مقدمة

5 0 00

فاطمة

سامية أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

أنها نوبتها الليلية في الرعاية الفائقة, وكما اعتادت في ذلك القسم فإن كل شئ هادئ ليلا, لا صخب ولا أصوات ولا أحداث هامة, الأجهزة تعمل باستقرار والمرضى نائمون .

صورة مثالية لمستشفي خاص صاحبها ومديرها ذو شخصية خاصة جدا وهيبة فظيعة فالنظام والدقة لديه كل شيء, ومن يتعامل معه يفرض عليه أسلوبه المنظم الصارم فرضا لذلك فالخطأ نادر وكل شيء يدور بدقة آلية

كان الجو الهادئ في المكان يساعد على الاستذكار لذلك انتهزت ولاء الفرصة واستغرقت في كتابها لكن صوت أنين قادم من قسم الرجال جعلها تنتفض وتجرى نحو الصوت, دخلت الى الغرف لتجد المريض المسن يئن ويقول كلاما غير مفهوم, اقتربت منه ونظرت في شاشات الأجهزة المتصلة بجسمه واطمأنت أن كل شيء بخير, ثم عادت تنظر لوجهه وأخرجت من جيبها ميزان الحرارة الإلكتروني واطمأنت أن حرارته طبيعية, لكنه عاد للأنين والكلام غير الواعي من جديد, ولم تتبين ولاء من كلماته سوى كلمة فاطمة, رددها أكثر من مرة ثم بدأ يعود لهدوئه, نظرت في أوراق علاجه واستعادت مواعيد الدواء والحقن, واطمأنت أن العلاج يسير بانتظام

عادت إلى مكتب الاستقبال في القسم وبدأت تقرأ في كتابها من جديد, وأخذت تخطط بالقلم كعادتها تحت الكلمات المهمة,لكن صوت الأنين عاد من جديد, زفرت بضيق وأزاحت القلم والكتاب جانبا وزمت شفتيها وهي تفكر, ماذا تفعل الآن؟ وما الذي يمكن أن تقدمه لهذا المريض المسن لتخفف عنه بعض ما يعانيه؟

عادت إليه من جديد واستعادت ذاكرتها اسمه من الأوراق العلاجية بسرعة, فاقتربت منه وهمست في أذنه: عم محمد, أتريد شيء؟

لم يسمعها واستمر في الأنين والكلام الغير مفهوم, وعاد اسم فاطمة يتردد من جديد على لسانه وبصورة أوضح

أخذت تناديه بصوت أعلى قليلا: عم محمد, هل أنت بخير؟ أتحتاج لشيء؟

فتح عينيه أخيرا ونظر في وجهها فقالت بابتسامة واسعة: حمدا لله على سلامتك

قال ببطء وبصوت ضعيف: فاطمة , فاطمة

أدركت ولاء أنه مشوش ولا يدرى بما حوله فكررت بحنان : عم محمد, أترغب بشيء؟ هل تتألم؟

قال بصوت ضعيف : فاطمة, سامحيه يا بنيتي على كل ما فعله بك, وسامحيني أنا أيضا, لا تتركيه وحيدا في بحر لجي فهو الآن غريق يحتاج لمن ينقذه, مدى يديك إليه, لا تتركيه يغرق

اخترقت كلماته قلبها فوجدت الدموع تملأ عينيها فقالت بعطف : اهدأ يا عم محمد فاطمة ليست هنا الآن, ستأتي غدا

بدا أنه لم يسمعها, وأخذ يردد اسم فاطمة حتى أغمض عينيه وغاب في النوم من جديد

عادت ولاء إلى مكتبها ودموعها تسيل من التأثر, وأمسكت بالقلم والكتاب وهي لا تكاد تتبين الأسطر التي أمامها, وعادت تشرد بعيدا وصدى كلمات الشيخ المسن في أذنيها يتردد وعقلها يتساءل : ما الذي أتى به إلى هنا؟ وما كل هذا الندم الذي يتكلم به؟ ومن هو هذا الغريق؟

كانت كعادتها كلما هاجمها القلق والتفكير وسيطرت علي مشاعرها فكرة ملحة يتحرك القلم في يدها لا إراديا ويضرب سنه الطاولة بحركة عصبية , وكم من أقلام حطمتها بتلك الحركات اللاإرادية المتوترة, وقد ترسم دوائر فوق بعضها البعض حتى تسود الصفحة من كثرة ما خط عليها القلم

حاولت قدر جهدها أن تسيطر على أفكارها ومشاعرها فعصرت جفنيها وهزت رأسها بقوة وكأنما تريد أن تلقي من عقلها تلك الفكرة التي سيطرت عليها, وقررت العودة للاستذكار الجاد,

زفرت بقوة وأمسكت بالكتاب لتفتحه, لكنها فوجئت بالغلاف الخارجي وقد ارتسمت بعرض الكتاب كلمة كبيرة عليه وتحددت وتلونت نتيجة سير القلم فوق حروفها عشرات المرات حتى أصبحت بارزة تماما أمامها, وأدركت ولاء أن عقلها قد استيقظ واستثير ولن يهدأ أو يرتاح قبل أن يعرف قصة ذلك الشيخ المسن كاملة

فقد كانت الكلمة التي رسمتها على غلاف الكتاب بحركاتها اللاإرادية والتي سيطرت على مشاعرها وأفكارها هى نفس الكلمة التي يرددها الشيخ المسن طوال الليل

فاطمة

مرت عدة أيام وولاء تترقب اليوم الذي ستنتقل فيه نوبتها إلى قسم الرعاية الفائقة فلا زالت القصة تسيطر على مشاعرها وعقلها ولن تهدأ حتى تعرفها كاملة, لكنها عرفت أن عم محمد قد تحسنت حالته وانتقل إلى غرفة عادية في الدور الأول, واليوم هي سعيدة للغاية, فنوبتها ستكون في نفس الدور الذي انتقل إليه عم محمد

لكن كانت لديها فكرة أخرى تلح عليها جعلتها تذهب إلى المستشفى بعد أن أنهت دراستها في الجامعة ذلك اليوم بالذات وتنتظر عدة ساعات في المستشفى قبل أن تبدأ موعد نوبتها

كانت الفكرة التي تلح عليها هي رؤية فاطمة, وتحقق لها ما أرادت بالفعل, فعندما وصلت إلى القسم لتجد زميلتها نجوى تجلس خلف مكتب الاستقبال والتي قالت بدهشة عندما رأتها : ماذا حدث؟ ما الذي أتى بك مبكرا, لازالت هناك ثلاث ساعات قبل انتهاء نوبتي

قالت ببساطة: أنهيت محاضراتي وليس لدى شيء أفعله فقررت المجيء الآن

نجوى: يراودني شعور بأن لديكي أسبابا أخرى أتت بك الآن

قالت ولاء: شيء من هذا القبيل

أخبريني, كيف حال عم محمد؟

نجوى : يتحسن بالعلاج

ثم هتفت : ذكرتيني, انه موعد تناوله العلاج

هتفت ولاء : انتظري, دعيني أقوم عنك بهذه المهمة

نجوى بشك : ألم أقل لكي أن ما أتى بك الآن هو شيء نبت في عقلك!

ولاء : لا تتذاكى كثيرا يا أختاه, كل ما في الأمر أنني أتعاطف معه

نجوى : أو أن لديه قصة مشوقة تضميها إلى مجموعتك

ولاء ساخرة : يا للذكاء الخارق, أعطيني العلاج وكفى مضيعة للوقت

دخلت ولاء غرفة عم محمد بحماس وقالت بود : السلام عليكم, كيف حالك اليوم يا عم محمد؟ عسى أن تكون بخير

رد بود مماثل : الحمد لله, ولكن أين نجوى

قالت بابتسامة واسعة : أنا زميلتها ولاء, لقد أوصتني نجوى أن أهتم بك, فأنت بركة المكان

عم محمد : جزآكم الله خيرا, الحقيقة أن الخدمة هنا ممتازة, والمعاملة فوق الوصف

كانت ولاء تستمع إليه وعينيها تدوران في المكان, وأصيبت ببعض الإحباط عندما وجدته وحيدا, لكنها قالت ولهجة الود لم تغادر صوتها : دواؤك يا عم محمد بالشفاء والعافية

انتهى من تناول الدواء وأخذت ولاء تتباطأ في المكان علها ترى من جاءت لرؤيتها, فقامت بقياس نبضه ثم الحرارة, وبعدها ضغط الدم, وبدأ الوقت يطول وتنفذ حيلها ولم تظهر فاطمة بعد

أخذت أدواتها وهمت بالمغادرة لكنها قالت : أخبرني يا عم محمد, هل كل شئ على ما يرام؟ أهناك شئ يضايقك هنا؟

قال باسما : الحمد لله, الجميع هنا لم يقصروا, يؤدون واجبهم كأفضل ما يكون

قالت محاولة إيجاد مبرر لوجودها : ولكني أراك مهموما حزينا, أهناك ما يضايقك؟

تنهد بأسى : تلك هي الحياة, لا فرح يدوم ولا حزن يدوم

قالت بتعاطف : عافاك الله وأبعد عنك الأحزان ومتعك بالصحة والعافية

سأكون هنا طوال الليل إن احتجت لشيء فقط اضرب الجرس

قال بامتنان : شكرا يا بنيتى

التفت لتخرج من الباب لكن قبل أن تفتحه فتح من الخارج, لتجد ولاء نفسها أمام سيدة تغطى وجهها بنقاب حيتهما قائلة: السلام عليكم

ردت ولاء السلام بابتسامة واسعة وأخذت طريقها للخروج

واتجهت السيدة إلى سرير عم محمد وقالت بلهفة : كيف حالك يا جدي؟

كانت ولاء تتميز غيظا, فاللتى انتظرتها كل هذا الوقت لم تأتى إلا وهى مغادرة, ولا بد لها أن تغادر قبل أن تلفت إليها الأنظار

طقت فى رأسها فكرة , وبسرعة وضعتها قيد التنفيذ, ألقت ببعض الأشياء التى فى يدها أرضا كما لو كانت أسقطتها عن دون قصد

انحنت بسرعة تلملم ما سقط منها وهى تلتفت لهما وتقول بابتسامة بريئة : معذرة

أخذت تتلكأ وهى تلملم الأشياء التى تبعثرت وعينيها على الرجل والسيدة بعد أن اندمجا فى الحديث ونسيا وجودها

وجاءت اللحظة التي انتظرتها طويلا, فقد مدت السيدة يدها ورفعت نقابها أخيرا, وتجمدت ولاء للحظات وهى تنظر في وجه السيدة الشابة, لكنها تذكرت أن عليها الرحيل فحملت أشياءها وغادرت الغرفة بسرعة

انتهى موعد الزيارات بالمستشفى ورأت ولاء السيدة وهى تغادر المستشفى

لم تكن تدرى ما سر ذلك الشغف الذي سيطر عليها والفضول نحو تلك السيدة وذلك الشيخ, كانت تشعر أن هناك قصة قوية خلف هذا الثنائي

هدأت المستشفى بعد رحيل الزائرين, وانصراف أغلب العاملين فيها, واستقرار العاملين فى النوبة الليلية في أماكنهم

وبدأ ذهن ولاء يتجه من جديد إلى حجرة عم محمد, وقررت أن تشفى فضولها بسؤاله

كان الرجل المسن يرقد في فراشه والمسبحة في يده ولسانه يتمتم بالذكر والدعاء

وقفت عند الباب مترددة هل تقدم على سؤاله أم أنه سيعتبر فضولها الزائد نوع من التطفل واقتحام لحياة الآخرين؟

قال الرجل بصوت هادئ : تعالى يا ولاء

تقدمت منه بعد أن منحها صوته الهادئ بعض الشجاعة

قال : أهو موعد دوائي؟

هزت رأسها نفيا, فقال بابتسامة هادئة : إذا, ما الأمر؟

استجمعت شجاعتها بسرعة وقالت مباشرة : الحقيقة أنك عندما كنت في غرفة الرعاية الفائقة وكنت أنا في نوبتي الليلية هناك, أثار فضولي بقوة أنك كنت تردد اسم فاطمة باستمرار, وتطلب منها أن تسامحك وتسامحه

شرد الشيخ قليلا وخبت ابتسامته, فترددت ولاء من جديد, ولكنها قالت: أعتذر عن فضولي, الزائد, فهو عادة قبيحة في لا أستطيع التخلص منها

كل ما أريده أن أعرف ما هي قصة فاطمة ومن هذا الغريق الذي بيدها إنقاذه؟

قال بدهشة : أبهمك الأمر لهذه الدرجة؟

قالت بانفعال: أكثر مما تتوقع, فأنا كاتبة قصص, وأحب أن أستفيد من خبرات وتجارب الآخرين, ولا أفضل من شخصيات حقيقية تكون لي إلهاما وحافزا لكتابة قصة جديدة, ولا تقلق, فكل قصصي أكتبها بأسماء غير حقيقية

قال باسما : ليس هناك ما أخجل منه أو أخفيه يا ابنتي, فكما تقول فاطمة (الأشج هو فقط من يحك رأسه باستمرار)

خطفت أحد المقاعد الخفيفة وقربته إلى سريره, وجلست بسرعة وعينيها تلمعان بحماس : إذا فلا مانع لديك من أن تحكي لي؟

قال باسما : لا , لا مانع من أن أحكي لشخصية لطيفة مثلك

وبدأ الجد يحكي

بدأت القصة من ثلاث سنوات أو أكثر, عندما جاء حفيدي لزيارتي في دار المسنين التي أسكن فيها ليدعوني إلى زفافه, وكانت صدمتي قوية عندما أخبرني أن العروس تغطي وجهها بنقاب

صرخت في وجهه : لقد جننت تماما, هل أصابك الخبل؟ كيف تتزوج من فتاة لم ترى وجهها؟

ضحك حفيدي شادي بصوت عالي : يا جدي لو عرفت كيف التقيت بها ستتعجب أكثر

يا سيدي اعتبره نوعا من التغيير

قلت وأنا لا أكاد أصدق ما أسمعه: كيف التقيت بها؟

بدأ يقص على القصة من بدايتها : كنت حائرا لا أدري ما الذي يمكن أن أهديه لصديقتي رودي في عيد ميلادها

الذهب أهديته إياها في العام الماضي وما سبقه

كانت لدى رغبة في التغيير هذا العام وإهدائها شيء مميز

وبعد تفكير طويل ودوران في الشوارع بسيارتي أنا والشلة, قررت أن أشتري لها زوج من عدسات العيون بلون بنفسجي, فأنا أعرف أنها لا تمتلك هذا اللون

كما أنه لون رائع يليق بها وبجمالها

دخلت إحدى محلات النظارات التي صادفتها في طريقي أنا والشلة لأفاجأ بسيدة تجلس خلف مكتب صغير في مواجهة باب المحل, لكن ما أثارني بشدة هو أنها كانت تغطي وجهها

وتعجبت كثيرا, كيف لامرأة تجلس في محل تجاري طوال النهار قد يدخله في اليوم الواحد مائة رجل وتغطي وجهها بهذه الطريقة

لكنني تجاوزت ذلك وتقدمت منها قائلا: أريد زوج من العدسات من ماركة محترمة بلون بنفسجي فاتح

نهضت بصمت من خلف المكتب وأحضرت علبتين وهي تقول بجدية هذا النوع فرنسي والآخر أمريكي, اختر ما شئت

الحقيقة أن العدسات التي أتيت لأجلها لم تكن تشغلني بقدر تأمل تلك المخلوقة العجيبة التي لم تهتم لنا أو حتى تنظر إلينا

وعلى الرغم من قدر الوسامة والأناقة التي يتمتع بها شباب الشلة, إلا أنني على وجه الخصوص اشتهرت بأنني ساحر النساء في النادي

قلت وعيني تتأملها بدقة : اممم الحقيقة أن الأمر محير, اختاري لي أنت

لم ترفع عينيها حتى لتنظر لي وكأنني مخلوق من هواء, وقالت باقتضاب: الفرنسي هو الأفضل

يبدو أن نظرات الخبث بين أفراد الشلة و البسمات والغمزات قد لفتت انتباهها فقد كان صوتها خشنا أكثر من اللازم وفيه بعض الحدة

وذلك ما استفزني أكثر فهذا الصوت الخشن الصادر منها ليس طبيعيا بالمرة, كما لو كانت تحاول أن تبدل نفسها أو تضع عليه غطاء كما تضع على وجهها غطاء

ملت بجسدي واستندت بمرفقي على زجاج طاولة العرض وكأنني لا أريد الرحيل, وقلت محاولا اطالة الموقف قدر ما أستطيع : ولكن أليس النوع الأمريكي أغلى؟

قالت بخشونة أكبر : لكن الفرنسي هو الأفضل

قلت محاولا استفزازها : ولكني أرغب بشراء الأمريكي

قالت منهية الحديث وهى تتناول علبة العدسات الأمريكية وتبدأ بوضعها في غلاف أنيق : كما تريد

سارعت بالقول: انتظري, أظن أن الفرنسي هو الأنسب, أليس كذلك؟

قلت العبارة الأخيرة بنبرة مطاطة مما جعلها تتجمد لحظات ثم تشرع في إخراج العلبة الأمريكية من غلافها لتضع الفرنسية مكانها, وكانت تتحرك بعصبية ظاهرة

ولكنني قلت باستفزاز أكبر : الحقيقة أن الأمر محير, هل آخذ هذه أو تلك؟

انطلقت ضحكات أفراد الشلة بعد أن كتمت طويلا, وبدأت التعليقات الساخرة الجانبية

زفرت بغضب ورمت بالعلبتين أمامي على الطاولة الزجاجية وقالت بضيق : عندما تنتهي أخبرني, هذا إن كنت تريد الشراء بالفعل

ذهبت إلى زبون آخر دخل المحل للتو وبدأت تتحدث إليه

وتبادلت الشلة نظرات وغمزات, لكن ما غاظني هو شعوري أن نظراتهم الساخرة لم تكن لصالحي, وبدأت أشعر أنني وضعت قسرا في خانة المهزومين, فاندفعت قائلا بصوت عال : وهل من اللائق أن تتركيني وتتحدثي إلى زبون آخر؟

وهل هناك شك في أنني أريد الشراء؟ وما الذي دفعني للدخول إلى هذا المكان لو لم أرغب بالشراء؟

قالت بخشونة وبصوت يشوبه بعض السخرية : اسمعني جيدا يا أستاذ, أنا أجلس هنا منذ وقت طويل للغاية وأستطيع التفرقة جيدا بين زبون يرغب بالشراء وبين آخر يريد التسلية وقضاء الوقت

بدأت الدماء تغلي في عروقي وخاصة أن غمزات ولمزات الشلة بدأت تعلو, والشماتة وضحت في العيون, فقلت بحدة : أنت مخطئة يا...يا آنسة.. آنسة أليس كذلك؟

قالت بترفع : آنسة أو سيدة, شيء لا يخصك فاذهب إلى حال سبيلك

كانت الإهانة صريحة هذه المرة وفي الصميم, ولا يمكن أن أتقبل أن أخرج مطرودا بهذه الطريقة فقلت بحدة : أنا زبون وعليكي أن تعامليني باحترام

ردت بحزم : لا ترفع صوتك هنا

أما عن الاحترام, فالإنسان المحترم هو من يحترم نفسه أولا

تفجر الغضب من أعماقي ولم أدري ماذا أقول أو ماذا أفعل؟ والشلة تتفرج على أنا لا هي,

محقين

لو كنت مكان أى منهم لوقفت متفرجا مستمتعا بأكبر قدر من الموقف

أخيرا تدخل تامر وهو يحاول كتمان ضحكاته الخبيثة الساخرة : هاي.. إن هذا محل للنظارات ونحن لم نطلب سوى زوج من العدسات الملونة

ردت بحدة: هناك أكثر من خمس محلات للنظارات في هذا الشارع, يمكنكم انتقاء أفخرها, هذا لو كنتم تريدون الشراء بالفعل

علت صيحات الاستنكار والغضب بين أفراد الشلة

وفي المقابل كان الزبون الذي دخل المحل يرد بانفعال ويعترض ويؤيدها في أنها لم تخطئ

أما هي فقد بقيت صامتة ولم ترد

تركت المشاجرة ووجهت كلامي لها مباشرة : يجب أن تعلمي أننا لم نأتي إلى هنا إلا لشراء زوج من عدسات العيون

كم يكفيكي؟

أخرجت كل ما في حافظة نقودي, وكان مبلغا كبيرا, ألقيته أمامها على الطاولة الزجاجية

لم تتكلم أبدا, لكن الرجل الذي يقف في الجانب المقابل هتف بغضب : عيب عليك يا أستاذ, هذا لا يليق

أتى على صوت المشادة ثلاثة شباب من خارج المحل ووقفوا يراقبون ما يحدث

قلت بعصبية : خذي ما يكفيكي والباقي بقشيش

نظرت بصمت نحو الثلاثة الواقفين عند الباب وكأنما قرأت في وجوههم الغاضبة نية العراك اذا ما تطور الموقف أكثر من هذا

وكأنما أرادت أن تنهي الموقف بأية طريقة, فمدت يدها وسحبت عدة ورقات قليلة وهي تقول بحزم : هذا ثمن العدسات, أما البقشيش فوفره لغيري, أنا لا أقبل بقشيشا هنا

والآن, خذ عدساتك وأصدقائك واذهب من هنا, وتفعل خيرا ان لم تأتي ثانية, فكما ترى, عودتك قد تتسبب لك في مشكلة كبيرة

فهمت رسالتها كما فهمها كل من معي وصمتوا تماما, وأدركت أن امرأة مثلها لا يمكن أن تقف وحيدة في مكان كهذا دون ضمان بالحماية ولو حتى من جيرانها

أخذت العلبة وبقية النقود ورحلت وخلفي الأصدقاء وأنا أتميز غيظا وأكاد لا أرى أمامي من الغضب

ذهبت إلى حفل عيد ميلاد رودي في فيلتها, وبمجرد أن رأتني ركضت نحوي هاتفة : شادي, لم تأخرت؟

حاولت أن أكون طبيعيا وأنا أقول وحولي الشلة يحاصرونني بنظراتهم وكأنما ينتظرون لحظة تقديم الهدية لتبدأ متعتهم في إلقاء التعليقات الساخرة

حاولت أن أفوت عليهم الفرصة, فسحبتها من يدها وأنا أقول بسرعة: لا تهتمي, هيا لنرقص

لكن تامر لا يمكن أن يضيع فرصة كتلك فهتف بصوت عالي : ألن تقدم لها الهدية؟

بدأت تسرى بين الجميع موجات من الضحك الساخر, فنظرت إليه نظرة زاجرة, لكنه لم يهتم وأكمل : يجب أن ترى الهدية التي أحضرها لك

رأفت باستظراف : ربما كان عليها رؤية المحل الذي اشتراها منه

لم أعد أستطيع التحمل, فأخرجت الهدية بسرعة على أمل أن ينتهي ذلك الموقف السخيف بسرعة وأنا أحاول السيطرة على انفعالي

استطاعت رودى الهاء الجميع عني عندما صرخت بفرحة : شادي, أنت رائع, انه اللون الذي كان ينقصني

طبعت قبلة على خدي: ما أروع هديتك, لا أحد يعرف ذوقي مثلك

تامر ساخرا : أنها هدية غالية

رودى بحب : بالتأكيد لأنها من شادي

وليد بتهكم: ليت الأمر مالا فقط. إلا...

زفرت بضيق وخطفتها من بينهم : هيا لنرقص

اندمجنا في الرقص على أنغام الموسيقى, وبدأت أهدأ, لكنها لاحظت تغيري, وانفعالي فقالت : شادي. ما بك؟ أنت لست على طبيعتك اليوم

قلت مجاملا, لا تهتمي, فقط موقف سخيف مررت به, وسأنساه سريعا

قالت بحزن : هل أنت حزين لأنني سأسافر غدا؟ صدقني حاولت أن أرفض

إن آخر ما أريده أن أبتعد عنك, لكن أبي أصر

الأسرة كلها ستقضي شهور الصيف عند عمي في فرنسا, وأجبروني أن أذهب معهم

لا أدري ماذا فعلت بي كلمة فرنسا, فبدأت أغلي من جديد وأشرد بعيدا فيما حدث لي من ساعتين

قالت معاتبة : شادي, أأنت معي؟

قلت وأنا أحاول أن أتغلب على حالتي النفسية السيئة بابتسامة تمثيلية : بالتأكيد, وأين أستطيع أن أذهب؟

لو قلت لي أن أبقى, فسأتحداهم جميعا وأبقى لأجلك أنت

قلت : وتقضين شهور الصيف الحار هنا!

لا لن يرضيني هذا, اذهبي واستمتعي بوقتك

قالت بإحباط : وأتركك هنا وحدك!

لا أحد في هذا الكون يهمني أكثر منك

قلت : لا تقلقي, سأكون مشغولا بشركة الكمبيوتر التي أسسناها سويا أنا وتامر

لازالت في بدايتها لكن العمل يسير بشكل جيد وبدأنا نجني بعض المكاسب

قالت بقلق : بالنسبة لتامر, خذ حذرك منه, فعندما يجد مالا كثيرا أمامه يكون غير طبيعيا

قلت باستنكار : تامر! لا انه صديقي كما أن الشركة تهمه مثلي تماما فنجاحها لنا نحن الاثنان

قالت : فقط لا تمنحه ثقتك العمياء, وكن على حذر

عادت إلى لهجتها الأولى : كنت أتمنى البقاء إلى جوارك

قلت بدهشة : وتتركي السفر إلى فرنسا, هذا هو الجنون

قالت بإحباط : أهذا هو رأيك؟

قلت وعقلي في مكان آخر : بالتأكيد الفرنسي هو الأفضل

كنت أعتقد أن ثورتي ستهدأ بمرور الوقت, لكنها كانت تزداد

لم أعد أستطيع التركيز في عملي, وكانت نقمتي على تلك المرأة التي جعلتني سخرية الجميع تزداد باطراد

وكلما حاولت أن أنسى ألقى أحد أفراد الشلة بكلمة ساخرة في وجهي ذكرتني بالموقف السخيف, وأشعلت نيران نقمتي من جديد

لدرجة أنني وبعد ثلاثة أيام وجدتني أقود سيارتي وأنا شارد بعد أن أنهيت عملي, ووجدت نفسي أمام محل النظارات

حاولت أن أمنع نفسي وأعود أدراجي, لكن رؤية اسم المحل وحده أشعلت رغبتي في الانتقام , فقفزت من السيارة واتجهت إلي المحل لأجد الباب الزجاجي مغلق وعليه ورقة كتب عليها (مغلق للصلاة)

عدت إلى السيارة والغل يأكلني وجلست فيها مترددا, هل أنتظر قليلا أم أرحل

لكن انتظاري لم يطل : فوجدت فتاة صغيرة السن تفتح الباب من الداخل وتسنده ليبقى مفتوحا وتدخل الى المحل

حزمت أمري ودخلت لتقابلني الفتاة الصغيرة بابتسامة مهذبة وهي تقول: مرحبا سيدي, بم أخدمك

قلت وعيناى تدوران في المحل يمينا ويسارا : أحتاج لنظارة شمسية من أحدث الماركات

ازدادت ابتسامة الفتاة اتساعا وكأنما رأت في زبون لقطة سيدفع كثيرا

وبسرعة وضعت أمامي مجموعة من النظارات مختلفة الموديلات والماركات

أخذت أقلب فيما بينهم ورأسي شارد, ولكني قلت لها فجأة: ولكن أين السيدة التي تجلس هنا؟

قالت الفتاة ببراءة : من تقصد؟

قلت : تلك التي تغطي وجهها

قالت بفهم : آه, فهمت, تقصد أبله فاطمة, أنها تصلي

ألم يعجبك شيء؟

(الأستاذ لن يعجبه شيء)

التفت بسرعة لأجدها تخرج من خلف ستارة أنيقة تغطي حجرة جانبية في المحل

قالت وهى تتقدم : الأستاذ أخطأ العنوان, فهو يريد شراء شيء غير موجود هنا

قلت بتحدي : وكيف تعرفين أن ما أريده ليس موجود هنا!

قالت وهى تضغط حروف كلماتها : لأن هنا ليس سوى محل لبيع النظارات, نحن لا نبيع هنا أى شيء سوى النظارات

شعرت بالدماء تغلي في رأسي, وقلت وأنا أرمقها بنظرة غضب : إذا كنت لا تريدين البيع فلم تقفين في المحل؟

قالت بحزم : هذا ما لا شأن لك به, اذهب إلى المحل المقابل, ربما تجد ما تريد, أما هنا فلا شئ للبيع

تدخل فى الحوار فجأة رجل كهل يبدو أنه كان يتابع الموقف من عند الباب وقال لي بود : عفوا يا أستاذ, تفضل معي, سأريك أحدث تشكيلة إستوردناها من النظارات الشمسية

لم أتحرك من مكاني وبقيت أنظر إليها بغيظ

لكم أود أن أقتلها

قال الرجل بلهجة لينة: أرجوك تعالى معي وسترى ما يسرك

خرجت معه بهدوء وهو يتحدث إلى وأنا شارد الذهن عن نصف كلماته, حتى وصلنا إلى المحل المقابل

أجلسني على احد المقاعد وأرسل صبيه ليحضر لي زجاجة مياه غازية, وأخذ يلقى على عبارات الترحيب بحفاوة

فقلت : ليت كل من يعمل بائعا لديه مثل هذا الرقى في التعامل مع الزبائن, كيف يمكن لأصحاب تجارة أن يأمنوا على مالهم بين يدي موظفين ليست لديهم أية خبرة في التعامل مع الزبائن المحترمين

قال بابتسامة ودودة : أنت تقصد أبله فاطمة, أنها ابنة صاحب المحل

لا تؤاخذها أنها حادة الطبع قليلا, لكنها محترمة وطيبة

أخذت أستمع إليه باهتمام وأنا أشرب زجاجة المياه الغازية وهو يقول: إن ما تراه كل يوم من أشباه الرجال والمتحذلقين وقليلو الأخلاق يجعلها حادة للغاية كما رأيتها

إنها معذورة

فتاة شابة تحملت مسؤولية عائلة بأكملها بعد مرض أبيها, كما أن التجارة عليها ديون كثيرة, والبيع لا يسير بشكل جيد هذه الأيام

إنها مسئولية ينوء بحملها الرجال الأشداء

قلت وأنا مندهش تماما في عقلي من كلمة (فتاة شابة) فقد كانت مفاجأة لي : كنت أظن أن تجارة النظارات مربحة

قال : تجارة النظارات كأية تجارة أخرى فيها الربح والخسارة, وقد تمر علينا أوقات تصبح الديون فيها أكبر بكثير من المكسب

وكم من تجارة أغلقت أبوابها وأعلنت إفلاسها بسبب الديون

شكرت الرجل ورحلت بعد أن اشتريت نظارتين بسعر محترم

ظننت أنني سأنسى الموضوع تماما, لكنني كنت مخطئ, لقد سيطر على هذا الموضوع تماما حتى أنني لم أعد أفكر في أي شيء سواه

وزاد من تأثري بالأمر سفر رودي وشعوري بالفراغ من بعدها

ربما لو كانت موجودة لما سيطر على هذا الأمر لهذه الدرجة, فهي صديقتي المقربة

استمرت الأفكار تغلي في رأسي, وتلح على إلحاحا شديدا

وفي ليلة استمر فيها أرقي حتى الصباح, قررت قرارا مجنونا, ووضعت له خطة محكمة

كان على إذلالها وكسر أنفها بأية طريقة, لقد تحول الأمر بداخلي إلى تحدى ومعركة لابد أن أنتصر فيها

في اليوم التالي بدأت تنفيذ الخطة, أخذت أبحث خلف ديون المحل ودون أن تشعر هي بي

وبعد شهر واحد فقط استطعت حصر كل ديون المحل, وتعجبت كثيرا إذ كانت الديون أقل بكثير مما توقعت

واكتملت الخطة عندما سحبت مبلغا كبيرا من نقود الشركة واشتريت به كل ديونها, فأصبحت مدينة لي وحدي

عندها فقط ذهبت إليها وأنا مفعم بالثقة والتحدي والغرور أيضا

وعندما دخلت من باب المحل وجدتها تجلس خلف مكتبها في صدارة المكان ومعها مصحف تقرأ فيه وبمجرد أن رأتني تجمدت تماما

قلت باستفزاز : مرحبا, ها قد التقينا من جديد

قالت مباشرة وهى تنهض من خلف مكتبها : أخبرتك من قبل ألا تأتي الى هنا ثانية

وقفت أمامي بتحدي ولكنني تجاهلتها وتقدمت ببرود وجلست على كرسيها خلف مكتبها

أصابتها جرأتي بالمفاجأة فوقفت صامتة للحظات, ثم قالت بأسلوبها الخشن : يبدو أنك تحتاج لمن يلقنك درسا ويقطع رجلك عن هنا قلت ببرود شديد وأنا أهز الكرسي الدوار الذي أجلس عليه يمينا ويسارا : هيا, أريني من يستطيع أن يقطع رجلي؟

كانت ذاهلة تماما من أسلوبي لكنها تمالكت نفسها بشجاعة وقالت : يبدو أن وقاحتك لا حدود لها

قلت بحزم : عليكى التزام الأدب مع من تعملين لديه

قالت بحدة: ماذا تقصد؟

رددت بهدوء: ما أقصده باعتبار ما سيكون عندما تعجزين عن تسديد ديونك

قالت بعصبية: ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟

قلت والشماتة تتراقص في عيني وصوتي : أنت الآن مدينة لي وحدي, لقد اشتريت ديون المحل كلها ألجمتها الصدمة تماما وأنا متلذذ برؤيتها ذاهلة حائرة تكاد أن تنفجر غيظا مني

لقد كان الأمر يستحق العناء, فشعوري بالنشوى وأنا أراها في موقف الضعيف بعد أن كسرت كبرياءها روى غليلي وأشعرني بالقوة الفائقة

قالت بصوت خشن وببطء مقصود : من أول لحظة رأيتك فيها وأنا مدركة تماما أنك لم تأتي الى هنا لشراء زوج من العدسات فأمثالك يعتقدون أنهم قد امتلكوا الدنيا بما فيها من بشر

قلت ببرود : لم يكن الأمر وقتها بهذه الصورة, ولم أكن يوما أفكر بهذه الطريقة, لكنكى دفعتيني دفعا لذلك

قالت : والآن, ما الذي تريده بالضبط؟

قلت بتعالي : أريدك أن تفهمي جيدا مع من تتحدثين

قالت بتحدي : أفهم جيدا مع من أتحدث, ولكن أنت الذي لا تفهم ما هو حجمك الحقيقي

حتى الآن المحل ليس ملك لك, لذلك فعليك أن تخرج من هنا على الفور قبل أن آتي بمن يخرجك بطريقة لن تعجبك صدمني هجومها الذي لم أتوقعه فقلت بحدة : أتعلمين ما الذي تفعلينه؟ أتدركين حقا عواقب طردك لي؟ إن هذه هي ثالث مرة, والثالثة ثابتة كما يقولون

إن بيدي مصدر رزقك أنت وأهلك, أستطيع أن أشردكم وألقي بك أنت ووالدك في السجن

استشاطت من كلماتي وردت بأقسى منها : بل أنت الذي لا يفهم, فرزقي ورزق أهلي ليس بيديك أيها المتكبر المغرور, والمحل لازال ملك لنا حتى الآن, وديونك سألقيها في وجهك حالما يأتيني المال وحتى أن لم أستطع تكون أنت قد امتلكت هذه الجدران فقط, لكنك لا تستطيع امتلاك من فيها من بشر والآن اخرج من هنا فورا قبل أن آتي بمن يلقي بك إلى الشارع

خرجت وأنا لا أكاد أتبين طريقي من كثرة الغل والغضب الذي استولى على فمن أردت كسرها عصية على الكسر, وأنفها لازال شامخا كنت أتصور أنها ستتوسل لى لأرحمها وأعتق أهلها من ديونهم, أو حتى ترجوني لتأجيل موعد سداد الدين حتى تستطيع تدبير المال الكافي لكنها فاقت كل توقعاتي, ولازالت مصرة على إهانتي إن ما حدث لي اليوم على يديها لم يحدث لي في حياتي كلها

ذهبت إلى النادي, واستدعيت الشلة كلها بالجوال تامر ورأفت ووليد

لم يعتذر أي منهم, كان يكفي أن يسمعوا صوتي المنفعل ليعرفوا أن خطب جلل قد حدث

قررت السباحة حتى لا أضطر لانتظارهم وحدي دون فعل شيء فأقتل نفسي أو أحد آخر

وظننت أن السباحة قد تهدئ من ثورة غضبي ونقمتي, لكن هيهات أخيرا حضروا وجلست معهم حول إحدى الطاولات الموضوعة حول حمام السباحة وسكبت أمامهم كل ما حدث لي قبل أن تتفجر عروقي من الغيظ, فقد كانت النار تقتات في عقلي, وبعد أن حكيت لهم كل شئ قلت : لا أدري ما الذي يمكن أن يكسر مخلوقة كتلك لا شيء يؤثر فيها لا شيء حتى يخيفها

قال تامر بحمية : يمكننا أن نذهب إلى المحل ونجعله ركاما, وبهذا تكون قد كدت لها وانتقمت منها قلت ساخرا : ويذهب كل ما صرفته لشراء ديون المحل إلى الضياع

وليد : حقا, إن البضاعة التي في المحل هى الضمان الوحيد لاسترداد مالك

قلت : وليت ذلك يشفي غليلي

التفت تامر لرأفت : ها يا عبقري, لم نسمع لك صوتا من أول الجلسة

رأفت بتفكير : أتدرى ما الذي يشغلني حقا, كيف لفتاة بمثل هذه القوة والتحدي, فتاة لا تخشى شيئا كيف تخفي وجهها عن الناس, وأي وجه تحمل خلف نقابها!

وكأن كلمات رأفت قد أيقظت فضولا كامنا في أعماقي, أي شيء يقبع خلف نقاب تلك المرأة

أخذت أحاول أن أتخيل ملامحها ومع كل دقيقة تمر كان فضولي يزداد, وتؤججه رغبتي في الانتقام كشخص يجهل ملامح عدوه

قال تامر : كيف لم أفكر في تلك المسألة من قبل, لا شك أن رؤية وجهها هو في حد ذاته انتصار, عندها ستكون قد أجبرتها على شيء ترفضه

كلمات تامر كانت تفعل في عقلي الأفاعيل, وأخذت الفكرة تتردد في عقلي بقوة

فرؤية وجهها رغما عنها قد تكون جزء من انتقامي, أو قد تشفي بعضا من غليلي : ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟

رد تامر بحماس : يمكننا أن نذهب كلنا إلى المحل ونقيدها ونكشف النقاب عن وجهها بالقوة

رأفت ساخرا: هكذا دأبك, مجنون دائما ومندفع ولا تقدر عواقب الأمور

إذا فعلنا هذا فسنلبس تهمة لا حل لها, أو ستستعين علينا برجال منطقتها, وعندها سنأكل علقة ساخنة وقد لا ننجو منهم

تامر ساخرا : وماذا تقترح أنت أيها العبقري؟

قال ببساطة: يمكنك أن تعرض عليها مالا, أو حتى تعرض عليها عرضا لا تستطيع رفضه

فلتساومها على ديونها, يمكنك مثلا أن تتنازل عن جزء من ديونك مقابل نظرة واحدة إلى وجهها

قال وليد ساخرا : تتحدثون بسذاجة منقطعة النظير, فهذا النوع من النساء لا يمكن كشف وجهه إلا في الحلال

تامر بانفعال : ما هذا الجنون الذي تقوله!

وليد : أعني بعقد زواج شرعي

المال لن يجدي معها, لقد رفضته من البداية, رفضت حتى الخضوع لتهديدك بالسجن وتشريد أسرتها, فلا تتوقع الآن أن توافق على اقتراح رأفت الساذج

قال تامر بانفعال : أتريده أن يتزوج من تلك المرأة, لا شك أنك مجنون

قال وليد : اطمئن, فهي لن توافق أبدا على ذلك, فشادي بالنسبة لها من الفسقة المرتدين

لقد أغلقت من كل جهة مثل لعبة الدومينو, وعليك أن تبحث عن طريقة لاسترداد مالك الذي دفعته حتى لا تكون الخسارة مزدوجة كنت صامتا تماما والأفكار تتردد من حولي على ألسنة أفراد الشلة, ولأنني لم أتوصل بعد إلى حل فقد بقيت صامتا وظلت الأفكار والكلمات تدور في رأسي في تلك الليلة وأعجزتني عن النوم حتى الصباح حتى قررت أخيرا أن أدمج بين فكرتي رأفت ووليد وفي نفس اليوم كنت عندها في المحل, وقلت لها بسرعة قبل أن تنفجر ثورتها في وجهي : لقد أتيت اليوم مهادنا, لا أدري حقا ما الذي أشعل الحرب بيننا بهذه الطريقة, لقد أتيت اليوم لأصلح الأمور

قالت ساخرة: أهي خدعة جديدة أتيت بها

قلت بجدية : لا ولكني أتيت لأعرض عليك عرضا محددا

ما رأيك أن تتزوجيني؟

قالت بصدمة : ماذا! إذا فهي لعبة جديدة كما توقعت

قلت بحزم : لا ألعاب ولا خدع, أنا أعرض عليك زواجا شرعيا على سنة الله ورسوله

قالت بشك: أتعتقد أنني من السذاجة لأصدق ما تقوله؟

أمس تهددني بالسجن والتشريد, واليوم تعرض على الزواج!

قلت بجدية: لقد قدمت عرضي, وأمامك مهلة للتفكير فكري جيدا وتذكري أننا عندما نتزوج فسيكون مالي هو مالك, ولن أطالبك بسداد ديونك, بل ربما محوت الديون كلها وجعلتها مهرا لكي وقد أساعدك في إقامة تجارتك من عثرتها

كانت صامته تماما من المفاجأة حتى أنهيت كلامي, فقالت بريبة: لم تفعل كل هذا؟ ما الذي ستستفيده؟

أنت لا تعرفني, لم ترى حتى وجهي, فما هى أهدافك الخفية من كل هذا حاولت السيطرة على أعصابي المشتعلة حتى لا أنفجر وأفسد العملية برمتها وقلت بهدوء : أنتي تسيئين الظن بي كثيرا

قالت بتهكم : أتريد أن تقنعني أن شاب مثلك ومن وسطك الإجتماعي يريد أن يتزوجني قبل حتي أن يرى وجهي!

قلت ببرود : ولم لا

قالت بحدة : إن هذا الكلام لا يمكن أن يدخل عقلي أبدا, ولا يمكن أن أصدق أن أهدافك من هذا الزواج نبيلة أمسكت أعصابي في آخر لحظة قبل أن أصرخ في وجهها وأسبها بأقذع الشتائم

قلت بعد أن غلفت كلماتي بالثلوج : إذا ما الذي يدفعني لذلك في رأيك؟

قالت بتفكير : إن ما يتبادر لذهني من غايات للأسف ليست نبيلة أبدا

لا أستطيع أن أجد سببا واحدا يبرر عرضك سوى رغبتك في تحطيمي وإذلالي وكسر أنفي

وأولى خطواتك نحو تحطيم شخصيتي هو اجبارى على فعل ما لا أريد وهو كشف وجهي, حتى لو دفعت في سبيل ذلك زيجة لن تدوم أكثر من عدة أيام على أكثر الفروض

صدمني ذكاؤها الذي لم أكن أتخيل إلى أين يمكن أن يصل

فقلت مدعيا الهدوء رغم توتري الذي فاق حد الاحتمال : إن فكرتك عني سيئة للغاية, أنا أتحدث عن زواج رسمي عند المأذون إن رفضك هو الغير مبرر, وخاصة وأنكي ستكسبين مكاسب ما كنتي لتحلمي بها ستحتفظين بالمحل, وتختفي ديونك كأن لم تكن, سيكون هذا هو مهرك

فكرى جيدا, فالفرصة لا تأتي للإنسان سوى مرة واحدة فقط

سأعود غدا لأعرف ردك, فإن وافقتى, سأذهب مباشرة لخطبتك من أبيكى

لأول مرة أخرج من هذا المكان بلا طرد, لقد تركتها حائرة مشتتة وهذا في حد ذاته نصر شفى بعضا من غليلي لم أكن واثق من موافقتها, ففتاة مثلها مفاجأتها لا تنتهي

فتاة!!

