .. إنها الحادية عشرة ..
لقد نام الجميع
ماعدا شادي ..
لقد انسحب بهدوء من جانب الصغيرة بعد أن طبع قبلة على جبينها ..
وأغلق باب حجرتها خلفه ..
نزل بهدوء على الدرج لئلا يوقظ النائمين في الفيلا ..
واتجه إلى الحديقة ..
جلس شادي ليرى ضوء القمر الساطع في السماء ..
- شادي .. لماذا لم تنم ؟؟
- التفت إليها قائلا : رشا ..
ثم عاد بنظره إلى السماء مرة أخرى ..
وقال : فقط شعرت أني بحاجة إلى الجلوس في الحديقة ...
لأشاهد القمر ألا ترين كم هو جميل الليلة ..
أدارت أصابعها وجهه نحوها بعطف ونظرت إليه بحنان ..
ثم قالت بهدوء : شادي..
ماذا تنوي؟؟
أعاد وجهه إلى السماء مرة أخرى وقال بأسى : في أي شئ؟؟
سألت بجرأة : ألن تتزوج ؟
سوف تكمل حياتك هكذا بلا زوجة وبلا أطفال ؟؟!!
قال وقد خفض بصره إلى الأرض : أنت تعلمين أن نور تكفيني ..
قالت : ولكن لابد من زوجة ..
قال بأسى : لا أستطيع ..
- ألم تنساها ؟! سألت بهدوء..
قال بصوت مضطرب : من ؟!!
قالت بصوت قوي : فاطمة !!
أثارت بهذه الكلمة كل ساكن في قلبه ...
تنهد وقال : فاطمة ..
ثم رفع بصره إلى السماء مرة ثانية وشرد بعيدا ..
وقال : أتظنين أنها تنتظرني ؟!!
ما الذي يجعل امرأة في مثل عمرها تنتظر بلا زواج وبلا إنجاب ؟!!
خصوصا وأنها على قدر كبير من الجمال والعقل والدين ..
قال بندم : لقد ضيعتها من يدي ..
سكت لحظة ..و قام من جلسته ..
خطا خطوات تجاه وردة نبتت في أرض الحديقة ..
وقال : لقد كانت مثل هذه الوردة وأنا قطفتها وجعلتها تذبل وتموت بيدي ..
- من قال أن فاطمة ماتت .؟!! قالت رشا وهي تبتسم بمكر..
ثم أكملت : فاطمة لم تمت ولم تتزوج ..
- استدار بلهفة وقال لها : من قال لك ذلك ؟؟
من أين لكي هذه الثقة ؟!
قالت اجلس أحكي لك ما حدث ..
فأطرق أذنيه .. يستمع بشوق ولهفة ..
وكل حواسه تتجه إليها ..
أخذت نفس عميق وقال :
منذ دخولك إلى المشفى وأنا أحاول جاهدة في إيجاد كل سبل العلاج ..
لكي تخرج من المشفى ..
لقد كنت أحس بالندم البالغ وشعرت بأننا جميعا شركاء فيما حدث لك ..
وفي إحدى زياراتي المتكررة لك ..
قال لي طبيبك : لقد حدث شئ غريب في حالة شادي..
لأول مرة يغير الاسم الذي ينادي عليه دائما من نـــــــور.. إلى.. فاطمة ..
لقد جاءت إليه الممرضة أمس لتعطيه الدواء في موعده ..
فقال لها : سامحيني يا فاطمة ..
ولكنه لم يكررها ثانية ..
خرجت سريعا إلى سيارتي ولا أدري ما أفعل ..
كنت أبكي بشدة ..
لقد أدركت حبك الكبير لها ..
وكم كانت هي جديرة بكل هذا الحب..
إلا أني أدركته متأخرا جدا ..
جلست في السيارة أفكر ..
وكلما حاولت أن أمسح دموعي أجدها تنهمر أكثر ..
ثم استمرت يدي تحرك مقود السيارة بلا وعي..
حتى انتهى بي المقام أمام محل النظارات الذي يمتلكه والدها ..
لقد أخبرني جدي في آخر زيارة لي عنده أنها مازالت تعمل في محل والده وأنها شاركت في ورشة لعمل النظارات ..
بالإضافة إلى إكمال دراستها في كلية التجارة ..
وأنها أيضا تعمل مديرة لدار أيتام ..
أخرجت المرآة من حقيبتي ومنديل ورقي ..
