(3)
دخلت فاطمة حديقة الدار للاطمئنان على الأطفال
الذين اعتادوا الخروج في الصباح إلى الحديقة للعب والمرح ..
بينما يتمكن العمال من إنهاء عملهم بسلام
في المبني الذي أوشك أن يتم على أكمل وجه ..
اصطحبتها العاملة قائلة :
يا استاذة فاطمة لابد أن ننهي العمل ..
لقد تبقى شهر واحد فقط على يوم الاحتفال ..
لابد أن ينهي العمال أعمالهم في المبنى .. لكي نبدأ الاستعداد ليوم الاحتفال ..
استمعت فاطمة إليها وعينيها تدور يمينا وشمالا في الحديقة
لترى الأطفال وهم يلعبون ويتحركون بنشاط وصحة جيدة ..
ثم التفتت إليه وقالت :
الله المستعان .. ما دام الله معنا فلن يضيعنا ..
العمال يحتاجون إلى مال لإنهاء العمل ..
وقد نفذ كل ما جمعته من الأموال ..
ولكني أثق في الله أنه سيرسل لنا العون ...
سكتت فجأة ... وهي تحدق بنظرها في آخر الحديقة ..
فهناك أحد الزوار يجلس على أحد مقاعد البعيدة في الحديقة
ويلتف حوله كثير من الأطفال يضحكون ويلهون معه ..
قالت بتعجب واستنكار من هذا ؟؟!!
قالت العاملة وكأنها قد تذكرت شيئا نسيته :
نعم يا استاذة ..
هذا الرجل قد اعتاد المجئ إلى هنا هو وابنته منذ شهرين ..
يأتي باستمرار ومعه مزيد من اللعب والهدايا للأطفال حتى أحبوه كثيرا ..
ولقد سألني اليوم عن مديرة الدار لأنه يريدها في أمر هام ..
فتنهدت فاطمة بهم وقالت :
يا ليت الخير يأتي على يديه ..
ويكون الله قد استجاب لدعائي المستمر ..
فقالت العاملة بلؤم : نعم يا استاذة يظهر إنه غني جدا ..
الهدايا التي يجلبها للأطفال غالية جدا ..
فنظرت إليها فاطمة بحدة ..
فقالت العاملة : متأسفة لم أكن أقصد ..
أنا أعلم مبدأك جيدا ..
المعاملة للناس بالمساواة .. لا فرق بين غني وفقير ..
ولا فرق في الاحترام بين المديرة والمعلمة والعاملة والحارس ..
قالت فاطمة بجدية : انتهى ..
ثم قالت : أنا ذاهبة إلى مكتبي ..
اذهبي وأخبريه أن المديرة حضرت ..
- أخبرت العاملة الرجل بحضور المديرة ...
فاستأذن الأطفال وقام ..
لكن طفلته رفضت الذهاب معه ؛ لأنها تريد أن تلهو وتلعب
مع الأطفال في الحديقة ..
فطبع على خدها قبلة حانية ..
وقال للعاملة : إذن سأتركها هنا ..
وإذا طلبتني احضريها إلى غرفة المديرة .. فأنا هناك ..
طرق الباب عدة طرقات بلطف ..
فقالت فاطمة بجدية وقد اعتدلت في جلستها وأسندت ظهرها إلى الكرسي ..
لكن عيناها لاتزال تنظر في مجموعة أوراق على المكتب :
تفضل بالدخول ..
فتح الرجل الباب ودخل ثم أغلقه خلفه ...
ثم قال بصوت واضح : السلام عليكم ..
لقد خرق صوته أذن فاطمة ..
حتى لقد تجمدت حركة يديها المتقلبة في الأوراق أمامها..
ولم تنطق بكلمة واحدة ..
فتنحنح الرجل وقال مرة ثانية بصوت أعلى من الأول :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
فقالت بصوت مخنوق : وعليكم ..
ورفعت بصرها بتلقائية ...
لترى شابا يبدو أنه في أوائل عقده الرابع ( أوائل الثلاثينات من عمره )
ما زال محتفظا بكثير من وسامته ..
والذي زاده وقارا ...
هذه اللحية الخفيفة التي تغطي الجزء الأسفل من وجهه ..
والنظارة التي تغطي الجزء الأعلى منه ..
النظارة ..
نعم إنها النظارة ..