ترى ما شكلها وكيف هي ملامحها؟ ولم تغطى وجهها بهذه الطريقة الغريبة؟

لا شك أنها قبيحة, فأي امرأة جميلة لا يمكن أن تخفى جمالها وتصبح في عيون الناس شبحا مرعبا أحسست أنني تسرعت وأن قدمي زلت في كارثة قد لا أستطيع الخلاص منها

ولكن عنادها استثارني من جديد وانشغل عقلي بما سأفعله ان لم توافق على الزواج

ان هذا هو الحل الوحيد الذي يترائي لي الآن للسيطرة على ذلك الكائن العنيد المتوحش

بقيت مؤرقا أفكر حتى الصباح, وفى اليوم التالي شعرت لأول مرة بالتردد أمام باب المحل

كان مغلقا للصلاة, وجلست في سيارتي على نار الانتظار, وأكثر من مرة راودتني فكرة الرحيل, أو الهرب من تلك العروس المقلب ولكنني لم أرحل وأخيرا وجدتها تفتح باب المحل بنفسها وتدخل ترددت كثيرا قبل أن أستجمع شجاعتي وأفتح باب السيارة وأدخل إلى المحل

دخلت إلى المحل لأجدها خلف مكتبها وصوت تمتمات هامسة تصدر منها

قلت والتوتر يعصف بداخلي وأنا أحاول السيطرة عليه وأظهر الهدوء أمامها: لقد أتيت

لأول مرة أسمع صوتها يأتي هادئا, لكن لازالت الخشونة تكسوه وهى تقول : وأنا كنت أنتظرك

قلت والتوتر بداخلي يزداد : احم.. حسنا وما ردك على عرضي؟

قالت مباشرة : أنا موافقة

ألجمتني المفاجأة ولم أصدق أذني, أحقا وافقت!

قلت بدهشة: ماذا قلتي؟

قالت بصوت أعلى وبلهجة خالية من التحدي: قلت أنني موافقة... ولكن بشروط

ضربت رأسي الهواجس, هل ستطمع تلك البائسة وتبدأ في إملاء شروطها على؟

ماذا كانت ستفعل لو كانت في نصف جمال رودى ودلالها؟

أيحق لها إملاء شروط تلك الرجل المتنكر في ثوب امرأة!

وفى تلك اللحظة هاجمتني صورة في ذهني, أن عروسي المقبلة ربما تكون غطت وجهها لتخفى لحية وشارب حول فمها

قالت عندما طال صمتي : لم أسمع ردك

قلت بعد أن واريت كل مشاعري وأفكاري خلف قناع تمثيلي من الهدوء: وما هي هذه الشروط؟

قالت : أن تتنازل عن كل ديونك بورق مسجل باسم أبى, لا باسمي, كما أن عقد المحل باسم أبى

قلت : وأنا لم أقل بخلاف ذلك

أكملت : أن لا يكون مهري مالا, بل بضائع تملأ بها المحل, وكذلك الشبكة إن أردت شراء شبكة, لا أهتم بذلك كثيرا, فقط يمكنك أن تقدر قيمتها وتضيفه كبضائع للمحل

وحيث أنني سأترك العمل لبعض الوقت وأتفرغ للزواج, فعليك استئجار اثنين من الموظفين تخصص بصريات للوقوف في المحل وتدفع رواتبهم لمدة عام كامل على الأقل

قلت بضيق: وماذا أيضا!

ردت بجدية : هذه هي كل شروطي المادية

ولكن هناك شروط أخرى غير ذلك

قلت ساخرا: هاتى ما عندك

كما أنك طلبتني للزواج ووجهي مغطى, فاعلم أنني سأكون كذلك بعد الزواج, ومن أهم واجباتك كزوج أن تحفظ سترى وأن تحرص على ألا يراني غريب

قلت ساخرا: هل انتهيت؟

قالت : لم يتبقى سوى شيء واحد, وهو الأهم بالنسبة لي, ماضيك لا شأن لي به, وكذلك كل ما يصدر منك بعيدا عن سمعي وبصري

أعلم قدراتي جيدا, كما أعلم أنني لن أستطيع تقييدك أو السير خلفك في كل مكان, كما أنني لا أتحسس عورات الآخرين, ولا أحب التجسس

ولكن إن وصلني عنك انك ارتكبت فاحشة, فسيكون هذا فراقي

قلت ساخرا: يبدو أنك تعتقدين أنني شخص من الشارع أو من بيئة فاسدة

أنا ابن ناس, ومن عائلة كريمة

قالت بهدوء : لا يقيم الرجل بأهله وأسرته بل بأفعاله وتصرفاته

أفحمتني من جديد, فخرجت من المكان بسرعة قبل أن أنفجر فيها وأنا أقسم في نفسي أن أذلها وأكسر أنفها وأحطم كبرياءها

صرخت في وجه حفيدي بعد أن سمعت ما يكفى ليشنف آذاني: كيف تتزوج من فتاة بهذه الطريقة الدنيئة؟

وأي بيت هذا الذي يمكن أن يقام في ذلك الجو من التحدي والعدائية والرغبة في الانتقام؟

قال ساخرا : بيت من الذي تتحدث عنه؟ إن الأمر لن يتعدى بضعة أيام, أو أسبوع على أكثر تقدير, ألهو قليلا وأشبع رغبتي في الانتقام, وأكسرها

والأهم من ذلك, أن أعرف ماذا خلف النقاب

قلت وقد تملكني الذهول تماما من كلماته المستفزة : أأنت حقا حفيدي! أأنت حقا ذلك الصبي الطيب الذي كنت أحبه كثيرا وألاعبه!

قال ببرود : لا تكبر الموضوع يا جدي العزيز وتلبسني ثوب الشيطان

أنا لم أخدعها, على العكس, هي تعلم كل شيء, وتدرك جيدا لم تزوجتها

وكما قالت لي في آخر مرة التقيتها, أن الأمر ليس سوى صفقة وعقد شراكة بيني وبينها, وكل منا عليه أن يؤدى التزاماته نحو الآخر هي تتزوجني طائعة مختارة وهى تعلم أنني أود أن أخنقها وأذلها, في مقابل أن تضمن أن يبقى المحل باسم والدها وأن ترفع عنها ديونها وديون أسرتها لم يخدع أحد منا الآخر, على العكس, انه زواج قائم على الصراحة المطلقة, لم يخفى أحدنا شيئا عن الآخر

قلت بغيظ : هذا ما يسمى حقا يراد به باطل

أيها الشريف, يا بن العائلة الكريمة, أنت تلوى ذراعها وتستغل حاجتها للمال

قال مدافعا : لقد وافقت برغبتها, واشترطت على كل شروطها وأنا لم أرفض, ومنحتها ما تريد مقدما, أما المؤخر فلم تشترط فيه شيء, بل العكس لقد رفضت أن يكون هناك مؤخر صداق

قلت بفهم : يا مسكين, إنما فعلت ذلك لتسهل عليك تطليقها, وتزيل أي عقبة في طريقك لإنهاء الزواج في وقت قريب هي لا تريدك كما انك لا تريدها وتلاعبك كما تلاعبها تماما

قال بابتسامة ماكرة : وهذا أجمل ما في الأمر, أنني حر أتخلص منها في الوقت الذي أريده

أخذت أسترد أنفاسي التي تسارعت من فرط غيظي من ذلك الفتى الخبيث المستفز, ثم حاولت أن أحادثه بطريقة مختلفة : يا بني, ألا تخشى الله؟ إن لديك أختا, أتود أن يفعل بها كما تفعل أنت بهذه المسكينة؟

قال ساخرا: أختي ليست سليطة اللسان ومتوحشة مثلها تلك الشرسة تحتاج من يعلمها الأدب

قلت بحدة : وهل تعرف أنت الأدب لتعلمها إياه؟

إن ما تفعله هو شيء عديم الأخلاق

زفر شادي بيأس : إذا فأنت أيضا لا توافق على هذا الزواج؟

قلت: أفهم من كلامك أن أمك لم توافق؟

نعم, بالتأكيد لا يمكن أن توافق على تلك الفتاة التي وصفتها لي

قال بإحباط : أمي فقط!

إن العائلة كلها أعلنت الرفض القاطع بالإجماع, حتى أبى رفض فمن وجهة نظرهم فتاة كتلك لن تشرف العائلة الكريمة, حتى رشا, أتصدق إن اعتراضها عليها لأن اسمها لم يعجبها

قلت متهكما: عقليتها لا تختلف كثيرا عن عقلية أخاها

صمت محاولا التحكم في أعصابي حتى لا أثور عليه وأطرده, ثم قلت أخيرا : والآن أفهم تماما لم أتيت إلى, لأنك تحتاج موافقتي على زواجك لتقويك أمام ثورة العائلة

أكملت بسخرية مغتاظة : وأنا الذي اعتقدت بسذاجة أن حفيدي الغالي قد هداه الله وأتى أخيرا لزيارة جده بعد انقطاع يزيد على السنة نظر إلى باستعطاف وقال جملته الشهيرة التي يقولها كلما حاول استجدائي لأفعل شيء يريده : جدي, أنت تعلم أنني أحبك وأننا أصدقاء منذ زمن طويل, فهلا ساعدت صديقك؟

قلت هازئا : نعم, من أجل صداقتنا الوطيدة لم تزورني منذ غادرت بيت أبيك سوى مرتين فقط, آخرها منذ عام وثلاثة أشهر

قلت بألم: تغيرت كثيرا يا شادي, يا للخسارة, كنت أنت الأقرب إلى دون أفراد العائلة قاطبة

قال بلامبالاة: ما كان عليك أن تتشاجر مع أمي وتترك البيت

قلت متأففا: هل سنعيد القصة من جديد؟ ومن أخطأ ومن أصاب؟

عموما هذا المكان ملائم لي تماما, على الأقل لا أجد من يستفز أعصابي ويضايقني ويرشقني بكلماته المؤلمة كلما تحركت حركة أو تنفست نفسا

قال مغيرا الموضوع : والآن, ألن تساعدني وتؤيدني؟

لقد انتويت أن أدعوك لتشهد على عقد قراني

قلت مغتاظا : اتقى الله في الفتاة المسكينة, إن كل ما تريده من حياتها هو أن تعيش وتساعد أهلها على المعيشة الصعبة عار عليك أن تظلمها بتلك الطريقة المشينة

قال بنفاذ صبر : إذا فأنت أيضا ضدي مثلهم جميعا؟

قلت بحدة : بل وأشد منهم جميعا, ولكن أسبابي تختلف عن أسبابهم

هم يرون أنها لا تليق بك ولا بعائلتك الكريمة, وأنا أرى أنك أنت الذي لا تليق بها

شادي : حسنا, لقد فعلت ما يتوجب على فعله وأخبرت الجميع

قلت بعجب : إذا فأنت لا زلت مصرا رغم معارضة الجميع

قال بعناد : لو اجتمع أهل الأرض كلهم ضدي لإيقاف هذه الزيجة لتزوجتها رغما عنهم جميعا

صمت تماما والغضب يحرق كل قطرة من الدماء في عروقي, ثم رأيت في عينيه بعض الخوف والتوجس مما سأقوله, إذ يبدو أن منظري وأنا غاضب مخيفا

ابتلعت ريقي وقلت محاول تصنع الهدوء : أعلم أنك قادر, وإذا عزمت على شيء فلن يستطيع أحد إيقافك, حتى أنا إن كل ما أستطيع أن أفعله الآن هو أن أدعو الله دعاءا خالصا أن يجعل هاديتك وصلاحك على يديها

قال شادي باستغراب: أخبرني بصدق, هل تعرفها لتنحاز لها بهذه الطريقة؟

قلت بثقة : أنا لا أعرفها, ويكفيني حديثك عنها لأنحاز لها

فتاة طاهرة, نقية, عكسك تماما في كل شيء لا هم لها في الحياة سوى مساعدة أباها المريض وأسرتها أيها الأعمى, ألم يرق لها قلبك ولو للحظات وتقدر تضحياتها؟

فتاة تتقرب لربها بفضيلة من الفضائل تبيع الدنيا لتشترى رضا ربها ما الذي تريدني أن أعرفه أكثر من هذا لأنحاز لها؟

قال باستهتار : لا شيء لم يتبقى سوى أن أعرف ماذا خلف النقاب

قلت متهكما : إن كل ما أخشاه هو أن تأتى لتصيدها فتعلق أنت في الشبكة وتغرق, وعندها لن تجد يدا تمتد إليك لتنقذك

ضحك متهكما : اطمئن, لا يمكن أن أغرق مع واحدة تخفى قبحها عن الناس ولن يراه سواى

قلت بغيظ : يا مسكين, لقد شرع الله النقاب لإخفاء جمال المرأة لا قبحها

فالمرأة التقية التي تدرك قيمة جمالها بحق, هي التي تخفيه عن أعين الفاسدين

قال بتحدي : سنرى, واطمئن فحفيدك صياد ماهر, لو كانت مقلبا فسألقيها كما جلبتها

اهتم لنفسك واعذرني فلن أستطيع أن أدعوك لحفل زفافي, فعروسي التي لم أرى وجهها حتى الآن اشترطت على ألا يكون هناك حفلا للزفاف, وعلى أن أنفذ لها رغباتها لأصدق معها

قلت وقد خطر لي خاطر أفزعني : ذكرتني, نصيحة أخيرة لك, إياك أن تخبر أحدا ماذا خلف النقاب, إن كان خيرا أو شرا, لا تخبر أحدا أبدا, خاصة أولائك الفسدة الذين تعتبرهم أصدقائك

قال : اطمئن, فهي أيضا اشترطت على هذا الشرط, وأكدت على أن أكون سترا لها يبدو أن المقلب سيكون محترما شديد الوطأة

قلت بيأس : إذا فأنت مصر أن تعتبر الزواج مجرد لعبة؟

قال: لا تغضب على, فأنا لازلت شابا وأريد الاستمتاع بحياتي, لن يدوم الأمر سوى بضعة أيام, وبعدها سأعود كما كنت

قلت بحزن : ولكن الفتاة المسكينة لن تعود أبدا كما كانت

استجمعت كل غيظي وقلت بقوة: خذها منى يا حفيدي الغالي, بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير, اللهم اجعلها قرة عين لك

ابتسمت ولاء ابتسامة واسعة عندما وصل الجد إلى هذا الجزء وقالت : لا تقل لي, لقد أصابته دعواتك, أليس كذلك؟

قال الجد باسما: لم توقعت هذا؟

تحولت ابتسامتها الواسعة إلى ضحكة خافته : لأن ذلك المحظوظ نال القمر فى السماءألم تكن هي التي زارتك اليوم؟

قال بضحكة ماكرة : نعم , وتحايلتى وتماكرتى لترى وجهها, أليس كذلك؟

خفضت عينيها في خجل قائلة : فضولي الزائد يتسبب لي دائما بالمشكلات

قال الجد وهو يشرد بعيدا : نعم, إنها هي فاطمة أجمل من خلق ربي

اشتعلت عيناها ببريق الفضول وقالت بشغف: وماذا فعل عندما عرف ماذا خلف النقاب؟ انه الحب من أول نظرة, أليس كذلك؟

ابتسم الجد : أنت متعجلة وشغوفة للغاية, ولكن لا تتسرعي في الحكم على الأمور, فالحب من أول نظرة لا يصلح مع نوع له غرور حفيدي, نوع لف ودار ورأى نساء لا تحصى, مما أورثه كبرياء عنيف يمنعه من الاعتراف بالحب وحتى تتضح الصورة, فالأمر أكبر بكثير من مجرد جمال الوجه أو الجسد, فذلك الأحمق نال قطعة من الجنة تمشي على الأرض

ولاء بشغف : كيف؟

يعود عم محمد للقصة : زارني الأحمق بعد أربعة أشهر, وأخذ يحكي لي ما حدث بالتفصيل

ذهبت الى بيتها في أحد الأحياء الشعبية القديمة, لم يكن هناك أى مظهر من مظاهر الفرح في المكان سوى عناقيد النور التي أصر والدها على وضعها على جدار البيت ليظهر للجيران أن له ابنة تتزوج, كان كل شيء هادئ تماما وبعد عقد القران طلبت منها أن تخلع النقاب, ولكنها قالت بهدوء : لا تتعجل, فلنذهب إلى بيتك أولا أخذتها ورحلت دون أن نتبادل أية كلمة, وأنا أتوعدها في سري, وعندما وصلنا إلى البيت أشرت لها على الحجرات والمطبخ والحمام, وتركتها ودخلت الحمام لأتحمم, وعندما خرجت وجدتها تصلى على سجادة صلاة لم تكن موجودة في البيت, وأدركت أنها أحضرتها معها, كانت من النوع الذي تم تركيب بوصلة فيه لمعرفة مكان القبلة التي لو سألتني عنها ما عرفت بماذا أجيبها

انتابني الضيق الشديد ولم أنظر إليها حتى ارتديت منامتي وخرجت من الحجرة متأففا وجلست في الشرفة الواسعة وأخذت أسلي نفسي بعمل بعض المكالمات للشلة, وكنت قد أخبرتهم أن اليوم زفافي إلى فتاة النظارات, وكانت دهشة الجميع عارمة أن العنيدة وافقت على زواجي منها, وعرفت أن تامر يقيم حفل صاخب في شقته, وأخذت أتحسر على نفسي وعلى البركة السوداء التي سقطت فيها, وأصدقائي في الهناء صخب وضحك ورقص وفتيات حتى الصباح

تامر : ما بك أصبحت كئيبا, هل نضحت عليك وأصابتك عدواها؟

قلت بتأفف : لا يا صديقي, يبدو أنني أخذت مقلبا محترما إبليس نفسه لن يتحمل تلك الجلسة التي أجلسها الآن أتتني ضحكاتهم الساخرة, وفهمت أن تامر فتح السماعة الخارجية للجوال ليسمعني الجميع

قلت بضيق : لا تضحكوا كثيرا, انتظروني سألحق بكم, فلن أتحمل ساعة أخرى في هذا المكان الكئيب, ومع مخلوقة كتلك لم أدرى أنى قد استغرقت أكثر من نصف الساعة في المكالمة الا عندما أنهيتها اتجهت إلى الحجرة وأنا في قمة الضيق, يبحث عقلي عن وسيلة للخروج من البيت في هذا الوقت, وأخذت أفكر جديا في ارتداء ملابسي والخروج سريعا لألحق بالشلة في شقة تامر عندما دخلت إلى الحجرة توقعت أنها لا زالت تصلي, لكني وجدتها قد أنهت صلاتها وجلست على طرف الفراش أول ما شد انتباهي أنها أنثى عادية, ترتدي ملابس النوم المكشوفة وتترك شعرها منسدلا على كتفيها

لكن ما أثار اهتمامي أكثر هو أن شعرها كان مصففا بعناية بأحدث التسريحات, بل انه أجمل من تصفيفة شعر رودى, كان ناعما للغاية ويخفي أغلب وجهها الذي ينظر إلى الأرض, والأروع أن تدرجاته اللونية خلابة لم تكن سيئة أو قبيحة, إذ يبدو أن كلامك كان صحيحا إلى حد بعيد, والآن بدأ الفضول يأكلني لرؤية وجهها, فاقتربت منها وجلست بجوارها في هدوء, وأدرت وجهها إلى, وتجمدت كل عضلة في, حتى أنفاسي, فقد فوجئت أمامي بكم من الجمال المبهر لم أكن أتوقعه إطلاقا بقيت مشدوها لفترة لا أحرك ساكنا لفترة لا أعلم مداها, فقد أذهلتني تماما تلك الفتاة العجيبة, وفي عقلى أخذت أقارن بينها وبين رودي, لكنها كانت أجمل منها بمراحل

في هذه الليلة لم أستطع أن أغادر البيت وأذهب الى الشلة, فثاني المفاجآت التي أذهلتني أن الشرسة العنيدة سليطة اللسان لم تكن فقط جميلة, بل كانت وديعة وهادئة الى درجة الصمت التام, فلم تفتح فمها مطلقا, ولم أسمع صوتها أبدا

صوتها!!!

أهو جميل أيضا كوجهها؟ أكانت حقا تغطيه بغطاء الخشونة لتخفيه عن آذان الرجال كما فعلت بوجهها؟

تمنيت أن أعرف لكنها لم تمكنني من ذلك على الرغم من محاولاتي لإستفزازها لتتحدث الى وأسمع صوتها

استيقظت عند الفجر على رنات جوالي وأنا في شدة الغيظ من ذلك السمج الذي أيقظني من نومي, وتوقعت أنه أحد أفراد الشلة يستظرف , أمسكت بالجوال وأنا أنوى أن أشتمه, لكن الرقم لم يكن من مصر, كانت مكالمة من فرنسا, لا شك أن أحد أفراد الشلة قد أخبر رودي, صرخت بضجر : يووووووه

وألقيت بالجوال بعنف إلى الجدار ليتفتت إلى قطع, وهدأت عندما تخلصت من الجوال المزعج الذي هو همزة الوصل بيني وبين الشلة, فالجوال الثاني كان عائليا فقط ولا أحد من الشلة يعرف رقمه تذكرت فجأة أنني تزوجت بالأمس, فانتفضت أبحث عنها وأنا متوقع أن تكون هربت, لكني وجدتها تصلي على سجادتها, فعدت لنومي مطمئنا, ثم استيقظت عند الظهيرة أبحث عنها وهناك هاتف بداخلي يقول أنها ستهرب مني وتعود إلى بيت أبيها, وارتحت أن وجدتها في حجرة المعيشة تتابع الأخبار في التلفاز, فقلت لها : أنا جائع, هلا أحضرتي شيئا من الثلاجة لنأكله؟

لم تنظر إلى أبدا, لكنها تركت جهاز التحكم في القنوات وهبت قائمة إلى المطبخ ومنه إلى المائدة, لأفاجأ بعد قليل بأن المائدة امتلأت بأطايب الطعام الساخن, وجمعت فيها بين وجبتي الإفطار والغداء معا جلست إلى المائدة وأخذت أتأملها وهى تذهب وتجيء بنشاط عجيب من المطبخ إلى المائدة, وأعجبتني للغاية ملابسها الأنيقة واختيارها للألوان, وأخذت أستمتع بذلك العبير الرائع الذي يصافح أنفي كلما مرت بجواري, وفكرت أن أسألها عن اسمه, ولكني لم أشأ أن أكون في عينيها أبلها لا يدرى نوع العطر النسائي الذي تضعه, فأنا خبير في العطور النسائية من كثرة ما اشتريتها كهدايا لصديقاتي, أما هذا العبير فلم يرد على من قبل

وتعجبت من جديد, إذ كيف باستطاعة فتاة في عمرها أن تخفي كل هذا الجمال وتلك الأناقة تحت خيمة كبيرة مغلقة النوافذ والأبواب, لا يبدو منها شيء ومر الوقت على دون أن أشعر لأفاجأ بأنني لم أركب سيارتي, أو أرى الشارع الذي أسكن فيه من أسبوع كامل ضحكت وضحكت وضحكت حتى كاد قلبي أن يتوقف, ودمعت عيناي بشدة اغتاظ شادي وسألني : لم تضحك الآن!

قلت ساخرا : أضحك من حمقك, إذا فاليمامة الوديعة حبست الصياد المغرور في البيت أسبوع كامل, وأذهلته عن الدنيا, حتى أنه لم يعد يفرق بين ليل أو نهار, ولم يعد يعرف في أي يوم هو من أيام الأسبوع!!

قال بغيظ : من حبس من؟

أتريدني أن أترك لها البيت وأخرج دون أن أضايقها وأنغص عيشها؟, وهل هذا يعد انتقاما! تذكر أنني تزوجتها لأنتقم منها, ولا تبالغ في استنتاج الأشياء

قلت بشماتة : أنا لا أبالغ, ما أقوله هو أقل من الحقيقة, فأنت لم تكن تبتعد عن أصدقاءك ساعة واحدة, ولا يمكن أن تضيع سهرة صاخبة مثل سهرة تامر

قلت محاولا استفزاز غيظه وغضبه قدر ما أستطيع : ولكن, أخبرني بصدق, ما الذي جعلك تترك كل شيء وترابط بجوارها؟ أهو سحرها أم جمالها, أم فتنتها؟

فوجئت بأنني أخفقت في اغاظته, بل انه تقبل كلماتي ورد بطريقة عادية : الحقيقة أنها جميلة للغاية, لكن مشكلتي معها أنني عاجز عن الإمساك بخطئ واحد لها أعاتبها عليه أو ألومها أو أصرخ في وجهها, أو حتى أنغص حياتها, فهي تتصرف بمثالية كبيرة, تطيعني إلى درجة الطاعة العمياء, لا تقول لا أبدا لأي شيء أطلبه منها, أتمنى أن أجد لها خطأ واحد

قلت بغيظ : يا لك من أحمق كبير, والآن, ما الذي أتى بك إلى هنا الآن؟ لا شك أن خلفك مصيبة كبيرة, فأنت لا تأتي إلى إلا إذا كنت غارقا في مشكلة, أو تحتاج إلى شيء قل الحقيقة مباشرة, هل طلقتها, أم تريدني أن أخترع لك سببا مقنعا لتتخلص منها, فأنا أفهمك جيدا, ليس لك في الطيب نصيب هتف بدهشة : أطلقها!!!

وكيف أتمم انتقامي إذا؟ وماذا عن مالي الذي دفعته, هل أخسره هكذا بكل بساطة دون حتى أن أحصل على مقابل لما دفعته!

هتفت بغيظ : أتعلم أنك تثير اشـ ..

أمسكت الكلمة على طرف لساني, ثم زفرت بضيق وحاولت أن أتصنع الهدوء: ما علينا.. والآن, بعد أربعة أشهر كسرت أنفها ولويت ذراعها وأجبرتها على كل شيء تريده, وعرفت ما خلف النقاب وشفيت غليلك منها, ما هي مشكلتك؟

قال بإحباط: المشكلة أنها لا تغضب ولا تتأفف مهمة طلبت منها, أو أمرتها بشيء

قلت ساخرا: تريدها أن تصفعك إذا ما أمرتها بشيء؟

قال: لا بل أريدها أن تناقشني, أن تغضب, أن تصرخ في وجهي, أن تقول حتى لا أنا متعبة, أنا مريضة حتى الآن لم أسمع صوتها جيدا, كل ما ترد به بصوت خفيض, (حاضرة, سأفعل ان شاء الله, كما تريد)

قلت بوجل : آآه, إن كل ما أخشاه أن يكون أحد غيري قد سمع منك هذا الكلام

قال باسما : لا اطمئن, إن نصائحك كطلقة رصاصة, لا تصد ولا ترد, فعندما خرجت من البيت بعد أسبوعين وذهبت إلى الشلة انطلقت أضحك من جديد, واغتاظ شادي مني, ورغم ذلك أكمل الحكاية, فلم يكن له لديه أحد يثق به ولا يحكي له سواي فقال مبررا : كنت مضطرا أن أذهب إليهم, وإلا لزاروني في البيت, حتى تحذيري لهم بعدم الإقتراب من البيت لم يكن ليجدي بعد كل هذه المدة من الغياب, وهنا ستقع كارثة ولا شك بمجرد أن رأوني, احتفلوا بي بصخب وتجنبت بصعوبة مشاركتهم الشراب حتى لا أنكشف عندما أعود إلى البيت وكان أول سؤال عندما جلست بينهم هو ماذا خلف النقاب؟

قال تامر : هيا, أخبرنا, ماذا وجدت خلف النقاب؟

قلت بتردد: ماذا وجدت خلف النقاب؟؟

تصنعت التفكير العميق وكأنني لا أجد أوصافا مناسبة : امممم, أنها جيدة, في المجمل جيدة

رأفت: ماذا تعني؟ أهي جميلة أم لا؟

قلت : احم, آآ.. في بعض الأحيان قد تكون جميلة

تامر بإشفاق : ألهذه الدرجة!

قلت مستنكرا : لا لا لا تفهموني خطأ, أنها جميلة, لديها جمال وليست خالية منه

يضحك رأفت : يبدو أنك شربت مقلبا كبيرا

قلت مدعيا الدفاع عن نفسي: لا, لا تقل هذا فهي جيدة قلت لك

قال تامر : في العادة لا توصف المرأة بذلك الوصف, فهي إما جميلة أو لا

أخذت أحك رأسي وأنا أفكر في فكرة, أية فكرة للهروب من الموقف, أعرفهم جيدا عندما يجتمع الفضول بينهم تذكرت فجأة شيئا قد ينقذني, فهتفت فيهم بغضب : ما هذه المقالب السخيفة؟ كيف تفعلون بي هذا, أهذه هي أصول الصداقة؟

صمت الجميع فجأة مندهشين, فأكملت مدعيا الغضب بعد أن أفلحت في إبعاد تفكيرهم عن زواجي : كيف تفعلون بي هذا؟

قال تامر بحيرة : وماذا فعلنا؟

قلت ثائرا : إنه أنت يا تامر, أليس كذلك؟

قال بدهشة: أنا؟؟ وما الذي فعلته؟

قلت : اتصلت برودي وأخبرتها بأنني تزوجت حاولوا كتم ضحكاتهم للحظات, لكنهم فشلوا وانفجروا جميعا بالضحك فقلت مغتاظا : أتعلمون ماذا فعلتم؟ لقد خربتم العلاقة بيني وبينها, كيف أصلح الأمر الآن؟ وما الذي يمكن أن أقوله لها عندما تعود؟

قال وليد بهدوء : ألهذا أغلقت جوالك طوال هذه المدة؟

قلت : نعم, لقد اتصلت بي ولم أرد, لا شك أنها غاضبة

رأفت : اطمئن, ستنسى سريعا بعد أن تطلق زوجتك وتجدك حرا من جديد

قال تامر ونظرة ماكرة تتراقص في عينيه : أم أنك لن تطلقها؟

نظرت اليه صامتا لا أدري ماذا أقول, فقال بتخابث : لم تخبرنا بعد, هل وجدتها جميلة, أم قبيحة؟

قلت بارتباك : لا, لا انها جميلة, لا بد أن تكون كذلك

نهض وليد فجأة من كرسيه وهو يقول بتأفف : هل سنقضي الليلة في الكلام عن هذا الموضوع؟ شادي, أريدك في خدمة لي ذهبت معه وأنا شاكر له للغاية أن أنقذني منهم

خرجنا من النادي وتمشينا معا نحو موقف السيارات, وقلت متسائلا: لم أنت صامت؟ ألم تكن تريدني في شيء؟

قال ببساطة: لا, لم أكن أريدك في شيء, ولكني شعرت أنك بحاجة للخلاص من الموقف, فأردت أن أساعدك للخروج من هناك ابتسمت مقدرا ما فعله, لا زال وليد هو الأقرب وجدانيا الى أكثر من أي شخص آخر أكثر حتى من تامر شريكي, فعلاقتنا في العمل مادية أكثر منها معنوية, وخارج العمل لا يجمعنا سوى المرح واللهو, لكن يظل وليد هو صديقي الحقيقي الذي يفهمني بسرعة قلت له بغرض السؤال عن أحواله : كيف حالك مع رانيا؟

قال بإحباط : لا شيء, لقد انتهت تلك القصة منذ زمن

قلت باستغراب: كيف تستسلم بتلك السهولة؟ وبعد كل هذا الحب؟ لقد كانت قصة حبكما مضرب المثل في النادي قال بلهجة يائسة : مثلها مثل أية قصة حب أخرى فشلت في النهاية وانتهت

تركت الكلام في هذا الموضوع, فلم أشأ أن أثقل عليه, فوليد هو الرومانسي الوحيد بين أفراد شلتنا, وكم كنا نسخر منه بسبب رومانسيته الزائدة, والآن بعد صدمته في حبه الكبير, أصبح مثلنا تماما, لا يهمه شيء سوى المتعة

وصلنا حيث ركنت سيارتي فقال بسرعة: سلام

قلت : إلى أين؟

قال : سأعود إليهم فلم يعد لي غيرهم

لوحت إليه بيدي مودعا, لكنه استوقفني وأنا في السيارة : شادي

نظرت إليه باهتمام فقال : هل صحيح أنها مقلب كبير؟

ابتسمت له فبادلني الابتسام بصمت وانطلقت بسيارتي وطوال الطريق وفي ذهني فكرة تلح على, ماذا صنعت لي من أطايب الطعام على العشاء؟ وما الذي ستلبسه ونحن نتعشى سويا؟ وأي ألوان ستختار؟

ثم عاد تفكيري يشرد وبدأ يهاجمني الضيق عندما تذكرت أنني لن أسمع منها أية كلمة

ترى, كيف ستكون تلك المرأة إذا ما تكلمت؟ وكيف الحال إذا ما جرت كلمات الحب على لسانها؟ كان صمتها هو أكثر ما يضايقني ترى كيف ستكون العلاقة بيننا إذا ما انطلق لسانها وعبرت بحرية عن مشاعرها؟

كان شادي شاردا تماما وهو يتحدث عنها, وارتسمت في عينيه نظرة لا يمكن أن تفسر إلا بتفسير واحد فقط, فسألته سؤال مفاجئ : لم لم تجب على سؤال تامر؟

عقد حاجبيه بتساؤل: أي سؤال

قلت : هل تنوي أن تطلقها أم لا؟

قال بعد تفكير : لم تسألني هذا السؤال؟

قلت : لأنني قضيت أربعة أشهر كاملة في انتظار نبأ الطلاق وأنا أتساءل كلما مر على يوم جديد ولم يصلني النبأ الذي أتوقعه : ما هذا الفتى! لقد حقق كل ما تمناه, كسر أنفها وسيطر عليها وأذلها, فلم يبقي عليها حتى الآن؟

والآن عرفت السبب, أراه الآن في عينيك

قال ساخرا : وما الذي تراه في عيناي؟

قلت بثقة وخبرة : أرى مشاعر جديدة قد بدأت تنبت بداخلك, خلاف مشاعر الانتقام والرغبة في السيطرة قد تكون ميلا, أو إعجابا, أو أنك قد أدركت أخيرا أنك قد حزت شيئا ثمينا ومن الخبل التفريط فيه بهذه السهولة أعلم طبيعة حفيدي جيدا, فهو عندما يعجز عن إيجاد رد مناسب على كلامي يصمت تماما, وأفهم أنا أنني قد أصبت شيئا بداخله وهذه المرة خرس لسانه, وبقيت أفكر ماذا يمكن أن أقول له ليحفظ النعمة التي هبطت عليه من السماء؟

لكني فجأة انتابتني رغبة قوية فصارحته بها على الفور : شادي, لو طلبت منك طلب فهل تنفذه من أجلي؟

قال كعادته : بالطبع يا جدي, تعلم أننا أصدقاء من زمن وأنا أحبك

قلت بضيق : لا تكرر هذه الجملة أمامي, فأنا أتشاءم منها

قال : حسنا. جرب أن تطلب أي شيء

قلت بلهفة : أريد أن أراها

قال بتساؤل : من تقصد؟

قلت : زوجتك يا بني آدم, هل فقدت الذاكرة؟

قال بتردد : ولكني وعدتها ألا يراها غيري, إنها تخفي نفسها عن كل عين, حتى أنها لم تغادر البيت منذ أن تزوجنا إلى الآن حتى أهلها انقطعت عنهم, فلم أرى أحد منهم من يوم الزواج

قلت بغيظ : أتغار عليها مني يا متخلف!!!

وهل أنا غريب عنها؟ أنا حموها, ولا حرج أن أكلمها أو أرى وجهها

قال وهو يستعد للرحيل : حسنا, أعدك أن أخبرها, ولكن إن لم تأتي فاعلم أنها رفضت

قلت بثقة : اطمئن, فتاة بهذا الخلق لا يمكن أن ترفض دعوة من حموها

(للمرة الثانية صدق توقعك)

هكذا قال لي شادي وهو سعيد عندما زارني في الدار بعد عدة أيام قليلة

قال بمرح : لقد وافقت بسهولة ودون اعتراض, وقالت لي كعادتها كما تريد, وها هي أمامك

وقفت أتأملها بسعادة, فبرغم أنها كانت مغطاة الوجه لكن جمالها كان يبدو لي حتى من خلف نقابها, ربما يبدو لي أنا فقط من خلال عيون شادي أنا الذي أعرفها حق المعرفة وأعرف أخلاقها وأعرف جمالها من خلال الصورة التي ألقاها شادي في عقلي بكلامه عنها

جلسنا حول إحدى الطاولات في ركن بعيد من أركان الحديقة, وسألها شادي : ألن تخلعي النقاب؟ إن جدي ليس بغريب دارت عيناها في المكان, ثم قالت بهدوء : كنت سأفعل, ولكن المكان غير مناسب فهمت ماذا تعني, فقلت لها : ربما لو جلست في مقعدي أصبح الأمر أسهل

تبادلنا المقاعد فأصبح ظهرها للحديقة المليء بالزائرين والمقيمين, ووجهها لسور الحديقة المكسو بالأشجار وهنا فقط رفعت نقابها لأجد خلفه أجمل ابتسامة ود مشرقة, وأدركت من تعبير الدهشة الذي ارتسم على وجه الأحمق حفيدي أنه لم يحظ منها ولو بجزء صغير من تلك الابتسامة الجميلة قلت بصدق : إن ما أخبرني به شادي عنك هو أقل من الحقيقة بكثير, خفتت ابتسامتها قليلا, لكنها قالت بود : أنا سعيدة للغاية أنني التقيت بك, انه حقا شرف لي, وأرجو أن تسمح لي أن أناديك جدي

قلت بود خالص : سأحزن كثيرا ان دعوتني بغير ذلك نظرت إلى الأحمق ضعيف العقل, المسكين حرم نفسه من صوتها الجميل ومن كلماتها الرقيقة الودودة الراقية المجاملة, كان جالسا بجواري مشدوها يتأملها وكأنما لم يرها من قبل, فهتفت به : هل ستقضي اليوم تتفرج علينا؟

قال وكأنما قد فزع لتوه من نوم طويل : ماذا! وماذا تريدني أن أفعل؟

قلت: أحضر لنا بعض العصائر نهض ملبيا, فقلت ثانية : وشاي أيضا, وبعض الحلوى

قال باستسلام : حاضر, أية أوامر أخرى؟

قلت بفرح : لا تحضر أي شيء مما قلته لك, أحضر لنا غداءا فاخرا, هل سمعتني جيدا, فاخرا جدا اسمع, أحضر لنا كباب وكفتة نظرت الى زوجة حفيدي التي اتسعت ابتسامتها حتى أنارت وجهها وقلت بود : أم أنكى تفضلين أسماكا؟ هل تحبين الدجاج؟

قالت وقد ضاقت عيناها من فرط اتساع ابتسامتها : سآكل مما تحبه أنت يا جدي

قلت بسعادة غامرة : أسمعت ما قالت؟

لم يرد على, فنظرت إليه ووجدته يقف شاردا يحملق فيها بصمت من لا يسمع شيء حوله, أما هي فلم تكن تنظر اليه بل كانت تتأمل المكان حولها بتمعن

هتفت به: شادي, شادي, هل صمت أذناك؟

التفت إلى قائلا : نعم, سمعت, أتريد شيئا آخر؟

قلت بلهجة آمرة: كباب وكفتة من أرقي المحلات, وأكثر من السلطات غادرنا شادي, فسألتها بعد أن هدأ الجو : كيف حال شادي معك؟ هل هو حسن السلوك؟ هل يعاملك معاملة جيدة؟

لم ترد سوى بكلمة واحدة وعلى وجهها ابتسام دبلوماسية : الحمد لله ثم أتبعتها بسؤال وكأنما تغلق على باب مناقشة علاقتها بشادي, أو حتى الاقتراب منه لحظتها أدركت كم هي ذكية للغاية وحساسة ولا تنزلق بسهولة خلف أية كلمة حانية تقال لها, وأن حياتها الخاصة عصية على الاقتحام هنا فقط, قررت أن أكسب صداقتها بصرف النظر عن علاقتها بحفيدي إن كانت جيدة أم لا أما السؤال الذي سألته فهو : لم لم تطلب الطعام من مطعم الدار؟ أهو سيء, وليس على المستوى المطلوب؟

أخذت السؤال بظاهرة, وأجبت بطريقة عادية, لكنني لم أفهم المغزى الحقيقي من سؤالها إلا عندما أدركت أنه مجرد بداية لسلسلة متدرجة من الأسئلة التي انتقتها بعناية وبألفاظ غاية في الذكاء والرقي, وكأنما هو حوار يتسلي به اثنان لأول مرة يلتقيان, فأخذت تسأل عن كل جزء من الدار التي أقيم فيها, من الحديقة إلى الحمامات إلى المطبخ والطعام, مرورا بالنزلاء والعاملين والمشرفين, ولم تنسى أن تسألني عن مرضي المزمن وعلاجي وطبيب الدار الذي يباشرني إلى أن وصلت في النهاية إلى السؤال الذي كان هو الهدف الأساسي الذي قطعت له كل هذا الطريق من الأسئلة والحوار الودود

فقد سألتني في النهاية : هل أنت مرتاح في هذا المكان يا جدي؟ هل هو حقا الأنسب لك

صمت ولم أرد, فقد كنت متعجبا للغاية, فالفتاة الشابة التي ألتقيها لأول مرة في حياتي سألتني سؤالا لم يسأله لي حفيدي الذي هو زوجها, بل لم يسأله ابني الذي خرجت من بيته شبه مطرود من سنوات لم يهتم أي من أفراد عائلتي أن يسألني ذلك السؤال البسيط, (هل أنت مرتاح في هذا المكان؟)

وما جعلني أكثر تعجبا أن الفتاة بذلت جهدا كبيرا, وأدارت حوارا طويلا, حتى يأتي السؤال بصورة طبيعية دون أن يجرح مشاعري لم أجيب على السؤال, فقد وصل البائس المعتوه بالطعام, والتهينا فيه وفي التحدث في مواضيع عامة, لكن ذهني كان مشغولا تماما بحفيدي, أيمكن أن يكون ذلك المسكين قد خسر قلب تلك الحورية التي من قلب الجنة؟

عندما كان يحكي لي عنها ظننت أن برها وطيبتها وحنانها وخلقها لأهلها وعائلتها فقط

لكن ما رأيته اليوم منها كان يفوق تصوري, فهي تهتم وتتأثر وتحنو ليس فقط على أقربائها, بل على أنا أيضا مسكين شادي.. أين هو من كل هذا الحنان والرحمة التي تنضح من جوارحها على الآخرين!!! هل له نصيب من كل هذا, أم أنه قد حرم نفسه بغبائه لتتحول الحياة بينهما الى روتين جامد بلا مشاعر حقيقية كان النهار الذي قضيته بصحبة هذين الشابين هو أجمل ساعات مرت على منذ زمن طويل, طويل للغاية فلأول مرة أشعر بأن هناك أحد يهتم لي ويحنو على ويحرص على صحبتي يهتم إن كنت سعيدا ومرتاحا أم لا ولو حتى كان مجرد سؤال في نهاية اليوم, دعتني لزيارتها في بيتها, وألحت على بقوة أن تكون الزيارة قريبا

كنت سعيد للغاية بدعوتها, لكن هذا لم يمنع عقلى من التفكير من جديد في أن الدعوة لم تأتيني من حفيدي, بل منها هي لذلك قررت في نفسي ألا أدخل بيت حفيدي أبدا حتى لو حاول أن يحسن موقفه أمامها ويقول جملته التي تعفنت من كثرة تكرارها : يجب أن تأتي, تذكر أننا أصدقاء منذ زمن وأنا أحبك نظرت إليه نظرة فهمها هو جيدا, مفادها أنني لن أدخل لك بيتا أبدا ما حييت, فصمت تماما وبدا عليه الإحراج لكنني انهرت في لحظة واحدة أمامها, وبدلت رأيي من أجلها, وألقيت بقراراتي عرض الحائط عندما سلمت على بحرارة وانحنت أمامي وطبعت قبلة احترام وتقدير على ظهر يدي وهي تقول : سأنتظرك يا جدي, لقد وعدتني ولن تخلف وعدك, أليس كذلك؟

من المستحيل فعليا أن أقابل فتاة تحمل هذا الخلق الرفيع والذكاء الطيب والروح الرحيمة الحنون وأرفض لها أول طلب تطلبه مني قلت وأنا أخفي الدمع بين جفوني : سآتي, حتما سآتي

نظرت إلى الأحمق زاجرا : ليس من أجلك, بل من أجل تلك الحورية من الحور العين والتي ضلت طريقها الى الجنة لتهبط في بيتك أنت أيها البائس الفقير

تململت ولاء في جلستها وظهر في وجهها عدم الرضا

فسألها عم محمد: ما بك؟ هل هناك ما يسوء؟

قالت : لا يعجبني هذا

قال : وما الذي لا يعجبك؟

قالت : تحويل البشر إلى ملائكة لا يخطئون, وإضفاء صفات الملائكة عليهم, البشر خطاءين, مهما بلغت نسبة التزامهم واقترابهم من الله

قال بهدوء: سأسألك سؤال: عندما تحبين شخصا ما, كيف يكون هذا الشخص من وجهة نظرك؟

قالت بسرعة : ملاك نازل من السماء

قال : هكذا كانت فاطمة في عيني, حورية من الحور العين حظي بها حفيدي إن الحب يصغر العيوب إلى درجة أن ننسى وجودها

قالت بعدم اقتناع : ولكنك لم تلتقيها سوى يوم واحد فقط

قال : هل سبق لك أن أحببت شخصا بلا سبب بمجرد أن قابلتيه لأول مرة

قالت : حدث لي ذلك مرات عدة, وخاصة مع الأطفال

قال : إذا فالحب لا أسباب محددة له, بل هو هبة من عند الله يهبها لعباده الصالحين ومن يحبهم

فكما جاء في الحديث الشريف

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا أحب الله تعالى العبد، نادي جبريل، إن الله تعالى يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض )) متفق عليه

وكما قال عن موسى عليه السلام ((وألقيت عليك محبة مني))

إن فاطمة من هذا النوع, أضيفي لهذا شخصيتها الرائعة وصفاتها الحميدة وحنوها على الآخرين

قالت : بالتأكيد هي أيضا لها أخطاؤها, يكفي أنها لا تعامل زوجها كما يجب أن يكون

قال عم محمد بدهشة : ومن قال هذا!