مسحت دموعي وأصلحت ثيابي وقررت أن ألقاها في المحل..
وإن لم أجدها فسأسأل عن مكان دار الأيتام وأذهب إليها ..
نزلت من السيارة ..
ورفعت رأسي .. وأنا أعلم في قرارة نفسي
أن رأسي لا تستحق أن ترتفع على هذه المرأة أبدا ..
كانت المخاوف تراودني أن تعبس في وجهي وتطردني ..
أو أن ترفض مقابلتي من الأساس ..
ولكن على أي تقدير كان لابد أن أتصدى للموقف وأواجهها ..
أخذت نفس عميق ودفعت باب المحل ودخلت ..
تنهدت وقلت بصوت قوي: صباح الخير ..
ومن حسن حظي أنها هي التي كانت واقفة بالمحل وقتها .. وبمفردها ..
ولم يكن هناك أي زبون بالمحل لأن الوقت كان باكرا ...
ردت علي بصوت هادئ ملئ بالثقة والثبات : صباح النور ..
ما طلبك سيدتي ؟؟ نظارة طبية ؟ أم شمسية ؟ أم عدسات لاصقة ؟؟!
قلت لها بتعجب : ألا تعرفيني ؟؟!!
ردت : بلى ..
قلت : أتسمحين لي بالجلوس ..
قالت : تفضلي .
قلت بخجل وقد انخفضت رأسي ..
فلم تستطع أن تستمر مرفوعة أمام شموخ هذه المرأة
: ممكن آخذ من وقتك دقيقتين ؟؟
سكتت ولم ترد ..
فاعتبرت سكوتها إذنا لي بالكلام ..
فقلت لها مباشرة : شادي بحاجة إليك ..
قالت بثبات : ما حاجته إلى امرأة أجنبية قد أنهى كل صلته بها ؟؟!
قلت لها : شادي مريض بحاجة إلى رعايتك ..
قالت : لقد انتهى كل ما بيننا .. وليس لي أن أزور رجل أجنبي عني ..
هممت بالحديث فقاطعتني :
أرجوكي .. لقد انتهى كل شئ ...
سكتت لحظة ..
واتجه بصرها على علبة عدسات بنفسجية اللون
مرفوعة على أحد رفوف المحل وقالت بأسى :
هو الذي بدأ كل شئ سريعا ...
وأنهى أيضا كل شئ سريعا ..
لقد حاولت جاهدة أن أغلق هذه الصفحة من حياتي ..
بعد أن ختمت بوفاة ابنتي نورعيني ..
تنهدت ثم التفت إلي وقالت :
أرجوكي لا تكرري طلبك .. فلن أستطيع ..
خرجت كلماتها وكأنها رصاصات نفذت إلى قلبي وعقلي
فتجمد لساني عن الكلام ..
لم يعد لي فرصة بأن أقول أي شئ ..
لقد أسأت لها كثيرا .. لم أقل في حقها كلمة حسنة في يوم من الأيام ..
ولم أفعل لها أي جميل حتى أذكرها به ..
فيكون لي حق في الكلام ..
ليس لي حق في أن أكرر طلبي .. ولا أن أقول شيئا ..
ولكن نطق لساني دون تفكير ..
ألن تتزوجي أبدا ؟؟ّ!!
تلقت سؤالي كصدمة ..
لم ترد .. وشردت قليلا ..
أحسست بأني نبهتها إلي شئ تناسته وسط مشاغلها
من دراسة وعمل .. سواء في المحل أو في الدار..
ثم قالت لي : لن أتزوج حتى أجد الزوج الذي كنت أتمناه طيلة حياتي ..
صاحب الخلق الودود .. الذي يعاملني كزوجة ورفيقة عمره ...
زوج يقدر معنى الميثاق الغليظ الذي يؤخذ عليه بالزواج ...
ثم ضحكت بحزن وقالت:
ليس صفقة إجبارية ..
ثم قالت بجدية : وإن لم أجده فلن أتزوج ..
وقتها أيقنت بأني من المستحيل أن أقنعها بالعودة إليك ..
فحقا ما قالت .. ما الذي يجبرها على العودة إليك ؟!
ليس هناك ما يربطها بك أو يضطرها للعودة ..
ولست أنت صاحب السمات التي تمنتها هي ..
- نظرت رشا إلى أخيها الذي أطال النظر إليها وهو ينصت
ثم قالت : لكن اليوم لقد تغير حالك ..