فعلا هي التي اشترتها رشا أخت طليقها منذ ثلاثة أشهر ..
لقد كانت فاطمة بذكائها لا يخفى عليها
أي نظارة كانت عندها في المحل ولو باعتها من شهور
لأنها كانت خبيرة في ذلك ...
بالإضافة إلى أن نظاراتها كلها من أنواع فائقة الجودة
قد اختارتها بنفسها من الورشة التي شاركت فيها ..
فلا يمكن أن تخفى عليها .. لا سيما هذا النوع الغالي جدا
الذي يقتنيه أفراد معدودين من أصحاب المستويات المرتفعة
أمثال : رشا .. وشـــ
شادي ..
نعم ... إنه شادي ..
تجمدت فاطمة لحظات ... وساد الصمت ..
فقطعه صوته قائلا : ألا يمكنني الجلوس ؟؟!!
قالت بصوت هادئ وقد خجلت لتأخرها في استضافة الضيف :
بلى يمكنك تفضل ..
متأسفة ..
فقال بصوت جاد :
عفوا يا استاذة ..
ثم جلس على أحد الكرسيين الموجودين أمام مكتبها
واستفتح هو الكلام قائلا :
لقد تعرفت على داركم منذ شهرين فقط ..
وأعجبني كثيرا من بين دور عدة قد زرتها ..
إنه يمتاز بالإدارة الحازمة .. والرعاية الفائقة ..
والنظافة البالغة .. بالمكان .. وبالأطفال ..
بالإضافة إلى أن الأطفال مؤدبين جدا وعلى درجة من الخلق ..
وبعضهم يحفظ أجزاء من القرآن ..
والكثير منهم متفوق دراسيا ..
أنا استمتع كثيرا بزيارتي للدار ..
هزت هي رأسها إلى أسفل ولم تنطق بكلمة واحدة..
فأكمل هو قائلا :
لقد رأيت التجديدات والتوسيعات التي تحدث في الدار ..
وقد حان موعد أدائي لزكاة مالي فقررت أن أصرفه هذه السنة هنا في الدار ..
لأني أحب أن أغير مصارف زكاتي كل سنة ..
وها أنا أسألك هل يكفي هذا المبلغ لإنهاء التجديدات أم يحتاج العمل إلى مزيد ؟؟
قال هذه العبارة وهو يمد يده إليها بورقة صغيرة ..
قال كل هذا باستطراد ..
وهي تستمع إليه ناظرة إلى المكتب أمامها .. ولم تتفوه بكلمة ..
مدت يدها لتأخذ منه شيكا كتب فيه مبلغا كبيرا من المال ...
يفوق احتياجات الدار من توسيعات ...
ومصاريف الحفل ... وأكثر من ذلك بكثير ..
لم تكن تحلم بكل هذا ..
قطع هذا الصمت صوته قائلا :
هل يكفي ؟؟!
فقالت بصوت هادئ متقطع :
نعم يكفي..
نعم ..
يكفي ويزيد ..
شكرا جزيلا ..
وفي عدة ثواني تذكرت أن هذه هي المرة الثانية
التي يمد شادي يده إليها بالمساعدة لينقذها من ضائقة مالية ..
ولكن كانت المرة الأولى بمقابل كبير ...
فما المقابل هذه المرة ؟؟!!
و لكن لقد قال : زكاة مال .. وتبرع .. و لم يذكر أي مقابل !!!
مرت هذه الثواني وكأنها أيام وشهور ..
انقطع تواصل تفكيرها على صوت طرقات الباب بحدة ..
وصوت بكاء طفل صغير يعلو ويعلو ...
قالت فاطمة بصوت قوي وقد انتبهت : ادخل ..
فدخلت العاملة وهي تمسك بيدها طفلة صغيرة بارعة الجمال ...
وقد انسدل شعرها الناعم على رقبتها ...
واحمر وجهها من كثرة البكاء ...
وبمجرد رؤيتها لشادي جرت عليه وألقت بنفسها في أحضانه
فضمها بشدة و قبلها بحنان .. حتى سكتت ..
قالت العاملة :
عفوا لقد بكت الطفلة بشدة فأحضرتها لك كما أمرتني ..
عفوا يا أماه .. كما طلبت منكي ..
هكذا قال شادي للعاملة ..
قالت فاطمة في نفسها : لقد تغير شادي كثيرا ...