ولاء : أنت قلت, وهو قال لك أنها في البيت صامته هادئة إلى درجة الموت, وفي الخارج متحدثة لبقة وشخصية رائعة وصوت شجي, أليس هذا تناقض!

عم محمد : ألم يخطر ببالك أنه قد يكون هو المسئول عما وصلت إليه العلاقة بينهما؟

قالت : بالتأكيد, ولكن بعد مرور شهور على الزواج أصبح الاثنين من مسئوليتهما إنجاح الزواج واستقرار البيت, وإذا كانت متدينة فعلا يقع عليها العبء الأكبر في إصلاح الأمور, كان عليها أن تستغل أنه بدأ يميل إليها ويسلم لها مفاتيح قلبه

قال بابتسامة : لا زلتي متسرعة, لا تحكمي على الأمور بظاهرها

قالت مستسلمة : حسنا, وماذا أفعل الآن؟

قال : تسكتي تماما وتدعيني أكمل الحكاية

قالت بمرح : سمعا وطاعة, أكمل يا عماه

أكمل الحكاية قائلا : لبيت الدعوة سريعا بعد عدة أيام, وكانت صاحبة البيت مضيافة ومتحدثة لبقة وربة بيت ماهرة تحسن تضييف الضيف, كانت تعاملني بحفاوة كبيرة كما لو كنت أقرب أقربائها, لكن ما حز في نفسي أن حفيدي كان صامتا تماما, يكتفي بمراقبة ما أمامه ببرود, أما هي, كانت تبدو عادية معه ولو لم أكن أعلم ما بينهما لمر الأمر عاديا دون حتى أن التفت اليه, ولكن الصورة المسبقة التي في رأسي جعلتني أعد الكلمات والحركات والشاردة والواردة وكأنما أحاول التأكد من كلام حفيدي عنها, لذلك فقد لاحظت أنها حقا مقلة معه في الحديث فلم تحدثه بربع الكلمات التي تحدثت معي بها ويمر الوقت الساعة تلو الأخرى وكلما حاولت الاستئذان للرحيل, أجدها قد حاصرتني بأسلوبها اللبق وكلماتها اللطيفة, وتبقيني بحجج واهية وأنا مستسلم لها مستمتع بصحبتها وكلما نظرت إليها تهاجمني أمنية حسيرة تظل معلقة في قلبي لا أستطيع البوح بها, فقط لو أن هذه الفتاة الرائعة من دمي,أي ابنتي أو حفيدتي, ثم أتذكر أنها زوجة حفيدي الفتى الضائع أحبه نعم, ولكني استخسرها فيه, وأدركت أن الأمنية لو تحققت بالفعل وأن هذه الفتاة كانت من دمي حقا,لما رضيت به زوجا لها, فالواقع المرير أنه لا يستحقها أبدا دخل الليل, وعلى المغادرة والعودة إلى الدار, ولكن في قراره نفسي أستأنس بصحبتهما كثيرا وأتمنى لو طالت أكثر, ولكن على الرحيل حاولت هذه المرة أن أكون حازما قدر ما أستطيع وأرفض دعوتها الكريمة بالبقاء وقضاء الليل في غرفة الضيوف حقا حاولت بجدية, لكنها كانت قوية في دعوتها وتمسكها برأيها, وأصرت ألا أرحل ليلا, فالنهار له عينان كما قالت, وأنها فقط مسافة الليل القصير نظرت إلى حفيدي الأبله الذي لم ينطق بكلمة واحدة, ولم يعلق على كلامها بالرفض أو القبول وتعجبت تماما, شادي الذي لم يكن أحد يستطيع فرض شيء عليه, وأن صوته من رأسه كما كان دائما يقول, ولكم كان عناده سببا في تفجر الكثير من المشكلات في محيط العائلة لم يعترض ولو بكلمة واحدة على رأيها ولم يؤيده أيضا, بل تركها تفعل ما تشاء وأنا أيضا تركتها تفعل ما تشاء وقضيت الليلة في حجرة الضيوف بعد أن جهزتها لى ولم تكف لحظة عن سؤالي : أينقص شيء؟ أتحتاج إلى شيء؟

وابتسامتها الواسعة الممتلئة بالحفاوة والحنان قبل كل هذا وبعده وقضيت الليل سعيدا هانئا وأنا أشعر بأن هناك من يهتم بي ويحنو على ويقدم لى ما يستطيع ليسعدني بعد أن أصبحت شيخا مسنا على هامش الحياة لا يحتاجني أحد, ولا يسعى إلى أحد لحاجة له

إنما هذه الفتاة تفعل كل هذا وهي تدري أنها لن تكسب من ورائي شيء كنت حقا سعيدا للغاية وحظيت بنوم هادئ عميق لكن في نفس البيت هناك من كان قلقا والدهشة تغرقه, فلأول مرة يرى الأحمق ذلك الوجه الجديد من زوجته, وكما روى لى فيما بعد أحداث هذه الليلة التى لا يمكن أن أنساها فقد بدأها بسؤال وهى تجلس بجواره على الفراش بعد أن استعدت للنوم وتوقع كعادتها ألا تجيبه سوى بكلمة أو كلمتين فقط : يبدو أنك قد انسجمتي مع جدي؟

لكنها بدلا من أن تجيب على سؤاله, سألته سؤال مفاجئ لم يكن يتوقعه: هل ستترك جدك يعيش وحده في دار المسنين؟

فوجئ تماما بسؤالها الغريب, فلأول مرة يثير أحد أمامه ذلك الموضوع وبتلك الطريقة

قال بعد صمت حاول فيه أن يستوعب الأمر جيدا ويجيب بحيث لا تصبح إجابته مثارا للانتقاد : وما الخطأ في ذلك؟ إنه يعيش هناك منذ سنوات, وهو سعيد ومرتاح, كما أنه لم يشتكي أو حتى يطلب أن يعود إلى بيت ابنه قالت بجدية : لكنه غير مرتاح هناك ولا سعيد, كما أنه مريض كما عرفت منكما بمرض مزمن, ويحتاج لمن يراعيه في شيخوخته وينظم له جرعات الدواء ويهتم به وبصحته, على الأقل إن اشتدت عليه أعراض المرض فلا يجب أن يجد نفسه وحيدا بين أغراب

قال بدهشة : كيف تفكرين في كل هذا, إن أهله وعائلته لا يفكرون بهذه الطريقة

صمتت ولم ترد, وصمت هو بدوره تاركا مساحة واسعة لعقله يفكر فيها, ولكنه قال بعد مدة : وماذا يمكن أن أفعل أنا! إن العلاقات متوترة للغاية بينه وبين أمي, ولن يقبل بالعيش معها ثانية, وهي أيضا ترفض عودته للبيت أما أنا فلا يمكن أن أتدخل فهي لن تقبل مني أية كلمة, فهي تقاطعني منذ..منذ...

صمت ولم يكمل, لكن الكلام واضح ولا يحتمل سوى تأويل واحد

زفر بضيق ثم قال : خلاصة الموقف أنه ليس بيدي شيء لأقدمه له

قالت بهدوء : على العكس, بيدك أشياء كثيرة لم يفهم ماذا تقصد, أو لم يكن يتخيل ما ستقوله أو يخطر له ببال, فقال متسائلا : مثل ماذا؟

قالت : بيديك بيت واسع يمكن أن يضمه, بيديك حب ورعاية تستطيع أن تقدمها له, على الأقل لو هاجمته أزمة مفاجئة ليلا فسيجد من يجرى ويتعب ليحضر له الطبيب والدواء

قال بذهول : أتقصدين أن يعيش معنا هنا!!!!!

هذا لا يمكن

قالت بهدوء : ولكنى أراه الحل الوحيد المنطقي للأمر, فهو يحبك ويعتبرك أقرب أحفاده اليه, بل أقرب إنسان له في عائلته, وأنت أنعم الله عليك بالمسكن الواسع والسعة في الرزق فما المانع؟

هتف بانفعال : لا يمكن, إن ما تقولينه مستحيل

صمت قليلا ثم تذكر شيء قد يفلح في إثنائها عن رأيها: وأنت, أنت كيف ستتحملينه؟ هل ستقضين نهارك وليلك في تمريض رجل مسن

قالت مباشرة وبشكل قاطع أدهشه كثيرا : أنا موافقة

صمت من المفاجأة, ثم بدأ يغلي بالغضب الغير مبرر, وقال بحدة وهو يحاول قدر ما يستطيع أن يخفض صوته حتى لا يخرج من غرفتهما: أنا لا أفهم!!! لا أفهمك !! لا أفهمك أبدا!!!! كيف تفكرين بهذه الطريقة وتتصرفين مثل هذه التصرفات؟

ليس هناك فتاة في عمرك تفعل هذا!!

قالت بهدوء مستفز : على العكس, هناك ملايين من الرجال والنساء يفكرون بهذه الطريقة ويتصرفون هكذا, بل ويعتبرون أن مثل هذه التصرفات هي الواجب والأصول, ولكن يبدو أنك لم تقابل أي منهم

قال بعناد : الفتيات عادة يفضلن الحياة في بيتهن وحدهن دون أن ينغص عيشهن أحد

قالت ببرود : ربما في وسطك الذي تعيش فيه, ولكن في وسطي الفقير المتواضع لم يعد هذا من أولويات الفتاة, واعلم أن أختي تزوجت في غرفة واحدة في شقة عائلة زوجها التي مساحتها أقل من مساحة هذه الشقة التي نعيش فيها, ولديها طفلان وهي تعيش سعيدة, ولم أسمعها يوما تشكو وهذا الرجل المسن المريض النائم في غرفة الضيوف هو حموي, ومن أول واجباتي كزوجة أن أساعد زوجي على بر ذوي رحمه ورعاية أهله صمت ولم يستطع الرد بعد أن أفحمته من جديد, وصمتت هي أيضا في انتظار أن يعمل عقله في الأمر ويقلبه على كافة الأوجه

لكن عناده هزم عقله, فقال بانفعال: لا, لا يمكن, لن أوافق, سأجد حلا آخر, أما ما تقولينه فهو مرفوض بصورة قاطعة, سأدفع له أجر ممرضة تمرضه, أو خادمة تخدمه

قالت بهدوء شديد محاولة امتصاص غضبه: رائع, هذا حل مثالي

هدأ قليلا واسترخى في الفراش, فأكملت هي بهدوء أشد : وما المانع أن تفعل هذا وأنت تضمه تحت سقف بيتك نظر إليها بذهول غاضب فأكملت هي دون أدنى انفعال : يبدو أنك تعلم جيدا من أين ينفق جدك, وهل تكفيه نفقاته وموارده المالية, أم يعيش على الكفاف دون أن يشكو

هاجمته رغبة ملحة أن يصرخ في وجهها, أن يعبر عن غضبه العنيف من كلماتها, أن يقول حتى (لا شأن لك)

لكن شيء في كلماتها أو أسلوبها عقد لسانه وألجمه تماما فصار أخرسا أمامها كل ما فعله هو أن أزاح الغطاء بعصبية واعتدل في الفراش متحفزا لمعركة معها لكنه لم يستطع أن ينطق أبدا, واستغلت هي صمته جيدا فقالت بأسلوبها الهادئ : أتدري, عندما كنا عنده في الدار, ذهبت الى دورة المياه لأغسل يدي بعد الطعام, وعندما وصلت إلى مبنى الإدارة سمعت العاملين هناك يتحدثون بصوت مرتفع عن نزيل في الدار مات من أسبوعين, مات ليلا ولم يدرى عنه أحد إلا في صباح اليوم التالي, مات وحيدا هل تعتقد أن قصة كهذه يمكن أن تؤثر في نفسية جدك, أم أنه لا يبالي مثل الآخرين!

أخيرا استطاع أن ينطق فقال بلهجة تمتلئ استغراب ومرارة في نفس الوقت : لماذا! لماذا تفعلين كل هذا!!!

قالت بجدية : لأن هذا من حسن البر

هتف بضيق : لكن ابنه وعائلته لا يهتمون كما تهتمين أنت! إنه ليس من عائلتك ولا من دمك, ولن يلومك أحد إن لم تفعلي هذا!

قالت بعمق: لا أبالى كثيرا بلوم الآخرين, فكل نفس بما كسبت رهينة

هتف بغضب وشعور بالدونية بدأ يغزو أعماقه ويتسبب له في غضب عارم يطغى على عقله : هلا كلمتينى بالعربي قالت وهي تفكر في طريقة تفهمه بها : عربي! امممم

أخذت نفس عميق ثم قالت دون أدنى انفعال : الأمر ببساطة هو أن عليك أن تشتري قطعة أرض صغيرة في مكان جميل وراقي, وتبنيها على أحدث طراز, وتؤثثها بأفضل أثاث, وتستأجر لها مجموعة منتقاة من أفضل الموظفين والعاملين والمشرفين وتصنع منها دارا للمسنين جميلة ومريحة لتؤويك عندما تكبر ويتخلى عنك الجميع أحلاما سعيدة ونوم هانئ

أدارت وجهها ووضعت رأسها على الوسادة وهدأت تماما وتركته يغلي وينتفض من الغيظ

تعجب عندما نظر الى الساعة الموضوعة على الطاولة الصغيرة التي بجوار الفراش وقد وجد الوقت قد تأخر كثيرا, فضحك ضحكة هازئة قصيرة تمتلئ بالسخرية المريرة والغيظ : يا الهي! لو جمعت عدد الكلمات التي سمعتها منك منذ أن تزوجنا من أربعة أشهر لعددتها على أصابعي, والآن نحن نتناقش منذ أكثر من ساعة ونصف, ولم يكف لسانك عن الكلام والمجادلة

ولكني أحب أن أطمئنك, لست بهذه الدونية لأترك جدي جائعا في دار للمسنين بلا مال

جدي يدفع إيجار الدار بانتظام و معاشه وأملاكه يضمنون له حياة كريمة لمدة طويلة كما أن عمي عرض عليه أكثر من مرة أن يرسل له تأشيرة هجرة ليعيش معه في الخارج, لكنه يرفض أن يغادر مصر, لديه كل الفرص ليختار أين سيعيش, في بيته أم في بيت ابي, أو عند عمي أو في الدار قالت بحسم دون أن تلتفت إليه : هو لديه الفرصة ليختار, أما أنت فقد اخترت بالفعل

كاد أن يستمر في الجدال لكنه لم يستطع, ففضل أن يصمت, فهذه الفتاة التي ترقد بجواره لا حل لها, إن أرادت الصمت لما استطاع مخلوق أن يخرج منها كلمة, وإن أرادت الكلام والجدال فلن يستطيع الانتصار على منطقها وحجتها أبدا ألقى برأسه على الوسادة لكن النوم أبى أن يأتيه

كانت كلماتها تدور في رأسه تحرك عروق القلق والغضب والغيظ, وما أثار غيظه الشديد هو أن أول مرة ينطلق لسانها معه يكون هذا الحوار السخيف والجدل المثير للأعصاب لكن آخر كلمة قالتها هي التي ظلت في عقله حتى الصباح(أما أنت فقد اخترت بالفعل)

ما الذي اختاره؟ وما علاقته هو ليختار لجده أو يفرض عليه رأيه؟

لكنه في النهاية توصل لمعنى أطار النوم من عينيه وأشعل الضيق والغيظ في قلبه, هل كانت تقصد أنك قد اخترت أن تتخلص من جدك وتلقي بعبئه إلى آخرين ولو كانوا غرباء عنه؟

لو وضع تلك الجملة إلى جانب بقية الجمل التي كانت ترشقه بها منذ بداية الحوار لصار الأمر كقطعة بازل ناقصة في لوحة لن تكتمل إلا بها

وأخيرا هزمه النوم

أخيرا هزمه النوم, لكنه لم يستمتع به, ولم يشبع منه, ففي الصباح الباكر أيقظته يداها, تمنى لو صرخ في وجهها, أو صفعها, أو خنقها بيديه, فهي التي أطارت النوم من عينيه طوال الليل, وهي الآن التي تحرمه من الاستمتاع به لكنه من جديد يصمت أمام ذلك الوجه الصبوح, ورغم أنها نادرا ما كانت تبتسم, إلا أن جمال عينيها وحده بألف ابتسامة

قالت بصوت هامس قلق : عليك أن تنهض الآن قال وهو يحاول أن يفتح عيناه بصعوبة : ماذا حدث؟

قالت باهتمام : جدك يستعد للرحيل الآن اعتدل في الفراش وأزاح الغطاء وأخذ يفرك في عينيه وهو يسألها : لم! كم الساعة الآن؟

قالت: الثامنة

ثم أكملت بصوتها الهامس ولكن بحزم : عليك أن تستبقيه, إنه حتى لم يتناول إفطاره, لم يشرب كوبا من الشاي كان عليه العودة للنوم من جديد, فهو أكثر من يعرف عناد جده وتصلب رأيه, لن يستطيع أن يثنيه عن إصراره, كما أنه لم يأخذ قراره بعد في حديث ليلة أمس

لكن شيء ما منعه من النوم, أهو صوتها الهامس الآمر الذي لا يقاوم! أم جمالها الآسر!

أم تلك الصورة الجديدة التي رآها عليها ليلة أمس, صورة المناضل العنيد الذي يدافع عما يؤمن به باستماتة لم يعلو صوتها, ولم تغضب, ولم تتلفظ بأي لفظ عنيف, كانت هادئة إلى أبعد الحدود, ولكنها أيضا كانت قوية وعنيدة في تمسكها برأيها صورة أشبه بالصورة التي رآها عليها أول مرة, ولكن مشاعره هذه المرة مختلفة تماما, لم يعد بداخله أية رغبة للانتقام على العكس, كانت هناك مجموعة كبيرة من المشاعر عجز أن يحدد أي منها أو حتى يفهمه, كان كل شيء مختلط في عقله, لكن ما وضح إليه في تلك اللحظة هو أنه مستحيل أن يؤذيها أو يجرح مشاعرها , كان مستسلما ليديها بشكل عجيب وهي تجره من الفراش وتدفعه نحو الحمام ليغسل وجهه ويفتح عيناه ويفيق أسند كفاه إلى طرفي الحوض, وفتح الصنبور وسال الماء أمامه, لكنه لم يتحرك وأغمض عيناه ولما وجدته هي ساكنا وعيناه مغمضتان, أخذت تحثه بكلماتها : هيا, جدك سيرحل الآن,سيخرج إن لم توقفه لم يبدو عليه أية حركة, كان الدوار الذي في رأسه يبقي عيناه مغمضتان, ولم تجد هي حلا إلا أن تملأ كفها بالماء وتنضح على وجهه برفق

انتفض من المفاجأة وفتح عيناه على وسعهما, فلم يتوقع أبدا تصرفا كهذا يصدر منها

هتف محاولا إبعاد يديها : حسنا, حسنا لقد استيقظت لكنها استمرت تنضح الماء على وجهه بإصرار, وكفها يمسح وجهه حتى تأكدت أنه أفاق

أغلقت الصنبور وسحبت المنشفة من خلفها وناولتها إياه, فتناولها منها ووقف ساكنا لا يتحرك ووجهه يقطر بالماء كان شاردا يتأمل ذلك الوجه الملائكي وهو يفكر في كلامها وتصرفاتها

وبقدر تعجبه من تصرفها هذا الذي قامت به لأول مرة, لكنه كان متعجبا أكثر من نفسه, كيف سكت ولم ينفعل أو يغضب والماء البارد يجري على وجهه بعد أن أيقظته من نومه الذي لم يهنأ به؟

والأشد عجبا هو استسلامه التام لها ولما تطلبه منه دون أن يستطيع الاعتراض وكأنما هو منوم مغناطيسيا أرادها أن تظل واقفة أمامه لأطول وقت ممكن, أراد أن يستمتع بتأمل تلك الملامح الوديعة دون أن يعكر صفوها خوف أو غضب أو ضيق أو قلق لكنها قطعت عليه لحظات شروده قائلة : هلا انتهيت من فضلك, أخشى أن يكون جدك قد وصل إلى سلم العمارة

خرجت من الحمام , وأمسك هو بالمنشفة وأخذ يجفف وجهه بعصبية وشعور بالضيق يستولي عليه خرج خلفها بصمت, وألقى بالمنشفة على الفراش, وخرج إلى الصالة ليجدني, وقد ارتديت حلتي استعدادا للرحيل هتف بي : يا جدي, ما هذا البكور!ألن تنتظر حتى نتناول إفطارنا سويا؟

التفتت فاطمة إليه وعلى وجهها تعبير غاضب أخفته سريعا حتى لا ألاحظه, واندفعت تقول بإصرار: أخبرني يا جدي بصدق, هل ضايقك شيء وأنت هنا معنا؟

قلت بدهشة: بالتأكيد لا

قالت برجاء: هل أزعجناك أو تثاقلنا عليك

قلت: لا يا صغيرتي, لم تقولين هذا!

قالت : إذا فأنت لا زلت تعتبرني غريبة عنك

قلت نافيا: تعلمين أن هذا ليس صحيحا

قالت بعتب : إذا لم تريد أن تتركنا وترحل؟ إن مكانك هنا, وإن لم تحملك الأرض فمكانتك في قلوبنا وعيوننا عظيمة يا إلهي! كيف يمكنني مقاومة ذلك الأسلوب الآسر!!!

صمت تماما أمامها محاولا السيطرة باستماتة على ذلك الشلال الهادر من مشاعر الأبوة الذي انفجر في قلبي تجاهها بعد أن ظننت أنه نضب تماما في السنوات الأخيرة, وابتلعت الدمعة التي تصر على الخروج من بين جفوني, ويبدو أن شادي أيضا تأثر فقال جملته العقيمة التي طالما كرهتها : جدي, عليك أن تبقى, تعلم أننا أصدقاء منذ زمن وأنا أحبك نظرت إليه نظرة يفهمها هو جيدا, وقلت في محاولة يائسة لإيجاد أي تبرير يخرجني من البيت (وكنت أتمنى غير ذلك) : أعلم طبع حفيدي جيدا, يحب الحرية في بيته ولا يريد لأحد أن يقيده بشيء انتفض شادي وقال بسخرية تمتلئ بالغيظ الشديد : شكرا, شكرا, أسديت إلى خدمة عظيمة, وأكدت الصورة التي في ذهنها عني ضحكت ولاء بشدة, فأكمل الجد مبررا : وقتها لم أكن أعلم ما دار بينهما بسببي أثناء الليل, ولم أكن أدرك أنني بهذا أصنع منه صورة غاية في السوء في عينيها ولكني استنتجت ذلك من خلال كلماته المغتاظة

أما هي فلم تبالي بكل هذا, بل ازداد إصرارها وتمسكها بموقفها وهي تقول : جدي, أرجوك, إن كنت حقا تعتبرني من أسرتك ولست بغريبة عنك, فيجب أن تبقى معنا من داخلي استسلمت لها تماما قلبا وعقلا, ولكن يبقى شادي

نظرت إليه متسائلا فقال : نعم, يجب أن تبقى معنا, على الأقل حتى تصلح صورتي أمامها وتفهمها أنني لست نذلا يبيع جده لا أحد يفهم شادي مثلي, وعندما نظرت في عينيه أدركت أنه قد اقتنع بالفعل ببقائي معهما, ولكني استدركت قائلا : لكن أغراضي كلها في الدار, ودوائي, والـ...

قاطعتني بحماس كبير : شادي سيذهب الآن ويحضر كل أغراضك من الدار

نظرت إلى شادي الذي بدت عليه علامات الدهشة وقالت : أليس كذلك؟

قال : هه!! ماذا قلتي, لم أسمع جيدا؟

ردت بسرعة : أقول أنك ستذهب الآن إلى الدار وتحضر الأغراض

قال بتمثيل : لم أسمعك جيدا ولكن أظن أنكي قلتي شيئا قبل هذه الجملة

قلت : ما بك, هل صمت أذناك؟

هتف : انتظرني قليلا, لقد هلت بركاتك على هذا البيت من أول يوم, فلأول مرة أسمع اسمي يتردد هنا وبهذه الطريقة

نعم, ما كنت أتخيل أبدا أن الحياة بينهما على تلك الصورة, روتينية الى أبعد الحدود وخالية تماما من دفء المشاعر

ويوما بعد يوم كنت أفهم أن اعتراض شادي على وجودي لم يكن رفضا لي, بل ربما أنه لا يريدني أن أرى المدى الذي وصلت إليه العلاقة بينهما

علاقة غريبة لم أرى لها مثيلا من قبل, ربما هي أشبه بعلاقة أمة بسيدها من زوجة بزوجها

كانت طائعة له في كل شيء, ولكن لم يكن هناك تواصل بينهما في المشاعر أو الحوار, كان الكلام بينهما مقطوعا, وإن بدأ هو حوار تقطعه هي

يظهر بوضوح شذوذ الصورة عندما نتواجد أنا وهو في البيت في نفس الوقت كان الكلام والحديث والحوار كله موجه لي, أما هو فلا يحظى منها بغير كلمة أو كلمتين

تململت ولاء وظهر في تعبيرات وجهها الضيق وعدم الرضا, لكنها لم تتكلم حتى لا تقطع استرساله في الحكاية لكنه لاحظ ضيقها فقال: ما بك؟ تضايقتي أليس كذلك؟ وإن قلت لكي أننا كنا نتضاحك في أحيان كثيرة ونشاهد التلفاز سويا فأذواقنا متقاربة فيما نشاهده كنا نتناقش طويلا في أخبار العالم والبرامج الحوارية ومواضيعها المثيرة, ونلعب الشطرنج سويا في بعض الأحيان, وكانت تعطيني الدواء بانتظام والحقن بنفسها فقد تدربت عليها عندما كانت تعطي لأبيها الحقن وهو مريض كنا معا نشكل دائرة منسجمة هو خارجها أدركت من كل هذا أن جوارحها فقط معه, أما قلبها وعقلها ففي وادي بعيد تماما عنه, وكان هذا ما يحز في نفسي بشدة, ولكم بت الليالي مؤرق أبحث عن حل لهذه المعضلة, فهو حفيدي الذي أحبه كثيرا ويسعدني ابتعاده عن شلة الفساد التي كانت تلاحقه, فلم يعد يسهر معهم يوميا كما كان, بل يكتفي بيوم أو يومين في الأسبوع لكن تلك البرودة الثلجية التي تسري في حياته قد تجعله يمل ويعود إلى ما كان عليه من قبل وما أهمني أكثر أنه قد يطلقها مثلا, وعندها سأفقد تلك الابنة الحنون التي ظهرت لي على الكبر ولكن, لم أكن أجرؤ أبدا على التدخل في حياتها الشخصية, فبرغم معاملتها الممتازة لى, لكنها لم تناقش أبدا علاقتها بشادي أمامي أو تتحدث عنه, كانت تتعامل مع الأمر بتجاهل غريب, وبعد كل ما فعلته لأجلي, ما كنت لأضايقها أو أقتحم حياتها رغما عنها لكن شادي أظهر لي بعضا مما يعانيه عندما عاد من عمله يوما وسمع صوت ضحكاتها تتردد ونحن نلعب الشطرنج وهو يفتح باب الشقة بمفتاحه, ورأيت في عينيه نظرة غريبة لأول مرة أراها, حاول أن يداريها خلف ابتسامة مفتعلة لم تجدي نفعا جلس بجواري على الأريكة ووضع على الطاولة الصغيرة التي بجوار الأريكة اللابتوب والسترة وسلسلة المفاتيح

ولاحظت أنا وهو أنها صمتت تماما مع دخوله, قال بصوت بدا لأذني أن فيه رنة يأس قوية : من الجيد أن يدخل الإنسان إلى مكان ويسمع الضحكات تتردد فيه

نهضت فجأة من كرسيها, فقلت بدهشة : إلى أين؟

قالت سأعد الغداء بسرعة تناولت السترة والجوال والمفاتيح وأمسكت اللابتوب, ولكنه أمسك معصمها وقال بهدوء فيه رنة رجاء : فلينتظر الغداء, لست جائعا, أكملي دور الشطرنج

قالت بآلية كبيرة : إنه موعد الغداء

سحبت معصمها من كفه وحملت أغراضه وذهبت لتضعها مكانها, فهتفت قبل أن تخرج من الغرفة : ودور الشطرنج!!!

قالت وهي تغلق الباب خلفها : اعتبرني مهزومة

بمجرد أن أغلقت الباب زفر شادي بضيق كبير قلت بسخرية لم أكن في الواقع أقصدها : ما بال ساحر النساء! أيعجز عن كسب قلب زوجته!!

قال بسخرية مريرة : يبدو أن سحري نضب, هلا أخبرتني من أين لك بكل هذه الجاذبية! ومن أين أحصل على بعض منها؟

قلت بدهشة : أنت جاد حقا!!!

قال بيأس : لا أدري كيف أتصرف معها؟

قلت بتعاطف: أخبرني يا ولدي, هل هي زوجة صالحة, أم أنها لا تطيعك؟

قال : أخبرتك من قبل أنها تمارس دورها بمثالية كبيرة, تطيعني نعم, لكنها طاعة كالأفلام القديمة, طاعة سي السيد, أو بمعنى آخر طاعة العبيد أتعلم أنك منذ أن جئت إلى هنا وأنا أكاد لا أعرفها كما لو أن روحها أزهرت وتجددت مشاعرها, أصبحت تضحك وتثرثر وتعبر عن ما تحب وما لا تحب

قلت : لم لا تغير من أسلوبك معها؟ أين هي شخصيتك؟

قال بيأس : لا شيء يجدي معها, أنا شادي الذي كانت تجري خلفه أغلب نساء النادي أعجز عن إضحاكها أو إسعادها

أخبرني كيف تفعل أنت ذلك!!

قلت وأنا أتألم لأجله من داخلي: كل ما أستطيع أن أقوله لك هو أنها فتاة طبيعية للغاية, قد تكون مختلفة عن كل من عرفتهن قبلا, ولكن انظر في نفسك أنت, ربما يكون أسلوبك هو الغير طبيعي

هتفت ولاء بغيظ: لا يمكن أن تكون فتاة طبيعية, إن ما تحكيه لهو منتهى التناقض, لا يمكن أن تكون فتاة ملتزمة فاهمة لدينها وتعامل زوجها بهذه الطريقة

قال برنة حزينة: أتعجبين لتصرفاتها؟

قالت بغيظ: لا يمكن أن تستمر الحياة هكذا

قال بأسى : ليت الأمر قد استمر هكذا

كنت أحدث نفسي كل يوم وأنا أرى فترات صمتها تطول , وبعد أن كانت تجلس بصحبتي أغلب النهار أجدها تنسحب لغرفتها بحجج مختلفة بعد أن تقوم بواجباتها المنزلية على أكمل وجه وتعطيني دوائي وحقني وتسألني كعادتها أتحتاج لشيء؟

كنت أراها كزهرة تذبل تدريجيا, وحاولت كثيرا أن أسألها عما بها, لكنها كانت تتجنب الحديث بكلمات قليلة مفادها أن ليس بها شيء وكان على الصمت في كل مرة يبدو أن العدوى سرت في البيت كله وأصبح الصمت هو ضيف ثقيل دائم في البيت, لكن ما جعلني أصر على التدخل ومحاولة إصلاح الأمر هو شادي فقد جلس إلى يوما وهي نائمة في غرفتها وسألني : أخبرني بصدق ما بها؟

حاولت قدر استطاعتي ألا أقسو عليه وأنا أقول : المفترض أن أسألك أنا هذا السؤال, فمن أقرب إليها منك؟

قال بضيق: لا تريد أن تتكلم

قلت : أخبرني, ما الذي استجد بينكما لتسوء العلاقة إلى هذه الدرجة؟

قال بحيرة : الغريب أن العلاقة لم تسوء بيننا, لا زالت كما هي, لكن ما استجد أنها أصبحت شاردة باستمرار, حزينة تماما, حتى أنت لم تعد تتحدث اليك وتضحك وتثرثر كما في السابق

كما لو أنها, أنـ.., لا أدرى كيف أصفه, ولكني أشعر وكأن شيء ما أظلم بداخلها, وكأن روحها تموت ببطء كنت أستمع إليه مفكرا, ما الذي يمكن أن يفعله ذلك البائس ليحيل تلك المخلوقة الجميلة الطيبة إلى جسد بلا روح لكن ما أهمني أكثر هو ما قاله عنها : أتعلم أنني في أحيان كثيرة أستيقظ ليلا فأجدها تبكي على سجادتها فأتصنع النوم ربما أعرف ما بها فأجدها تتألم في صلاتها وتشكو لربها صدقني لم أعد أحتمل, لقد تكرر هذا الموقف كثيرا, ولا أستطيع حتى أن أواجهها, كنت أظنها تعتبرك صديقا وسوف تصارحك بكل ما يؤلمها, ولكن يبدو أنها أغلقت كل الأبواب والنوافذ بينها وبين الناس

قلت بإصرار : دع لي هذا الأمر, مهما يكن يجب أن تتحدث الى أحد ما

ألاحظ أنها لم تغادر البيت أبدا منذ أن جئت عندكم من شهرين

قال بمرارة : بل منذ أن تزوجنا منذ 6 أشهر لم تغادر البيت مرة واحدة سوى المرة التى زرناك فيها حتى أغراض المنزل من خضر وفاكهة تحضرها زوجة البواب

قلت بضيق : وتريدها ألا تجن!! أتظن أن هذا طبيعيا!! لم لا تخرجان للتنزه

قال بإحباط : ترفض باستمرار

هتفت بعجب : يا إلهي!! ما الذي يحدث في هذا البيت!!!

انتظرت حتى خرج شادي إلى عمله وانتهت هي من أشغالها, وعلاجي وكالعادة قبل أن تختفي في حجرتها تسألني أتحتاج لشيء يا جدي؟

قلت بجدية : نعم, اجلسي أرجوك

جلست أمامي وهي تتجنب النظر في وجهي كما لو كانت تدرك ما سأقول قلت بهدوء وأنا مصر من داخلي أن أجعلها تتكلم : أخبريني يا ابنتي, ما الذي يحدث بينك وبين شادي؟

صمتت ولم ترد

قلت بإصرار : منذ أن دخلت بيتك وأنا أرى وأسمع وأكتم في صدري, هناك شيء غير طبيعي ويجب أن تخبريني به قالت والدمع يبدو واضحا في عينيها : لا شيء

قلت برجاء : اسمعيني يا بنيتي, إن كنتي حقا تعتبرينني جدك ولست بغريب فأخبريني ما الذي يؤلمك وتكتمينه في صدرك؟

بدا الدمع أوضح بكثير في عينيها ورغم ذلك فلم تتكلم

قلت وصبري يكاد ينفذ : إن لم تخبريني فسأحمل أغراضي وأرحل دون عودة, وصدقيني أنا جاد تماما ومصر

هتفت ولاء بشغف كبير : وأخبرتك أليس كذلك؟

ضحك الجد من أسلوبها وقال : لا يمكنك الصبر, أليس كذلك؟

قالت بتسرع: أرجوك أخبرني ما الذي حدث

قال بتلذذ: ألم يحن موعد العلاج بعد؟نظرت في ساعة يدها

وقالت وهي تنتفض: نعم, هذا صحيح ضحك الجد كثيرا وهو يراقبها وهي تجري خارجة, ثم تعود بسرعة حاملة علاجه كان من الطريف رؤيتها وهي تتحرك بعجلة, تريد أن تنهي عملها بسرعة لتعود للقصة غابت قليلا في الخارج ثم عادت بسرعة لتجلس في نفس الكرسي وتقول : الحمد لله, أنهيت دورة العلاج, واطمأننت على باقي المرضى والأمور مستقرة هيا أكمل

تنهد الجد بأسى وبدأ يكمل

هل رأيتي يوما قمرا يبكي؟

قالت بسرعة: هي أليس كذلك؟

قال بحزن : نعم, كانت تنتحب أمامي ودموعها تغرق وجهها, وقلبي يتمزق إلى قطع متناثرات, فالقمر يبكي أمامي ولا أدري ما به صمت تماما وتركتها تسكب أمامي آلامها ودموعها التي يبدو أنها أخفتها طويلا, مما جعلني أتساءل : ترى, ماذا سيكون شعور شادي إذا ما رأى ذلك المشهد؟

هدأت قليلا فقلت بتعاطف : أريحيني يا بنيتي, ماذا فعل بك شادي؟ صدقيني سأآذرك وسأعاقبه عقابا لا يمكن أن يتخيله, فقط أخبريني تنهدت بيأس وأنا عاجز أن أستخرج منها كلمة, لكنني لم أيأس وحاولت من جديد : أعلم أن زواجكما لم يسير بشكل طبيعي من البداية, لقد حكي لي كيف تعرف عليك, وكيف أجبرك على الزواج منه, وأقسم بالله أنني لم أكن موافقا أبدا على هذا الزواج, لقد طلب مني أن أشهد على عقد زواجه وأسانده أمام أسرته, ورفضت رفضت لأنه ليس زواجا أخيرا أفلح الأمر وتكلمت ببطء ودموعها تكسو خديها : منذ أن التقينا لأول مرة وهو يشن على حربا لا أدري لها سببا, لا أعلم بالضبط ما الذي فعلته ليضعني في رأسه ويصر على الانتقام مني!

صمت تماما وأنصت لها وهي تسترسل في حديثها : قضيت ليالي طويلة أتساءل, ما الذي يضطر إنسان لدفع كل تلك المبالغ ويشترى ديون المحل فقط لينتقم مني فقط بسبب موقف سخيف ومشادة غبية قد يحدث له أكثر منها في أي مكان يدخله

كنت أعتقد أنه لو تشاجر مع رجل وضربه فلن يفعل به ما فعله بي, مما جعلني أعتقد اعتقادا راسخا أنه فقط يريد إذلالي وتحطيم كرامتي لأنني بالنسبة إليه الطرف الأضعف, وتأكد لي ذلك بعد أن صرح به أمامي أكثر من مرة

همست وأنا أضغط على أسناني بغيظ: الأحمق, الأرعن!!

أكملت : كنت مذهولة تماما عندما عرض على الزواج ومعه مفتاح لحل كل مشاكلي المادية, ما الذي يضطره لفعل هذا وما هدفه؟ لا يمكن أن يكون حقا راغبا في الزواج مني لم يكن هناك سبب سوى السبب المعلن دائما في كل لقاء لنا ولا يستطيع أن يخفيه وهو الانتقام مني وإذلالي

وهناك سبب آخر ظهر مبطنا في أكثر من مرة خلال حديثه وهو أن يكشف وجهي أدركت أنني قد حوصرت أنا وأهلي, وأن على أنا وحدي عبء التصرف واتخذت القرار بأهون الضررين, كنت على يقين بأنني لو رفضت فلن أدفع الثمن وحدي وأن انتقامه سينال أبي وأسرتي

كما أن المكاسب التي ستأتينني من وراء هذا الزواج هي كل ما تمنيته, لذلك قبلت وأنا أعلم أنه ليس زواجا بقدر ما هو عقد بيع, لقد بعت له نفسي واشتريت أبي وأسرتي والمكسب لي

هتفت بغضب عارم : لا, كان عليك أن ترفضي, هذا الزواج خاطئ من البداية, لقد أكرهك, استغل حاجتك للمال ولوي ذراعك

قالت بصوت قوى : أستطيع أن أوهم نفسي أنني ضحية وألقي عليه باللوم كله, أستطيع أن أصوره في صورة شيطان لأرسم نفسي في صورة ملاك

لكن الحقيقة ليست كذلك لقد عرض على عرضا وتركني أفكر واخترته بإرادتي الحرة

هتفت بغضب : ماذا تقولين؟ أتجرئين على هذا القول أمامي, أنسيتي ما فعله بك؟

نظرت إلى بدهشة وقالت ببطء تتكلم مثل أبي!

نظرت إليها بصمت وكأنني أفيق على حقيقة توارت بداخلي طويلا

لقد اتخذت تلك الفتاة مني مكانة أقرب الأقربين, لقد صدقت الآن أن ما كنت أتمناه واعتبرته حلما أصبح حقيقة مستقرة في نفسي وصدقها عقلي وآمن بها قلبي وهي أن تلك الفتاة هي في مكانة ابنتي التي لم أحظى بها في الحياة, بل وأكثر تجاوزت عما قالته وقلت غاضبا : كان يجب أن ترفضي, ما كان عليك أن تلقي بروحك في هذا الجحيم

قالت بسخرية مريرة: وهل تعتقد أن الرفض مجاني؟

قلت بدهشة: ماذا تعني؟

قالت : أعني أنني فكرت في الأمر بعقلية التاجر, لقد تعلمت من السنوات الطوال التي قضيتها في المحل أن لكل شيء ثمنه, لو عاملني بأقصى قدر من الشهامة لطالبني بتسديد ديوني, وأنا لا مال لدى ولم يكن من الممكن أن أقف متفرجة وأنا أرى المحل والأسرة وصحة أبي وكل شيئ ينهار أمامي ورغم ذلك فقد كان بإمكاني أن أرفض, كان لدي ألف وسيلة ووسيلة لأقنع نفسي أنه غير كفء لي لو ذهبت إلى أي مفتي لقال لي لا تقبلي, فشاب له علاقات نسائية ويشرب الخمر لا يمكن أن يكون أمينا على وعلى ديني ولم أذهب بعيدا, لو أخبرت أبي أن هناك من يبتزني باسم الزواج لأوقفه عند حده حتى لو تحمل السجن والتشريد في سبيل حماية بناته

قلت بعصبية : ولم لم يفعل ذلك

نظرت إلى نظرة لائمة وقالت : لأنه لا يعلم أي شيء عن الأمر, أتظن أن والدي من النوع الذي يبيع بناته!!!

لو كان الأمر كذلك لصار الآن مليونيرا

زفرت بضيق وقلت : ألم تخبرينه؟

قالت : بالتأكيد لا, كل ما قلته له أن هناك شاب غني يطلبني للزواج, ولكن أهله يرفضون

قلت ساخرا : ولم تكذبي!!

قالت : لقد قضى أبي ليلة كاملة يحاول إقناعي بالعدول عن هذا الزواج, فمن وجهة نظره أن العائلة لا بد أن توافق وإلا لصارت حياتي جحيما, وأنني سأندم أشد الندم فالزواج ليس ارتباط شخصين, بل هو ارتباط بين عائلتين ولكني كنت متصلبة الرأي, وتحججت أمامه بآلاف الحجج من أمثلة أنه غني, أنها فرصة لا تعوض, لقد جعل مهري بضاعة للمحل, لو لم أتزوج الآن لفاتني قطار الزواج... وأشياء كثيرة من هذا القبيل

وأخيرا تركني أنفذ ما برأسي الحجري كما كان يقول لي

قلت بدهشة: ولا زال يصدق أن كل مشكلاتك مع أهل زوجك فقط!!

خفضت رأسها وقالت بصوت خفيض : لقد خاصمني

يا الله!!!

يكاد عقلي أن يجن, من أين لفتاة في مثل هذا العمر بكل هذا العقل!!

ترسم خطة محكمة وتخفي عن كل الناس سر زواجها وتتحمل وحدها كل هذه المعاناة

صرخت بغضب : لا, لست مقتنع كان عليكي أن ترفضيه, كان عليكي أن تكوني أكثر ثقة بالله, بالتأكيد كان يمكن للأمر أن يحل بطريقة أخرى

أنت ملتزمة ومتدينة وتعلمين أن...

قالت : لو فكرت بهذه الطريقة فلن يكون لي مكان على الأرض, يا جدي, إننا نعيش على الأرض ولسنا في الجنة لا يمكن أن ألغي عقلي وأجلس في بيتي امتثالا لتفسير الآية (وقرن في بيوتكن) في انتظار معجزة تهبط على من السماء تحل لي كل مشكلاتي لو كنت أريد ذلك لفعلته منذ زمن طويل, منذ أن نزلت للعمل في محل النظارات وبدلت قلبا آخر مكان قلبي واستبدلت صوتا آخر مكان صوتي, وأجبرت نفسي على التعامل مع نوعيات أشباه البشر وشخصيات مريضه تطل على يوميا لا لتشتري ولكن لتتسلى عصر المعجزات انتهى ياجدى, ولم يتبقى لنا سوى العقل نستعين به وهذا هو ما فعلته, لقد اخترت بعقلي

قلت بغيظ : لا تقولي اخترت, بل قولي فرض على فرضا

قالت : أستطيع أن أقضي العمر أبكى حظى التعس الذي وضعني تحت رحمته, وأقول لنفسي أنه اختطفني

قلت : أوليست هذه هى الحقيقة!!