أنا أشعر بأنك تغيرت كثيرا ..
لقد أصبحت متدينا على خلق .. و تحافظ على الصلاة ..
لماذا لا تحاول معها ؟؟!!
ثم ضحكت بلطف وقالت :
أين أنت يا ساحر النساء .. لقد جاء دورك ..
فقال بأسى وقد أخذ يعبث في الحشائش الموجودة أسفل المقعد ويجذبها بعنف :
ومن يضمن بأنها لم تجده ؟؟!
قالت رشا : تقصد زوجا ؟!
فهز رأسه إلى أسفل ..
فقالت بثقة : لم تجده ..
فنهض سريعا من جلسته ونظر إليها والابتسامة تملأ وجهه
وأمسك بذراعيها وقال لها : كيف تعرفين ؟؟!!
قالت : ألا تتذكر أن النظارة التي تحملها على أنفك يا خفيف الظل
أنا التي اشتريتها لك منذ شهر ..
عندما أخبرك الطبيب بأن نظرك قد ضعف وأنه يجب عليك ارتداء
نظارة طبية ؟؟!
قال : نعم ..
سحبت نفسها من بين يديه وخطت خطوات قليلة
ثم وقفت وقالت وهي تبتسم :
طلب مني أخي أن آخذ ورقة الكشف التى كتبها له طبيب العيون
وأحضر له نظارة على ذوقي ..
نظرا لانشغاله الشديد في عمله ..
فركبت سيارتي ولم أدر بنفسي إلا وأنا واقفة أمام محل النظارات
الذي تقف فيه فاطمة ..
بالأحرى لم يأت في بالي وقتها أي محل آخر ..
دفعت الباب ودخلت وفوجئت بعدم وجودها ..
فسألت الفتاة الواقفة مكانها .. عن المرأة المرأة المنتقبة
التي تقف في المحل .. هل تزوجت ؟؟
فكانت الإجابة سلبا ..
وكان هذا السؤال بداية لسلسلة أسئلة وأجوبة كثيرة ..
علمت من خلالها .. أن عمل فاطمة كمديرة للدار
يجعلها مشغولة هذه الأيام من السنة ..
لقد تبقى أربعة أشهر فقط على الاحتفال بيوم اليتيم ..
والدار ما زال فيها عمل كثير نظرا للتوسعات
التي عملتها فيها فاطمة ..
لقد أحسنت إدارتها .. ولكن التبرعات التي جمعتها
لا تزال غير موفية بالتوسعات ..
وهي تحاول جاهدة في تدبير الأموال لإنهاء العمل قبل الاحتفال ..
لقد ازدادت عندها قيمة هذا الاحتفال كثيرا ..
خاصة بعدما حصل الدار على
جائزة أفضل إدارة وأفضل احتفال بيوم اليتيم من بين دور كثيرة ..
- لقد استعطت إخراج كل هذه المعلومات من الفتاة
في دقائق قليلة قبل أن تصل فاطمة ..
- نظرت إليه وقالت : أأعجبك .. كم أختك ذكية !!
ثم ضحكت وقالت : ما زلت أحتفظ بدهائي ...
فسألها بشغف : لقد قلتي قبل أن تصل فاطمة ..
هل رأيتيها ؟؟!
فأخذت تتمتم : ممممم ..
فأمسك بذراعها وكرر : هل رأيتيها ؟؟!
فقالت بابتسامة عريضة : نعم .. وهي التي باعتلي هذه النظارة ..
فقال : وكيف كانت ؟؟!
قالت : تعاملت معي معاملة بائعة حسنة مع أي زبونة..
أخرجت لي أصنافا وأنواعا عدة واخترت أنا هذه ..
حتى أنها لم تسألني لمن هذه النظارة ؟؟
نظر على القمر وقال : هكذا كانت دائما .. لا تتدخل فيما لايعنيها ..
دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ..
لقد تأخرنا كثيرا في الحوار .. هكذا قالت رشا ..
ثم أكملت :
يجب عليا أن أنام ... ورائي عمل كثير في الصباح
لابد أن أنهيه قبل أن تستيقظ نور.. تصبح على خير ..
تمتم بصوت هادئ : يبدو أن الجميع لديه عمل في الصباح ..
قالت وقد أعطته ظهرها : هل تقول شيئا ؟!
قال : لا.. لا .. سأذهب لأنام