أحقا ما سمعت ؟؟! أم أن هذا فخ جديد ؟؟!!
نظر شادي إلى الطفلة وقال :
ألا تسلمين على أبلة فاطمة ؟؟ وتخبريها باسمك ؟؟!
- لقد نطق شادي اسم فاطمة بنفس الطريقة التي كان كان ينطقا من قبل ..
فمدت الصغيرة يدها إليها وقالت بصوت صغير وجميل : أنا نور ..
نور ..
نور ..
نور ..
قالت اسمها مرة واحدة ..
ولكنه تكرر عشرات المرات في أذن فاطمة ...
نور ما شاء الله ...
قالته فاطمة بصوت قوي بعد أن أفاقت جيدا للموقف ..
فهي لا تزال قوية برغم ما حدث وما يحدث وما سيحدث ..
ومدت يدها بحنان فأمسكت بيد الصغيرة وقبلتها ..
وقالت لها برفق :
لماذا تبكين يا حبيبتي ؟؟!
بابا هنا ما زال قريبا ..
ردت بصوت صغير : ده خالو ..
فقال هو : نور ابنة رشا .. سمتها نور من أجــ .. ولم يكمل ..
ثم قام فجأة ... وحمل الطفلة بين ذراعيه .. وهم بالخروج ..
ولكنه أخرج من جيبه كارت صغير ووضعه على المكتب ..
وقال : هذا الكارت به أرقامي .. إذا احتاج الدار لأي شئ فأنا تحت أمركم ..
وأتمنى أن تدعوني لحضور حفل يوم اليتيم ... شكرا ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
وغادر شادي الحجرة قبل أن ترد فاطمة عليه السلام ..
غادر وترك خلفه عشرات الأسئلة التي تتوارد على عقل فاطمة ..
- ما الذي حدث له ؟؟ كيف تم شفائه ؟؟ ما الذي غيره ؟؟
لماذا سمت رشا ابنتها نور على اسم ابنتنا ؟؟ أتغيرت رشا ؟؟
ما الذي جعله يلتحي ؟؟ أيخرج زكاة ماله ؟؟
ما الذي أتى به إلى هنا ؟؟ وكيف أتى ؟؟
أكل هذا بمحض الصدفة ؟؟ أم أن هناك تدبير مسبق ؟؟
هو لم يفاجئ عندما رآني في المكتب !!
لا بد وأنه يعرف أني المديرة !!
هناك شئ في الأمر لا بد أن أعرفه ..
كل هذه الأسئلة ماجت بعقل فاطمة
بعد مغادرة شادي ونور لحجرة مكتبها ..
ثم أسندت ظهرها إلى الكرسي وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة
وقالت في نفسها :
لكن الطفلة فعلا تشبه نـور .. هي حقا نـور ..
قالت ولاء للعم محمد وقد ارتسم على وجهها علامات التعجب:
لماذا انتظر شادي شهرين كاملين حتى يقابلها ؟؟
ولماذا لم يفاتحها في الموضوع مباشرة من أول لقاء ؟؟
فرد الجد مبتسما : دائما تستعجلين أنت الأحداث يا بنتي ..
لكن شادي لم يكن مثلك ..
لا زال شادي يحتفظ بذكائه .. وخبرته في معاملة الفتيات..
لا تنسي أنه كان صاحب باع كبير في ذلك ..
وهو دائما يراقب الموقف من بعيد .. فإذا جاء الوقت المناسب تدخل ..
وهذا ما حدث فعلا ..
لقد انتظر حتى اقترب موعد الحفل ليقدم لها المال ..
حتى لا يكون لديها أي خيار في رفضه ..
بل تقبله بلا تردد .. وهذا ما حدث ..
ولم يفاتحها في أول لقاء...
لأن شادي يعرف شخصية فاطمة جيدا ..
لم تكن فاطمة بشخصية المرأة التي تفرح بالمفاجآت في مثل هذه الأمور..
فاطمة شخصية يغلب عقلها على عطفتها ..
لذلك من أراد الوصول لقلبها فعليه أن يطرق باب العقل أولا ..
لقد وضعت فاطمة على قلبها حجرا لئلا ينفذ إليه أحد بلا إذنها ..
وكان على شادي أن يفتت هذا الحجر تدريجيا ...
فلابد أن يشغل عقلها ويتركها تفكر أولا..
وقد نجح في ذلك في اللقاء الأول ..