قالت : الحقيقة لها ألف وجه, هناك من يصدق ويوقن بأنني اختطفت الشاب الغني الوسيم من أهله وتزوجته رغما عنهم أليس هذا هو رأي أمه وعائلته وأصدقاءه؟

صمت تماما أمام منطقها الغريب, فقد أذهلني عقلها حقا

قالت لقد تم كل شيء برضا منا نحن الاثنان, وكل منا نال المكاسب التي يريدها, ما كنت أحلم يوما أن ديون المحل يمكن أن تختفي بين يوم وليلة كانت التجارة تسير على ما يرام ولكن مرض أبي أكل الأخضر واليابس, أكل كل مكاسب المحل وإيراده, وبدلا من أن أسدد الديون كنت آخذ من الموردين وأبيع وأصرف المال على علاج أبي, حتى بدأ يتهددنا شبح خسارة المحل بما فيه وضياع مصدر رزق العائلة الحقيقة أنني لست ناقمة عليه بقدر ما أنا ممتنة له لقد أنقذ المحل ورفع عن أبي ديونه ولكني كنت موقنة أن زواج كهذا مبني على عدم التكافؤ وعدم إخلاص النية في بناء بيت سليم لن يدوم أبدا, ولن يمضي وقت طويل ويمل مني لأعود إلى بيت أبي بلا ديون وبلا خسائر, وحتى لو استمر الزواج, فمن حقه أن يحصل على مقابل لما دفعه من مال, وما المشكلة أن أتحمل الإذلال والمهانة في سبيل المكاسب التي حصلت عليها منه

يمكنك أن تسميها انتهازية, طمع, حب للدنيا, منفعة, مصلحة لن ألومك, فهذه هي الحقيقة انه زواج مصلحة تأملت يديها الخالية من أي نوع من أنواع الذهب والحلي وقلت ساخرا: طمع!! بل هي الخيبة الثقيلة لو كانت امرأة غيرك لأجبرته على أن يكتب عقد الشقة باسمها, أو يشترى لها الذهب الكثير حتى لا تعود إلى بيت أبيها بيدين خاليتين مثل يديك لكانت أحالت حياته الى جحيم ونغصت عيشه وأصبحت هي اليد المسيطرة, فالمرأة إذا أرادت إذلال رجل....

قاطعتني بهدوء وهي تمسح بعضا من دموعها الغزيرة : أعلم كل ما ستقوله, ولكني أخاف ربي, أين يمكن أن أذهب من عذاب ربي إن منعته حقا علي؟

إن الحياة قصيرة للغاية, وما نتحمله فيها من شقاء لا يقارن بشقاء الآخرة, ومهما بلغت قسوة انتقامه فإن حلمي وصبري يجب أن يكون أقوى

قلت برفق : كل هذا جميل, ولكن هناك أساليب وطرق تأديبية على المرأة أن تستخدمها مع أصناف من الرجال كشادي

قالت ودموعها تسل : لم يكن يهمني تأديبه, بل الحقيقة أنني كنت أقدر له كثيرا أنه أنقذ أهلي من الضائقة المالية التي كادت أن تقضي على أبي, حتى لو لم يكن هذا في نيته, لذلك كان على إتباع الإخلاص التام معه في كل أفعالي وتصرفاتي

هتفت بضيق: ولم لم تتحدثي اليه؟ لم لم تواجهيه بقوة, لم لم تفهميه أنه يتصرف بطريقة خاطئة؟

قالت بيأس : لم يكن لدي أدنى أمل في أنه من الممكن أن يستجيب, كنت متأكدة أن هذا الأسلوب فاشل تماما مع شخصية لها عناد حفيدك, انظر إلى أين وصل بنا العناد والشجار

لذلك فقد اخترت أسلوبا آخر انه الاستسلام التام, فربما كسر استسلامي زهوة السيطرة لديه وأفقده الشعور بلذة الانتقام وأورثه الملل مني ليلقي بي سريعا إلى بيت أبي

قلت باستغراب: سريعا!!!

عادت دموعها تنسكب من جديد وهي تقول بألم : نعم, فقد كان يتملكني رعب هائل كلما فكرت في نوعية انتقامه وما يمكن أن يختار لإذلالي, وأشد ما كان يمر على عقلي من أفكار هو أن يجمع أصدقاء السوء ويعرضني أمامهم ليكونوا شهودا على انتصاره كما كانوا شهودا على طردي له من المحل, لم يكن لدى أدنى فكرة عما يمكن أن أفعله وقتها, ولا كيف أتصرف إن أتى بهم إلى البيت؟

أغمضت عيني اشمئزازا من مجرد تصور بشاعة الفكرة, وقلت مدافعا عنه لأول مرة : لا, لا يمكن أن يصدر منه هذا, إنه حفيدي, أعرفه جيدا, لا يمكن أن تكون هذه أخلاقه, أنت تتحدثين عن شادي, لا عن جندي أمريكي في سجن أبو غريب

قالت بألم: أنا لا أعرفه ولا أعرف أخلاقه التي تتحدث عنها

إن كل ما أعرفه عنه هي تلك الصورة التي تبدو أمامي كلما دخل إلى المحل وبوضوح ودون مجاملات فلم يكن هو الزوج الذي يمكن أن أأتمنه على نفسي وديني لذلك حاولت قدر استطاعتي أن أحمي نفسي بأن أشترط عليه ألا يأتي بأي إنسان مهما كان إلى هذا البيت

قلت بفهم : وكذلك ترفضين بإصرار الخروج معه للتنزه في أي مكان

قالت مبررة : لا أضمن كيف يفكر عقله ولا إلى أي مكان سيأخذني

أعلم أن كل هذا لن يجدي, لو أنه أراد إذلالي وكسري حقا فهناك آلاف الطرق يستطيع بها قتلي معنويا لذلك كنت أستعين عليه دائما بالله, وكان دعائي في كل سجود لله أن يسترني ويحميني ويبعد عني شياطين الإنس

قلت بأسى: الأحمق المسكين لم يكن له نصيب من دعائك!!!

قالت : كنت خائفة, خائفة إلى درجة كبيرة

كنت أعلم بكل المخاطر التي يمكن أن تواجهني قبل أن أتزوجه, وأبعدت أهلي تماما عن هذا البيت , كنت أخشى إن وجد لي نقطة ضعف فيهم أن يستغلها ضدي, كأن يهينهم أو يطردهم, لذلك انقطعت عنهم ورفضت أن يزوروني أو أزورهم حتى ينساهم تماما, وساعدني على ذلك خصام أبي لي

قلت بعد تفكير : يا إلهي!! أيمكن أن تستقيم حياة كهذه, أيمكن أن يستمر زواج كهذا قائم على الخوف وتوقع الشر من الآخر!!

الآخر الذي يجب أن يكون هو الحارس والحامي والسند والنصير!!

قالت ودموعها تغرق خديها : حاولت كثيرا أن أحيد مشاعري تجاهه, حاولت قدر استطاعتي ألا أكرهه قضيت ليالي طويلة أحاول أن أمحو الصورة التي تمنيتها في الرجل الذي يمكن أن أوافق على زواجي منه وأستبدلها بصورة وصفات زوجي الذي فرض نفسه على وكنت أقنع نفسي كلما مر على يوم أنه ليس بدرجة السوء التي توقعتها, يكفي أنه لم يخالف أي شرط من الشروط التي اشترطتها قبل الزواج, يكفي أنه يعاملني معاملة حسنة ولا يؤذيني ولا يهينني

ولكن تبقى لي يقيني أن زواجي لن يدوم أبدا

هل.. هل عشت حياتك وأنت على قائمة الانتظار!

طوال النهار أتوقع أن أسمع منه كلمة الطلاق, وأقضي الليل وأنا موقنة بأني سأسمعها غدا, انه جحيم لا ينتهي, ولكن ما حيلتي؟ على أن أصبر حتى ينتهي ويقولها بنفسه دون أن أطلبها

أصبر يوما بعد يوم وشهر بعد شهر حتى اعتدت الصبر وألفت الانتظار وتقبلت كل شيء طالما أنني أدفع الثمن وحدي دون ضحايا آخرين لم يخطر لي ببال أن محاولاتي لإبعاد الأذى عن أهلي وتجنيبهم الشقاء, سيشقى بها إنسان آخر المفترض أن يكون هو أحب الناس الى قلبي, والمفترض أيضا أن تكون سعادته هي هدفي في الحياة

قلت بدهشة: من تقصدين؟

غلبها النحيب المؤلم, وعجزت عن فعل أي شيء سوى انتظار ما ستقوله

وعندما طال نحيبها قلت بقلق : من تقصدين يا ابنتي؟ أرجوك لا تخفي عني شيء

قالت من بين نحيبها: أنا... أنا... حبلى

لم أعرف هل أفرح أم أفزع, وأي مشاعر انتابتني وقتها لكني تجمدت تماما, فبعد كل ما قالته لي, وكيف سارت حياتها مع شادي من البداية في طريق خاطئ مغلق في نهايته في زيجة حكم عليها الطرفان من البداية بالفشل والآن ضحية جديدة لا ذنب لها تدخل تلك الدائرة الجهنمية

ما الذي يمكن أن أقوله لها لأواسيها, أستطيع أن أتفهم مشاعرها وخوفها وألمها, لقد تحملت كل شيء وتقبلت على نفسها كل شيء, ولكن كيف يمكن لأم أن تتقبل شقاء طفلها وهو يعيش ممزق بين أبوين منفصلين وكيف يمكن أن أقنع شادي وأنا أكثر من يعرفه بالتخلي عن حريته وأنانيته ليتحمل مسئولية طفل صغير فجأة انتابني سخط عنيف تجاه هذا الولد, وتخيلت ابنتي تعود إلى بيتي بعد عام مؤلم من الزواج الفاشل ورضيع على ذراعها لأواجه معها ألم الفشل في الزواج ومستقبل مظلم مملوء بالمخاوف والأسى لمطلقة شابة تجر في ذيلها طفلا لرجل تزوجها يوما ليذلها وينتقم منها ثم ألقى بها وبطفلها دون اكتراث لأي شيء أدركت لحظتها كيف هي مشاعر الأب الحقيقي وأقلقني بشدة ذلك, أعلم الآن ما يمكن أن يفكر فيه والدها عندما تعود إليه ابنته بخيبة الأمل, فقد يشتد عليه المرض, أو يخر ميتا في صدمة كتلك, لا شك أن المسكينة أيضا تفكر في هذا ولكنها أيقظتني على الصورة بكل بشاعتها وهي تقول وبكاؤها يفتت قلبي : انصحني يا جدي, كيف أتصرف؟ وماذا أفعل لو طلب مني أن أجهض الطفل؟

هتفت ولاء بدهشة : ياااه, إلى هذه الدرجة؟

قال الجد بضيق: أليس حفيدي؟ لكنها لم تخطئ بظنها فيه, بل هو أول ما طرق ذهني عندما أخبرتني بنبأ الحمل المشكلة أنني لا يمكن أن أتوقع شيء من شادي سوى هذا

ولاء : ولكنه خرق كل التوقعات وأبقى عليها رغم تأكيدك وتأكيده وتأكيدها بأن الزواج لن يطول إلا لأسابيع

الجد: ولم لا تقولين أنه يريد أن يستمتع بقدر ما دفعه من مال؟

تنهدت ولاء بحزن قائلة: المسكينة!! وكيف تصرفت؟ هل تدخلت في الأمر وتحدثت معه

قال : لا, بل قلت لها لا تخبريه كنت عاجزا تماما أمامها وخالي من أية فكرة يمكن أن تساعدها وأنا أتمزق وأنا أراها تبكي أمامي بهذه الطريقة أتدرين بماذا ردت على فكرتي؟

قالت: لا أستطيع أن أخفي عنه الأمر, من حقه أن يعرف, فهو أبوه شهقت فجأة وابتلعت دموعها وبسرعة جففت وجهها بالمناديل الورقية, وهي تسمع صوت مفتاحه يدور في الباب, ولكنها لم تستطع أن تخفي احمرار عينيها ولا تورمهما وبمجرد أن رآها على تلك الحالة حتى ظهر في وجهه القلق وتساءل بضيق : هلا أخبرني أحد ما ما الذي يحدث هنا بالضبط؟

انسحبت بسرعة إلى المطبخ دون كلمة, فالتفت إلى وسألني باهتمام: تحدثت إليك, أليس كذلك؟ أخبرني ما سر كل هذا؟ ولم تبكي باستمرار؟

نظرت إليه وبراكين الغضب تتصاعد بداخلي, وقلت قبل أن أنفجر فيه: ولم لا تسألها هي؟أليست زوجتك!! أم أنك تنوى أن تكمل انتقامك إلى النهاية وتلقي بها إلى سلة المهملات؟

تركته ودخلت غرفتي حتى لا أتصادم معه وأنا لا أدري كيف أتصرف؟

هل أترك البيت احتجاجا على تصرفاته معها, وكيف سيكون حال المسكينة وأنا الشخص الوحيد الذي أصلها بالعالم الخارجي, وأنا الوحيد الذي استمعت إلى شكواها ورضيت به أن يقوم مقام الأب, بعد أن قررت أن تخفي كل شيء عن والدها المريض!!

لم يتواني شادي عن سؤالها عما يبكيها, ولأن فاطمة وصلت إلى درجة من الألم لا يمكن السكوت عنها, كما أنه شعر بأنني انقلبت ضده فقد أصر أن يعرف ما بها

أحضرت له ورقة من خزانتها وبمجرد أن قرأها حتى تجمد تماما وعجز عن قول أي شيء

قالت بهدوء : كنت أشك في الأمر من مدة, طلبت أختي لتأتيني وتأخذ عينه من البول وتحللها في المعمل, وعادت بعد ساعتين ومعها النتيجة

ظل صامتا لا يتكلم وتركته هي ونهضت لتختفي في المطبخ

ظل شادي صامتا لفترة طويلة, طويلة للغاية, لم يتحدث في هذا الموضوع أبدا مع أي منا, ومضت شهور وهو لا يتكلم, أدركت فيها المعنى الذي قالته لي فاطمة, (أن تبقى على قائمة الانتظار) فقد انضممت إليها وأصبحنا أنا وهي ننتظر منه كلمة أي كلمة, ولكنه ظل صامتا

ورأيت في عينيه تغيرا ما, نظرات جديدة, كان يتأملها كل يوم وهي تروح وتجيء في البيت وبطنها يكبر تدريجيا, وقتها توقعت أن تحصل على الطلاق قريبا جدا بعد أن طرأت عليها تغيرات الحمل من تعب ووهن وتغير في الشكل العام وخفوت الجمال, ولكنه بقي صامتا

وبدأت حركاتها تتباطأ ونشاطها يقل وتهاجمها آلام الثقل والوهن, وانقطع بينهما الحوار تماما لدرجة أنني اعتقدت أنه لولا وجودي في البيت لانقطع فيه أى مصدر للصوت

وقضيت الوقت أفكر ما الذي يمكن أن أقدمه لها تعويضا عن معاناتها معه وضمانا لمستقبل الصغير المنتظر فكرت أن أكتب عقد بيع باسمها لبعض ما أملكه, وأنا أعلم مسبقا ودون أن أسألها برفضها التام لتلك الفكرة ولكن في شهرها الثامن قام ببادرة طيبة أشعرتني أنه من الممكن أن يتغير, فقد أحضر لها خادمة تساعدها في البيت وترحل آخر النهار

كما أنه حل محلي باصطحابها للطبيبة التي تباشرها بانتظام بعد أن كنت أنا الذي أقوم بهذا الدور من البداية ورغم ذلك فقد ظل الحوار بينهما مقطوعا لأسابيع, حتى استيقظت فجر أحد الأيام لأصلي الفجر كعادتي لأجد المسكينة تجلس وحدها في حجرة الاستقبال وتئن وتتألم بصوت خفيض, حاولت أن أسألها عما بها لكن منظرها أفزعني, فجريت إلى شادي وأيقظته بعنف ونهض مفزوعا من النوم, فقلت بغضب : هل أنت إنسان لديه إحساس كباقي البشر؟

هل تبلدت إلى هذه الدرجة!!

قال بدهشة : ماذا حدث لكل هذا!!

صرخت غاضبا: تنام ملء جفنيك ولا تشعر بزوجتك المسكينة وهي تتمزق من الألم؟

نظر إلى المكان الخالي في الفراش بجواره, وقال بقلق : أين هي؟

لم ينتظر حتى أجيبه بل قفز من الفراش يبحث عنها في البيت, فأشرت إلى حجرة الاستقبال, وعندما وصل إليها كانت تحاول أن تكتم صوت أنينها, لكنها لم تنجح قال بغضب : لم لم توقظيني!! ألهذه الدرجة تتجنبينني!! توقظيه هو وأنا بجوارك تماما!!!

لم تكن قادرة على الرد ولا تبادل الحوار في هذا الموقف الرهيب, فصرخت فيه : هل هذا هو وقت الكلام والاستجواب! إلى المستشفى على الفور

اصطحبناها معا إلى المستشفى, وهدأت قليلا في السيارة, وأخذت توصيني برجاء بطفلتها التي رأتها لأول مرة في صورة الأشعة بالموجات الصوتية : جدي, أوصيك بطفلتي, عليك أن تتلقاها وتطمئن عليها, وأنهم أجروا لها اللازم, ولا تنسى أن تطمئن على صحتها من طبيب الأطفال, والأذان, لا تنسى الأذان كنت أجيبها مطمئنا إياها وأنا أفكر كيف هى مشاعر شادي الآن, وقد فضل الصمت التام والانتباه للقيادة حقيقة ما كنت أتمنى أن أكون مكانه في هذه اللحظة, ربما لا يبالي بكل هذا!!

أو يعتبر الأمر عبئا مفروضا عليه, وربما يتعاطف مع زوجته لكنني أدركت فعليا عمق ألمه عندما رأيت الألم يبدو جليا في عينيه وهي تستعد للذهاب إلى غرفة العمليات وتحدثني وهى خائفة, وتوصيني بطفلتها بإصرار عندها أدركت أنه فهم أخيرا أنني أقرب إليها منه

جلسنا في الاستراحة وظل هو على صمته لكن القلق كان ينضح من ملامحه وحركاته وسكناته

وأنا أمسك بمسبحتي لا أكف عن الاستغفار والدعاء لها, فقد أخبرتنا الطبيبة أن وضع الطفلة في الرحم غير طبيعي وستجري لها عملية قيصرية ولم نهدأ إلا بعد أن جاءت إلينا الطبيبة وهنأتنا بصحة الأم والمولودة وأخبرتنا أنها الآن في الإفاقة, وأنهم سينقلونها إلى غرفتها بعد قليل

غمرتنا الراحة وعدنا أنا وهو إلى غرفتها ننتظرها هناك, وهدأ شادي قليلا وبدأ يتكلم أخيرا : لا أفهم لم تعاملني بهذه الطريقة

نظرت إليه باهتمام وأنصت إليه وهو يكمل : تتجاهلني تماما وكأنني لست موجودا, تمنحك ثقتها الكاملة وتوصيك بطفلتها كما لو كانت خائفة عليها مني

التفت إليه وسألته بجدية : شادي, بعد أكثر من عام زواج, أتظن حقا أنك تعرف زوجتك وتفهمها جيدا؟

قال مدافعا: بالتأكيد أعرف كل شيء, أتظن أنني أهملها في البيت وأدور طوال النهار والليل في الشوارع!!

قلت بهدوء : هلا أخبرتني في أي كلية تخرجت؟

التفت إلي ببطء وظهر ت الصدمة على وجهه, لكنه تمالك نفسه وقال بتردد : في..في كلية..

عجز عن الرد فأكملت أنا : كم عدد إخوتها؟

صمت تماما ولم يرد, وبدا عليه التوتر فلحقته بالثالثة: أخبرني باسمها الرباعي المكتوب في بطاقتها الشخصية

ابتلع ريقه بإحراج وبدأ يتعرق فلم أرحمه وألقيت إليه بالأخير : ما هو يوم مولدها

عندما لم يرد قلت بقسوة : هيا أخبرني في أي شهر ولدت

زفرت بضيق شديد وقلت : إذا فأنت حتى الآن لا تعرف كم عمرها

ضحكت ضحكة قصيرة هازئة : الآن أصدق أنك تعرف عنها كل شيء

كيف تعرفت عليها؟؟

نعم تذكرت, عندما أردت شراء هدية لإحدى صديقاتك في عيد ميلادها!

فأنت تحفظ تواريخ ميلادهن وتضيفها إلى التذكرة في جوالك حتى لا تنسى, بل وتشترى لهن العطور والهدايا الغالية ترى متي اشتريت لزوجتك هدية؟ هل أقول أنا؟؟ لم تفعلها أبدا, أتدرى كيف عرفت؟ لأن زوجتك حتى الآن لم تحصل على خاتم زواج امتلأ وجهه بالعرق ولم يستطع النظر إلى وعيناه زائغتان في كل اتجاه

فقلت بغيظ : إن كل ما تعرفه عنها هو ألوان ملابس نومها, فهي دميتك التي تتسلى بها

لها كل الحق ألا تثق بك, فأنت لم تعاملها يوما كإنسانه لها شعور وإحساس اندفع غاضبا يدافع عن نفسه : كيف تقول هذا وأنت أكثر من يعرف أنها تتجنبني وتبتعد عني وترفض أن تتحدث إلي أو تصارحني بمشاعرها, وتصنع بيني وبينها الحواجز واحدا تلو الآخر

قلت بغضب: وأنت, ما الذي فعلته لتقتحم الجدران التي بنتها حول نفسها, وما المحاولات التي حاولتها لتخرجها من عزلتها وشرنقتها التي حبستها فيها

قال بانفعال: ماذا, أتلقي علي بالمسئولية!!

كيف تفعل هذا وأنت تعيش بيننا ترى وتسمع ما تفعله بي, انها ترفض كل محاولاتي للتقرب إليها

قلت ساخرا : لم لا تخبر جدك أيها الدون جوان ساحر النساء كم امرأة أوقعتها في حبائلك؟

وما الخطط التي كنت تقضي الليالي ترسمها لتنال منها موعدا, ألا تستحق زوجتك بضع ساعات من وقتك, أم أنك قد امتلكتها وانتهى الأمر!!

ما الذي فعلته لتكسب ثقتها وتمنحها الشعور بالأمان؟

إن زوجتك حتى الآن تقضي نهارها وليلها في انتظار أن تفاجئها في أية لحظة بكلمة الطلاق

قال مصدوما : ومن قال أنني سأطلقها! من ألقى بتلك الفكرة السخيفة في رأسها؟ إنها مجنونة لو فكرت بهذه الطريقة قلت بجدية ونبرة الاتهام تملأ صوتي : ليست وحدها التي تنتظر هذا الخبر, أنا أيضا توقعت هذا, وإذا سألت أصدقاؤك فسيخبرونك بهذا

الكل يعرف أن زواجك لن يدوم حتى أسرتك

قلت بسخرية مقلدا أسلوبه : الأمر لن يتجاوز بضعة أيام أو أسبوع على أكثر تقدير, ألهو قليلا وأشبع رغبتي في الانتقام وأكسرها

أكملت بقسوة: هذه هي كلماتك التي أخبرتني بها قبل زواجك, هل نسيت!!

صمت تماما ولم يرد وظهر الألم في وجهه

فقلت : إن كنت قد نسيت فاعلم أن الناس لا تنسى, وخاصة الإساءة يا بني, لقد آلمتها بما يكفي, ونفذت كل ما كنت تريده وزيادة, فكن كريما وأطلقها يا بني, أعدها الى بيت أبيها وعد أنت لحياتك القديمة, فهي لا تنتمي لدنياك التي تعرفها, يكفي تعذيبا لها فهي لا تستحق كل هذا الألم حررها وسأعوضك عن كل ما خسرته من مال وزيادة, ودع المسكينة تلملم حياتها وتجبر شروخها, فربما عوضها الله بمن يقدرها كزوجة وأم, لا كأنثى فقط

انتفض من كرسيه وقال بغضب: أتريدني أن أطلقها!! مستحيل.. لا أستطيع

قلت بهدوء : أتظن بأنك قادر على أن تكون زوجا حقيقيا يتحمل مسئولية بيت وزوجة وطفل؟ هل تظن أن ما كسرته يمكن أن ينصلح!!

قال بيأس : ولكني حاولت, حاولت أن أتقرب إليها, أن أغير من فكرتها عني, حاولت أن أجعلها تحبني

قلت بهدوء : لم تتبع الطريق الصحيح, أتدرى لم؟

لأنك لم تحاول أن تفهمها أبدا ألم تدرك بعد أنها مختلفة عن أية امرأة أخرى صاحبتها؟ فهي لا تفكر كالباقيات وأن كل ما يسعدها هو مالك وشبابك ووسامتك وخفة ظلك

ألم تفهم بعد أن كل ما تحتاجه المسكينة هو المعاملة الطيبة والاحترام والشعور بالأمان!!

لذلك لم تمنحها شيء مما كانت تحتاجه

قال بصوت نادم : تعلم جيدا أنني لم أسئ يوما معاملتها

رددت بسرعة : ولم تحسن إليها كذلك أخبرني أين أبوها وأمها؟ كم مرة دخلوا فيها بيت ابنتهم!

قال بألم : لا تقسو على فهي لم تطلب مني شيء ورفضت تلبيته

قلت : هناك أشياء لا تطلب, بل تعتبر بديهيا من واجبات الزوج, وأنت لم تقم بواجباتك كما ينبغي صدقني لو كنت مكان والدها وعلمت أن ابنتي دخلت المستشفى لتضع طفلها الأول ولم يهتم زوجها بإخباري ولو حتى تليفونيا, لكرهته ولاعتبرت أنه زوج لا يستحق المسئولية التي في عنقه

قال بهزيمة: وما الذي تريدني أن أفعله الآن؟

قلت : على الأقل تتصل بوالدها وتخبره أن ابنته في المستشفى

سيشكل ذلك فارقا كبيرا, أن تستفيق لتجد من تحبهم حولها

صمت ولم يرد, وأرخى رأسه بخجل

فقلت أستحثه: ها, ما رأيك؟

قال بخجل : لا أعرف رقم هاتفهم

قلت بغيظ : يا الهي, الآن فقط تأكدت أنك سجنتها عن العالم بأسره

نظر إلى بندم ولم يتكلم

نظرت في ساعتي وقلت : إن كنت تحبها وترغب في إصلاح ما بينكما فعليك أن تبدأ الآن, فلتذهب بسيارتك وتحضر والديها إلى هنا والآن

قال بحيرة : لكنها ستخرج الآن من غرفة العمليات

قلت بتعجل وأنا أحثه على الذهاب : اطمئن, سأكون بانتظارها وفي هذه الساعة المبكرة من الصباح لن تستغرق طويلا في الطريق هيا انهض وإياك أن تقول لي أنك لا تعرف عنوان بيت أبيها قال بإحباط : اطمئن, هذه هي المعلومة الوحيدة التي أعرفها

ذهب شادي وكنت أنا بانتظارها وبانتظار طفلتها كما وعدتها, وعندما وصلت إلى الغرفة لم تكن واعية تماما لما حولها, واستلمت المولودة من الممرضة وأذنت في أذنيها كما أوصتني, واطمأننت على صحتها وعلى وزنها من طبيب الأطفال, وعادت فاطمة للنوم, فهي لازالت تحت تأثير المخدر عاد شادي بسرعة ومعه أبوها وأمها وأختها كان شادي متلهفا للغاية, يبتلع ريقه ويلتقط أنفاسه, وأول ما فعله عندما دخل إلى الغرفة أن اتجه إلى سرير فاطمة ونظر إليها بقلق وهو يسألني : كيف حالها؟ أهي بخير؟

قلت بابتسامة واسعة : اطمئن أنها نائمة الآن

بعد دقيقتين, دخل أبوها وأمها, وبمجرد أن رأيت والدها حتى ثمنت تضحياتها من أجل أسرتها, فقد كان والدها يسير ببطء ويبدو عليه المرض واضحا وهو يستند الى كتف ابنته, ويبدو أنه لا يرى أمامه جيدا رحبت بهم جميعا, أما شادي فقد انتبه فجأة لما بين يدي, انه شيء يخصه, شيء صغير ينتمي إليه

كان ينظر إليها بشوق عجيب لم أراه في عينيه أبدا

سألني وكأنما لا يصدق نفسه : أهي!

قلت بسعادة : نعم, ابنتك, ألن تحملها؟

قال بتردد : أيمكن هذا؟

قلت وأنا أكتم ضحكتي: بالتأكيد فأنت والدها حملها بين يديه بخوف, كان يبدو عليه التوتر وهو يتجه إلى الكرسي الخالي بجوار النافذة ببطء وهو يمسكها جيدا كما لو كان خائف أن يسقطها

شعرت وأنا أنظر إليه وكأنني أنظر إلي الصبي الصغير الذي لم يتجاوز الثانية عشر

صديقي الذي كنت ألعب معه من سنوات واستذكر معه دروسه ويبكي بين أحضاني كلما صادفته أزمة أو ضايقه شيء أدركت الآن فقط كم أحب هذا الفتى وأحب زوجته وابنته أجلست والد فاطمة على كرسي بجوار سريرها, فقال الرجل الطيب بابتسامة حنون : لا أدري كيف أشكركما, لقد أسعدني الأستاذ شادي عندما أحضرني إلى هنا لرؤية ابنتي وحفيدتي

دمعت عيناي وأنا أفكر, كنت أعلم أن هذا سيحدث, كنت أعلم أنه سامحها وغفر لها منذ زمن بعيد, فقط كان بانتظار أية إشارة أو زيارة أو حتى مكالمة هاتفية تزيل أى حاجز بينه وبينها, انها ابنته فاطمة, لا يمكن أن يقسو عليها قلت له : هذا واجبه, ربما تأخر بعض الشيء

لكن من الآن فصاعدا سيكون عهد جديد أكثر تفاؤلا بوجه الصغيرة الجميلة, قدم الخير

أخذت أتبادل حوارا طويلا مع الأب والأم وهما في منتهى السعادة, وعندما نظرت الى شادي وجدته ذاهلا عن العالم بأسره يتأمل قطعة منه ولا يستطيع أن يحول عيناه عنها

كان الضوء يملأ الغرفة بعد أن أشرقت الشمس, وبدأت فاطمة تستفيق من نومها, وعندما فتحت عيناها قالت ببطء : أبي! أأنت هنا؟

قال بحنان كبير : حمدا لله على سلامتك يا بنيتي الحبيبة

مد إليها يده فتناولتها فاطمة وقبلتها بحب واحترام, وانكبت الأم على سريرها تقبل رأسها ووجنتيها وتبكي شوقا, وابتسامة فاطمة تزداد والسعادة تملأ محياها

وبعد أن هدأ الوضع سألتني : جدي, كيف حال الصغيرة؟

قلت بسعادة : بين يدي والدها

قالت : هل فعلت ما طلبته منك؟

قلت : اطمئني, كل شيء تم كما أردتيه تماما

والآن أخبريني ماذا ستسميها؟

التفتت إلى شادي الذي لم يغادر مقعده بجوار النافذة يتأمل طفلته ذاهلا لا يدري شيء عن العالم من حوله وقالت : فليسميها أبوها

يا الله, بعد كل ما حدث لا زالت فاطمة تمارس دورها كزوجة وأم بمثالية وتعطي كل ذي حق حقه أخيرا استطاع شادي أن يحول عيناه عن الطفلة ونظر بدهشة إلى فاطمة وكأنما لم يكن يتوقع منها هذا التصرف

ابتسم أبوها وقال بود: ها يا بني ماذا ستسميها؟

تأمل في وجوهنا بحيرة وصمت وأخذ وقتا طويلا في التفكير

قالت له أم فاطمة : تعالى يا بني واجلس بجوار زوجتك, ابتعد عن النافذة فضوء الشمس قد يؤذي المولودة نظر إلى طفلته التي بين يديه ليجد ضوء الشمس قد غمر وجهها الجميل كوجه أمها ليحيله إلى قطعة من نور, ثم نظر إلى فاطمة وكأنما يستأذنها وقال : أسميها نور, ما رأيك؟

هزت رأسها مؤيدة وهي تبتسم بسعادة

نور قلبي..نور روحي

هكذا كان يدعوها شادي عندما يحادثها ويلاعبها ويدللها

فكانت اسما على مسمى, فقد أنارت البيت وأعادت لفاطمة ابتسامتها, وكسرت عنها الحصار, وأصبح والداها قريبان منها, تزورهما ويزورونها

أما شادي فقد شغلته نور عن العالم, فلم يعد يغادر البيت بعد أن يعود من عمله

ويبدو أن ما زاد ارتباطه بها هو شعوره بأن دائرة الإنسجام العقلي بيني وبين فاطمة عادت تغلق من جديد وهو خارجها, لذلك فعندما تجمعنا غرفة المعيشة كان ينشغل بنور ويتركنا أنا وفاطمة نتحدث

قالت ولاء : مهلا..مهلا , لا تقل أن الأحوال إنصلحت بمثل هذه السرعة وعادت المياه إلى مجاريها واستقرت الأمور

تنهد بملل : ألم أقل لكي لا تتعجلي

قالت بتسرع : الأمر عجيب فلا يمكن أن ينصلح الحال في عدة أيام و تعـ..

صمتت عندما رأت تعبير الضيق على وجهه وهو لا يتكلم

هزت رأسها بخجل وقالت : أعلم, أنا متسرعة دائما, لن أفتح فمي بعد الآن

قال باسما من طريقتها في الحديث : أنا لم أقل أن الأمور إنصلحت بين يوم وليلة, الأمر ليس بهذه السهولة, لكن ما ساعد على الاستقرار هو عقل وصبر وحلم فاطمة, فهي لم تغير معاملتها له, وظلت على عطائها ومثاليتها في التعامل معه لكن شادي هو الذي بدأ يتغير, يبدو أن كلامي له في المستشفي بدأ يؤتي ثماره, خاصة عندما نبهته إلى أنه من الممكن أن يفقدها في أية لحظة, لذلك فقد بدأ بجدية أن يحاول أن يفهمها ويتقرب إليها, ويبدو أنه فهم أن نور هي الطريق إلى قلبها مما زاد من تعلقه بها لكن حتى الآن أنا الأقرب لعقلها ولأن الإنسان في أية مرحلة من مراحل عمره بحاجة إلى أن يشعر بالحب ممن حوله فقد أدرك شادي أن ذلك الشيء الصغير الذي ينتمي إليه هو القادر على أن يمنحه الحب الذي يحتاجه, فبقليل من التفكير أدرك أن نور هي أقوى الروابط التي يمكن أن تربطه بفاطمة وتوسع دائرة الكلام والتعاون بينهما

وبعد أن كانت فاطمة هي القائمة بأحوال البيت, وهي التي جهزت احتياجات المولودة من الألف الى الياء من قبل أن ترى الحياة, وذلك بمساعدة أخواتها وفي أحيان كثيرة بمساعدتي

الآن أصبح شادي هو المسئول عن احتياجات الطفلة وتدريجيا احتياجات البيت بالكامل, بعد أن كان فقط ماكينة لصرف المال فبعد أن غادرت فاطمة المستشفى بأيام وجدناه يجهز حجرة كاملة بكل شيء قد تحتاجه لعشر سنوات قادمة على الأقل, وأصبح لا يجلس في مكان في البيت الا وهي متواجدة فيه, إما في مهدها النقال الصغير, أو في عربتها, وأصبح يحملها كثيرا ويلاعبها ويدللها ويتحدث إليها, ولكن, فجأة استوقفنا أنا وفاطمة يوما وفي عينيه سعادة كبيرة : انظرا, أنها تبتسم ابتسمت ساخرا بصمت من صغر عقله, فكيف لصغيرة مثلها أن تبتسم في هذا العمر؟

لكن فاطمة قالت باهتمام : حقا!

قال بتأكيد : نعم, لقد ابتسمت لي

عدت أكمل حديثي مع فاطمة وعاد هو لتأمل صغيرته, لكنه استوقفنا من جديد : انها تبتسم ثانية

لم أستطع أن أسكت فقلت: كيف لرضيعة في عمرها أن تبتسم!!

قال بتأكيد : لقد ابتسمت, أقسم لك

لكن فاطمة قامت من مكانها وجلست بجواره فنظر إليها وقال بإصرار وكأنما يحتاج لمن يؤيده : لقد ابتسمت لي, صدقيني نظرت فاطمة إلى وجه الصغيرة وامتلأت بالبشر والسرور, ثم نظرت الى شادي وقالت بابتسامة عذبة : أصدقك, لقد بدأت تتعرف عليك

أظنها تختصك أنت ببسماتها لأنها تحبك

قال مذهولا من عبارتها : أحقا!!!!

لو بحثت في كل الكتب عن عبارة كتلك تصنع ذلك الأثر في شادي ما نجحت, لقد ازداد إعجابي بذكاء تلك المرأة, لقد أدركت بذكائها أن شادي يحتاج إلى الحب وأن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يربطه بالبيت هو ارتباطه بنور فمنذ اللحظة الأولى ولا يخفى على أحد مدى حب شادي لها, وأدركت فاطمة أن نمو هذا الحب وتقويته يرسخ الاستقرار في الأسرة ويزيد من تقاربهما

أكمل عندما وجدها تتململ تريد أن تتكلم: نعم كانت الرغبة في التقارب النفسي بينهما واستقرار الأسرة رغبة متبادلة فما الغريب في هذا؟؟

لكن الطريق كان طويلا أمامهما للوصول إلى نقطة التفاهم, لقد بدأت الأمور تعود الى طريقها الصحيح لكنهما بحاجة إلى المزيد من الوقت وما أسعدني للغاية أن شادي وفاطمة أصبح لهما دائرة انسجام خاصة بهما, فلديهما الآن شيء مشترك يتحدثان حوله كان شادي يسألها دائما عن كل ما يخص الطفلة من أمور وكيفية نموها وتطور حركتها لم يكن يتركها تغيب عن عينيه, وإن أمسكها لا يستطيع أحد أن يأخذها منه, إلا عندما تطلبها فاطمة لإرضاعها أو لتبديل ملابسها, فلم يكن يستطيع أن يعارضها وشيئا فشيئا بدأ شادي يتلافى أخطاء الماضي, ويحاول أن يتقرب الى زوجته ويفهمها ويعرف عنها معلومات أكثر بدأ يقتحم الدائرة التي صنعناها أنا وهي سويا, ويندمج معنا في الحوار فأول ما شده للحوار بيننا وجعله يشارك فيه عندما سمعني يوما أسأل فاطمة : ولكن ما الذي اضطرك للوقوف في محل النظارات بدلا من والدك؟

قالت بود : كما تعلم والدي مريض ولم يعد باستطاعته الوقوف لفترات طويلة, كما أن مرض عيناه يتطور بسرعة قلت موضحا : ولكن لم أنت بالذات وليست إحدى أخواتك؟

قالت ببساطة : عندما هاجم المرض أبي كنت في امتحانات الثانوية العامة, وكنا نتبادل أنا وأخواتي الوقوف في المحل, وقد تحملوا ظروفي الصعبة أثناء امتحاناتي, وعندما أنهيت الامتحانات كنت أواظب على الوقوف في المحل أكثر منهم تعويضا عن الفترة التي قضيتها في المذاكرة والامتحانات ثم قدمت أوراقي لمكتب تنسيق القبول بالجامعات بعد أن كتبت رغبتي الأولى معهد فني بصريات, وجاءت النتيجة كما كتبتها تماما والتحقت بالمعهد وتخرجت وأصبحت فني بصريات, وكان من البديهي أن أصبح أنا المسئولة عن المحل وكل ما يخص إدارته

سأل شادي فجأة : وماذا كنتي ستكتبين في الرغبات لو لم تضطرك الظروف لهذا المعهد؟

نظرت إليه نظرة غير المتوقع ثم قالت : كلية تربية قسم تاريخ

شجعته إجابتها على الاندماج في الحوار: أتحبين التاريخ لهذه الدرجة؟

قالت بابتسامة ودودة: كنت أتمنى دائما أن أصبح معلمة للتاريخ

قال بتردد: ولكن, أليست مهنة التدريس لم تعد كما كانت في الماضي؟

أعني أن مستقبلها ليس جيدا

قالت : أنا أحب التدريس كهواية أكثر منه عمل, عموما لقد أشبعت رغبتي بالتدريس لبعض الوقت

قال : كنت تدرسين لأخواتك, أليس كذلك؟

قالت : ليس هذا فحسب, بل كنت أدرس في إحدى مجموعات التقوية التى تقدمها الجمعية الخيرية التابعة لمسجد حينا بأجر رمزي خرجت تماما من الدائرة وتركتهما يتحدثان لتنمو علاقتهما وتزداد قربا, وسألها هو باهتمام أكبر : كنت تدرسين التاريخ في هذه الجمعية؟

قالت ببساطة : لا, بل اللغة الألمانية

رفع حاجباه بدهشة متفاجئا بإجابتها الغير متوقعة : اللغة الألمانية!!

وكيف تعلمتيها؟

قالت : كانت اللغة الثانية لي في الثانوية, أحببتها كثيرا بسبب معلمي الفاضل أكرمه الله هو الذي جعلني أحبها وأتقنها, ثم رشحني للدخول في مسابقة يقيمها معهد جوته لإختيار أفضل الطلبة في اللغة الألمانية على مستوى مدارس الجمهورية, وكنت احدى الفائزات في المسابقة, وكانت الجائزة عبارة عن دورة مكثفة مجانية لدراسة اللغة الألمانية في شهور الصيف في المعهد نفسه مما جعلني احدى المتميزات في اللغة الألمانية, لذلك فقد استعان بي مدير الجمعية لإعطاء مجموعات تقوية في اللغة الألمانية بأجر رمزي

قلت مستفسرا : ولم لم يطلب من مدرس متخصص

قالت : لم أسأله رغم أني أتوقع أنهم طلبوا منه أجر مرتفع

ابتسمت بإعجاب كبير لذلك الذكاء المتقد والاجتهاد والمثابرة, بل والعطاء أما شادي فقد استمع اليها بإنصات وكنت أنا مهتما بمراقبة تعبيرات وجهه التي كانت تتغير طوال حديثها بشكل لا يخفى على عين تتسع ابتسامته ويملأ الإعجاب عيناه, لا شك أنها هي أيضا لا حظت نظراته لها فقد أحنت رأسها في نهاية حديثها وشبكت أصابع كفيها وثبتت نظراتها عليهم كما لو كانت تهرب خجلا من نظراته, وكان الحياء يبدو جليا في تعبيرات وجهها وحركاتها

ولأول مرة يصبح ذكيا ويرفض أن ينهي الحوار الودود الهادئ الموشى ببسماتها الرقيقة, فتنحنح وحاول أن يرسم الجدية في ملامحه : إذا فأنت تجيدين اللغة الألمانية؟

قالت ولا زالت نظراتها تتجنب عيناه: نعم

قال : الحقيقة أنني سمعت جملة باللغة الألمانية ولا أفهم معناها, هلا ترجمتها لي؟

قالت بهدوء : نعم, وما هي

قال وابتسامته تتسع : Ich liebe dich

صمتت لفترة وتوردت وجنتاها ولم تنظر اليه أبدا, ولكنها قالت : عليك أن تسأل المخرج

قال بدهشة : أي مخرج

أجابت وهي تقوم من مكانها : مخرج الفيلم الذي سمعتها فيه

قلت محاولا إبقاؤها : إلى أين يا ابنتي؟

قالت بسرعة وهي تغادر الحجرة : اقترب موعد العشاء وعلى تجهيز الطعام

بمجرد أن أغلقت الباب خلفها فوجئ شادي الولهان بالنظر اليها بصفعة مني على قفاه أيقظته من هيامه, فهتف بغيظ : ما هذا يا جدي؟

قلت ساخرا : من تظنني يا ولد! قنطرة بينكما!

قال بغيظ : أرأيت كيف هربت؟

قلت : أيها الأبله الفتاة توقرني أكثر منك, أتظنني لا أفهم ما يدور؟ إن أردت مغازلتها ثانية فانتظر حتى تكون وحدها هب قائما وغادر الحجرة مسرعا

فهتفت بدهشة : إلى أين يا مخبول

قال قبل أن يغلق الباب خلفه : أعمل بنصيحتك

حتى تقام البيوت لابد لها من دعامتين وهما الزوج والزوجة

واحد فقط لا يستطيع إقامة البيت أن كان الآخر لا يبالي

فاطمة وحدها لم تكن تستطيع الإبقاء على البيت دون رغبة حقيقية من الدعامة الثانية, (أي شادي) ورغم ذلك حاولت حاولت بكل ما تستطيعه من جهد, وخاصة بعد أن أصبح لديها دافع قوي للإبقاء على حياتها مع شادي بعد كل ما فعله شادي معها تعامله بمثالية لم أرها في أى بيت من البيوت التى أعرفها, لم توجه له ولو حتى لوم أو عتاب, بل كلما اقترب شادي منها خطوة تقربت هي اليه عشرا, كانت تسهل عليه الأمور للغاية, لم يعد هناك تفكير في الإنفصال

لأن هناك نور وكانت أجمل اللحظات التي أرى فيها السعادة مرتسمة على وجه فاطمة عندما تتأمل شادي وهو يحمل طفلته ويلاعبها كلاهما يتفانى الآن في جعل البيت مستقرا وثابتا, لقد اجتمعا أخيرا على شيء, شيء يبذلان في سبيله أرواحهما لرسم مستقبل سعيد له

وهما يراقبانها وهي تكبر أمامهما شهرا بعد شهر كانت فاطمة هي الأكثر بذلا وعطاء, مخلوقة غير كافة الناس وجه جديد لها أراه لأول مرة وجه من يختلق السعادة اختلاقا

سمعت حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبّر"رواه ابن حجر في فتح الباري مرفوعا 1\161 والهيثمي 1\128 و أوقفه بعض العلماء على بن مسعود

لكنها أول مرة أعرف فيها أن السعادة بالتظاهر بالسعادة, هذا هو المعني الجديد الذي علمتني إياه فاطمة لن تفهمي ما أقوله إلا إذا أوضحت لكي ما كانت تفعله مع زوجها

كنت من خلال أحاديثي الطويلة معها أستطيع أن أستنتج ما تحبه وما تكرهه, وكنت أراقب بصمت المتعجب عندما يهديها شادي شيئا وأنا أكاد أجزم أنها لا تحبه ولا يناسبها ثم أجدها تظهر فرحا غير عادي به قال عندما رأى علامات التعجب على وجهها : أتعجبين!

لم يكن التعجب فقط هو شعوري وأنا أراقبها وهي تصرخ بحماس ومرح عندما تتشارك هي وشادي في اللعب على الكمبيوتر كان الذهول ينتابني وأنا أراقب الفتاة الرصينة المثقفة ذات العقلية العملية التي يمكن أن تدير بلدا بأكملها وهي تشاكس زوجها كالأطفال وتضربه على كتفه كلما هزمها في لعبة سباق السيارات بل وتلقي بالنكات وقد يرتفع صوتها بالغناء المازح كلما حكمت القافية كما نقول وأيقنت أنها تتقرب إليه بما يحبه هو حتى ولو لم تكن هي تحبه

وتوارت لعبة الأذكياء أمام ألعاب الكمبيوتر التافهة كانت تعتني بي وتبذل جهدها لراحتي ورعايتي, ولكن عندما يدخل شادي إلى البيت ينسحب كل اهتمامها إليه

أخذها مني الأحمق لا تتعجبي فهي ابنتي الوحيدة, أنا مؤمن بذلك في قراره نفسي

كان لي صديق رأيته مرة يبكي بكاء حارا, وعندما سألته عن السبب قال ان ابنته تزوجت, أخذها منه رجل غريب يومها سخرت منه واتهمته بالجنون اليوم عرفت أن مشاعره كانت صادقة للغاية, فأى أب يعتقد أن ابنته, درته الغالية لا يستحقها أي رجل في هذا العالم

لكن العقل هو ما يلجم مشاعرنا ويهذبها, لهذا عندما نحكم عقولنا لا نرضى أبدا لبناتنا إلا بحياة مستقرة وبيت سعيد وزوج يرعاهن ويصونهن, لذلك كانت سعادتي تزداد كلما رأيت الوفاق والانسجام يزداد بينهما كان شادي سعيد للغاية بما وصل إليه مع فاطمة, لم يكن ينغص عيشه سوى مشاكل العمل كما كان يحكي لي أنا وفاطمة فهناك تلاعب بأموال الشركة ولكنه لا يعرف من على وجه التحديد الذي يتكسب من وراء ظهره, ويسرق من أموال الشركة لكم كانت سعادتي أن أرى شادي وهو يصب كل اهتمامه على بيته وعمله وينسى أصدقاؤه وحفلاتهم وسهراتهم, فالصغيرة (حبه الوحيد كما يطلق عليها دائما) أخذته من كل شيء وأنسته العالم

وإذا ما أراد الخروج فأول ما يفكر فيه هو أين يمكن أن يصطحب فاطمة وأى الأماكن يمكن أن تسعدها وتوصل عقله إلى أن يدعوني أنا وهي إلى معرض الكتاب, ورغم أنها كانت فكرته, إلا أنه تركنا أنا وهي نتجول في المعرض بحرية واختار هو أن يجالس صغيرته في ركن هادئ من أركان المعرض ويومها لم يخفى على مدى تلهف فاطمة لإنهاء الجولة سريعا والعودة إليه بحجج مختلفة, مرة نور جائعة, ومرة شادي وحده سيمل, ومرة أنا جائعة فلنتناول الغداء

وهكذا لا يمضي وقت طويل إلا وتعود إليه مسرعة, وكان هو رائعا بحق, فلم يشعرنا أنه ضائق أو ملول, ويومها استطاعت فاطمة أن تملأ البيت بكتب كثيرة في ثقافات مختلفة, ولم يبالي شادي بما أنفقته أو حتى يسألها كم دفعت, فقد حصل على شيء أغلى, سعادة فاطمة وقربها منه ولكن بقي شيء واحد ليطوى الماضي بكل ما فيه من ألم كما بدأ زواجهما بالصراحة المطلقة, فعليهما أن يبدءا تلك المرحلة من حياتهما بالصراحة المطلقة أيضا, وكما حكى لي شادي وهو متأثر كانت فاطمة ترضع طفلتها التي استيقظت بعد منتصف الليل وأيقظتنا, فبقدر حلاوتها وجمالها وخفة ظلها إلا أن صوت صراخها هو أسوأ ما فيها

كنت أجلس على المقعد الوثير بجوار النافذة أتأمل فاطمة وهي تجلس على السرير وترضع طفلتي وأخذت أذكر نفسي وأحادثها بأن تلك الصورة الجميلة التي أمامي هي أجمل ما في حياتي, صورة تحوي أغلى من امتلكت فاطمة وطفلتها

لم أكن أدري من أين أبدأ ولا كيف أصارحها, ولكن يجب أن أصارحها, فقلت بتردد : فقط لو يعود الزمن للوراء؟

قالت بابتسامة عذبة: لا تقل لو, بل تمنى أن يكون الحاضر أفضل والمستقبل أفضل وأفضل

امتلك بعض الشجاعة فاندفعت قائلا: أتمنى لو أستطيع أن أعوضك عما قاسيتيه بسببي

قالت بحنان : لا تكمل فقد نسيت كل شيء

غص حلقي بالندم : أما أنا فلا أستطيع أن أنسى, كلما نظرت الى صغيرتي وحبة قلبي وأتخيل أن رجل, أي رجل يخطفها مني ويتزوجها رغما عني وعنها أكاد أموت غضبا, أظنني قاتله لا محالة خفتت ابتسامتها لكنها قالت : صدقني ما كنت أتمنى أبدا أكثر مما أنا فيه الآن, إن نعم ربي على لا تحصى بيت جميل وزوج عطوف يحميني ويسترني وجد طيب وقرة عين لي ولك

نهضت من الكرسي واقتربت منها وركعت على ركبتي أمامها وأمسكت بكفها بين يدي والحب ينطق في لساني : فاطمة, منذ فترة وأنا أريد أن أصارحك بشيء

استمعت إلي باهتمام فأكملت : أنا أحبك, أحبك أكثر من أي شيء, لقد منحتيني سعادة لا توصف, أنتما أغلى ما لدى في هذا العالم غزت الدموع عينيها وظهر التأثر في ملامحها, وقالت بصوت رقيق : شادي, أنا..

قاطعتها بحب ولهفة وانطلقت مشاعري بصدق لأول مرة أشعر به مع أية امرأة : يا الهي, ما أحلى اسمي على شفتيك, لم أسمعه يوما بهذا الجمال طفرت دموعها وجرت على خديها وقالت : شادي, أنت العزيز الغالي, ان لك مكانة عالية في قلبي, أنت ..

خفتت الابتسامة من على شفتي ومن قلبي, لقد صدمتني عبارتها التي لم أتوقعها, فقاطعتها برجاء : تمنيت أن أسمع منك كلمة حب

أسبلت جفنيها بخجل وقالت بتردد: لقد اعتدت مني الصراحة المطلقة كما تعودنا معا غمرني إحباط هائل ويبدو أنه انعكس على نبرة صوتي وملامح وجهي : نعم

قالت : لو قلت أنني أحبك فلن أكون صادقة تماما, ولكن صدقني إن مكانتك في قلبي تزداد يوما بعد يوم, فقط امنح قلبي بعض الوقت ليعرف ما هو الحب فأنت زوجي وأبو ابنتي الذي لا يمكنني الاستغناء عنه, إن ما يربطنا هو أقوى رباط في الحياة, بل هو أقوى من رباط الحب

صمت قليلا أحاول أن أبتلع كلامها وأتقبله, وعندما أدركت أنها صادقة حقا وأن على بذل المزيد من الجهد لتثق بي قلت محاولا رسم ابتسامة جديدة على شفتاي : إذا فهل سامحتيني

قالت باسمة : علام أسامحك؟ لا أستطيع تذكر أي شيء أسامحك عليه, ولكن..

ترددت قليلا ثم قالت : لو طلبت منك شيء فهل تفعله؟

قلت بحماس صادق ورغبة حقيقية لإسعادها : اطلبي عيناي ولن أتأخر

قالت بدلال : مهما كان طلبي صعبا؟

قلت بتأكيد : الطالب أغلى من كل صعب

ترددت قليلا ثم قالت : أريدك أن تصلي فوجئت تماما بطلبها الغير متوقع, في لحظة ما ظننت أنها قد تطلب مالا أو ذهبا أو أي شيء للبيت أو لنور, لقد أوقعتني في حيرة كبيرة, لا لأنني لا أعرف كيف أصلي, ولا لأنني لم أفكر يوما في هذا الأمر ولكن..

أي امرأة هي التي تطلب مثل هذا الطلب الغريب؟ كنت مستعدا أن أمنحها كل ما تطلبه مهما كان ثمنه, بل كنت أعد نفسي لأشتري لها سيارة أو أنقلها إلى بيت جديد ربما فيلا في أرقى الأحياء

حيرني كثيرا أنها المرأة الوحيدة التي لم تهتم يوما بما أحمله من مال ولا بالقيمة المادية لهدية أهديتها إياها, امرأة لا يعنيها المال رغم أن زواجنا في ظاهره بدا خلاف ذلك يبدو أنني أطلت التفكير فسألتني برفق : أهو صعب لهذه الدرجة؟

قلت بارتباك : لا ولكني لم أكن أتوقع أن تطلبي مني هذا الطلب

قمت من الأرض وجلست بجوارها على السرير ثم قلت بعد تفكير: لا أدري, ولكني سأحاول

الغريب أنها رضيت مني بذلك الوعد الغير محدد ابتسمت لي واحتضنت ذراعي وقبلت كتفي بسعادة بالغة أيقظته من إحباطه قائلا : لا تأسى على نفسك فالجراح لا تشفى بين يوم وليلة, لا تنتظر منها أن تتدله في حبك لمجرد أن اعترفت بحبك أمامها

أتدرى أنها لو قالت غير ذلك لاعتبرته نفاقا منها وكذب أنت نفسك ما كنت لتقتنع لو قالتها لك بعد كل ما فعلته بها, يكفي أنها سامحتك وصفحت عن كل أفعالك ولم توجه لك ولو كلمة عتاب واحدة لقد رضيت بحياتها معك وتقبلتها وعليك ألا تتعجلها وترضى أنت أيضا بالسعادة التي تمنحها لك هدأ شادي بعد كلماتي له وبدأ يبحث عن قلب زوجته لينفذ إليه

أما فاطمة فكانت منشغلة بشيء آخر, بالوعد الذي وعده زوجها لها, لم تنسى, ولم تتوانى عن طلبها فكانت تستخدم طرقا في غاية الذكاء لتدفعه للصلاة دون أن تحرجه أو تشعره بالخجل, وكم من مرة تستعين بي لمساعدتها في تحقيق أملها بأن يصبح زوجها من المصلين

ولكن أنى لإنسان وصل الى هذه السن الكبيرة دون أن يركعها أمر صعب للغاية, واستغرق شادي أكثر من عام حتى يستطيع فقط أن يخرج معي لصلاة الجمعة مرة واحدة وكانت سعادة فاطمة عظيمة بذلك التطور الهائل (كانت تراه كذلك) كما كان صبرها عليه عظيما

فلأول مرة بعد عام كامل ترى نتيجة لتعبها ومجهودها معه مما منحها دافع قوى لاستكمال المسيرة والجهاد معه إلى مالا نهاية وهي في قمة اليقين أنها ستنجح يوما ما لا محالة, حتى لو طال عليها الأمد وامتد الزمن كما كنت أقول لها لكن يأسي منه لم يجد في نفسها أى ثقب يتسلل لها منه, فعزيمتها أقوى من الحديد, وان لم تفلح هي فستنجح بالتأكيد حبيبة قلبه وقرة عينه نور, فلا شك أنها ستستعين بها عليه يوما ما تلك هي عقلية فاطمة وهكذا تفكر وتتصرف

دوافعها وتصرفاتها تختلف تماما عن دوافع أية امرأة أخرى لا يهمها سوى أن يكون زوجها لها وحدها ينفق عليها وعلى أطفالها بسخاء ويحبها ويدللها أما هي فلم تطلب منه أى شيء لنفسها (رغم يقينها أنه سوف يلبي لها أى طلب تطلبه)

بل أن طلبها كان أولا لرضا ربها ثم حماية لزوجها من عذاب أليم أعلم ما تريدين قوله, أنها بشر وليست ملاكا فاطمة لم تكتسب تلك الصفات الملائكية بين يوم وليلة

حتى يتضح لكي مدى عمق شخصيتها وكيف تفكر وعلى أى أساس تكون اختياراتها وتصرفاتها سأحكي لكي مناقشة بينها وبين زوجها كنت حاضرا لها ومستمعا فيها

لكم كنت دوما أحبها وأحترمها وأقدر تضحياتها ولكنها كبرت في عيني للغاية بعد هذا الموقف

كان شادي يسألها باهتمام ونحن نجتمع كعادتنا بعد العشاء في حجرة المعيشة : أخبريني بصدق, وأرجو ألا تفهميني خطأ لم تغطين وجهك؟ أعني, هل أجبرك أحد ما على ذلك

نظرت له نظرة مستنكرة, فابتلع ريقه وردد ثانية: لا تفهميني خطأ, ولكن..

تردد من جديد ثم قال : ولكن, فتاة في مثل جمالك وفتنتك لا يمكنني استيعاب فكرة أن تقدم على تغطية وجهها بملء إرادتها, فالمعروف بين الفتيات أنهن يحببن اظهار مواطن جمالهن وفتنتهن, حتى أن بعضهن قد يلجأن لعمليات التجميل أو الزينة الكثيفة والصبغات والعدسات الملونة, وأنت غنية عن كل ذلك الحقيقة أنني قد أتخيل أن أحد ما أجبرك على ذلك, والدك مثلا قد يكون خائفا عليك, لكن أن يكون ذلك برغبتك فهذا غريب!!

فإخفاء الجمال ضد طبيعة المرأة ورغباتها, فكل امرأة تود أن تكون جميلة في عيون الناس, ويعلو قدر المرأة كلما زاد جمالها

صمتت لفترة ثم نظرت إليه وسألته بجدية : وهل تفضل أن أكون خلاف ما أنا عليه؟

قال ببعض الأسف: سؤالي لا علاقة له بما أفضله, بل هو استفسار وتعجب وفضول

صمت قليلا ثم أكمل: أريد أن أعرف ما في رأسك بقيت صامتا منصتا أراقب ذلك الحوار باهتمام, وتذكرت أمرا غريبا, لقد قضيت في هذا البيت وقت طويل, ودارت بيني وبينها أحاديث كثيرة وحوارات طويلة, لكن لم يتطرق إلى ذهني أبدا أن أسألها هذا السؤال, ربما لأنني أتفهم طبيعتها المحافظة الملتزمة بدينها أما شادي فيبدو الأمر بالنسبة له عجيبا, فقد تربى في بيئة أخرى بعيدة تماما عن الالتزام الديني تربت أمه في الغرب, فوالدها كان دبلوماسي, عرفها ابني عندما كان في منحة دراسية لكندا, وتزوجها وعاد بها إلى مصر لينضما إلى المجتمع الراقي وتصبح زوجة ابني سيدة مجتمع ولكن مع الأسف, كل هذا الرقي والثقافة كان على حساب الهوية والانتماء والدين عاش حفيداي في بيئة تعتبر أي مظهر من مظاهر التدين هو تخلف وعودة للوراء وردة حضارية, وكان هذا هو السبب الأساسي لخلافي مع زوجة ابني

فبالنسبة لها وجودي في البيت بأفكاري وتصرفاتي وحتى ملابسي يهدم كل ما تربي عليه أبنائها

أضيفي إلى ذلك المدارس الأجنبية التي درسا فيها فهي لا تعير الشعائر الدينية أدنى اهتمام

لذلك كان يعتبر فاطمة كائنا غريبا يستفز فضوله وجو جديد وبيئة مختلفة تثير اهتمامه ويود اقتحامها ليعرف ماذا وراءها

هتفت ولاء : وأين الأب من كل ذلك!!

قال بمرارة : رغم أن ابني تربى على أخلاق القرية وتقاليد المجتمع المحافظ, لكنه انسلخ منها تدريجيا منذ أن سافر إلى كندا وكلما تصادمت أفكار وتصرفات زوجته مع عقليته المحافظة يضطر إلى السكوت أمام شخصيتها القوية واتهامها له بالتخلف كلما أبدى اعتراضا على تصرفاتها, ولأنه لم يستطع أن يتقبل تلك التصرفات بسهوله, فكان الحل الأسلم بالنسبة له هو السكوت والانسحاب من البيت والانهماك في عمله مما تسبب في ابتعاد أولاده تدريجيا عنه

قالت ولاء باستنكار : من كثرة إنصاتي للمرضى وحكاياتهم أدركت أن كل خطأ ومشكلة يرتكبها الأبناء, يكون للأب النصيب الأكبر فيها

تنهد الشيخ بألم, وتجاوز الرد عما أثارته ولاء من كلمات مؤلمة له وعاد للحكاية

يبدو أن فاطمة فهمت طبيعة حفيدي جيدا, لذلك فقد تقبلت الأمر ببساطة وبدأت تحكي دون أن تتغير لهجتها الودودة وتجيب عن كل أسئلته الحقيقة أن ما سمعته فاجأني كثيرا, فقد كنت أظن الأمر طبيعيا وعاديا أن تقوم فتاة من بيئة شعبية محافظة بتغطية وجهها, ولكنني كنت مخطئ كثيرا في ظني فالأمر أصعب كثيرا مما توقعت بدأت الحكاية بالإجابة عن سؤاله : لا لم يجبرني أحد على أي شيء وخاصة أبي, فهو لم يكرهنا يوما على شيء لا نريده, على العكس, فهو يمنحنا الحرية الكاملة لنفعل ما نريد ثقة منه في أخلاقنا وتربيتنا, حتى أنه لم يعترض عندما أحبت أختي الكبرى زميل لها في العمل, ووافق على الفور عندما تقدم لها فقط لأنها رضيت بالعيش مع أهله في شقتهم الصغيرة نظرت خلسة إلى شادي لأرى تأثير كلماتها على وجهه, لقد أحنى رأسه متأثرا, وتفهمت مشاعره, ففاطمة لم تحظى بربع ما نالته أختها, انه الاختيار الحر,والحب استمرت فاطمة في حكايتها وعدت للانتباه لها : ولأنه كان من طبعنا الاحتشام في الملبس لذلك فقد كانت تغطية الرأس خطوة طبيعية وعادية لي ولأخواتي خاصة وأنه كان منتشرا بين أقراننا في المدارس الحكومية التفت إلى شادي مجددا لأجد الدهشة على وجهه

نعم هو محق أن يندهش, حتى أنا كنت مندهشا من مدى اتساع الفجوة الاجتماعية بينهما حتى يبدو وكأن كلا منهما قد تربى في كوكب مختلف ثم عدت أستمع إليها وهي تقول : إلى هنا وكل شيء مستقر ويسير عاديا ذهبت يوما مع بعض الصديقات لأداء صلاة الجمعة في المسجد, ومن صلاة الجمعة إلى دورة لحفظ بعض أجزاء من القرآن بالمسجد اجتزتها بسرعة كبيرة, ثم التحقت بمعهد لحفظ القرآن الكريم

اعترض شادي بدهشة: ولكن من أين لك بالوقت الكافي وأنت طوال النهار منهمكة في عملك بالمحل!

قالت باسمة: من يبحث عن الوقت سيجده بالتأكيد, لقد وفقني الله في حفظ ثلثي القرآن تقريبا

قال شادي بتعجل : ولكن لم تخبريني بعد لم وكيف غطيتي وجهك؟

قالت والابتسامة لا تفارق شفتيها : الأمر جاء بتدرج تلقائي, فالمقدمات دائما ما تؤدي للنتائج

كانت ملابسي تطول وتتسع كلما تعمقت في قراءاتي الدينية, ثم بدأت رغبة ملحة بداخلي تدعوني لتغطية وجهي كلما نظرت في المرآة, أو كلما لاحظت نظرات الرجال النهمة إلى وجهي

همس شادي بصوت وصل إلى أذني : محقين

أكملت دون أن تعير انتباها لعبارة شادي الهامسة: وبعد صراع نفسي شديد بين رغباتي الأنثوية وبين سعيي لرضا ربي, قررت ارتداء النقاب وتغطية وجهي وقتها اعتقدت أنني حرة في اختياري, وأنني وحدي صاحبة القرار في هذا الأمر, وأن صراعي النفسي قد انتهى بمجرد أن حسمت اختياري لكن الصراع الحقيقي قد بدأ لقد فوجئت بمعارضة أسرية عنيفة هزتني بعنف, وكان رأس المعارضين وأشدهم هو أبي, وعندما سألته عن السبب, رص لي قائمة طويلة من الإجابات أولها هو كيف ستقفين في المحل طوال النهار مغطاة الوجه, وماذا ستفعلين في أيام الصيف شديدة القيظ؟ وماذا عن أقربائنا, أبناء عمومتك وأبناء أخوالك, هل ستستخفين منهم هم أيضا!!

وماذا ستفعلين في الدعوات العائلية والأفراح, هل ستعتذرين عنها وتبقي في البيت وحيدة؟

والأهم من كل هذا, ألم تسمعي بحوادث الإرهاب التي انتشرت في هذه الأيام؟

إن الإرهابيين يستخفون في ثياب امرأة تخفي وجهها, ماذا لو ارتاب فيك أحد أفراد الأمن وأراد أن يكشف وجهك ليعرف إن كنت امرأة أو رجل متخفي؟ وماذا لو اصطحبك إلى قسم الشرطة ليتحرى عنك كانت كلماته ترجني رجا وتفتت ثقتي بنفسي

أما أمي فقد كانت تخشى أن يبتعد عني الخاطبين بعد أن أخفيت جمالي عن العيون وبدأ أخواتي في عمليات غسل الدماغ والإيحاء النفسي بجمل مثل (لازال الوقت مبكرا لتلك الخطوة) (انتظري حتى تتزوجي وبعدها افعلي ما تريدين) (يجب أن تطيعي أباك وأمك ولا تغضبيهما, فذلك أحب إلى الله وأعلى في الثواب)

ازدادت الضغوط عنفا حتى أن أبي لأول مرة في عمري كله يرفع يده ويصفعني على وجهي صفعة أدمت قلبي قبل أن تدمع عيني أبي كان دائما صديقا لنا, هو الحنان مجسدا في صورة إنسان لم يضربنا أبدا حتى ونحن صغار وعلى خلاف أغلب الرجال في وسطنا والذين كانوا يتمنون الولد كان هو يحمد الله ليل نهار أن رزقه بالبنات, ولم نسمعه يوما يشكو الى الله أو يتذمر أن ذريته من البنات, أو حتى يدعو الله أن يرزقه الولد, بل كان دائم الفخر بنا

لقد زلزلني موقف أبي مني وكاد أن يجعلني أبدل رأيي وأمتنع عن لبس النقاب وخاصة بعد أن قرر مقاطعتي, والامتناع حتى عن مشاركتي الطعام أو الكلام أو حتى الجلوس في نفس الحجرة التي أجلس فيها ولكن يبدو أن الضغوط العنيفة قد زادتني إصرارا على موقفي, وجعلتني أتمسك برأيي أكثر, فصمدت أياما وأسابيع وبدأ أخواتي يملون من التحدث الى في هذا الموضوع , ثم بدأت أمي تتقبل الأمر باستسلام للأمر الواقع ويبدو أنها قد أشفقت على من مقاطعة أبي لي, فكانت تتحدث إليه سرا وترقق قلبه تجاهي وبعد شهور مرت العاصفة بسلام وخرجت منها بيقين قوى أنني إذا أردت شيئا غاليا فما سأدفعه سيكون غاليا أيضا

قال شادي بحيرة : ولكن لم كل هذا! ولأي شيء! ولأية مكاسب تخوضين حربا كتلك

أتعلمين أنني أؤيد والدك في وجهة نظره أردت أن أتدخل في الحديث, فقد خشيت أن يؤثر كلام شادي على العلاقة بينهما ويتسبب في تقلب قلبها عليه لكنها سبقتني وأجابت بابتسامة هادئة : أنت محق في وجهة نظرك, فمن ينظر أمامه مباشرة يجد الأمر هكذا, فتاة تصر على ارتداء النقاب وتغطية وجهها في المكان الخاطئ والتوقيت الخاطئ ولكنني لم أكن أنظر أمامي, بل كنت أنظر لبعيد, بعيد للغاية, كنت أنظر إلى رضا ربي وطاعته ولكن لأن الإنسان دائما سريع الملل سريع النسيان, فقد بدأت أتأثر بكل ما هو حولي ورغم صمودي أمام الإجراءات العنيفة التي اتخذها أبي ضدي, وبعد أن انقشعت الغيمة, ظننت أن الأمور استقرت ولكن كان ينتظرني ما هو أشد, فقد ابتعدت عني صديقاتي ووجدت نفسي وحيدة بعد أن كنت محاطة بأعداد كبيرة من الصديقات والأقسى من ذلك أنني تعرضت للكثير من السخرية والاستهزاء بمظهري وملابسي قد تصل أحيانا إلى حد الإهانات الصريحة وبدأت تتخبطني الأفكار والهواجس, وكانت نفسي أشد على من كل من هم حولي, فثارت في نفسي الهواجس والوساوس بسبب النقاب ابتعد أصدقائي عني وأصبحت وحيدة ومهانة ومثار سخرية الجميع إذا فأمي محقة في خوفها على, كيف لي أن أتزوج إن كان الجميع يتجنبني ويسخر حتى من ملابسي؟

وبدأت كلمات أبي تأخذ طريقها إلى عقلي, وكلما رأيت ضابط أمن يسير في الطريق, أغير طريقي وأسير في طريق آخر مخافة أن يشتبه بي بسبب ملابسي قلت بدهشة : لا أعتقد أن الأمر كان بهذا السوء, فما أكثر المنتقبات في هذه البلاد, وما أكثر المتزوجات منهن

قالت : نعم, بالتأكيد لم يكن الأمر بهذا السوء ولكنه شيطان العقل عندما يسيطر عليه تصبح كل المخاوف متضخمة والوساوس حقائق فعليه والهواجس أمور واقعية إن أصعب ما يمكن أن تواجهه في الحياة هو أن تتخذ قرارا وأنت موقن بأنه صحيح مئه في المئه, ثم تفاجأ بأن من يقف في طريقك هم أقرب الناس إليك عندها تهتز ثقتك بنفسك وتتردد, هل أنت على صواب أم خطأ وتهتز قدرتك على اتخاذ القرار

وكانت هذه هي أصعب فترة مرت على في حياتي, أصعب بكثير من الفترة التي قضيتها في خصام مع أبي لدرجة أنني كرهت النقاب وكرهت مظهري وملابسي, ولآلاف المرات فكرت أن أتخلى عن النقاب وأعود كما كنت, ولكني كنت أتراجع في آخر لحظة بكيت وانتحبت وسجدت لله كثيرا ودعوته أن يثبتني وشكوت إليه ضعفي وإحساسي بالذل والمهانة فكلما جلست في المحل أشعر بالإختناق وعدم القدرة على التنفس, فأكشف وجهي لأتنفس براحة وأستمتع بذلك الإحساس للحظات, ولكنني كنت أتراجع بسرعة إذا ما رأيت رجلا قادما نحو باب المحل, فأغطي وجهي بسرعة قبل أن يدخل المحل قلت بشفقة : تألمتي كثيرا قالت باسمة : لكن ألمي لم يطل فسرعان ما بدأت نفسي تهدأ وروحي تستقر, وأتعامل مع النقاب كأمر واقع لن يتغير, وبدأت أروض نفسي على هذا الواقع, وأقنع نفسي بأنه أسلوب حياتي ولا يمكن تغييره وبالفعل استطعت تجاوز تلك المرحلة الصعبة وأبقيت النقاب على وجهي طوال فترة مكوثي في المحل والتي قد تمتد إلى 14 ساعة يوميا, حتى ألفته واعتدته كما لو كان جزء من وجهي, حتى أصبحت أشعر بغرابة كلما خلعته في البيت عندها فقط عرفت أنني تغلبت على نفسي الأمارة بالسوء, وبدأت أفكر بشفافية أكبر وبعقل أكثر, فتبين لي أن تلك المرحلة المؤلمة التي مررت بها كان لا بد منها حتى يختبر الله مدى صدقي وإصراري وإيماني عندها أدركت أنني قد ازددت قوة وقدرة على التحمل, وأيقنت أن أية مشكلة ستواجهني بعدها أستطيع أن أتغلب عليها, ولن يقف في طريقي شيء طالما أنني أسعى لرضا ربي قال شادي بشك : إذا فأنت تؤمنين أن النقاب هو فريضة, وأن كل امرأة يجب أن تغطي وجهها وإلا فستكون....

قاطعته بسرعة وقالت بحزم : كلا, أنا لا أؤمن بأن تغطية الوجه فريضة ملزمة لكل امرأة, بل الفريضة هى تغطية الرأس وسائر الجسد أما الوجه ففيه خلاف, وأنا أعتبره فضيلة وقربى الى الله أسبلت جفنيها وقالت : قد تعتبرني مغرورة, ولكني موقنة أنه فريضة وواجب في حقي ولنفسي هذا هو ما أظنه

ابتسمت بإعجاب وقلت بود : وأنا أيضا أظنك محقة في تصورك هذا

صمت شادي تماما ولم يتكلم, بل ظل يتأملها مليا ويدور بعينيه في وجهها الجميل, أما أنا فقد سألتها : إذا فقد هدأت نفسك واستقرت لهذا الاختيار؟

قالت بابتسامة ودودة: بل الأكثر من هذا أنني بدأت أستشعر فضل ربي على وإكرامه لي

فلم أعد أرى في أعين الرجال من حولي تلك النظرات النهمة التي كنت أكرهها, بل رأيت نظرات تحوى الاحترام, والكثيرين كانوا يتجنبون النظر إلى ويخفضون أعينهم كلما تحدثوا الى احتراما لخصوصيتي وتقديرا لصيانتي لنفسي بل أنني قد اكتشفت أن أغلب صديقاتي اللاتي تركنني بعد أن لبست النقاب لم يكن صديقات بالمعنى الحقيقي كانت صداقة قائمة على المنفعة, فالتي ترغب أن أكون عروسا لأخيها, والتي تصادقني ليقال أنها صديقة لأجمل فتاة في المعهد, والتي ترغب في الانضمام لشلة أصدقائي والأشد والأنكى من ذلك تلك التي كانت تصادقني وتتخذ مني رفيقة لدربها نذهب سويا ونعود سويا, اكتشفت أنها ترغب في أن يسير الشباب خلفنا في الذهاب والإياب بسياراتهم ودراجاتهم النارية, فهي تتخذ مني طعما لاصطياد من يعجبها حمدت الله كثيرا أن كشف لي تلك المخازى, وخلصني من كن يدعين صداقتي, بل رزقني بمن هن خير وأتقى

صديقات يصاحبنني لشخصي وشخصيتي دون منفعة أو غرض في نفوسهن

قال شادي برنة أسى : وأين هن الآن؟

نظرت إليه طويلا ثم قالت كما لو كانت تنفي ظنه بأنه هو الذي أبعدها عن صديقاتها : الغالبية منهن تزوجن وانشغلن ببيوتهن وأزواجهن وأولادهن, وبعضهن بدلن السكن ويقمن في أماكن بعيدة, لكن الاتصالات لا زالت بيننا من وقت لآخر

قال شادي بعد تفكير : إذا فكل الخطوات الهامة في حياتك تمت رغما عن ارادتك!!

درست في معهد لم يكن هو رغبتك الحقيقية, وارتديت النقاب بعد عاصفة من الصراع النفسي, و.....

صمت شادي ولم يكمل, لكن استنتاج ما يريد قوله كان سهلا للغاية

كانت تفكر مليا في كيفية الرد عليه دون أن تجرح شعوره : قد يبدو لك الأمر لأول وهلة أنني كنت مضطرة أو مجبرة على فعل أشياء كثيرة دون إرادتي

قال : نعم, هذا صحيح

قالت : لا يمكنني أن أصور نفسي كضحية للظروف والزمن والناس, هذا ليس حقيقيا

قال بأسى : وما هو الحقيقي في حياتك؟

قالت : لقد كانت تواجهني دائما تحديات في الحياة كأي إنسان, أكون فيها بين خيارين وعلى أن أفاضل بينهما وأختار احدهما وتلك هي الحياة, مجموعة من الابتلاءات والتحديات والاختيارات,

ومع كل تحدي يواجهني كنت آخذ فرصتي الكاملة في التفكير والتأني والمفاضلة بين الاختيارات وقياس السلبيات والإيجابيات لكل منها ثم أختار بمحض إرادتي وبكامل حريتي قال بعصبية : ولكنك دائما ما تختارين الأبعد عن أحلامك وأمنياتك ورغباتك الشخصية

قالت بصدق : نعم, قد أختار في أحيان كثيرة الأبعد عن هوى نفسي, ولكن اختياري يكون دائما هو الأقرب لرضا ربي

صمتنا تماما, فلم يعد هناك ما يمكن أن يقال بعد تلك الكلمة

لقد فهمت أخيرا وبوضوح جلي كيف تفكر فاطمة, وما هو الدافع الأساسي والثابت وراء كل تصرفاتها

أتمت الصغيرة عاميها بعد أن أتعبتنا وأجهدتنا, وأصبحت زهرة البيت وشمسه وقمره كانت المدللة لدى أبيها, وعندما يعود من عمله لا يكف الشغب والصراخ والصخب في البيت

ولا يستطيع أحد أن يفصلهما عن بعضهما البعض

وكلما احتاجت فاطمة لإطعامها أو تبديل ملابسها تضطر الى الركض خلفهما في البيت كله, وعندما تتعب تهتف في زوجها : شادي لقد دللتها كثيرا, سيفسدها تدليلك

فيرد عليها ضاحكا والعفريتة الصغيرة فوق كتفيه : مين يعادينا مين مين في أراضينا هاها

وتردد خلفه الصغيرة بحروفها اللذيذة الغير مكتملة, فيتحرك قلبه بالحنان وينزلها من فوق كتفيه الى الأرض ويدغدغها بحب ويغرقها بالقبلات والصغيرة تصرخ بدلال وضحكاتها تملأ البيت بهجة وسرورا

وأنا وفاطمة نراقب ونضحك بسعادة

قامت فاطمة من مكانها وجلست على الأرض أمام شادي والعفريتة الصغيرة بين أحضانه, وذراعيه مطبقتين حول جسدها الصغير,

فعلمت أنها ستقول الآن كلمتها التي ترددها كثيرا كلما عجزت عن أن تأخذها منه

فتقول بحزم وهي تحاول رسم الجدية قدر ما تستطيع : شادي, أعطني ابنتي

تخرج الصغيرة لسانها وتقول بعناد : لأ, بابا

فتقول فاطمة بحزم أكبر : شادي, أعطني البنت, أريد أن أحممها وأبدل لها ملابسها, انها لم تأكل حتى الآن

ينظر للصغيرة ويرسم الأسى على وجهه : أرأيت, أغضبنا ماما, البنت الطيبة يجب أن تطيع أمها, هيا الى الحمام

تهز الصغيرة رأسها وتتسع حدقتاها بمكر, فيهمس في أذنها : وسنكمل اللعب بعد الحمام

تقفز من بين أحضانه وتجري الى الحمام وخلفها فاطمة, والسعادة مرتسمة في عينيه وهو يراقبهما

وأنا مستمتع تماما بتلك التمثيلية المرحة الشبه يومية

قام شادي عندما سمع صوت جرس الباب وقال بتأفف : ماذا يريد البواب في هذه الساعة؟

وعندما فتح الباب وجد أمامه ما لم يكن يتوقعه أبدا

نهضت ولاء من كرسيها

نظر اليها عم محمد مندهشا وقال : ماذا هناك؟ هل انتهت نوبتك؟

قالت بابتسامة عريضة : لا, اكتفيت بهذا القدر

قال بدهشة : اكتفيت!!

قالت : نعم, اكتفيت بما سمعته, فبالنسبة لي هذه هي أفضل نهاية لقصة يمكن أن أكتبها

قال : ولكن القصة لم تنتهي بعد

قالت : الحقيقة أنني لا أحب المآسي ولا النهايات الحزينة, لذلك, فلا أرغب بالمزيد

قال : وما أدراك أن النهاية حزينة؟

قالت : لأن تقلبات الحياة لا تخفى على أحد, كما أنني رأيت الحزن في عينيها وفي عينيك أيضا, كما أن عدم قدوم حفيدك لزيارتك وأنت في الرعاية الفائقة يدل على أن هناك نهاية حزينة للقصة

أما أنا ككاتبة فيكفيني تلك النهاية السعيدة الجميلة

اعذرني يا عماه, أتعبتك

قال وهو يبتسم : أنت وما تريدين, مع السلامة

غادرت الغرفة وعادت الى زميلتها التي سألتها بفضول : لديك قصة جديدة أليس كذلك؟

قالت : نعم, عم محمد قاص ممتاز, انها تجربة حياة غنية, وأحداث حقيقية

قالت زميلتها : والنهاية؟ مفرحة أم محزنة؟

قالت : سأنهيها عند الجزء المفرح

قالت بدهشة : كيف؟ ألم تسمعي القصة الى نهايتها!!

قالت ولاء : لا, فالواضح أن النهاية حزينة, اذ يبدو أن حالة عم محمد تأثرت كثيرا بتلك المشكلة, وأنا أحب أن أنهيها عند الجزء المفرح من القصة

قالت زميلتها : هذا يتوقف على القصة نفسها, وهل تناسبها تلك النهاية أم لا

ظلت تلك الكلمات عالقة في ذهن ولاء لعدة أيام, وكانت غير مرتاحة وتشعر دائما أن هناك شيء ناقص في القصة

قصة غريبة, لا تحوى سوى ثلاثة أشخاص فقط

بل أربعة, نسيت العفريتة الصغيرة مبدلة الأحداث وفاتحة القلوب

وان أضفنا أخت البطلة, وأمها وأبيها, وربما البواب...

ما هذا الهراء الذي أفعله!!!!

هكذا حدثت ولاء نفسها, فالقصة هكذا تؤرقها بشدة فهي ليست مقبولة

مما دفعها الى العودة الى غرفة عم محمد لتستمع لباقي القصة

وقفت عند الباب, وبمجرد أن رآها قال باسما : أهلا يا ولاء, تعالي

قالت بتردد : انه موعد العلاج

كانت تعطيه العلاج وهو يراقبها ويراقب تعبيرات وجهها دون أن يتكلم

انتهت من مهمتها ووقفت قليلا مترددة فقال بمكر : أهناك شيء؟

قالت بسرعة : نعم, أريد أن أستمع الى بقية أحداث القصة

ضحك قائلا : كنت أعلم أنك لن تستطيعي الصبر, وستعودين حتما لإكمال القصة

قالت بحماس : هل نكمل الآن

قال : نعم

تناولت الكرسي وقربته وجلست بجوار سريره وقالت بشغف هائل : ماذا وجد شادي عندما فتح الباب؟

قال باسما : لا زلت تذكرين الأحداث وأين توقفنا

قالت بسرعة : نعم, كل التفاصيل في عقلي

قال مكملا الحكاية : وجد شادي شيء نسيه منذ زمن, أو لنقل تناساه

وجد أمه وأخته على الباب

كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة اليه بعد كل هذه المدة من الانقطاع من الطرفين

قالت ولاء : لحظة من فضلك, وكيف تترك فاطمة الأمور هكذا!!

لم لم تتدخل بعقليتها المتدينة والتي لا يمكن أن تتقبل وزر قطيعة الرحم!!

قال : حاولت معه كثيرا, ودفعتني أكثر من مرة للتحدث اليه ومحاولة اقناعه أن يبادر بالسؤال عن أهله

لكن الأمر معقد وشائك, فشادي لا يحب تحمل المسئوليات ولا مواجهة المشكلات, كما لا يحب العيش في نكد وشجار

لذلك كان دائما بعيدا عن البيت ومشكلاته, يغرق نفسه في اللهو مع أصدقاءه, وعندما تزوج قدمت له فاطمة ما كان يفتقده في البيت, الراحة والسكينة والهدوء وتجنب المشكلات

لا أستطيع أن أنكر أن فاطمة حتى هذه اللحظة هي المسئولة الأولى عن طفلتها وتربيتها ومشكلاتها بل ومرضها ان مرضت, وشادي له اللعب والضحك والتدليل دون أن يشغل باله بأى شيء, فهو يترك لفاطمة مسئولية كل شيء كما يترك لها ماله دون أن يسألها كم أنفقت ولا ماذا فعلت

واستطاب له العيش بهذه الطريقة مع زوجة تحمل عنه همه وهم بيته وأطفاله, وطفلة تمنحه البهجة والسعادة

مع فاطمة لم يكن لديه اى استعداد للتضحية ببعض من وقته ليعود الى النكد والشجار ومشكلات أمه وأبيه

كما انني فهمت سببا اخر وهو موقف اسرته من زواجه ونظرتهم لفاطمة نظرة دونية جعلته يبتعد عنهم ويتحيز لزوجته وكرامتها فلقد ادرك ان الاختلاط باهله قد يجرح كرامتها ومشاعرها

لذلك اثر ان يبتعد كما اثرت فاطمة الصمت عندما وجدت ان الكلام في هذا الموضوع يضايقه وقد يثير بينهما المشكلات

قالت ولاء بتعجب: الى هذه الدرجة

لم ما الذي فعلوه لينقلب ضدهم الى هذه الدرجة

الجد: المشكلة ان شادي لم يتعود تحمل مسئولية شيء واقولها بكل صدق لولا فاطمة وصبرها عليه وعقلها ورزانتها وتحملها للمسئولية لما بقي هذا البيت ولما وصلا الى ما وصلا اليه

لقد علمته فاطمة كيف يتحمل المسئولية والان اتى اليه ما حاول ان يهرب منه طويلا وهو مضطر لمواجهة مسئولياته

لم يخف على امه ذلك التوتر والضيق الذي ملا وجهه

بقي متجمدا طويلا امام الباب لا يدري ماذا يفعل حتى نادته فاطمة من الصالة الداخلية: شادي شادي

لم يتحرك فاقتربت منه وهي تشير له من

لكن وقوفه متجمدا بهذه الطريقة جعلها تستنتج من على الباب

تقدمت بسرعة تلملم ما تبعثر منه فدفعت يده التى لا زات ممسكة بمقبض الباب وهي تنقل عينيها بينه وبين امه وهي تقول بارتباك مرحبا تفضلا تفضلا

افسح لهما المكان ودخلا بصمت الى غرفة الاستقبال

كان يبدو على الجميع عدم الرضا الا فاطمة التى رسمت على وجهها ابتسامة واسعة مرحبة : يا للزيارة الغالية والخطوات العزيزة اشتقت اليكم من كثرة ما حدثني شادي عنكم

كانت تقف بينهم تحاول بجد بث بعض المودة في الجو المتوتر

لكن محاولاتها لم تفلح امام صمتهم المتوتر

فقالت منسحبة لتترك لهم مجالا للحديث بحرية : ساحضر بعض الحلوى والعصائر

تركت الغرفة واغلقت الباب خلفها

لا تساليني اين انا من كل هذا لقد رايتهم وهم يدخلون غرفة الاستقبال فانسحبت الى غرفتي بصمت فالمودة مفقودة تماما بيني وبين زوجة ابني

بقي شادي صامتا لمدة طويلة لا يدرى ماذا يقول, حتى تكلمت أخته : ما كنت أعتقد أن زوجتك بكل هذا الجمال, ما اسمها؟

نعم, تذكرت فاطمة

قالت الأم : أهذه هي التي أخذتك منا!!

قال ببطء : تعلمين أن العكس هو الصحيح, لقد قاطعتموني وأقسمتم ألا تدخلوا لي بيتا والا تعرفوا زوجتي

الأم بجدية : ما كنت أعتقد أن الأمر سيستغرق كل هذا الوقت

ظننت أنك ستنتهي منها سريعا وتعود الى البيت فهي بالنسبة لي زيجة غير محسوبة

هتف بغضب : لم؟ أتظني أن الزواج لعبة

قالت أخته رشا : أظنك تذكر جيدا أن الأمر وقتها لم يكن يتعدى مجرد لعبة

وأنت أفضل من يلعب تلك اللعبة

قال غاضبا : ربما كان في الماضي, لكن الآن تغير كل شيء وأصبح لدي بيت وزوجة وطفلة هما الحياة بالنسبة لي

ظهرت في عيني أخته نظرة غريبة لم يرها أبدا من قبل

أما أمه فقد قالت : ونحن!! نسيتنا!! اكتفيت عنا بزوجتك وطفلتك, خطفتك منا وأنستك العالم

بربك, أهذه هي الزوجة التي تتشرف بها أمام الناس!!

أهذه هي التي فضلتها على ابنة صديقتي زوجة رجل الأعمال الشهير وعضو مجلس الشعب !!

قال بضيق : أمي, لقد انتهى هذا الأمر منذ زمن طويل, ولا داعي للتقليب في الماضي, كما أنني لم أكن لأتزوج ابنة صديقتك ولو لم أتزوج على الإطلاق

قالت : والآن, ألا تنوي أن تعود للبيت؟

قال بدهشة : كيف تقولين هذا؟ إن لي بيت الآن

قالت : ولكنني أمك

قال : وأنا أحبك وأرحب بزيارتك في كل وقت وسأزورك باستمرار, ولكن لن أكون وحدي, ستكون معي زوجتي وطفلتي

قالت هازئة : زوجتك من!! بائعة النظارات!!

قال بغضب : انها زوجتي, وعليك أن تعامليها على هذا الأساس

إما هذا أو لن أعود الى البيت ثانية ولو حتى زائرا

قالت رشا بتأفف : حتى لو علمت أن أبي ترك البيت!!

قال بصدمة : ماذا!! منذ متى؟

ردت : من أسابيع, ويرفض أن يدلنا عن مكانه, رغم أنه يتصل بي من حين لآخر على الجوال

قال بدهشة : ماذا حدث لكل هذا!! ولم لم أخبر من قبل

قالت هازئة : ألا تدري لم!! أصبحت بعيدا للغاية أصبحت غريبا عنا

قال بلهجة جافة : وإن كان الأمر كذلك فما الذي جد الآن!!

قالت بلهجة شديدة الاستفزاز : عقد قراني بعد أسبوعين, ولا أجد والدي ليكون موجودا أمام الناس ولم يتبقى لي سواك

قال بدهشة : عقد قرانك!! هكذا دون مقدمات!! دون أن أعرف من هوولا كيف تقدم لخطبتك!!

قالت ساخرة : أظنك آخر من يحق له هذه الأسئلة, عموما هو ليس بغريب عنك, تعرفه جيدا فهو صديقك المقرب ومن شلتك القديمة

انتفض من مكانه وهو يهتف بصدمة : تامر؟!! لا, مستحيل

قالت ببرود : عجبا, لم فكرت في تامر بالذات!!

عموما هو ليس تامر, إنه وليد

هدأ قليلا وعاد الى كرسيه وهو يقول بدهشة : وليد!!

قالت بتهكم : ما به وليد؟ ألديك اعتراض عليه أيضا

قال بتردد : لا, ولكن وليد...

صمت ولم يكمل

فقالت هي بلهجة جافة : عموما رأيك لا يهمني, وحضورك أو عدم حضورك عقدي هو سيان بالنسبة لي

أمي هي التي تصر على حضورك استكمالا للشكل الاجتماعي أمام الناس طالما والدي لن يكون موجودا, لقد قرر مقاطعة زواجي بعد أن صممت على موقفي رغما عنه

فقط أخبرك للعلم بالشيء, فالحفل سيتم بكما أو بدونكما

صدمه بشدة ردها وعجز عن قول أى شيء

فتلك الكلمات قد قالها من قبل عندما ذهب وحده ليتزوج, وهاهي رشا ترد له الصفعة بنفس القوة

الآن فقط شعر بألمها الموجع

الآن فقط أدرك كم آلمهم بكلماته وأفعاله

نظر الى أمه, لأول مرة يراها على هذه الصورة, صورة المغلوبة على أمرها, لان لها وقال برفق : وأنت يا أمي, ما رأيك؟

قالت بصوت كسير رغم محاولاتها أن تبدو قوية أمامه : لم يعد لي رأى بينكم, لم يعد أحد يبالي بمشاعري ولا يستمع لرأيي

شعر بخنجر حاد ينغرز في قلبه, وصمت شاردا

قطعت فاطمة الحديث بعدة طرقات على الباب دخلت بعدها تدفع أمامها عربة طعام أنيقة مملوءة بأصناف الحلوى والفاكهة والمشروبات الساخنة والباردة

وفهم شادي أنها كانت تفسح لهم المجال لتبادل الحديث بهدوء وحرية بعد أن حبست عنه الصغيرة التي تسللت بفضول طفولي خلفها الى داخل الغرفة, ثم جرت لتندس بين أحضان أبيها وقد ارتدت ثوب وردي رائع بعد الاستحمام والتعطر

وقد زينت لها فاطمة شعرها برباط شعر وردي كلون الثوب لتصبح آية في الحسن كأمها تماما

وقفت فاطمة تعد أطباق الحلوى وتصب الشاي

عجزت أم شادي عن اخفاء شوقها وتلهفها لجمال وسحر حفيدتها, أما رشا فقد انشغلت بتأمل فاطمة من شعرها الى قدميها ومراقبة حركاتها وسكناتها بفضول أنثوي يشوبه بعض الغيرة, ولا حظت فاطمة بذكائها نظراتها اليها ولم تظهر ذلك, لكنها انتبهت الى حماتها ونظراتها المملوءة بالشوق والحب للصغيرة فقالت بود : نور, هلا سلمت على جدتك

أخفت نور وجهها في صدر أبيها بخجل من يهاب الغرباء, لكن فاطمة تقدمت منها وقالت باسمة : صغيرتي الحلوة, الفتاة الطيبة تسلم على جدتها

أمسكت بكفها بحنان وسحبتها من بين ذراعي شادي برفق وقربتها من جدتها وهي تقول : هيا حبيبتي سلمي على جدتك

مدت الجدة يدها ومسحت على شعرها الناعم وهي تتأملها بحب, ثم قبلت وجنتيها وقد أشرق وجهها بابتسامة حنان

نهضت من مكانها وهي تنظر لشادي بلوم : سننتظرك الخميس بعد القادم, هذا إن كنت لا زلت تريد أن تعرف أسرتك

أخذت فاطمة تنظر لشادي نظرات لائمة وعندما لم يتكلم تكلمت هي : لا زال الوقت مبكرا على الرحيل, فلنتعشى سويا

نظرت اليها الحماة بصمت وتجاهلت ما قالته وخرجت من الباب

أما رشا فقد خرجت خلف أمها بصمت, لكنها عادت تلتفت اليه قائلة بلامبالاة : كما قلت لك سيان عندي, بل وأشك أنك ستأتي

لم يستطع شادي أن ينام الليلة كما أنه عجز عن مناقشة الأمر مع فاطمة, فهو يعرف رأيها دون حتى أن يسألها

وكانت فاطمة بحساسيتها الذكية تدرك حاجته للتفكير العميق دون ضغوط

وكذلك تفهم أنه يحتاج مناقشة الأمر مع فرد من العائلة يعرف ماضيهم وعاش معهم لفترة, لذلك فقد تركت لنا المجال والحرية للتحدث ودخلت لتضع طفلتها في الفراش ولم تظهر مجددا

وفي غرفتي باح لي شادي بكل ما يعتمل في صدره من ضيق وقلق ومخاوف, فرحيل والده عن البيت صدمه بشدة وقال بحنق : لا أدري كيف استطاع أن يفعل ذلك!! مهما بلغت الخلافات بينه وبين أمي ما كان عليه أن يترك البيت

قلت متحسرا : لم يعد يستطيع تحمل ضغوط جديدة, كما لم يعد لديه أمل في أى منكما

وبعد أن انقطعت أنت عنهم واشتدت الخلافات بينه وبين زوجته لم يتبقى له سوى ابنته

والآن تصر على الزواج دون ارادته

قال شادي : عليك أن تتصل به وتقنعه بالعودة الى البيت

قلت : وماذا عن رشا

قال بتعجب : رشا!!

لا أستطيع أن أفهم ما الذي جمع بينها وبين وليد!! فهو ليس من النوع الذي يمكن أن تفضله رشا

قلت بتساؤل : ألديك اعتراض على شخصه أو أخلاقه؟

قال : على العكس, وليد كان أفضلنا دائما خلقا وفعلا

قلت : اذا ما المشكلة؟

قال : المشكلة أن وليد رومانسي للغاية لا يمكن أن يتزوج الا اذا أحب حبا عنيفا, كما أنه لم يخرج بعد من أزمته مع رانيا

لقد تزوجت من شاب غني يعمل في أمريكا وتركته دون مقدمات, ولم يستطع وليد تقبل الأمر أبدا

قلت : ربما وجد في رشا عوضا له عما فقده

قال بحيرة : لا أدري, لا يمكنني الاقتناع بهذه السهولة

قلت : وكيف ستتصرف الآن؟

قال : على أن ألتقيه وأتحدث معه, سأذهب اليه غدا في صالة البولينج, بالتأكيد سأجده هناك

قلت بضيق : هل سنعود الى افاعيل الماضي؟

قال : اطمئن, أنا ذاهب لألتقي وليد لا لألعب

قلت : أخشى أن تحن الى الماضي وأصدقاء الماضي عندما تتعرض لتلك الأجواء

قال : اطمئن, فلدى زوجة أحبها وبنت هي العالم بالنسبة لي

قلت بتردد : إن كان الأمر كذلك فعليك أن تحفظ زوجتك وابنتك

قال باستنكار : ما هذا الذي تقوله يا جدي!!

قلت بهدوء : المشكلة أنني أكثر من يفهمك ويعرف طبيعتك الضعيفة أمام الماضي وملاهيه وأخشى أن تضعف في لحظة لا ينفع معها الندم

قال : عليك أن تثق بي, لقد تغيرت تماما

قلت : فقط خذها نصيحة من رجل مسن خبر الدنيا واكتوى بنارها, ان حفاظك على جنتك التى تحيا فيها الآن يعتمد عليك وحدك

لقد تعبت زوجتك واجتهدت لتحافظ على هذا البيت, فلا تهدمه بنزوة حمقاء

زفر بضيق شديد : يا جدي..

قلت مقاطعا : صدقني الأمر لا يتعلق بالثقة, أعلم أنك صادق في كل كلمة تقولها الآن, ولكن الضعف البشري فينا جميعا

وما عشت عمرك كله فيه لا يمكن أن تنساه بهذه السهولة فهذا ضد طبيعة البشر كما أنه لا زاد لك من صلاة وطاعة والتزام يحميك من الزلل

فإن كنت لا تستطيع أن تحمي بيتك بطاعتك لربك, فلا تهدمه بمعصيته, فما أخرج آدم من جنته الا المعصية, وليست حواء كما يدعي البعض

فاحفظ زوجتك بحفظك لنفسك

قال بتأفف : فهمتك

ولكني لا أدري حقا من أين سألاقيها!!

قلت : ما الذي يقلقك الآن؟

قال : أخبرتك من قبل أن هناك من يسرقني في الشركة

قلت : نعم, أذكر

قال : اتضح لي من يومين فقط أنه تامر صديقي

فهو يقوم بالاتفاق مع العملاء من خلف ظهري

قلت بدهشة : ماذا تعني؟ أوليس شريكا في الشركة؟

قال : نعم, ولكني أمتلك عددا أكبر من الأسهم وحق الادارة

كما أن العمولات والرشاوي والهدايا التي يحصل عليها أضعاف مكسبه من الشركة

لذلك فهو على استعداد لبيع الصداقة والشركة وكل شيء لمن يدفع أكثر

قلت : وماذا تنوي أن تفعل معه؟

قال : لا أدري ولكن يجب أن أقصيه عن الشركة بأى ثمن فهو لص, وسيتسبب بخسارة فادحة للشركة

ولكن على أن أفعل ذلك بأكبر قدر من الهدوء, فهو لا يدري حتى الآن أنني كشفته

قلت : أليس من الأفضل مواجهته؟

قال : اذا لأخذ حذره وقد يثير المشكلات, وقد يحاول أن يخرج بأية مكاسب من الشركة قبل أن يتركها

وأنا لا أريد أن أخسر فلدي بنت على أن أؤمن لها مستقبلها هي وإخوتها عندما يولدون

تبسمت ضاحكا وأعجبتني قولته, فهو يريد أن يكبر الأسرة ويوسع الدائرة

ذهب شادي الى صالة البولينج ونصائحي في رأسه كما كان يقول لي

وحاول قدر ما يستطيع أن يبكر حتى لا يلتقي أحدا سوى وليد

وهذا ما تم بالفعل وبمجرد أن وقعت عينه عليه حتى شعر بالشوق نحو صديقه القديم وأدرك أنه ابتعد عنه كثيرا

وحز في نفسه كثيرا أن رآه وحيدا الى هذه الدرجة

كان يدرك أنه رغم محاولاته أن يحيط نفسه بأشباه الأصدقاء

لكن نظرة واحدة من صديق حقيقي يستطيع أن يدرك ولو من بعيد كم تبلغ وحدته

وصل اليه شادي وفوجئ وليد بوجوده وسلم عليه بحرارة وقال ساخرا : أخيرا غادر الزوج السعيد البيت!!

فوجئ شادي بهوة كبيرة من البرود تفصله عن صديقه, ولأول مرة يشعر بالغربة في هذا المكان الذي شهد سنوات طويلة من عمره

جلسا في ركن هادئ, وأخذ شادي يسأله عن أحواله وهو يحاول تجنب النظر في عينيه ويشغل نفسه بتأمل المكان

قال وليد مباشرة : أعلم لم جئت الآن

فوجئ شادي بالأسلوب البارد الذي يتحدث به, وشعر ببعض الندم لإبتعاده عنه كل هذه المدة

أكمل وليد بنفس الأسلوب : وحيث أنك جئت الى هنا, فهذا يعني أنك غير موافق أليس كذلك؟

قال شادي بجدية : ليس الأمر كذلك,تعلم أنني ليس لدى اعتراض على شخصك, فأنت صديقي وأنا أعرفك جيدا

فقط أنا مندهش, أنت ورشا!! متى, وكيف؟!!!

قال : الأمر ليس بعيدا كما تظن, فهي تذهب الى النادي باستمرار

وفي السنة الأخيرة كانت تأتي كثيرا الى النادي وهناك كنا نلتقي باستمرار

نظر اليه شادي نظرة متحفزة فأكمل وليد هازئا : لقد كنت أراها أكثر منك

شيء ما في كلمات وليد آلمه بعمق, لكنه تجاوز عن ذلك وقال : ولكن, ماذا عن رانيا, هل نسيتها بهذه السهولة؟!!

أدار عيناه بعيدا ثم ضحك ضحكة قصيرة هازئة

لكن شادي استشعر فيها طعم المرار والألم, وهو يسمع وليد يقول : أخبرتك من قبل أنها قصة حب قديمة وفشلت

فما المانع الآن أن أكمل حياتي مع انسانة غيرها!!

قال شادي : يمكنني أن أتقبل هذا الكلام من غيرك, لكن أنت!!

كنت دائما تؤمن بأن الزواج لابد وأن ينبني على الحب, ولن تتزوج أبدا الا ممن تحبها

قال وليد باستهتار : ولم أنت متأكد هكذا أنني لا أحب أختك؟

شادي : لأنه لا أحد يفهمك مثلي, نحن أصدقاء, ورشا ليست هي الفتاة التي يمكن أن تحبها

قال وليد بلهجة غريبة : ربما لهذا السبب, لأننا أصدقاء

شادي بدهشة : لا أستطيع أن أصدق أن وليد يتزوج بلا حب

وليد بلامبالاة : وما الخطأ في أن أغير رأيي وأدرك أنني كنت على خطأ

وأنت أمامي كمثال, لم تتزوج عن حب ورغم ذلك فقد نجح زواجك على عكس ما توقعنا جميعا

أوجعته كلماته من جديد

وقال وليد : يبدو أن رأي رشا هو الأصح

قال شادي : ماذا تعني؟

وليد : كانت تراهن على أنك سترفض أن تكون وكيلها في العقد ولن تأتي الى حفل عقد القران

نظر اليه شادي متفكرا في كلماته ثم قال بعزم : سآتي, بالتأكيد سآتي

إن لم يكن من أجل صديقي فمن أجل أختي

ابتسم وليد له لأول مرة منذ أن جلسا ابتسامة صافية : ستظل دائما صديقي العزيز والوحيد

.................................................. ................

سأله فجأة : ألا زلت شريكا لتامر في شركة الكمبيوتر

قال : نعم, ولكن يبدو أن الأمر لن يطول

قال وليد باهتمام : ولكن, ألا ترى أن تلك الخطوة متأخرة بعض الشيء؟

قال شادى : ربما, ولكن لأن تأتي ولو متأخرة خير من ألا تأتي

قال وليد بفهم : يبدو أنه استخدم ضدك أساليبه القذرة

شادي بضيق : إنه لا يرعي صداقة ولا عشرة ولكن لم غيرت رأيك عنه؟

وليد : أنسيت أن هذا هو رأيي فيه منذ زمن بعيد؟ ولكنك كنت تغلق عينيك وأذنيك عنه

لقد استغرقت زمنا طويلا حتى تعرفه على حقيقته

التفتا على صوت ينادي : وليد

كانت رشا, فأشار اليها وليد أن تأتي, ثم التفت الى شادي وقال بسرعة قبل أن تصل اليهما : ابتعد عن تامر وحاول أن تخرجه من الشركة بأقل الخسائر الممكنة, وخذ حذرك جيدا فعضته تفضي الى القبر مباشرة

شرد شادي قليلا في كلماته حتى استيقظ على صوت رشا وهي تقول ساخرة :ما الذي جعل الزوج الصالح يترك أحضان زوجته ويأتي الى تلك الأماكن المفسدة!!

جلست الى جوار وليد وهى تكمل بتهكم : يبدو أن قصتنا تحرك الحجر والا ما ترك زوجته وابنته الجميلة ليأتي الى هنا في تلك الساعة

نظر اليها بضيق ثم قال لوليد : على الرحيل الآن, أراك فيما بعد

فجأة وجد شلته القديمة تتداعى الى المكان جماعات, والتفوا حوله يرحبون به ويسألونه عن فترة انقطاعه الطويلة عنهم, وهو يسلم عليهم بتحفظ محاولا بلباقة أن يتملص منهم بطريقة مهذبة

ورشا ووليد يرقبان الموقف بصمت

ثم أتى رأفت وسلم عليه بحرارة ومعه بدأت التعليقات الساخرة وبدأت أسئلة الفتيات الفضولية عن زوجته وشكلها ووجهها ولون عينيها وهو يجيب اجابات غير محددة ويتهرب من الأسئلة قدر ما يستطيع

حتى هتف وليد منقذا اياه كعادته : دعوه يرحل قبل أن تأتي رودي وتخنقه بيديها

لكن حيلة صديقه الحميم لم تفلح هذه المرة فقد وجد أمامه رودي ومعها تامر

تبادلا نظرات طويلة, ثم قالت رودي بتهكم : الى أين يا عريس!!

اذا حضرت الشياطين؟!!!

قالت رشا ساخرة : دعيه فهو ينام مبكرا

قال تامر : اجلس, لا زالت السهرة في بدايتها

لم يجد شادي مفر من أن يجلس معهم, وكان الحوار كله عن شادي وغيبته الطويلة وزواجه الغريب وزوجته التي تغطي وجهها

وكان فضول الفتيات كبيرا ليعرفوا لم تزوجها وكيف هو شكلها وكيف حياته الجديدة

وهو يتهرب تارة ويصمت تارة ويورى تارة

هتفت رودي وصوت الغيرة واضحا في كلماتها : عمن تتحدثون!! الأمر لا يستحق كل هذا

لقد كان رأي شادي أنها تغطي وجهها لتخفي قبحها. أليس كذلك؟

ضحكت رشا بتشفي : لا تقولي هذا الكلام فهو سيء في حقك

نظرت اليه نظرة متوعده وأكملت : شادي ذوقه في اختيار الفتيات لا يضاهى

حظه حسن دائما في كل شيء, حتى طفلته آية في الجمال

نظر اليها نظرة مهددة قاسية ألا تأتي على ذكر زوجته, وأخذ وليد يلكزها بقدمه من تحت الطاولة لتسكت

ورغم ذلك نظرت في عيني أخيها, وأكملت ببطءوالشماتة تنضح من كلماتها : هي صورة مصغرة من أمها, لكن الأصل أجمل بكثير

ألم أقل لكم أن حظه حسن في كل شيء, لقد فاز بامرأة لم تعرف رجلا قبله قط

انتفض شادي من كرسيه وترك المكان ورحل على الفور تودعه ابتسامة رشا المنتقمة

أما الجميع فقد هبط عليهم الصمت بعد أن فوجئوا بذلك التصريح الذي لم يخطر لهم على بال من قبل, ولم يعملوا عقلهم في التفكير فيه على تلك الصورة التى فجرتها رشا

سحب وليد رشا من يدها وهو يقول بضيق : رشا, أريدك في أمر هام

عاد شادي الى البيت والغضب يملأه ونقمته على رشا تزداد

فرشا فعلت ما فعلته عن قصد نكاية فيه, ذلك لا يخفى على عين, كما لو كانت تنتقم منه

حاول قدر ما يستطيع اخفاء ضيقه عن فاطمة, ولكنها كانت تشعر به وبتغيره منذ الزيارة الأخيرة لأمه وأخته, ولكنها لم تحاول أن تضغط عليه أو تضايقه حتى لا تزيد من همه وضيقه, وحتى لا يشعر أنه يفقد صورته أمامها

بل لجأت الى وأوصتني به لأحادثه وأحاول التخفيف عنه

ولكن كلما اقترب موعد العقد كان همه يزداد

وحاولت قدر استطاعتي أن أخفف من نقمته على رشا وأجعله يتعاطف معها بدلا من أن يكرهها

لكن في الحقيقة كنت أتفهم مدى غضبه فهو أكثر من يفهم معنى أن تصبح زوجته قصة ورواية بين أفراد شلته التى لم يكن لهم حديث الا عن الفتيات وصفاتهن والفروقات بينهن

.................................................. .

جاء موعد الحفل بعد أن حضر شادي عقد القران في أحد المساجد الكبرى كوكيل عن العروس عوضا عن أبيها

وأصرت فاطمة على الذهاب معنا هي وطفلتها رغم معارضة شادي الشديدة

لكنها كعادتها استطاعت أن تغلبه بمنطقها وحجتها

فمن وجهة نظرها التي تنبع من أخلاقها العالية وطيبتها الكبيرة, وأولا وأخيرا من طاعتها لربها

يجب عليها أن تبر أهل زوجها وأن تتحملهم مهما فعلوا معها وأن تصل رحم ابنتها وألا تقطعها عنهم

وفهمت أن شادي كان يعارض لسبب آخر لم يستطع أن يبوح به صراحة لفاطمة, فأصدقاؤه كلهم سيحضرون الى الحفل, وبالتأكيد ستكون عيونهم جميعا على زوجته بعد ما فعلته أخته في صالة البولينج

قاد سيارته بصمت طوال الطريق والضيق يتفجر من خلاياه, ولم يستطع أى منا أن يتحدث اليه أو يخفف من ضيقه

وصلنا الى قاعة الحفلات, وأدرك شادي أن أخته كانت صادقة بالفعل في قولها أن وجوده أو عدمه سيان

فقد فوجئ أنه كالغرباء تماما وأن من قام بكل الإعدادات والتجهيزات هما وليد ورشا

اتخذ لنا مائدة بعيدة في أحد أركان القاعة جلسنا حولها, وبدأ الأقارب والأصدقاء في التوافد وتركنا شادي ليقوم بواجب استقبالهم والترحيب بهم, ووتبعه ظله الجميل في كل مكان يذهب اليه

كانت كلؤلؤة تتلألأ في ثوبها الأبيض اللامع تضيء المكان بجمالها الملفت للعين

أتى العروسان ومعهما الأم وسلم شادي على أمه بحرارة وهنأ أخته وزوجها

ثم بدأ الرقص والغناء والتف الأصدقاء حول العروسان يرقصون على أنغام الدى جى

وشادي يدور في الحقل يسلم على أقرباؤه ويستقبل القادمين

ولا يمضي وقت طويل حتى يأتينا ليطمئن علينا أنا وفاطمة ثم يذهب من جديد

لكنه هذه المرة فوجئ بيد تطرق كتفه وعندما التفت وجد أمامه رودي وهي تقول : مبارك يا أخو العروس

مبارك مرتين, مرة لك ومرة للعروس

بدا عليه التوتر والارتباك الشديد وهو يحاول أن يرد برد مناسب ويسحبها بلباقة من المكان

ولم يخف على أنها كانت تتأمل فاطمة بحقد شديد كما لو كانت تريد أن تخترق نقابها بعينيها لتعرف ما خلفه

دعاها شادي لتهنئة العروسين وأوصلها اليهما

ثم عاد الينا سريعا وارتمى على الكرسي بجواري وهو يجفف عرقه وهو يقول : الجو حار وخانق هنا

كنت أعتقد أن طيبة فاطمة وخلقها وتدينها يجعلها لا تفهم نوعيات كرودي

ولكنني فوجئت تماما عندما قالت بصوت هادئ : جميلة هذه الفتاة, ثوبها أنيق للغاية, بلون البنفسج

تماما كلون عينيها

ترى من أين اشترت تلك العدسات بدرجة اللون الرائعة تلك؟

هذه الدرجة على وجه الخصوص نادرة بعض الشيء في السوق

قلت بدهشة : وكيف تعرفين ذلك!!

قالت بصوت رقيق : هل نسيت أننى فني بصريات؟

ربما أحضرتها من الخارج, من أمريكا مثلا

أو... فرنسا

تغير لون وجه شادي وتنحنح بإحراج وهو يقول : وليد يشير الى سأذهب اليه

قلت لها بدهشة بعد أن رحل : لم فعلت ذلك؟

قالت بجدية : بعض الناس يعتقدون أن الملتزم بفروض دينه والمواظب على طاعته لربه فهذا بالضرورة يعني أن يكون أبلها أو غبيا لا يفهم كيف تسير الحياة

لكن العكس هو الصحيح

فكلما اقترب الانسان من ربه فهذا يفرض عليه واجب أن يكون متيقظا باستمرار, واسع الأفق, فاهما ومدركا لكل ما يدور حوله حتى يستطيع أن يحمى نفسه أولا ثم يحمي من حوله

وعلى الآخرين أن يدركوا أنه ليس لقمة طرية من السهل ابتلاعها بل هو يابس كالحجر مؤلم كالشوك

ابتسمت من ذلك الذكاء المتقد والروح العالية

لقد أدركت فاطمة أنها لا يجب أن تترك زوجها وحيدا فريسة للماضي

بل عليها أن تكون متواجدة أمامه دائما وفي كل مكان قد يجذبه للماضي

.

أتى تامر

ومع وجوده جاء التوتر

سلم عليه العروسان ببرود ثم تجاهلاه وتقاربا أكثر واندمجا في الحفل

أما شادي فلم يره الا عندما جاء الى مائدتنا وهو جالس معنا, ليفاجأ به فوق رأسه وهو يقول : مرحبا بالصديق العزيز

التفت اليه شادي متفاجئ

فقال تامر بغل واضح : ما كنت أظن أبدا أن صديقي العزيز يبيع الصداقة والعشرة ويلقي بي خارج الشركة بهذه البساطة

شادي بضيق : استمع الى, ليس هذا وقت الحساب ولا مكانه

قال وعيناه على فاطمة : لم؟ أ لأن زوجتك هنا؟ أتخشى أن تعلم ما فعلته بصديق عمرك؟!!

أمسك شادي بوجهه ولفه ناحيته بغضب لينظر في عينيه مباشرة وهو يقول بتهديد : إن كنت تريد أن تناقش أية أمور خاصة بالعمل فتعالى الى الشركة

قال ساخرا : أية شركة؟!! التى طردت منها طردة الكلاب؟!! شكرا يا صديقي الغالي, عموما إن كنت أنت نسيت الصداقة فأنا سأظل صديقك

شئت أم أبيت سأظل صديقك, ولن تتخلص مني بسهولة

غادر تامر الحفل وترك شادي في حالة من الضيق الشديد

أشار اليه أحد أصدقاؤه فتركنا وذهب اليه

نظرت فاطمة الى طفلتها التي نامت في كرسيها, ثم عدلت من وضعها وأراحت جسدها الصغير على كرسيين متجاورين, ثم بدأت تحادثني عن ابني وكيف لا يحضر عقد قران ابنته, وأن رشا بالتأكيد تتألم أيما ألم من موقفه هذا, وحثتني على الإتصال به والتدخل لإنهاء الخلاف واعادة الأب الى البيت, لم تتركني حتى وعدتها أنني سأتصل به وأحاول الاصلاح ما استطعت

بدأ القلق يبدو عليها عندما طال غياب شادي عنا هذه المرة

وبدأت تنظر في ساعتها وتتلفت حولها بحثا عنه, فقد شارف الحفل على نهايته والعروسان على وشك المغادرة

وانفض أغلب الحضور كل الى بيته وشادي لا أثر له

وتعجبت تماما من ذلك القلق الذي استولى عليها وهي المعروفة بهدوئها ورصانتها وعدم اظهار قلقها وألمها لمن حولها

ولم أكن أتخيل الى أى مدى وصل قلقها الا عندما غادر العروسان وقامت هي تدور في المكان تبحث عن شادي بعصبية وتوتر

فرغت القاعة وعادت فاطمة الى ولم يظهر شادي

حملت طفلتها وحقيبتها وهي تقول : علينا أن نبحث عن سيارة أجرة تقلنا الى البيت

قلت : انتظري, سأتصل به على جواله

قالت باقتضاب : لا يجيب.. تأخر الوقت وعلينا العودة الآن

خرجت معها نبحث عن سيارة أجرة في ذلك الوقت المتأخر.. ولكن في هذا المكان المتطرف لا أمل لنا في مرور سيارة أجرة الآن

حاولت فاطمة أن تتصرف وتتصل.. ولكن بمن تتصل الآن؟!!

حتى سائق السيارة الأجرة الذي كان يقلني الى أى مشوار أريده عندما كنت في دار المسنين نسيت رقمه, فلم أعد بحاجة اليه

لم تكف فاطمة عن الإتصال بزوجها وهو لا يرد

فجأة وجدنا أمامنا سيارة حديثة تتوقف, من خرج منها؟

آخر انسان يمكن أن نتوقعه, إنه تامر صديق شادي

نظرت اليه ولاء بدهشة : ماذا؟!! حقا هو!!

ولكن أين ذهب شادي؟ أهي مؤامرة؟

عقد عم محمد حاجبيه وتساءل بدهشة : لم تظنين أنها مؤامرة؟!!

قالت باستعجال : هلا أكملنا, لا أطيق صبرا على معرفة بقية الحكاية

أكمل عم محمد : تحدث الينا بتهذيب شديد وعرض علينا أن يقلنا الى أى مكان نريده

نظرت الى فاطمة لأعرف رأيها فمن وجهة نظري أن هذا الشاب أصبح أملنا الوحيد لمغادرة نلك المنطقة الموحشة البعيدة عن العمران

كما بدأ يساورني القلق والوساوس أن يخرج علينا لص أو قاطع طريق في هذه الساعة المتأخرة

ولكني لم أشأ أن أوافق على عرضه قبل أن أعرف رأيها

ولكن يبدو أن صبر فاطمة قد نفذ تماما وقلقها وتوترها على شادي أفقداها السيطرة على أعصابها فقد تحدثت اليه بخشونة شديدة : شكرا, نستطيع تدبر أمورنا

فوجئ بلهجتها الهجومية العنيفة, لكنه عاد يقول بلهجة مهذبة : عفوا سيدتي, فلا سيارات أجرة تمر من هنا في هذه الساعة, ولا حل أمامكما سوى سيارة ملاكي

ومهما كان ما بيني وبين شادي من مشاكل في العمل, فليس من التهذيب ولا الشهامة أن أترككما وحدكما هنا في هذه الساعة

اشتد غيظها وقالت بشبه صراخ : اسمع أيها السيد, اذهب من هنا فورا حتى لا أستخدم معك أسلوب غير حضاري لن يعجبك أبدا

احتقن وجهه بشدة وأطلت الكراهية العنيفة من نظراته وهو ينقل عيناه بينها وبين طفلتها, حتى أنني شعرت بالخوف منه وتوقعت الشر

لكن فاطمة صرخت في وجهه : ارحل الآن

لم أصدق أنه غادر الا عندما رأيت سيارته تتحرك بالفعل

وتعجبت للغاية من هذا الموقف, هل خاف من فاطمة الى درجة أن يرحل بهذه السهولة دون حتى أن يقول أية كلمة؟!! أم خاف مني!!

تأملت حالنا, رجل مسن يمشي بصعوبة وامرأة مغطاة الوجه تحمل طفلتها يسيران في طريق شبه مظلم, صورة مثيرة للشفقة لا الخوف

لكنني لم أكن أتخيل أن تكون بداخل فاطمة الطيبة الرقيقة نمرة بكل هذه الشراسة!!!

الآن فقط صدقت شادي عندما كان يحكي لي عن صوتها الخشن عندما قابلها لأول مرة

قلت لها : والآن ماذا سنفعل؟

قالت بقوة : من معه ربه فلن يغلب أبدا

سرنا في الطريق بخطوات بطيئة متثاقلة أنا لكبر سني وهي لحملها الثقيل

وسمعتها تستغفر بصوت هامس مرات ومرات

حتى رن الجوال فجأة في يدها وفتحته مباشرة وهي تقول : شادي, أين أنت؟

أخيرا وصل شادي

لكن مظهره كان غريب للغاية, كان في قمة التوتر والارتباك, وأخذ يعتذر بشدة ويقول إن ما أخره هو حادث على الطريق

صمتت فاطمة تماما فلم يكن هذا بالوقت المناسب ولا المكان المناسب للكلام

عدنا الى البيت أخيرا, وصليت الفجر ونمت, ولكني فوجئت بمن يوقظني, كان شادي

أدركت على الفور أن كارثة قد حلت به, فقد ذكرني بالماضي عندما كان صبيا ويرتكب فعلا طائشا كان يأتي الى مرتبكا خائفا يختبئ في غرفتي

قال مباشرة كمن يريد أن يسكب هما ثقيلا قبل أن يحرق جوفه : انتظرت حتى نامت فاطمة لآتي اليك, أنا في مشكلة كبيرة

قلت بقلق : هل حدث بينكما شيء؟ هل تشاجرتما؟

قال : لا, الأمر لا يتعلق بها

أتدري عندما تركتكما في الحفل لأتحدث الى أحد الأصدقاء؟

لقد, لقد أرسلته رودي الى

قلت وأبعاد الكارثة بدأت تتضح في عقلي : رودي من؟ ذات العدسات البنفسجية؟

قال بتوتر وصوت الندم يمزق كلماته : نعم, صديقتي القديمة, في البداية شعرت بالضيق من الموقف وكدت أعود, لكنها أخبرتني أنها في مشكلة, فقد أتت مع تامر في سيارته لأن سيارتها في التصليح, والآن رحل تامر غاضبا ولا تجد من يقلها

رجتني أن أقلها بحق الصداقة القديمة, وأنها قنعت بصداقتي وبأنني رجل متزوج ولم أعد أصلح لها, وستبقى علاقتنا في اطار الصداقة فقط فهى أبقى وأقوى

صدقتها وأقلتيتها بسيارتي, وهناك في بيتها..

قلت بانفعال : لا تكمل, فهمت كل شيء

ظهر الندم الكبير في وجهه

فقلت وأنا أحاول أن أكظم غيظي : ماذا يمكن أن أسمي ذلك التصرف؟!

قال بندم أشد : سمه ضعف, حماقة, غباء, جنون, حنين الى الماضي, ضعف بشري, أى شيء, ولكن أخبرني بالله عليك كيف أتصرف الآن؟

هل أخبر فاطمة؟

قلت بانفعال : أجننت؟!! إياك أن تفعل ذلك

قال : المشكلة أن لدى شعور قوى بأن هناك مؤامرة ما تحاك حولي, وهذا أولها

كما أنني أشك بأن لتامر يد في الأمر

انتفضت قائلا : تامر؟!!

انتبه الى لهجتي الغريبة وقال بتوتر : ماذا فعل تامر؟

قلت وأنا أحاول أن أربط الأمور ببعضها, لكن الأشياء لازالت ناقصة في ذهني : جاء الينا بسيارته بعد انتهاء الحفل واختفائك وعرض أن يقلنا الى البيت

انتفض واقفا وقد بدأ الغضب يغلي في كلماته : تامر!! تامر!!

لا شك أنه هو, كيف لم أنتبه أنه هو ورودي متقاربان للغاية, لا شك أنها مؤامرة

في البداية يرسل الى رودي لإغوائي وابعادي عن الحفل, وبعدها يطارد زوجتي

التفت الى وقال باهتمام : وماذا فعلتما؟

قلت : زوجتك ما خلت ولا أبقت له شيء

لكن الشر الذي رأيته في عينيه وهو ينظر اليها أفزعني حقا

قال بتوتر : كل يوم يظهر لي وجه جديد لتامر لم أكن أراه قبلا, والآن لم أعد أعرف فيم يفكر ولا الى أى مدى يمكن أن يصل

قلت وقد انتقل الى توتره : وماذا ستفعل الآن؟

قال بقلة حيرة : لا أدري, لقد أتيت اليك الآن لتخبرني ماذا أفعل

قلت بضيق : لم يعد هناك شيء يمكنك فعله الآن سوى السكوت, لقد مكنتهم من رقبتك بكل غباء, رغم تحذيري الشديد لك, وعليك أن تنتظر وتترقب ما سيفعلونه

لم أشأ أن أزيد من قسوتي عليه وأنا أرى الندم يكاد أن يقتله

وأكدت عليه ألا يظهر مشاعره أمام زوجته

لكن شادي من النوع الذي لا يستطيع اخفاء انفعالاته ومشاعره

بعكس فاطمة وهدوءها وسيطرتها التامة على مشاعرها

من الصعب للغاية أن تعرف ما بداخلها

لكن ما فعلته فيما بعد أصابني أنا وهو بالحيرة الشديدة

.................................................. .....

لأول مرة منذ دخلت الى بيتها أجد فاطمة تظهر بعضا من مشاعرها تجاه زوجها أمامي

كانت دوما حيية خجولة, ولكني فوجئت يوما عندما وجدتها تدلل زوجها أمامي, واذا ما جلسنا الى المائدة تطعمه بيدها

أما ما حكاه لي شادي فكان الأغرب, عندما ألحت عليه في الخروج ذات مساء, لتعود وقد اشترت مجموعة كبيرة من الموديلات الحديثة والملابس الأنيقة التى تلبس في البيت والعطور الفاخرة, وذهبت لمصففة الشعر وبدلت لون شعرها وقصت شعرها بأحدث صيحة أنيقة تلائم وجهها

وعندما سألته عن معاملتها له, قال بغرابه, أنها تحيطه بهالة من الحنان والتدليل لم يعهدها من قبل

ظننت أن كل هذا قد يجعل من شادي أسعد زوج في العالم

ولكنني أدركت أن السعادة والشقاء تنبع من داخلنا, وهي نتيجة لأفعالنا

فمن كان شقاؤه بداخله لن يسعد أبدا ولو وطأ الجنة بأقدامه

وذنوب الانسان هي الحجاب الذي يحجب عنه السعادة والاستمتاع بالحياة

ولكن كلما كان قريبا من ربه تبدلت ذنوبه حسنات, وشقاؤه الى سعادة

كنا نشك أن التغيير الذي حدث لفاطمة نتيجة لأنها تدرك شيئا, أو على الأقل تستنتج أشياء

ولكن لم يجرؤ أحدنا على سؤالها أو حتى التلميح لها بشيء

لكن الأسرار لا تبقى أسرار طويلا خاصة عندما تكون بين أكثر من شخصين, فقد أدرك شادي بعد حفل عقد قران أخته بعدة أيام أبعاد المؤامرة القذرة, عندما وصله على جواله فيلم قصير يصور كل ما حدث في بيت رودي ليلتها, ويظهر شادي في أسوأ صورة يمكن أن تراها زوجته

لكن فاطمة لم ترها, فقد مسحها شادي بسرعة

لكن المشاهد توالت كانفراط العقد, فأغرقوا جواله بالرسائل المصورة ومقاطع الأفلام بصورة مستفزة, وفهمت أن المقصود من كل هذا هو أن ترى زوجته الفيلم بأية وسيلة

لكن من عادة فاطمة ألا تمسك بجوال شادي أبدا حتى لو بقي يرن أمامها النهار بطوله, الا لو طلب منها شادي أن تأتيه به

لكن الأمور تطورت حتى وصلوا الى باب الشقة

فقد رن الجرس يوما وعندما نظرت فاطمة من العين السحرية لم تجد أحد, ولكنها وجدت ظرف كبير مغلق مكتوب عليه اسم شادي ألقي من تحت عقب الباب

تماما كالأفلام المصرية القديمة

لكن الجديد في الأمر أن الزوجة لم تفتحه هذه المرة, بل تركته على أعلى رف في المكتبة وذهبت لأشغالها

كلما فكرت في الأمر الآن أدرك كم كان حرصها ألا يقع الظرف في يد أحد سوى شادي فأبعدته حتى عن طفلتها لكي لا يتدخل فضول الطفلة وتمتد يدها الى الظرف وتفتحه

كنت أراقب فاطمة وردود أفعالها وعندما رأيت الظرف فوق رف المكتبة ورأيت سمكه أدركت أن به صور, من السهل استنتاج من صاحبها

لكن التصرفات الغريبة كثرت هذه الأيام, فلم تعد فاطمة ترد على هاتف البيت, وكلما رن جرس الهاتف تطلب منى أو من شادي الرد وتتعلل بكل العلل الممكنة حتى لا تلمس سماعة الهاتف

الا لو كان المتصل أباها أو إحدى أخواتها

أما جوالها الشخصي فقد اختفى تماما وكلما سألناها عنه تقول معطل, واذا ما طلبه شادي منها ليصلحه ترد بأنها وضعته في مكان ما ونسيت

الحقيقة أن أمر الصور والأفلام لم يعد هو مصدر قلقنا الرئيسي

بل تصرفات فاطمة التي جعلتنا على آتون مشتعل من الترقب والحذر

كانت تبدو كما لو كانت تخفي شيء ما أو تستعد لشيء نجهله

لم يكن من الممكن أن نتقبل كل تلك التصرفات الغريبة منها كأفعال عادية أو مصادفات لا رابط بينها

كما لا يمكن تصور أن انسانة بذكاء فاطمة تتحول فجأة الى عمياء صماء عن كل ما يدور حولها

أما شادي فلم يعد قادر على التحمل بعد أن احترقت أعصابه تماما

أصبح شديد العصبية لأتفه الأسباب ولم يعد يلاعب صغيرته كالسابق, فقط يعود من عمله ويتناول طعامه معنا أو يدعي ذلك ثم يختفي في غرفته

وأنا وفاطمة نتجنب الحديث معا بمشاهدة التلفاز أو بملاعبة الصغيرة لتعويضها بعض الشيء عن افتقادها لحنان أبيها

كانت فاطمة صبورة وحليمة لأبعد مدى, تمتص عصبيته بعقلها وهدوءها, وتزيد من جرعات الحنان والود والتدليل

كانت تبدو أمامنا سعيدة

أما شادي فقد وصل الى حافة الجنون

قاسى أسبوعين مريرين من هجوم شرس لا ينتهي وهو عاجز تماما عن صده

حتى فاجأته فاطمة بمفاجأة جديدة أربكته تماما

قامت فاطمة بدعوة أمه وأخته وعريسها لحفل عشاء منزلي على شرف العروسان

الغريب أن رشا قبلت الدعوة, والأغرب أن الأم أيضا قبلت

أفكر أنها قبلت لرغبة قوية بداخلها لإعادة العلاقة بينها وبين شادي بعد أن خلت الدنيا من حولها وغادر ابني البيت ورفض العودة

الحقيقة لم أكن مستسيغا أن يتم كل هذا دون أن يعلم شادي أو يكون مفاجأة له كما أخبرتني

لكنها كانت تخشى أن يرفض

والمفاجأة الحقة لي أنها طلبت منى أن أتصل بابني وأدعوه للعشاء ودون أن أخبره أن زوجته ستكون موجودة

وبعد الحاح كبير منها عجزت عن الوقوف أمامه, اتصلت به, في البداية اعترض, وكاد يرفض, ولكنني أقنعته أن شادي تغير

ويبدو أن ما أثر فيه حقا هو أنه شعر أنني أعيش سعيدا مستقرا في بيت حفيدي وأننى على وفاق تام مع زوجته, لذلك قبل أخيرا

وبعد كل تلك المفاجآت كان على أن أسألها لم تفعل كل هذا؟

أجابتني بإجابة زادت من حيرتي وشكوكي, فقد قالت : أكره أن يجلس شادي هكذا خالي البال بعيدا عن كل ما يخص عائلته

يجب أن يبقى عقله مشغول باستمرار بعائلته ويحمل بعضا من واجباته التي يتجنبها

عبارتها لم تريحني, ولا الطريقة التي قالتها بها

ويوما بعد يوم يتأكد لي أنها تدري شيئا, أو أشياء كثيرة وتكتمها بداخلها

ويوم العشاء المنتظر عندما عاد شادي من عمله وجاءني في غرفتي وأخبرته بما أعدت فاطمة كما طلبت مني, ثار بشدة إذ كيف لزوجته ألا تسأله أولا قبل أن تفعل هذا

خرج من عندي ثائرا الى المطبخ وجريت خلفه خشية أن يرتكب حماقة قد نندم عليها جميعا

ولكن بمجرد أن وقعت عيناه عليها وهي تبتسم تلك الابتسامة الدافئة التي امتلأت بها كل ملامحها وتقول برقة هائلة : شادي, حبيبي, متى عدت من العمل؟ لم أسمع صوت مفتاحك يدور في الباب وأنا هنا في المطبخ

رأيت بعيني الأسد الثائر الغاضب وهو يتحول الى قط هادئ وديع أمام تلك المخلوقة الجميلة قلبا وقالبا

كانت تتحدث اليه بمرح كبير وتبدي سعادتها البالغة بذلك العشاء الذي سيجمع شمل العائلة من جديد

ورأيتها وهي تسحبه من يده كطفل صغير لتختار له ما سيلبسه الليلة, وهو هادئ تماما صامت يعجز عن معارضتها

وهذا ما لاحظته بالفعل من بعد مولد نور, لقد تحول شادي الى عبد لها, فلا يمكن أن تطلب منه طلبا مهما كان ويرفضه , كما لا يمكن أن يصرخ في وجهها أو يؤذيها بكلمة

أما هي فلم تستغل أبدا حبه الشديد وانقياده لها, بل كانت تمنحه الاحترام الكامل والطاعة اللا محدودة

ولولا ما يحاك حولهما من مؤامرات وخوف شادي من أن تعرف بما فعله أو ترى الصور والأفلام لصار أسعد زوج في العالم

..............................................

دبرت فاطمة الموعد بحيث يصل ابني وزوجته أولا قبل رشا ووليد, وكان هدفها من ذلك أن يجلسان معا وحدهما ليتفاهما

وصل ابني أولا, فرحبت به فاطمة ترحيبا كبيرا, ورد هو عليها بدبلوماسية وتهذيب

وجلسنا في غرفة الاستقبال وتركتنا فاطمة وذهبت لتحضير المشروبات

كان اللوم والعتاب هما الغالبين على حديث ابني وحفيدي , وصمت تماما لأدع لهما الفرصة ليخرج كل منهما ما في نفسه

بعد قليل وصلت زوجة ابني, ووقفت مشدوهة أمام ذلك المنظر الذي أمامها, فهي لم تتخيل أبدا أن تكون فاطمة على هذه الدرجة من الرقي والذوق الرفيع في اختيار ملابسها وزينتها وتصفيفة شعرها

لقد كانت فاطمة رائعة الجمال في هذا اليوم بالذات

بالغت في أناقتها وزينتها وصففت شعرها عند مصففة الشعر لتبدو أمام عائلة زوجها في أجمل صورة

والى جانب جمال الصورة كان جمال المنطق والاستقبال والترحاب

مما أذاب بعضا من البرودة العنيفة في معاملة حماتها لها

وبرغم كل التخطيطات والترتيبات التي قامت بها فاطمة من أجل حماها وحماتها, الا أن الإثنان لم يتبادلا ولو حتى السلام, ولم ينظرا الى بعضهما البعض

كانا أشبه بغريبين في مكان غريب

وصل وليد ورشا, وأحضرا معهما هدية لشادي وزوجته

واستقبلهما شادي وحده فقد توارت زوجته بسرعة في غرفتها لتعود لنا وقد ارتدت عباءة واسعة أنيقة للغاية وتسترت بحجاب طويل وفوقه النقاب لتعود لصورتها الأولى

وبكلمات غاية في الرقة والترحاب رحبت بالعروسين وقدمت لهما العصائر, ثم تركتنا وخرجت من الغرفة لتعد المائدة, ومع خروجها عاد الصمت المتوتر يسري في المكان

الا عندما كسره وليد وهو يتأمل المكان : جميلة هي شقتك يا شادي, لقد غيرت الديكورات تماما, أصبحت أفضل بكثير

قال بفخر : انه ذوق فاطمة

نهض وليد من مكانه واتجه الى الشرفة وهو يقول : هل لازالت الشرفة كما هي أم أنك بدلت ديكوراتها أيضا؟

تبعه شادي قائلا : سيدهشك المنظر

توارا داخل الشرفة وخلفهما الصغيرة ظل أبيها, ولم يخف على أن وليد يريد أن يحادث شادي دون أن يسمعه أحد, وقام بتلك التمثيلية لينفرد به في الشرفة

وبمجرد أن أصبحا وحدهما حتى قال وليد بصوت منخفض يمتلئ بالتوتر : ما هذا الذي فعلته في بيت رودي؟!!

فوجئ شادي تماما بكلامه, ولكنه قال مستنكرا : ماذا تعني؟!!

قال : لا تخفي على صديقك, لقد وصلني الفيلم الذي تم تصويره لك في بيت رودي, بل ومرر الى كل الشلة

ضرب شادي سور الشرفة بغضب شديد : الكلب, عديم الأخلاق

وليد بتوتر : هل علمت زوجتك؟

قال : لا أدري

وليد : ماذا تعني؟

شادي : تصرفاتها غريبة هذه الأيام, أشعر أنها تعلم, ولكنها لا تتكلم أبدا في أمور كهذه

واثق أن ذكائها الشديد لا يمكن أن يمر عليه كل تلك الأحداث دون حتى استنتاج أى شيء, لكنها لا تبدي لي أى ردة فعل غريبة, بل تعاملني كأفضل ما يكون

وليد : اسمعني جيدا يا صديقي, لقد نجح زواجك نجاحا مبهرا عكس توقعاتنا جميعا, فحافظ على بيتك وزوجتك الطيبة بكل قوتك, وحارب من أجل استقرار بيتك, فتامر ورودي اتفقا ضدك ويشنان حولك معركة ضارية,ولم يستخدما كل أسلحتهما القذرة بعد

لكن مهما حدث فعليك أن تتمسك بهدوءك قدر ما تستطيع ولا ترتكب أية حماقة قد تقضي على مستقبلك وبيتك

امتدت أصابع الخوف الى شادي فقال بتوتر : ماذا تعني؟ هل, هل هناك شيء تخفيه عني؟ أخبرني

قال : لا تتعجل الأمور, فأيا يكن ما أخفيه عنك لن يبقى سرا طالما أن تامر يضعك في رأسه

كل ما أستطيع قوله الآن هو أن عليك أن تتحلى بالهدوء والحكمة ولا تعطي تامر فرصة ليصطادك ولا تخبر زوجتك بأى شيء حتى لا تخرب العلاقة الجميلة التي بينكما

لأول مرة يشعر شادي بالخوف, لقد أثرت به كلمات وليد, لا شك أن تامر يعد له خطة من خططه القذرة, لكن أكثر ما كان يثير خوفه هو أن تعلم زوجته بما حدث أو ما سيحدث

داخل الغرفة

كانت المناقشة بين ابني وزوجته قد اشتدت ودخلت في طرق شائكة وعلا صوتهما وأنا ورشا نجلس صامتين نراقب الى أين وصل الحال بابني وزوجته

انضم الينا شادي ووليد الذي جلس على الأريكة بجوار رشا التي ارتسمت اللامبالاة الشديدة في ملامحها وهي تستمع الى أبيها وأمها وهما يتبادلان الاتهامات العنيفة ويقلبان في الماضي عن أخطاء ولى الزمن عليها وأصبحت بلا معنى, لكنها في شجار كهذا تصلح للتراشق والقاء التهم

كان شادي صامتا وشاردا وكأنما ابتلعته مشكلته التي تؤرقه, وبدأ يظهر على وليد الضيق, فقال لرشا : هل نرحل الآن؟

قالت ساخرة : ونضيع علينا مشهدا كهذا!! منذ ترك والدي البيت لم أرى شجارا بين أبي وأمي

قال بتافف : أظن أنه علينا الرحيل

قالت بلامبالاة : لم؟!! لقد أصبحت فردا من العائلة, ألا تريد أن تعرف من ناسبت؟

بعد هذا الحوار بين رشا ووليد, وبعد صمت شادي التام وكأنما انفصل عن الواقع, لم أستطع عدم التدخل, فقلت بسخرية متأففة : جيد! هيا ارفعا صوتيكما أكثر لترى فتاة النظارات في أية بيئة نما شادي وتربى

تلك الفتاة التى تتعاليان عليها وترفضانها لأنها من بيئة متواضعة لم أسمعها يوما تتشاجر مع زوجها أو تصرخ هكذا

نهضت لأغادر الغرفة وأنا أقول : هذا هو المظهر اللائق فعلا لتظهرا به أمام زوجة ابنكما التى تحول جاهدة الاصلاح بينكما وتجميع العائلة التي تخربت وسار كل من فيها في طريق مختلف, شادي.. نادني عندما ينتهي الشجار

قال بسخرية مغتاظة : ولم لا نترك لهما الغرفة جميعا ليمارسا فيها هوايتهما المفضلة؟؟

أمسك بيد صغيرته : هيا يا صغيرتي لنخرج من هنا

خرجنا جميعا الى الصالة, وتركناهما وحدهما, ورأيت فاطمة وهي تتنقل بنشاط من المطبخ الى السفرة وقد كنت متأكد أنه سمعت المشاجرة

جلسنا في أحد الأركان وقال وليد لرشا قاصدا زوجة شادي التي تدور في البيت كالنحلة : ألن تساعديها؟

نظرت اليه شذرا, ثم لم تجد ما تفعله الا أن تنهض متأففة

هتفت فاطمة بسرعة : لا هذا لا يصح أبدا, فأنت العروس المحتفى بها

نهض شادي لمساعدة زوجته

هدأت أصوات المشاجرة في الغرفة, وأتى ابني وزوجته لينضما الينا في صمت, وانتهت فاطمة من اعداد المائدة كأجمل ما يكون ودعت الجميع للعشاء, ولكنها لم تجلس, بل قامت بتقديم الطعام بلطف بالغ واهتمت اهتمام خاص بحماها وحماتها التى قالت بلهجة متعالية : أليس لديكما خادمة!!

ظهر على شادي التأفف وعدم الرضا من أسلوب أمه, لكن فاطمة قالت بود : بلى, لقد استأجر لي شادي خادمة تساعدني, ولكني أحب أن أطبخ بنفسي

قال شادي بفخر : الخادمة تساعد في التنظيف فقط وترحل آخر النهار, لكن فاطمة تقوم بنفسها بكل شئوني وشئون نور, كما أنني لا آكل الا من عمل يديها

استقرت فاطمة أخيرا في كرسيها فقالت رشا بلهجة مستفزة : هل ستأكلين بالنقاب!! ألن تخلعيه؟!! أم أنك تعتبرين وليد غريب؟

قالت ولهجة الود لازالت في صوتها : بالتأكيد ليس بغريب والا ما كنت جلست معه على مائدة واحدة, وأو قدمت الطعام بنفسي

قالت بتهكم : ياللكرم.. ولكن ألن تشاركينا الطعام؟

أدركنا جميعا أن رشا لا تنتوي السكوت, ولن تكف عن استفزاز شادي وفاطمة بكل الوسائل, وذلك عندما قالت : ليس من اللائق ولا من سمات التحضر ألا تشاركينا الطعام

هتف شادي بضيق : ألن تتناولي عشاؤك أم سنظل طوال الليل في حديث وثرثرة؟

تجاهلت رشا كلامه, لكن فاطمة لم تتجاهلها, وردت ردا رقيقا لينا : بالتأكيد سأفعل, ولكن بعد أن أطعم صغيرتي أولا

أجلست الصغيرة على ساقيها وأخذت تطعمها وتدللها

لكن رشا التفتت الى وليد وقالت باستفزاز : ما رأيك يا وليد؟ ألا تشعر بالضيق وزوجة أخي لا تشاركنا الطعام؟ وتخفي وجهها أمامك كما لو كنت غريب غير مرغوب في وجوده؟!!

توقفنا جميعا عن تناول الطعام ولكن أحدنا لم يستطع أن ينطق أمام تلك الجرأة الغير محتملة من رشا, وكاد شادي أن ينفعل

لكن وليد قال بلباقة أثارت احترامنا جميعا : الحقيقة ليس لدي وقت لأشعر فيه بالضيق, فمن يرى ذلك الطعام الشهي والحفاوة البالغة والكرم الرائع, لا يمكن أن يشعر بالضيق

أنصحك أن تأكلي الآن والا سيفوتك نصف عمرك, واحترسي لأصابعك حتى لا تلتهمينهما من حلاوة الطعام

صمتت رشا أخيرا بعد أن ظهر على وجهها عدم الرضا, وأخذت تعبث بعقد أنيق مغلق في رقبتها بعصبية واضحة

وانشغلنا جميعا بتناول الطعام في صمت

لكن فاطمة لم تسكت, بل قالت عندما لاحظت أن رشا لا تأكل : ألا تأكلين؟

قالت بضيق : لا شكرا, فأنا أتبع حمية قاسية, وهذا الطعام لا يناسبني

قربت اليها فاطمة أحد الأطباق وهي تقول : ربما يناسبك الخضار المسلوق, خفيف وسعراته الحرارية قليلة

قالت رشا وكلماتها تقطر غيظا : لم تنسي شيئا, كل شيء في هذا البيت يتم على أكمل وجه

قالت فاطمة : أرجو أن تتذوقيه ربما ينال اعجابك

قالت رشا بتأفف : لن أفعل, فأنا لم أعتد أن آكل مع شخص يخفي وجهه عني

ألقى شادي بالشوكة بغيظ فاصطدمت بالطبق الخزفي محدثة صوتا عاليا جعلنا جميعا نتوقف عن تناول الطعام ونلتفت الى شادي الذي بدا عليه أنه سينفجر حالا

لكن فاطمة نظرت الىيه نظرة طويلة جعلته يسكت, ثم التفتت الى رشا وصوت الود لا زال يغلف كلماتها : لم يا عزيزتي, أنت فتاة مثقفة متفتحة وتدركين أن الأمر حرية شخصية

قالت بعصبية : لم أتعود أن أجالس انسان ولا أرى تعبيرات وجهه ولا أعلم ما الذي يكنه لي من كراهية أو ود

قالت فاطمة ببساطة : أنا عكسك تماما, أنظر الى أفعال الناس لا أشكالهم, وأدرك أن التعبير عن الحب والمودة لا يقتصر فقط على تعبيرات الوجه, بل هناك أيضا الكلمات الطيبة

كما أن أقوى أشكال التعبير عن الحب هو الأفعال والتصرفات

وكل انسان يعبر عما بداخله بطريقته الخاصة

صمتت رشا تماما رغم أنها لا تزال تعبث بعقدها بعصبية واضحة في حركاتها, وعدنا للأكل من جديد وفاطمة تقول : أذكر أن أحد التلاميذ حاول التعبير عن حبه وتقديره لمعلمته لكن خجله الشديد وتلعثمه في الكلام كان يمنعه, لكنه في النهاية استطاع أن يخرج مشاعره كلها في عمل فني رائع أهداه اليها

التفت شادي نحو خزانة الأطباق الخزفية الأنيقة وتطلع الى التحفة الفنية الخشبية التي وضعت بعناية فوقها وقال لزوجته : لا شك أنها أحبتها كثيرا وستظل تحتفظ بها بعناية كبيرة

انتفضت رشا من كرسيها بعصبية, فقال شادي بضيق : ألن تأكلي؟

قالت بلهجة خالية من التهذيب : لا

تركتنا ودخلت الى غرفة الاستقبال

وأخيرا أكملنا طعامنا في هدوء يتخلله كلمات الود والمجاملة مني أو من شادي, أما فاطمة فقد انشغلت بطفلتها وسكتت تماما

ولكن في النهاية كان علينا تناول الشاى والحلوى في حجرة الاستقبال

كانت رشا في الشرفة وكأنما لا تبالي بأى منا

أحضرت فاطمة كعكة فاخرة احتفالا بالعروسين, ولم يستطع ابني أن يسكت أمام ذلك المجهود الجبار الذي قامت به فاطمة وحدها احتفاءا بالجميع, وفي بعض كلمات المجاملة والاطراء أشاد بها وبادارتها لبيتها وبطعامها وطريقة تقديمها

وقفت رشا على باب الشرفة مسندة كتفها اليه, ورأيت في عينيها نظرة غريبة, فجأة نظرت الى شادي وقالت بتهكم : شادي, أتعلم, لقد وصلني فيلم قصير على هاتفي المحمول, عندما رأيته لم أتمالك نفسي من الضحك

ثم أكملت بحقد : لكم تمنيت أن أرسله الى فاطمة على هاتفها, أظنه سيعجبها كثيرا

انتفض شادي من مكانه وبدا عليه الغضب الهائل, واقترب من رشا وكأنما سيهم بعمل ما

لكنها وقفت ثابته تبادله بنظرات عنيفة الكراهية

توقفت فاطمة على الفور عن تقديم الأطباق والتفتت الى رشا وزقالت بصوت قوى وكأنما توقظ شادي من سيطرة الغضب على عقله : أنا لا أمتلك هاتف محمول يا عزيزتي

قالت بتهكم وعينيها في عيني شادي : لم؟!! حرام؟!! أم أن زوجك يمنعك من امتلاكه؟!!

ردت فاطمة بسرعة حتى لا يتدخل شادي : بالتأكيد لا هذا ولا ذاك, ولكني لا أحب أن أضيع وقتي في الثرثرة بلا داعي مع الأخوات والصديقات, وتبادل مقاطع الأفلام والرنات والألعاب وغيرها

هاتف البيت يكفيني تماما ويقضي احتياجاتي

فلدي أشياء أهم بكثير تشغلني

نهض وليد فجأة وقال بلهجة اعتذار : عفوا شادي, سامحني, كنت أود أن أقضي السهرة معكم ولكني حجزت تذكرتي سينيما لي ولرشا, وعلينا المغادرة الآن لنحضر العرض من بدايته

أخيرا حول شادي عيناه عن أخته وبدأ يعود لهدوءه, والفضل للباقة صديقه

سلم وليد على ابني وزوجته ولم يهتم لنظرات عدم الاكتراث وعدم الرضا الواضحة

ثم سحب رشا من يدها وهي ضائقة للغاية من تصرفه, ولكنها اضطرت الى مجاراته

وقبل أن يخرج قال لفاطمة : سيدتي, شكرا جزيلا لك على تلك الأمسية الرائعة, وتلك الحفاوة البالغة والطعام الشهي

أرجو أن تعذرينا فلا زلنا عروسان حديثان ونود التنزه والانطلاق

ننتظر منكم أنت وشادي وصغيرتكما الجميلة أن تزورونا في بيتنا

نظر الى رشا وهو يكمل : عندما يكون لنا بيت, أليس كذلك يا عزيزتي؟

تأففت بضجر شديد ولم ينتظر هو لترد على كلماته, بل سحبها من يدها وهو يمسح على شعر نور الصغيرة بحنان ويقول بلطف : وداعا يا أميرتي الجميلة

خرج مسرعا من البيت وبقي الجميع من بعده في حالة صمت متوتر

الحقيقة أن وليد أثار اعجابي للغاية بما فعله, حتى أنه بدأ يعود لي هاجس أطلقه شادي في رأسي, كيف يتزوج وليد من رشا؟!!

كان واضحا للجميع أنهما ليسا على وفاق وأن زواجهما غريب بعض الشيء, وازداد هذا الشعور لدى شادي, وبدأت أشك أنه يخشى على صديقه من أخته, فرشا لا تبدو لنا طبيعية أبدا, ويبدو أن ترك أبيها للبيت ترك فيها أثرا عميقا

نعود الى ابني وزوجته التى غادرت بعد ابنتها مباشرة

أما ابني فقد كان آخر المغادرين مما أتاح له الفرصة ليطلق لسانه ويشكر زوجة ابنه بحرارة ويصافحها بقوة, بل ويقبل جبينها بامتنان كبير

وأدركت أن كل هذا الشعور بالامتنان لم يكن مبعثه الوحيد ذلك العشاء

بل كان تقديره الكبير لها على عنايتها بوالده الشيخ الذي لم يتحمله أحد في هذه الدنيا سواها

لقد كان متأثرا للغاية وهو يرى العلاقة الرائعة التي بيني وبين زوجة حفيدي

لكن وجود زوجته وابنته منعه من اظهار مشاعره الحقيقية

.........................................

بعد هذه الليلة لم يتغير شيء,لازال ابني بعيدا عن بيته, ولازالت رشا تعامل وليد بجفاف وشادي بكراهية عنيفة

ولازالت الصور والأفلام تنهال على شادي برغم أنه غير رقم جواله أكثر من مرة, لكنهم كانوا يصلوا اليه في كل مرة ولا أدري كيف؟

واذا لم يستطيعوا الوصول للهاتف المحمول, لا يكف هاتف البيت عن الرنين والازعاج

لكن الجديد أن مكالمات الهاتف من سيدات يطلبن فاطمة بالاسم

لكن فاطمة بعد مرة أو مرتين تركت الهاتف تماما ولم تعد تلمسه بيديها

حتى أخواتها لم تعد ترد علي اتصالاتهن وصار الهاتف في البيت شيء مهمل ويكون الجميع سعيدا عندما يتعطل أو ينزع أحدهم مقبس الكهرباء

أما شادي فقد تحطمت أعصابه تماما والصور تنهال عليه من تحت عقب الباب, ولكن هذه المرة في أظرف مفتوحة

لكن أكثر ما كان يحطم أعصابه تصرفات فاطمة العجيبة فهي لا ترى الأظرف اليومية التي تلقى من تحت عقب الباب, ولا تسمع صوت الهاتف أبدا, واذا ما ناديناها لأن امرأة تطلبها تقول : لن أرد على من لا أعرفه

واذا كانت واحدة من أخواتها تقول : أنا الآن مشغولة, أرجوك, أخبرها بأنني سأتصل بها فيما بعد

تحول شادي الى كتلة نار تحترق كل يوم وتحرق من حولها, حتى أن صغيرته أصبحت تخافه وتخاف صوت صراخه وتهرب الى أحضان أمها

لكن فاطمة لم تتخلى أبدا عن هدوئها, كانت ميزان البيت الذي يضبطه

عندها ويتوقف شادي على الفور

لكنها بدأت تشكو لي شكوى غريبة, لقد أصبح شادي فريسة للكوابيس اليومية

يستيقظ فزعا كل يوم, مرتعد الأطراف على كابوس واحد لا يتغير وتحاول فاطمة تهدئته بكل وسيلة حتى يعود الى النوم

طلبت مني الاستماع اليه ونصحه

وعندما استمعت اليه انقبض قلبي بشدة, وتعجبت كثيرا من ذلك الكابوس الذي يطارده

قال لي : أرى نفسي أقف على شاطئ البحر أنظر الى غريق يصارع الموت وسط الماء, وعلى الفور أعرف من هو, إنه.. إنه أنا

أحاول أن أمد له يدي لأنقذه من الموت, لكنني لا أستطيع

ثم أستيقظ فزعا, انه عذاب رهيب يتكرر كل ليلة ولا أدري كيف أتخلص منه

فهمت أن حالته النفسية وصلت الى الحضيض ولن يعود كما كان الا لو تخلص من الشبكة التى علق بها

قلت : عليك أن تجد وسيلة لإيقاف تامر هذا عند حده

قال بأسى : الأمل الوحيد هو أن يمل عندما لا يجد صدى لما يفعله, ويتوقف من تلقاء نفسه

قلت : واضح أنه يريد الانتقام منك, ولن يتوقف الا اذا شعر أنه حقق انتقامه الكامل وشفى غليله منك

ظهر عليه التوتر الشديد وهو يقول : هذا يعني أنه لن يتوقف عند حد, وقد ينتقل الى مراحل أخرى أكثر قذارة

صدق شادي في هذه أيضا, ففي يوم اشتدت على فيه آلآم الروماتيزم, مما أقعدني عن الخروج للمسجد لصلاة الظهر, وبينما كنت خارجا من الحمام بعد أن انتهيت من الوضوء والصغيرة تلعب في الصالة, سمعت صوت مفتاح يدور في باب الشقة, وتعجبت, ما الذي أتى بشادي في تلك الساعة المبكرة؟

ورأيت فاطمة تخرج من المطبخ قادمة في الممر وعلى وجهها الدهشة

لكننى تجمدت من الدهشة عندما فتح الباب ووجدت أمامي شخص آخر

انه تامر الذي ما ان رآني حتى ارتبك تماما وتنحنح وحاول أن يبتسم بود, وتراجعت فاطمة بسرعة حتى اختفت في المطبخ

قلت بخشونة : من أنت وما الذي أتى بك الى هنا؟

حاول أن يبدو ودودا وهو يقول : أنا.. أنا تامر يا عماه, ألا تذكرني؟ أنا صديق شادي

قلت بعنف : وما الذي تريده؟ وما هذا المفتاح الذي في يدك؟

قال بارتباك : لقد أعطانيه شادي, ألم أقل لك أننا أصدقاء؟ فقط أردت أن أفاجأه كما كنا نفعل في الماضي, ولكن يبدو أنني أسأت التصرف, أرجو المعذرة

التف ليخرج فقلت بقسوة : عندما تريد شادي فاذهب اليه في مكتبه واياك أن تأتي الى هنا ثانية والا أبلغت الشرطة

نظر الي نظرة أخافتني بحق, ثم نظر الى الصغيرة التي تقف الى جواري وتأملها قليلا ثم رحل مسرعا وأغلق الباب خلفه

أتت فاطمة مسرعة والغضب يكسو ملامحها, فقلت بغضب : ياللجرأة الوقحة من أي طينة خبيثة صنع ذلك الشخص!!

دخلت فاطمة غرفتها بصمت وعادت بعد قليل وقد ارتدت ملابس الخروج, فقلت بدهشة : الى أين؟!!

قالت وصوتها متوتر : سأحضر صانع المفاتيح ليغير مفتاح الباب

قلت بغيظ : كيف نسيت أن آخذ منه المفتاح؟!!

قالت بصوت غاضب : لا يهم, فهي بالتأكيد ليست النسخة الوحيدة, كما أنني لا أدري كم من أصدقاؤه القدامى لديه نسخة

هتفت بدهشة : ماذا!!!

كيف تقولين هذا؟!! لا يمكن أن..

قالت مباشرة : أنسيت أنها شقته عندما كان أعزب! وكانت مقر لتجمع أصدقاؤه, لا عجب, فهو نفسه نسي ذلك

ضغطت أسنانها بغضب هائل وقالت بصوت يكشف عما في نفسها من ألم : قضيت شهورا أتحرص وأتخوف من موقف كهذا, لكنني نسيت واعتقدت أن مخاوفي انتهت لمجرد أن شادي ابتعد عن أصدقاء السوء

انتابتني الشجاعة أخيرا وقررت التحدث اليها فيما كنت أتجنبه وأخشى مواجهتها به, فقلت بقلق : طمئنيني يا بنيتي لم أنت صامتة هكذا؟

لا يمكن ألا تكوني على علم بما يدور من حولك, إن شادي نفسه يكاد يجن من صمتك

قالت بألم والدمع يتجمع في عينيها : جدي, أنت أكثر من يعلم كم عانيت وتألمت لأحافظ على هذا البيت

في البداية عانيت أشد المعاناة لأتقبل حياتي وأرضى بها

والآن بعد أن رزقني الله الرضا وألقى في قلبي القبول والمحبة لكل من فيه فلست على استعداد للتضحية به أو خسارته مهما كانت الأسباب

أعلم أن هناك حربا ضارية تدور حولي لتحطيم أعصابي وانتزاع كل ما أملكه في الحياة

أرجوك ثق بعقلي وتصرفاتي

دعني يا جدي أخوض معركتي بنفسي ولا تقلق علي, فمهما كان قراري واختياري فلن أندم أبدا, فأنا لا أتخذ أي قرار قبل أن أسأل ربي أولا

لم أستطع أن أفتح فمي بعد ما قالته واستعدت هي للذهاب

فقلت بقلق : ألا تنتظري قليلا ربما لم يرحل بعد, لقد اختار ذلك التوقيت بين الأذان والاقامة لإقتحام البيت لأنني في العادة أكون في المسجد, وتكوني أنت وحيدة في البيت

قالت بثقة : لكن الله أحبط مسعاه, وجعل آلام الروماتيزم تشتد عليك اليوم لتبقى في البيت بجانبي

أتظن أن بعد هذا يمكن أن أخاف من أحد؟

قلت برجاء : أرجوك يا ابنتي, انتظري قليلا حتى نتأكد من رحيله, أو اتصلي بشادي

قالت بمرارة : شادي!!!

ثم أكملت : لقد قضيت مراهقتي في محل للنظارات أقابل بشرا على كل صنف ولون, وأتعرض لمواقف قد لا يتحملها الرجال

لكني كنت أثق دائما بأن الله معي ولن يتركني

لا تقلق على أستطيع التصرف جيدا

رحلت مودعة مني بالدعاء أن يحفظها الله من كل سوء, لكن شعور عجيب بالحماية والرعاية والأمن غمرني من ثقتها وعقلها

وأخذت أفكر بتلك المرأة وأمثالها, فبهن تعمر البيوت وتضاء ويربى الأبناء

بهكذا امرأة تثبت الأقدام وتكبر الرجال

أدركت أن هذا البيت سيبقى ببقاء فاطمة

واذا انهدم فسيكون السبب هو الدعامة الأخرى للبيت

وانتابني انقباض شديد عندما تذكرت أن الدعامة الأخرى هي دعامة هشة لا ترتكز على أساس سليم

................................................

عاد شادي من عمله وفوجئ بأن مفتاحه لا يعمل في الباب, وعندما فتحت له فاطمة أدرك من تجهم وجهها أن هناك خطب ما

قال بتوتر : ماذا حدث؟

ردت بغضب مكتوم : وعليكم السلام ورحمة الله

تركته ودخلت غرفتها, وشعر هو بالقلق فاتجه الى وسألني : ما بها؟

قلت بتهكم غاضب : لم تسألني أنا ولا تسألها؟ أتخشاها!!

قال بتوتر وهو يضع جواله ومفاتيحه على الطاولة الصغيرة : هلا أخبرتني بما يدور هنا مباشرة؟

حكيت له ما حدث فاحمر وجهه غضبا وانتفض من مكانه قائلا : على أن أضع حدا لهذا الوضيع وتصرفاته القذرة

قلت محاولا اعادة عقله اليه : جيد, وما الذي تنوي فعله؟ هل ستقتله لتقضي عمرك في السجن وتشرد طفلتك وأمها؟

قال والغضب يعميه : على ايقافه عند حده, لقد اقتحم بيتي وهو متأكد أن زوجتي وحدها

قلت وكلمات فاطمة في أذني : ومن أعطاه المفتاح؟!!

فوجئ بردي المؤلم والذي أخرسه تماما, وشرد قليلا

لقد كان ردي صادما له, يبدو أنه نسي بالفعل

انتفض فزعا على صوت جواله ينبئه بوصول رسالة, أخذ ينظر الى الجوال بتردد ولم يجرؤ على الاقتراب منه

قلت بضيق : ألن تفتح الرسالة؟

قال : لا, لم أعد أطيق ذلك

قلت : يجب أن تعرف الى أين وصل عدوك لتواجهه

أمسك الجوال وفتحه وبقي قليلا ينظر اليه, ولاحظت تغير لون وجهه وجحوظ عينيه وانفراج ثغره والغضب الهائل يتجمع في ملامحه

قلت بخوف : ماذا هناك؟ ما الذي وجدته في الجوال؟

سقط منه الجوال وانطلق يجري كالمجنون بلا وعي, حتى أنه أفزع طفلته فزعا شديدا, وغادر البيت جريا دون حتى أن يغلق الباب خلفه

وأتت فاطمة بسرعة لتسألني عما يحدث, ولكنني كنت مشغولا باستطلاع جوال شادي وما وصله

وبعد أن عرفت, لم أستطع أن أصارحها بهول ما رأيت

وأخذت أفكر أين ذهب شادي الآن, بالتأكيد ذهب خلف المجرم تامر, وتوجست من أن يقتله وصارحتها بمخاوفي عدا ما رأيته في الجوال

فخافت وأخذت تدعو الله ألا يصاب شادي بمكروه وأن يرد له عقله ويحسن التصرف

أدركت أن الوحيد الذي يستطيع التعامل مع الاثنين شادي وتامر هو وليد

لذلك فقد اتصلت به وأخبرته بما حدث دون أن أذكر ما رأيته على الجوال

أخبرني بأنه سيبحث عنه في كل مكان وعندما يجده سيتصل بي على الفور

هذه المرة خاب ظني, فلم يذهب شادي ليبحث عن تامر, بل ذهب الى بيت أبيه, وعندما رأته أمه على تلك الحالة فزعت وحاولت ايقافه ولكنه تجاوزها وصعد السلم الداخلي للبيت جريا وهو ينادي رشا بغضب هائل

وعندما فتحت رشا غرفتها وجدته أمامها مباشرة وشياطين الغضب تتراقص في وجهه

أمسك بذراعها بقسوة ودفعها أمامه الى الغرفة وأغلق الباب خلفهما, لكن أمه دخلت والفزع يكاد يقتلها وقالت بخوف : ماذا حدث؟ ماذا تريد من رشا؟

حاول باستماته أن يسيطر على غضبه ويتحدث بصوت طبيعي ويقنع أمه لتتركه وحده مع رشا : لا شيء يا أمي, فقط أريد أن أتحدث معها في أمر هام, هلا تركتنا وحدنا لبعض الوقت من فضلك؟

قالت بخوف : لا, لن أتركك معها قبل أن أعرف ماذا حل بك وما شأنك برشا؟ تلك الوضيعة فتاة النظارات ماذا قالت لك لتغير قلبك نحو أختك؟

صرخ فيها : أمي, اسكتي, دعينا وحدنا الآن

لولا أنها خافت منه حقا لما تركتهما وحدهما, لكنها انسحبت خارجة وهي ترتجف من صرخة شادي وأغلقت الباب

كانت رشا تنظر الى شادي بخوف, والتفت هو اليها وقال بصوت منخفض يتخلله الغضب العاتي : أريد أن أعرف الحقيقة, ما هي علاقتك بتامر بالضبط؟

نظرت اليه بدهشة قليلا ثم ظهر على وجهها الفهم وهي تقول : فهمت, كنت أعلم أن وضيع سافل مثله لن يفوت الفرصة, وأنه كان يكذب عندما أقسم لوليد أنه لم ينسخ الفيلم, وأن النسخة التي مسحها كانت نسخة وحيدة

قال شادي بصدمة هائلة : و.. وليد!!! هل.. هل يعلم بذلك؟!!

انهار على الكرسي, وتأملت هي تعبيرات وجهه ونظرات الشماتة تطل من عينيها, وانفرج ثغرها بابتسامة ساخرة, ثم جلست أمامه على فراشها ووضعت كفها تحت وسادتها وأخرجت علبة سجائر وولاعة وأشعلت سيجارة وأخذت تنفث دخانها في وجهه باستهتار, ثم مدت اليه العلبة وهي تقول ببطء : ألا تأخذ واحدة؟

تأمل أخته بذهول والصدمة لازالت تتملكه, وشيئا فشيئا بدأ غضبه يبرد حتى هدأ تماما ولم يتبقى لديه شعور الا الذهول والدهشة والتساؤل : أهذه أخته حقا؟!! أهذه هي أخته رشا الصغيرة التي تربت معه في نفس البيت وعاشت معه عمرا

أهذه هي التي ضمه واياها حب الأخوة ورابطة الدم وألفة الحياة في بيت واحد؟!! تلك المخلوقة التي أمامه لا تشبه أبدا رشا التي كان يعرفها

مستحيل, ثلاث سنوات ليست مدة كافية ليتحول فيها الانسان بهذه الطريقة, ويتغير لهذه الدرجة

أفاق من شروده على صوتها : ماذا؟ ألا تريد واحدة؟

هزت حاجبيها باستهتار : انها ليست سيجارة عادية

ظل صامتا يتأملها بذهول فقالت ساخرة : اذا فلقد تبت وأنبت وألقيت بكل شيء خلف ظهرك!! رائع, زوجتك تأثيرها هائل, من العجيب حقا أن تكون لفتاة متواضعة مثلها كل هذه القدرة على التأثير في الرجال

وليد نفسه معجب بها للغاية ويعتبرها زوجة مثالية لك

أفاق من دهشتة أخيرا وقال بهدوء : وليد؟!!

أريد أن أفهم الآن ما هي علاقتك بتامر؟ وكيف يعلم وليد بالأمر ويسكت؟!!

قالت باستهتار : عجبا, هل تذكرت أخيرا أنك أخ وأتيت الآن لتمثل على دورك الأخوي؟!!

قال بدهشة : أمثل؟!!

قالت : صدقني, هذا الدور لا يليق بك, ابحث عن دور آخر لتمثله على وأقتنع به, أو اذهب الى زوجتك وطفلتك, فدور الزوج والأب الحنون يليق بك أكثر

صمت قليلا ثم قال بجدية : كلماتك وأسلوبك اللاذع لن يسكتني, ولن أرحل قبل أن أفهم ما يحدث وأعرف الحقيقة

قالت بشماتة : اذا فعليك أن تتحمل أسلوبي وكلماتي اللاذعة ان كنت مصرا على معرفة الحقيقة

قال بجدية : أسمعك جيدا

قالت : عندما غادرت البيت الى شقتك التي تزوجت فيها وقاطعتنا جميعا من أجل تلك الفتاة الـ...

صمتت قليلا وظهرت في عينيها كراهية شديدة, ثم ابتلعت ريقها وأكملت : اشتدت الخلافات بين أبي وأمي وأصبح شجارهما اليومي يقتصر على موضوع واحد فقط, وهو السيد شادي وزواجه

وكأنما لا شيء في الحياة يستحق التحدث عنه أو حتى التشاجر لأجله سوى زيجة السيد شادي, ونسيا تماما أن لهما ابنة أخرى تعيش معهما في نفس البيت

لم أجد سوى النادي ملاذا لي لأبتعد عن الشجار والصوت العالي

وهناك عرفني وعرفته

قال غير مصدق : وليد؟!!

ضحكت ضحكة عالية متهكمة : أنت تعرف من أقصد, لكنك لا تريد أن تصدق

أكملت بمرارة : ضمني الى شلته وظل يلاحقني بالاتصالات والرسائل

أتعلم ما هو المدخل الذي دخل الى منه؟ انه أنت

نظر اليها بذهول وعقد حاجبيه بشدة ولم ينطق

قالت بأسى : كان كل حديثه منصب عليك, وعلى صداقته بك وأنكما أعز الأصدقاء, وكلما شكوت اليه انقطاعك عنا ولامبالاتك بنا كان يدافع عنك بشدة, حتى صدقته تماما وأصبح هو ملاذي وأسرتي وأخي وحبي وكل حياتي

رنت بشدة كلمة (أخي) في أذنه وشعر بها تخترق قلبه كسهم مسموم, لكنه ظل صامتا يستمع وهي تقول : وبعد أن أصبحت أسيرة له, كان تأثيره على وحصاره لي لا يسمح لعقلي بالتفكير أو حتى بالتوقف عند أى شيء يطلبه مني, لذلك فقد أطعته تماما وتركت قلبي وعواطفي بين يديه حتى أحكم قبضته حول عنقي, ولم أدري أنه صور لي هذا الفيلم في شقته

وعندما أخبرني بالحقيقة انهرت ولم أكن أدري الى أين أذهب ولمن ألجأ, ومن يستطيع مساعدتي لمواجهة تلك المصيبة

لكن الشيء الوحيد الذي أدركته هو أن العائلات الراقية لا يجب أن يعلموا بمصائب بناتهم

وكلما زادت القربى, زادت رغبتي في البحث عن بعيد أبوح له بمصيبتي

لذلك لجأت للإنسان الوحيد الذي حذرني من البداية ونصحني أن أبتعد عنه ولم أستمع لنصيحته

قال بشرود : وليد..

قالت : نعم, وليد, ولم يخذلني, بل ساندني حتى أخرج من ورطتي وتصدى لتامر, وهدده أن يكشف حقيقته لك ويجعلك تفض الشركة التي بينك وبينه

وبالفعل أعطاه الفيلم وأقسم له أنه نسخة وحيدة, لكن وليد لم يصدقه وحذرني من كذبه, وتوقع أنه احتفظ بنسخ أخرى وصدق توقعه, وقتها كنت منهارة تماما أواصل البكاء ليل نهار

أتعلم ماذا فعل وليد؟ عرض على الزواج, وبالطبع وافقت على الفور بدون تفكير, فهو طوق النجاة الوحيد الذي امتد الى

ولكن عندما عرضت الأمر على أبي رفض, ولكنني صممت على موقفي, ودبت مشاجرة عنيفة بين أبي وأمي بسبب اصراري على وليد وعلى اثرها ترك أبي البيت, الغريب أن الاثنان كانا متفقين في الرأي برفض وليد, ولكن لا أفهم لم تشاجرا وأخذا يلقيان الاتهامات على بعضهما البعض, ولم ترك أبي البيت في هذا التوقيت بالذات, وليس قبله ولا بعده؟!!

عندها توقف بكائي تماما وتحجر الدمع في عيني, ولم أعد قادرة على ذرف دمعة واحدة

كل ما أذكره وقتها أنني كنت أشعر بكراهية شديدة لكل ما حولي, وغضب رهيب ونقمة بلا حدود

وبدلا من أن أحزن لأن أبي ترك البيت بدأت أشعر بسعادة غريبة, كان بوسعي العودة في قراري ورفض الزواج من وليد, خاصة وأنا متأكدة أنه لا يحبني وأنا أيضا لا أحبه

ولكني لم أفعل, بل تمسكت به أكثر, وبدلا من أن تكون أول خطوة هي الخطوبة صممت أن نعقد القران مباشرة

وأبلغت أبي بقراري في الهاتف, واستمتعت بشدة بغضبه وحسرته وصراخه لي في الهاتف

وأردت المزيد من المتعة, وصممت أن أذهب مع أمي وأبلغك بالخبر بنفسي, ولكم كانت سعادتي وأنا أرى تأثير ذلك عليك

ذلك الشعور الجديد أنساني تماما تلك المرارة التي قتلتني, وذلك الحزن الذي خيم على قلبي, وذلك الظلم والقهر الذي ألم بي

لكن ما رأيته اليوم في عينيك كان أروع كثيرا, لو كنت أعلم من البداية لأرسلت لك هذا الفيلم بنفسي فقط لأتلذذ وأستمتع بذلك التعبير الذي أراه على وجهك الآن

لمعت عينيها ببريق مخيف : أتعلم, أفكر جديا أن أرسله الى جوال أبي وأذهب اليه بنفسي لأرى ما سيفعله به ذلك الفيلم

كان شادي متجمدا تماما أمام تلك الروح المملوءة بالغضب والغل والنقمة على كل شيء, ولم يدري كيف يشعر الآن أمامها؟ هل يشعر بالشفقة أم بالغضب أم بالاشمئزاز أم بالتعاطف

لم يكن يدري ما هو التصرف الصحيح الذي يمكن أن يفعله الآن, لذلك فقد صمت تماما, لكن سؤال واحد استولى على عقله في تلك اللحظة وخرج مباشرة الى لسانه : لماذا يا رشا؟ لماذا تكرهينني الى هذه الدرجة؟!!

قالت بغل : أكرهك فقط؟!! ان مشاعري نحوك الآن تعدت الكراهية بكثير

أكملت والحقد يأكل حروف كلماتها : لم تعد تعن لي أى شيء, أنت لا شيء بالنسبة لي

أنا أحتقرك, أحتقرك كما لم أحتقر انسانا في حياتي

تجمد تماما من الذهول والصدمة العنيفة التى انتابته من كلماتها وهي تكمل : أتدري لم؟ لأنك سبب كل ما أنا فيه من مصائب

لقد أوقعتني بين رجلين, رجل أحببته بكل مشاعري وغدر بي لينتقم منك, ورجل سأتزوجه رغما عني وقبل بي مرغما لأنه يحبك

ضحكت ساخرة بمرارة : يحبك أنت لا أنا

أرأيت ما فعلته بي, أصبحت ماضي احترق وحاضر رماد ومستقبل لن يأتي أبدا

مجرد حياة تسير بلا هدف ولا غاية ولا رغبة ولا حب

حاولت الانتحار كثيرا, ولكني أدركت أخيرا أنه لن يأبه لموتي أحد, فعدلت عن الفكرة, وقررت أن أعيش فقط لأرى الذل والهزيمة والخزى في عيون كل من حولي

والآن عد لأسرتك الجميلة, فلقد أشبعت تماما رغبتي في الانتقام منك ولم يعد يعنيني وجودك أو عدمه

لقد شفا تامر غليلي منك, تامر هو عملك الأسود في هذه الحياة, أنت الذي أتيت به وأدخلته الى حياتنا وفرضته على أصدقائك وعلينا

والآن حان وقت سداد الحساب, ستدفع الثمن غاليا, أغلى مما تتصور, فتامر لن يتركك الا اذا دمرك تماما

وسيفعل, متأكدة أنه سيفعل, وخاصة عندما انضمت اليه الأفعى رودي

ثنائي مخيف, أستطيع أن أرى من عينيك الرعب يملأ قلبك, فلديك الآن ما تخاف عليه وتحرص على حمايته

لكن تامر سيصل اليه, هو قادر على ذلك, وأنت أضعف من أن تصده

نهض سقيما متخاذلا بعد أن هزمته كلمات رشا

فتح باب الغرفة بيد مرتعشة وهو لا يكاد يرى أمامه, لكن رشا أمعنت في تعذيبه وهي تقول بشماته : احرص على زوجتك العفيفة جيدا فأنا متأكدة أنها هدف تامر الذي لن يتنازل عنه أبدا

خرج يترنح لا يتبين ما أمامه ولم يستطع الرد على أسئلة أمه القلقة ولم يشف خوفها الشديد من منظره وعندما هبط السلم باعياء وجد أمامه وليد الذي كان يلهث والتوتر يبدو عليه جليا, وهتف بقلق : شادي, بحثت عنك في كل مكمر هام, تعالى معي

استسلم ليدي صديقه وهو يأخذه الى سيارته ويتولى هو القيادة, وأخذه وليد الى شقته ليتحدث معه بحرية, ولم ينسى وليد أن يتصل بي ويطمئنني كما اتفقنا

.................................................. .............

عندما دخل شادي الى شقة وليد, انهارعلى أقرب كرسي ودفن وجهه بين كفيه

قال وليد : لقد حذرتك من البداية, ومهما فعل تامر عليك أن تتجلد وتتحكم بأعصابك

نظر اليه شادي بضعف وقال بصوت كسير : لماذا! لماذا يفعل بي كل هذا؟!!لماذا ينتقم مني بهذه الطريقة؟!!

لقد شاركته في مشروعي ومنحته ثقتي الكاملة, وتركته يتصرف في مالي كيف يشاء

قال وليد : تامر يغار منك

فأنت بالنسبة اليه المنافس القوي الذي لم يستطع هزيمته, وكلما كنت تسير في النادي كانت الفتيات يلتففن حولك ويتجاهلنه, لم يستطع أن يتعرف على فتاة الا من خلالك, لذلك فقد حول المنافسة الى تبعية مؤقتة حتى يصل الى كل ما يريده عن طريق استغلالك

كل فتاة صادقتها لم تفلت من يده

حتى رودي صديقتك المقربة سعى اليها والتف حولها لكنه لم يصل اليها الا بعد أن تزوجت أنت

جمعهما الحقد عليك, واستغل هو كراهيتها لك لأنك أهملتها وتزوجت من فتاة لم تعرف رجلا قبلك

واتفقا أن يحطما حياتك ويدمرونك خاصة بعد أن طردت تامر من الشركة

لم يعد هناك ما يمكن أن يردعه عنك

قال شادي : وأنت!! لم لم تحذرني؟

قال : حذرتك كثيرا لكنك كنت تستهين بالأمر

أكمل بندم : أنا أيضا لم أدرك حقيقة تامر الا بعد فوات الأوان, بعد أن أحكم قبضته على الشركة وصار هو المتحكم فيها وفيك, وحتى لا تفلت من قبضته قرر أن يمسكك من رقبتك, فالتف حول أختك, وكانت خطته من البداية أن يصورها ويهددك بنشر الصور في حالة لو كشفت ألاعيبه القذرة في الشركة, ويضغط عليك حتى لا تطرده من الشركة

لكنك فاجأته قبل أن يتصرف وطردته بالفعل في نفس يوم عقد قراني على أختك, وفي الحفل رسم هو ورودي خطة أخرى للإنتقام منك وأوقعاك في الفخ بخدعتها القذرة

وبدلا من أن يهددك بفيلم واحد أسقط رقبتك في قبضته ومنحته أنت سلاحا جديدا يخرب به بيتك المستقر السعيد

لكنه فوجئ بفشل خطته وبأن زوجتك لازالت متمسكة بك, لذلك أرسل لك الفيلم القديم

تلك هي حيلة المفلس, أرجوك لا تنهزم أمامه ولا تعطيه الفرصة ليخرب حياتك, صدقني, إن صبرت قليلا فلن يجد ما يحاربك به ولن يجرؤ على فعل شيء آخر

قال بهزيمة : لكنه اقتحم بيتي هذا الصباح

قال وليد بصدمة : ماذا؟ كيف!!

قال بندم : بمفتاح قديم نسيته معه قبل الزواج

هتف وليد بدهشة : ألم تبدل قفل الباب؟!! تزوجت في الشقة وتركت نسخ المفاتيح معنا؟!! لا أصدق أنك تتصرف بتلك الطريقة البلهاء, لقد منحته فرصة ذهبية

وكيف تصرفت زوجتك؟

قال بندم : غيرت قفل الباب بعد أن طرده جدي

ابتسم وليد باعجاب : تلك السيدة رائعة للغاية, اياك أن تفرط فيها, فهي التي تقيم بيتك وتمنع عنه الزوابع والأنواء

أنا موقن الآن أن تامر لن يستطيع أن يهدم بيتك طالما هي فيه

التفت شادي اليه وقال بتساؤل : وأنت!! كيف تقبل أن تتزوج رشا بعد كل ما عرفته عنها؟

قال وليد ونبرة الأسى تغلف صوته : أنا ورشا جمعنا الألم, في البداية لم تكن بهذه الشراسة, وعندما انضمت للشلة أدركت أنها تبحث عنك فينا, لكن تامر تلقفها بسرعة

برغم أننا مختلفان في كل شيء, لكننا اتفقنا على شيء واحد, أنني وهي ضحايا لتامر

هتف بدهشة : كيف؟!

قال بأسى : بعد أن سقطت رشا في مشكلتها فهمت أخيرا لم تركتني رانيا وألقت بنفسها لأول رجل تقدم لخطبتها, هي أيضا كانت احدى ضحايا تامر

أغلق شادي عيناه بألم واشتد وقع الصدمة عليه

وأكمل وليد بمرارة : فقط لو كانت أخبرتني بالحقيقة لما تركتها تضيع من بين يدي

لكنها لم تخبرني, ولازلت أضرب رأسي بالجدار, ولا أجد اجابة لسؤالي, لم لم تخبرني رغم كل ما بيننا من حب

لقد رأيت في رشا صورة أخرى من رانيا لذلك قررت أن أصلح الخطأ الذي لم أعلم به الا متأخرا لغاية, حتى لو في حق انسانة أخرى لا يربطني بها شيء, يكفيني أنها أخت صديقي

فهم شادي لم تصرفت رانيا بهذه الطريقة عندما تذكر كلمة رشا : كلما زادت القربى زادت رغبتي في البحث عن بعيد أبوح له بمصيبتي

فهم الآن أن حب رانيا لوليد هو الذي منعها أن تخبره بمصيبتها

وفضلت أن تبتعد عنه بصمت وعن كل ذكريات الماضي الأليم

شعر شادي برجفة باردة تسري في عروقه, لم يكن يعلم ذلك الشعور الغريب الذي انتابه أهو اشمئزاز أم غضب أم خوف؟

كان مشتت تماما ومرتبك عاجز عن فعل شيء

قال بهزيمة : اذا فقد اخترق تامر كل فتاة لها صلة بنا!!

وليد بأسى : مع الأسف هذا صحيح

قال شادي بخوف : اذا فلن يتورع عن اقتحام بيتي ثانيا وثالثا

وليد : ولكنك موجود, ولن تمنحه الفرصة ليفعل أى شيء

قال بهزيمة : وأنت, حبك لم يستطع أن يحمي رانيا منه, وأنا لم أستطع حماية أختي, فكيف لي أن أحمي بيتي؟!!

قال وليد بقوة : الأمر مختلف, كنا سابقا مخدوعين فيه, لم نكن ندري الى أى مدى يمكن أن يصل شره

أما الآن فهو مكشوف لنا تماما ولن يستطيع أن..

صمت تماما عندما رأى تلك النظرة اليائسة المهزومة في عيني شادي

نهض شادي ورحل بصمت لا يدري الى أين يذهب ولا كيف يتصرف

أخذ يدور في الشوارع بالسيارة شاردا ذاهلا عما حوله, والهزيمة تزحف اليه واليأس يسيطر عليه يحطم مقاومته وقدرته على التفكير

عاد شادي الى البيت وبقي صامتا تماما ليومين كاملين, حتى أتته مكالمة على هاتفه المحمول قضت على ما تبقى منه

فقد اتصلت به رشا وأخذت تضحك في الهاتف ضحكات هستيرية, وقالت بصوت امتلأ بالشماتة : لقد أرسل أبي لنا ورقة طلاق أمي

كانت مستمتعة تماما بالصدمة العنيفة التي تلقاها شادي,فقد صرخ صرخة غاضبة عنيفة وقذف بالهاتف الى الجدار بعنف ليتحطم الى قطع

ثم ألقى بجسده أرضا وظهره للجدار وأخذ يضرب مؤخرة رأسه بعنف في الجدار وهو يغلق عينيه بألم ويصرخ : لم؟!! لم الآن؟!! لم فعلتها في هذا الوقت؟!!

أتينا فزعا على صوت صراخه وحاولنا أنا وفاطمة أن نهدئ من روعه, حتى صمت تماما وضم ركبتيه الى صدره وأخفى وجهه بينهما

لا أدرى كم بقينا نحن الثلاثة على تلك الحالة, نكلمه ولا يرد علينا

لكنه استغرق مدة طويلة حتى استطاع أن يرفع رأسه وينظر الينا

لأول مرة نرى دموعه بهذه الغزارة واليأس والهزيمة في نظراته

ولأول مرة منذ مدة طويلة أشعر أن شادي يبالي حقا بما يدور بين أبيه وأمه ويتأثر لهذه الدرجة

مسح دموعه وهو يقول : أنا بخير, دعوني وحدي, سأكون بخير بعد قليل

تركناه وحده كما يريد بعد أن هدأت هواجسنا قليلا وشعرنا أنه بدأ يصبح بخير

أغلق على نفسه غرفته لعدة ساعات, ورغم أن فاطمة كانت تطرق عليه الباب كل فترة لتطمئن وتطلب منه أن يفتح لها لتتحدث اليه, لكنه يرد بالرفض

استمر الحال هكذا حتى منتصف الليل, وأنا وهي ندور أمام باب غرفته بقلق لا ندري ماذا نفعل

حتى فتح الباب أخيرا وخرج الينا بوجه جامد تماما

ابتسمت فاطمة بارتياح وقالت بسرعة : سأحضر لك بعض الطعام

قال بجمود : فاطمة

توقفت ونظرت اليه فقال : أريد أن أتحدث اليك في أمر هام

أردت أن أدعهما يتحدثان وحدهما, وهممت بالدخول الى غرفتي, لكن شادي أصر أن أبقى وأسمع ما سيقوله

جلسنا نحن الثلاثة حول المائدة والصغيرة نائمة في ذلك الوقت المتأخر من الليل

قال شادي ببطء وكأن كلماته تخرج بصعوبة : فاطمة, أريدك أن تعودى الى بيت أبيك

هتفت بصدمة : ماذا تقول؟!!

وصمت أنا في انتظار أن يكمل أو يقول أسبابا أو مبررات

لكنه قال ما أصابنا بالجنون : عودتيني دائما على الطاعة وعدم مناقشة أى طلب أطلبه منك

والآن, أنا أطلب منك أن تعودي الى بيت أبيك

قالت بهدوء وتماسك : حسنا, تعلم أنني لا أخالفك أبدا, لكنني أحتاج أسبابا ومبرر قوي لقرار كهذا

لم أرى في حياتي شادي ضعيفا ومشتتا ومنهارا بهذه الطريقة

قال : أرجوك لا أريدك أن تفسري قراري هذا بصورة خاطئة, وتأكدى أنني أفعل هذا لمصلحة الجميع

صمت قليلا وابتلع ريقه, وبقينا في انتظار المبررات القوية, لكنه قال : علينا أن ننفصل

انتفضت من كرسيها بصدمة وقالت ببطء : هل أنت واعي لما تقول؟!!

قال وهو يحاول التماسك أمامها : هذا هو الحل الوحيد لإنهاء هذه المهزلة, يجب أن تعودي الى بيت أبيك, هناك سأكون مطمئنا عليك, وحتى أتفرغ أنا لحل مشكلاتي ومشكلات أسرتي, اذا نجحت فسنعود لنستأنف حياتنا معا

التفتت الى وقالت : هل أنت موافق على هذا الكلام ياجدي؟!!

قلت بغيظ : إنه مخبول, لا تصدقيه فهو لا يستطيع الابتعاد عنك ولا عن نور يوما واحدا

قال شادي بضيق : لم لا تتفهمان تصرفي هذا!!

هناك بيت انهار وجزء من المسئولية يقع على عاتقي, وهناك امرأة هجرها زوجها, وفتاة ضائعة

على أن أعود وأحمل مسئولياتي

قالت : وما دخلي أنا!! تستطيع أن تحل مشكلاتك ولكن لا تهدم هذا البيت

ألم أشجعك وأدفعك كثيرا وألح عليك للسؤال عن أهلك وزيارتهم وتحمل مسئولياتك تجاههم؟!! لم تكن تستمع الى

قال بيأس : لقد كانت البداية خطأ, كل شيء من البداية كان خطأ

وان أردت اصلاح شيء فعلي العودة الى البداية

هتفت بغيظ : ما هذا الجنون الذي تقوله؟!! لا يمكن اعادة الزمن الى الوراء, وماذا عن طفلتك؟ هل ستعيدها هي الأخرى؟ أم ستتخلص منها؟

قال بنفاذ صبر : لم لا يفهمني أحدكما؟ هناك مؤامرة قذرة لهدم هذا البيت

نظر الى زوجته وقال بألم : انهم يبتغونك أنت, أنت هدفهم الأخير ولا يمكن أن أسمح لهم بالوصول اليك

قالت بهدوء : وكيف ستمنعهم؟ بالانفصال؟ بابتعادك عن البيت!!

اذا تكون قد حققت لهم مرادهم

قال باحباط : على أن أجمع شتات نفسي, وأعيد ترتيب حياتي, والأهم أن أبعدهم عنك وعن نور, فأنا.. أنا..

بدا مترددا كثيرا ثم قال : أنا الثغرة الوحيدة لهذا البيت

هتفت بغضب : بل أنت الذي لا يفهم, إن انسحابك وتخليك عن بيتك هو الذي سيحدث ثغرة وما من سيداويها, ستمنحهم الفرصة لتحطيم كل شيء جميل بيننا

قال بألم : صدقيني, أنا أفعل كل هذا من أجل أن أحميك, لم لا تريدين أن تفهمي؟

على أن أبعدهم عنك بكل وسيلة, حتى لو كان الثمن حرماني منك ومن طفلتي

هتفت بغضب : هروبك لن يحميني, ما سيحميني هو تصديك لهم ولخططهم الدنيئة

هتف بانهيار : أنا.. أنا.. أنا عاجز عن حمايتك, لقد اخترقوني, لقد هزموني, لست الشخص الذي يستطيع حمايتك

قالت بهدوء وبثبات كبير : أنا أحبك

صمت مذهولا مصدوما لدقيقة ثم قال : تـ.. تحبينني؟!

قالت بصوت يمتلئ ثقة : نعم أحبك, وأثق بك

ضحك بمرارة شديدة وقال باستنكار ودموعه تبدو جلية في عينيه : أسمعت يا جدي, لقد قالتها أخيرا

التفت اليها وقال باستنكار : الآن!! الآن فقط تقولينها!!

كم قضيت من ليالي أتمنى أن أسمع فيها هذه الكلمة, كم رجوتك أن تقوليها ولو من وراء قلبك, ولو حتى مجاملة حتى لو لم تستشعريها حقيقة, فقط لأتذوق حلاوتها من شفتيك, ولكنك لم تفعلي وتشغلينني بأشياء أخرى

كنت أتألم, ولكني لم أفقد الأمل أبدا أنني سأسمعها يوما ما منك

قالت : في البداية لم أكن أحبك, هذا صحيح, كنت بحاجة لأسباب قوية تجعلني أحبك, صفات حقيقية تجذبني اليك

لم تكن وسامتك تكفي, ولا مالك ولا ثقافتك ولا اللغات التي تحملها

كنت بحاجة لشيء أعمق وأقوى من كل هذا

انه قلبك, روحك الطيبة, حبك لطفلتك وتمسكك بي, حبك لجدك, محاولاتك المستمرة أن تكون انسان خير, سعيك المستمر لتصبح أفضل مما أنت عليه

نعم لم أقولها الا عندما استشعرتها, وأنا الآن أشعر بها من كل قلبي

هتف بغضب : أنت تكذبين, لم تحبينني أبدا, لكنك أردت بقاء هذا الزواج, وفي كل مرة كانت لك أسبابك, في البداية من أجل أسرتك والحفاظ على المحل, والآن لتحفظي لطفلتك أباها واستقرارها العائلي

أعلم أنك تريدين اثنائي عن قراري بأي ثمن, ولكن هذه المرة لن تستطيعي

لقد اتخذت قراري ولن أتراجع عنه أبدا

قالت بهدوء وبصوت ثابت قوي : وأنا سأتصدى لك, ولن أعود الى بيت أبي

قال بدهشة : ماذا!! تلك هي المرة الأولى التي تعصيني فيها

قالت بصوت أعلى : نعم سأتصدى لك ولكل من يحاول هدم بيتي وحرمان طفلتي من أبيها

أكملت بقسوة : تعلم جيدا كم ضحيت من أجل أن يبقى هذا البيت مستقرا, وأن تنعم ابنتي بحياة طبيعية بين أبوين متراحمين

سأتصدى لك بكل قوتي من أجل الدفاع عن حق ابنتي في الحياة

هتف بألم : أنا لا أستحقك, ولا أستحق طفلة مثلها, لا أستحق أن أكون زوجا ولا أبا صالحا

لقد خنتك مع رودي

قالت بهدوء : أعلم

قال بدهشة : تعلمين!! منذ متى؟

قالت : منذ اليوم الأول عندما عدت الينا يوم عقد قران أختك الساعة الثالثة صباحا لتقلنا الى البيت

قد لا تصدقني, ولكني قرأت في وجهك كل ما فعلته, بل والأكثر من هذا كنت أشعر بكل حركاتك وأنت تتسلل من جواري في نفس الليلة وتظنني نائمة لتذهب الى جدك وتفضي اليه بذنبك الذي أثقل كاهلك

كنت صامتا أستمع الى العجب العجاب

تلك الفتاة الشفافة رغم كل ما يبدو عليها من طيبة وتدين وهدوء

الا أنها تدرك كل ما يدور حولها بفطنة عالية, ولم أتكلم وأنا أراها تجادله بمنتهى القوة

لكنه فجأة التفت لي ورماني بنظرات اللوم والاتهام

فهتفت أدافع عن نفسي : لا تنظر الى فلم أخبرها بشيء

قالت هي : نعم, لست بحاجة لأن يخبرني أحد بشيء, فهناك احساس أقوى من اليقين

لم أكن بحاجة لأشاهد صورك وأفلامك أو للإستماع لمكالمات الهاتف ولا المحمول, يكفي أن أقرأه في عينيك وحركاتك

قال هازئا : والآن تقولين أحبك, بعد كل ما عرفتيه؟! أنا لا أصدقك

قالت : بل وأكثر من هذا, أنا أسامحك

قال بانفعال شديد : أنت تثيرين جنوني, ما من امرأة عاقلة تفعل ما تفعلينه

أقول لك خنتك وتقولين بكل بساطة أسامحك بل وأحبك؟! أهذا هو المنطق أهذا هو العقل!!

قالت بقوة : بل هو عين العقل, أن ترى ما يريده عدوك ولا تعطيه الفرصة ليضع يده عليه

كل المؤامرات التي تدور حوالينا هدفها واحد, وهو أن تتركني وتترك هذا البيت وتعود الى ما كنت عليه

كان الجميع وأنا من بينهم يوقن أنك لن تستمر في هذا الزواج, وستعود بسرعة

ولكنك خالفت ظن الجميع واستمر الزواج قائما, بل وعملت كل جهدك لإنجاحه, فألقوا اليك بشباكهم ليوقعوك, وظنوا أنك ستستسلم من أول سقطة

لكنك قاومت,وغلبت رغبتك في الحفاظ على البيت وحبك لي ولطفلتك كل شيء, غلبت حتى النزوة والخطأ الذي وقعت فيه

كان على أن أساعدك بعد أن استشعرت مدى ندمك واحساسك بالذنب

بعد أن أيقنت بمدى تمسكك بي وبطفلتك, لقد شعرت بصدق كم تحبني من قلبك

كان صامتا تماما أمام كلماتها القوية

لقد تأثر بالفعل,وكيف لا وأنا نفسي تأثرت بذلك العقل الكبير

ارتمى على الكرسي ووضع رأسه بين كفيه وقال بيأس : ونسيتي أنك اشترطي أنه لو بلغك عني شيء فسيكون فراقك؟

قالت : ومنذ متى تقام البيوت أو تفض بكلمة من امرأة؟!!

لكنني أخطأت في حقك, أذنبت ذنبا كبيرا لا يمكن أن تغفره أنوثتك ولا حتى روحك الملتزمة دينيا

قالت وهي تضع يدها على كتفه بحنان : وكذلك لن تقبل أنوثتي أن أترك زوجي لإمرأة أخرى

أما روحي الملتزمة دينيا فهي تفرض على أن أسامحك ليغفر لي الله ذنوبي, فمن منا بلا ذنب؟ ومن منا لا يخطئ؟

رفع وجهه اليها وقال بعينين دامعتين : مستحيل, لا يمكن أن أقبل بهذا, لا يمكن أن أدعهم يصلوا اليك, أنت لا تعرفين تامر ولا رودي, تامر لا يمكن ردعه عن شيء يريده

سيجد ألف طريقة وطريقة لينفذ ما في رأسة, خاصة عندما تنضم اليه الحية التي تدعى رودي

قالت بثقة : لا يمكن أن يصلوا الى طالما أنك هنا

قال بيأس : بل هم قادرين على ذلك, أعلم أنهم سيفعلون

لا يمكن أن أسمح بذلك, لا يمكن أن أدعهم يلوثوا براءتك وطهارتك ويجعلونك مثل رانيا أو رشا

قد أتحمل أى عقاب في الدنيا الا هذا

قالت بتأكيد : ومن قال أن هذا سيحدث؟ صدقني, انهم أضعف مما تظن

قال : بل هم قادرين على اختراقي وتحطيمي, ولن أدعهم يحطمونك معي

قالت : صدقني إن ابتعادك يعني أن تفتح أنت لهم ثغرة لينفذوا منها الى هذا البيت

عليك أن تبقى لتحميني وتحمي طفلتك

قال بصوت كسير : أنا آسف, سامحيني, فاطمة أنت طا..

صرخت بعنف قبل أن يكمل : اسكت

وتفجر غضب ذلك الكائن الوديع العاقل الرزين, عندها فقط عرفت معنى جملة (اتق شر الحليم اذا غضب)

لقد واجهته فاطمة بقسوة, واجهته بكل ما كنت أريد أن أقوله وأكثر

صرخت في وجهه : أفق لنفسك, لن أسمح لك بتكرارها ثانية, لن أسمح لك بإكراهي على ما لا أريده, لا أحد يعاملني بهذه الطريقة

لست أمة لك لتقرر مصيري ومصير طفلتي بكلمة في لحظة هزيمة

كن رجلا لمرة وتحمل مسئولياتك, كن رجلا لمرة وواجه موقفا في حياتك بإيجابية

كن رجلا وواجههم وتصدى لهم, أم أنك لا تقدر سوى على الضعفاء!!

لمرة واحدة اصمد أمام مشكلة وحاول أن تحلها

لا تهرب ككل مرة

دعني أراك رجلا أستطيع الاعتماد عليه

حافظ على هذا البيت ودافع عنه كما أستميت أنا في الدفاع عنه

أرني من نفسك رجلا بحق وستجدني أتبعك الى نهاية العالم, بل وأتحمل أقداري معك مهما كانت مؤلمة, صدقني, سأقاتل معك حتى آخر لحظة في عمري

حتى لو لم تكسب حبي, فإياك أن تخسر احترامي

لو حدث هذا فلن أبقي على شيء بيننا, لن أتمسك برجل يلقي بأسرته عند أول مشكلة تواجهه

ابتلع ريقه وقال بعناد هائل : لقد اتخذت قراري, يجب أن ننفصل

أعلم تماما كم يبلغ عناد حفيدي, عقله كالصخر اليابس, وان اتخذ قرارا فمن المستحيل أن يرجع عنه, خاصة اذا جاء هذا القرار بعد تفكير عميق

وشادي أخذ وقتا طويلا في التفكير, طويل للغاية

وفاطمة أيضا تعرف كم يبلغ عناده, ولكم ذاقت منه الأمرين

كانت تعرفه وتفهمه أكثر مني

لذلك فقد صمتت تماما وبدأت تستعيد هدوءها

ثم تكلمت أخيرا بهدوء ولكنه هدوء يحمل ثباتا وعنادا أشد وأقوى

حتى أنني ظننت أن ما بينهما هو صراع ارادات, وأردت أن أعرف ارادة من الأقوى ومن سينفذ كلامه

قالت : أعلم أن القرار بيديك, وأنك ان أردت هدم هذا البيت فستفعل ولن يردعك أحد, ولكني سأقاوم حتى النهاية,ولن أتخلى عن مسئولياتي ولا عن حق ابنتي

وسواء طلقتني أو لم تطلقني فلن أغادر بيتي أبدا, فالشرع يمنحني حق البقاء في بيتي ثلاثة أشهر لحين انتهاء العدة

نهضت من كرسيها وهي تقول : افعل ما تريد, لكنك لن تخرجني من هذا البيت مهما فعلت

كان ينظر اليها مذهولا من تحديها وقوتها وهي تتجه الى غرفتها

أمسكت بذراعه وقلت بخوف : قل لي أنك لست مجنونا الى هذه الدرجة

تكلم, لا يمكنك أن تفعل بها هذا

لم يلتفت الى أو يرد على كلماتي

كان ينظر نحوها ذاهلا عن كل شيء حوله, وصرخ بصوت يائس محطم : فاطمة, أنت طالق

خرست مذهولا من حماقته, وتجمدت هي في مكانها وظهرها لنا

لم تتكلم ولم تصدر عنها أية حركة, وأخذت أنقل بصري بينهما بخوف

كان الأمر أشبه بلوحة حزينة لم تكتمل بعد

أكاد أجن من طيش وجنون حفيدي وأتساءل متى سيتعقل؟

أتكون هذه هي النهاية؟!! ماذا أفعل بهذا الولد وعناده الذي سيقضي عليه وعلينا جميعا

لقد تزوجها في لحظة عناد, والآن يطلقها في لحظة عناد

أخذت أنظر لفاطمة في انتظار ردة فعلها, أنتظر أن تلتفت, أن تصرخ, أن تقول أى شيء لكنها لم تفعل

وبعد دقائق الصمت الطويلة ولحظات السكون الكئيبة , أكملت طريقها الى غرفتها وكأنها لم تسمع شيء, أغلقت الغرفة خلفها بهدوء وشادي واقف كصنم أخرس ينظر الي الباب المغلق بذهول

فما كان مني الا أن صفعته على وجهه صفعة شديدة لأوقظه من غيه وأنا أصرخ : ماذا فعلت أيها المجنون الأحمق؟!! ألا يكفيك ما فعلته بها طوال السنوات الماضية؟!! والآن تختمها بالطلاق!! أأنت انسان ! أأنت بشر مثلنا!! أأنت رجل مسئول عن بيت وامرأة وطفلة!!

ألم تفكر بابنتك أيها المغفل المأفون؟!!

قال بصوت يائس ودموعه تنهمر بغزارة : صدقني أنا أفعل كل هذا من أجلهما

..........

رحل شادي بكل احباطه وانهياره ويأسه

رحل مودعا بنقمتي عليه, وبخيبة الرجاء من زوجته

رحل وترك خلفه سؤال معلق لا يهدأ من طفلته : أين ذهب بابا؟

والرد من فاطمة واحد : ذهب في رحلة عمل

خلاف ذلك لا أسمع لها صوتا في البيت, والأقسى من ذلك أننى أشعر بأن فاطمة قد انكسرت, كسرها زوجها المجنون, وكلما نظرت لها أتألم

حزينة دائما, صامتة في الغالب, ولكم من مرة رأيت احمرار عينيها وتورمهما في الصباح, فأدرك أنها قضت ليلها تبكي

لم أسكت, وبدأت محاولاتي للإصلاح بينهما, فاتصلت بابني وطلبت منه التدخل لحل المشكلة والتحدث الى ابنه

وكعادته تردد وكاد أن يرفض لولا أني قسوت عليه

وبالفعل التقيا بعيدا عن البيت

وبعد اللقاء اتصلت بابني وأدركت مدى الأثر السيء الذي تركه اللقاء فيه

وحكى لي باختصار أنه طلب منه العودة الى بيته, لكن شادي اشترط عليه أن يعود هو الى بيته وزوجته أولا

حاول ابني أن يفهمه أن الوضع مختلف, وأنه لم يعد هناك أية رابطة تربطه بأمه

في حين أن شادي يعشق زوجته وطفلته

لكن شادي تركه ورحل دون أن يصلا الى حل, بل واتهمه بأنه تخلى عن مسئولياته وتركه هو وأخته من البداية, فلا يحق له الآن أن يأتي لينصحه

سبحان الله

ما أشبه الابن بأبيه, لقد عاش ابني مستسلما لمصيره لا يتخذ موقفا جديا في حياته سوى الهروب المستمر, حتى فقد ثقة أولاده وكلمته لديهم

وعندما قرر اتخاذ موقف قوى ما كان منه الا أن نفض يديه من المسئولية والبيت كله وطلق زوجته ورحل

وهذا ما فعله شادي تماما رغم اختلاف الملابسات والأسباب, ورغم أن فاطمة أكدت له أنها مستعدة أن تقاتل معه وتسانده الى آخر نفس

لكن يبدو أن الهروب هو جينات تورث في دماء الأسرة

فعندما أراجع نفسي أجد أنني لم أكن أبا صالحا في كثير من الأوقات

والآن, بمن أتصل وبمن أطلب العون؟

تذكرت..

صديقه وليد, نعم, هو وليد

أعجبني فيه أنه يحب شادي ويريد مصلحته وسعادته

ولأنه صديقه فبالتأكيد سيكون له تأثير قوي عليه

اتصلت به وشرحت له الموقف وطلبت منه التدخل

وذهب وليد اليه, لكنه مع الأسف لم يستطع أن يصل معه الى حل, بل ان شادي ألح عليه أن يطلق رشا

كيف يفكر ذلك الفتى الطائش!! يبدو أنه يحاول بالفعل اعادة كل شيء الى سابق عهده, لكن ما لا يفهمه الغبي أن ذلك مستحيل فعليا

حتى وليد يفهم ذلك, ورفض بشهامة كبيرة أن يطلق رشا

ورغم احساسه ببعض اللين في موقف شادي, لكنه رفض العودة لزوجته ولبيته, فعليه أن يواجه تامر أولا ويوقفه عند حده

لكن وليد أخبرني أن شادي يتألم بعمق وساءت حالته النفسية الى الحضيض, ويستعين على الأرق بالحبوب المنومة, فالكوابيس المزعجة تهاجمه باستمرار

تذكرت الحلم الذي حكاه لي شادي, وكيف أنه يعجز عن انقاذ نفسه من الغرق

خشيت عليه كثيرا, فهو الآن يغرق ولكنه يرفض أن يمد له أحد يد المساعدة

وجدت أن محاولاتي كلها قد باءت بالفشل, كما رأيت أنه لا محل لي في هذا البيت بعد رحيل حفيدي, فجمعت كل متعلقاتي وجهزت حقيبتي ووقفت في الصالة أنتظرها حتى تخرج من غرفتها

وبمجرد أن خرجت ورأت حقيبتي وقفت صامتة وفي عينيها ألف سؤال

صمت تماما, فلم تكن لدي الشجاعة لأواجهها برغبتي في الرحيل

لكنها فهمت ما يحدث, وانفجرت في بكاء عنيف مزع قلبي

لأول مرة أرى تلك المرأة الشجاعة تنهار بهذه الطريقة, يبدو أن طاقة الصبر والاحتمال لديها قد فرغت

أخذت أهدئ من روعها فتماسكت قليلا, ثم قالت لي وهي تنتحب : لماذا يا جدي؟!!

لماذا يتخلى عني الجميع؟ هل أخطأت في شيء؟ هل أسأت اليكم؟

قلت بألم ممزوج بالحنان : حاشاك يا بنتي, يعلم الله أني أحبك أكثر من أولادي

ولكن, بعد رحيل شادي, لم يعد وجودي هنا مناسبا

هتفت بألم : لا يا جدي, الأمر لم ينتهي بعد, لم تنتهي شهور العدة, أنا لازلت زوجته حتى الآن, وأنت ستبقى هنا ولن يتغير أى شيء حتى يقضي الله بيني وبينه

أرجوك يا جدي, لا تحطمني كما حطمني هو

لا أحد سواك يعلم بما حدث حتى الآن, فلم أستطع أن أخبر أبي حتى لا يشتد عليه المرض, أرجوك يا جدي لا تتخلى عني وأنا في تلك المحنة العصيبة

قلت باستسلام : حسنا يا صغيرتي, سأبقى من أجلك ومن أجل صغيرتك

…........................

عدت أنا وهي الى قائمة الانتظار

فكرت أكثر من مرة أن أتصل بالشرطة لتنهي المهزلة المسماة بتامر, ولكني لم أكن واثق ماذا أقول لهم؟وكيف أفضح حفيدي؟!!

وقررت أن أترك شادي يخوض التجربة لنهايتها فهو أكثر من يعرف تامر ورودي

كما أنه لم يعد طفلا يحتاج للوصاية الحماية, وعليه أن يخوض معاركه بنفسه

عليه أن يكون رجلا ويتحمل تبعات أفعاله

انتظرت على نار تلك المواجهة المحتومة بينه وبين تامر, ولم يطل انتظاري

فقد أخبرني وليد أن شادي ذهب للنادي وفاجأ تامر هناك وتحدث اليه

كان يدور في عقلي سؤال : ما الذي يريده تامر تحديدا

وكان هذا هو ما يدور أيضا في ذهن شادي وسأله لتامر مباشرة

في البداية أخذ يتلاعب به ويسخر منه

ثم حاول أن يبتزه ويطلب مالا في مقابل أن يتركه وشأنه

وحاول شادي أن يحتفظ بهدوئه قدر ما يستطيع

لكن تامر يعرفه جيدا ويعرف كيف يفقده أعصابه

كان الصراع بينهما رهيبا, حتى كشف تامر أخيرا عن مدى حقده وكراهيته لشادي

فهو ناقم عليه أشد النقمة, كاره له لأبعد الحدود

وكما قال وليد : لم يحبه يوما ولم يصادقه الا لينتفع من وراؤه

فشادي هو الجذاب المحبوب من الجميع الذي تلتف حوله النساء

وتامر مجرد تابع له

كان شادي يحظى بكل شيء جديد ورائع وبأجمل الفتيات, وتامر دائما بعده.. مما يجعله يصر دائما أن يصل الى كل ما وصلت اليه يداه

والآن, تزوج شادي من امرأة جميلة للغاية كما قالت رشا, والأنكى أنها لم تعرف رجلا قبله

امرأة من النادر وجودها هذه الأيام, تتمسك بزوجها وتسامحه مهما فعل

امرأة تبني بيتا وتحافظ عليه رغم كل الشدائد والأنواء

عندما انتقل الكلام بينهما الى الحديث عن زوجته تفجر غضب شادي عارما, وفقد السيطرة على أعصابه وضرب تامر ضربا مبرحا

واستدعت ادارة النادي الشرطة وتم عمل محضر لهما

لم يحضر وليد ذلك اللقاء, لكن ما أثار فزعه هو أنه عندما علم بالأمر وذهب الى قسم الشرطة ليخرج شادي من هناك, أفزعه تامر بشدة, فقد كان يرغي ويزبد ويتوعد شادي بأغلظ الأيمان بالانتقام منه

لم يبالي شادي له ولا لتهديداته فقد كان يشعر بالقوة والانتصار بعد أن تفوق عليه في معركة الأيدي

بل كان مشغولا بالمعركة الأخرى التي ينوي خوضها

فقد قرر أن يذهب الى رودي في بيتها ويواجهها بما فعلت

أما وليد فقد حذرني تحذيرا شديدا فهو يعلم أن تامر لن يدع شادي قبل أن ينتقم منه أشنع انتقام ويشفى غليله

وليس هناك ما يوجع شادي أكثر من زوجته

لذلك فقد اقترح على أن نغادر البيت ونختفي لبضعة أيام حتى يعرف علام ينتوى ذلك المجرم تامر

انتقل الى فزعه, وجريت الى فاطمة وحكيت لها كل شيء وطلبت منها أن نغادر البيت لبضعة أيام

لكنها سألتني سؤالا غريبا : وما رأي صاحب البيت؟!

أجبتها بما قاله لي وليد : هو الآن لا يبالي بتهديدات تامر, يبدو أنه يأخذها على محمل الغضب والتهديد الفارغ ليس الا

وأنه متيقن أن تامر لا يستطيع شيء بعد أن أظهر له قوته وضربه حتى أوجعه

قالت بصوت غريب : اذا فهو يعتقد أن القوة الحقيقية في عضلاته!!!

دليل جديد على أن كل منا يفكر بطريقة مختلفة تماما عن الآخر

سألتها بدهشة : ماذا تعني؟

قالت : كنت دائما أأمن أن قوة الانسان الحقيقية هي في ايمانه

فإن فقد الايمان يتبقى له العقل, فإن تخلى عن عقله واستسلم لغضبه تساوى هو وخصمه

عندها فقط يفوز من يؤلم خصمه أشد الألم

فوز أسوأ من الخسارة

قلت بخوف : علينا أن نغادر البيت

قالت هازئة : إن كان زوجي مطمئن ولا يبالي بما يحدث لنا؟

فهل أصبح على أن أتخذ القرارات بالنيابة عنه؟!!

لقد منح الله الرجل القوامة على البيت, الأغبياء فقط هم من يعتقدون أنه امتياز ونقطة للتفوق

لكن من يعرف الحقيقة يرى أن القوامة مسئولية وواجبات وعبء ثقيل لا يقدر عليه الكثيرون

أكملت بغضب : لن أغادر بيتي, وزوجي إن كان يبالي حقا بزوجته وابنته فعليه أن يتحمل المسئولية عن كل ما حدث وسيحدث لنا

لم أفهم ماذا تعني بكلماتها الا بعد عدة أيام, عندما وقعت الكارثة التي لا دواء لها

فوجئنا بطرق على باب البيت في الصباح الباكر

وقفت أنا وهي أمام الباب نخمن, أهو البواب أم غيره؟

لكني عندما سألت من بالباب؟ لم أجد رد

واستمر الجرس يرن والقلق يستولي علينا

قلت بصوت خشن : إن لم تقل من أنت فلن أفتح الباب

فجأة دوت ضربات هائلة على الباب أخذت تزداد عنفا مع كل ثانية

فزعت أنا وفاطمة بشدة

لكن فاطمة تماسكت بسرعة واتصلت بالشرطة وأخذت تصف لهم العنوان بتوتر

لكن تامر لم يمهلها, فقد انكسر الباب تحت وطأة ضرباته العنيفة

ودخل علينا كالوحش المفترس

كان منظره بشعا محمر العينين, يبدو عليه السكر الشديد

اندفع داخل البيت, وحاولت التصدي له لأبعده عن فاطمة

لكن عيناه لم تر غيرها, فأزاحني من طريقه بعنف حتى أنني سقطت أرضا من قوة ذراعه

انطلق يجري خلف فاطمة في البيت, ولم تجد هي مكانا تجري اليه الا الممر الذي يوصل الى المطبخ

أدركت أنها ستدخل المطبخ وتغلق بابه من الداخل لتمنعه من الوصول اليها

لكن تامر لحقها ووضع ذراعه في مدخل الباب ليمنعها من غلقه

وقفت خلف الباب تدفع من الداخل لتغلقه وهو يدفع من الخارج ليفتحه وأثناء تلك المدافعة مدت يدها الى الطاولة الرخامية بجوار الباب وتناولت سكينا كبيرا, فقد أدركت أنها لن تستطيع الاستمرار في دفع الباب طويلا فقررت الدفاع عن نفسها

وبالفعل هزمت قوته قوتها وفتح الباب عنوة

وقفت أمامه بشجاعة هائلة والسكين في يدها وهي تقول بقسوة : اياك أن تقترب والا غرسته في قلبك

أعماه الغضب الشديد عن كل شيء وأطمعه بالتقدم استهانته بقوتها وبأنها لن تصمد أمامه, فتقدم منها وهي تواجهه بثبات وحذر

جريت الى المطبخ بخطواتي البطيئة التي شاخت محاولا مساعدتها أو تعطيله قليلا حتى تصل الشرطة

وكدت أصل اليه لولا تدخل عنصر مفاجئ في الأمر لم نكن نحسب له حسابا

شهقت ولاء بفزع وهي تضع كفها على فمها ثم هتفت بخوف : الصغيرة!!

قال بأسى : نعم, صغيرتنا التي نسيناها في خضم الفزع الذي احتوانا

فقد فزعت من نومها وخرجت من غرفتها تجري بحثا عن أمها

وعندما سمعت أصوات تأتي من المطبخ جرت نحوه وهي تصرخ : أمي, أمي

كان تامر هو أول من وصل الى الصغيرة, ففاطمة لم تستطع التحرك لتتلقى ابنتها وتامر يحول بينها وبين باب المطبخ

وأنا بخطواتي البطيئة لا أستطيع أن أجاري شابا مثله في سرعته

أمسك بها والصغيرة تصرخ بفزع هائل

اندفعت نحوه فاطمة بشجاعة كبيرة ولدتها رعب امرأة وفزع أم على وحيدتها وغرست السكين بكل قوتها في كتفه وهي تصرخ : اتركها والا قتلتك

صرخ متأوها لكن ضربتها لم تكن قوية كفاية لتوقفه, فالتف نحوها كنمر جريح وهو يمسك نور بيده اليسرى وجذب السكين منها بيده اليمنى

كانت فاطمة ثابته وقوية

لكنها أمام قوته لا يمكن أن تغلبه

أخذ منها السكين وأنا أجذب الطفلة منه أحاول أن أخلصها من بين يديه

لكن الرعب جمدنا فلقد وضع السكين على رقبة الصغيرة وهددنا بقتلها

تقدمت منه فاطمة بعد أن استردت رباطة جأشها بسرعة, وقالت بقوة : ان مسستها بسوء قتلتك

تراجع تامر في الممر وهو ينظر اليها, وأفسحت له المكان والرعب يقتلني على الصغيرة, وعلا صوت فاطمة وهي تقول : اتركها

قال بغل : أبلغي زوجك أن لدي شيء يخصه

خرج من باب الشقة أمام أعيننا وأعين الجيران الذين تجمعوا ومعهم البواب ولا أحد يستطيع اعتراضه والسكين على رقبة الطفلة,وهو يصرخ فيهم : سأذبحها أمام أعينكم إن اقترب أحدكم, افسحوا الطريق

تنحى الجيران رعبا,وأخذها وركبا المصعد نزولا

تبعته فاطمة وهي تسحب نقابها من على الأريكة وترتديه في ثلاث ثواني وتختطف الجوال وتركض خلف طفلتها على السلم بعد أن أغلق باب المصعد

أما أنا فعرفت أنني لن أستطيع اللحاق بهم, فاتصلت بالانسان الوحيد الذي يهمه الأمر,وقلت له ثلاث كلمات لا غير: تامر اختطف طفلتك

انقطع الاتصال وعرفت أنه سيطير خلفه

أما فاطمة, فلقد وصلت الى مدخل العمارة متأخرة بعد أن غادر تامر بسيارته وبحوزته نور, فمهما بلغت سرعة عدوها فالمصعد أسرع

تطوع أحد الجيران أن يقلها بسيارته ويتتبع تامر, اندفعت بسرعة داخل السيارة التى انطلقت بسرعة خلف سيارة تامر

هتفت ولاء بغيظ : لا تقل لي أن الشرطة لن تأتي قبل أن ينهي بطل الفيلم الموقف ويحل كل المشكلات!!

قال بأسى : ليت كل المشكلات تحل على طريقة الأفلام

أتعلمين كم استغرقت كل هذه الأحداث الرهيبة من وقت أن اقتحم تامر البيت وفاطمة تتصل بالشرطة الى أن اختطف نور وأقلع بسيارته؟

قالت باهتمام : كم دقيقة؟

قال بألم : لم تتجاوز الدقائق السبع, لقد حدث كل شيء بسرعة لم نتوقعها

كل شيء جاء مفاجئا, وليس هناك سيارة للشرطة يمكن أن تصل أبدا لمكان مشكلة أو حادث في القاهرة في تلك الدقائق القليلة

لكن الشرطة وصلت في النهاية, وكنت أنا في البيت, وأخبرتهم بما حدث وبأوصاف سيارة تامر كما كنت أذكرها يوم عقد قران رشا

ونقلها الضابط الذي معي في الشقة الى زملائه عبر اللاسلكي

وتتبعها زملاؤه, وبعد مدة سمعت في اللاسلكي أنهم عرفوا مكان السيارة

فاتصلت بشادي على الهاتف المحمول وأبلغته عن مكان السيارة,وكذلك فعلت مع فاطمة, وبعد مطاردة من سيارات الشرطة انتهت عند نادي القاهرة عندما توقفت سيارة تامر قسرا بسبب ازدحام السيارات فأخذ الطفلة وجرى بها على أقدامه حتى وصل الى كوبري الجلاء والشرطة خلفه, لكنه فوجئ أمامه بشادي يجري قادما من الجانب الآخر من الكوبري من ناحية الدقي

فتوقف في منتصف الكوبري لا يدري الى أين يذهب فالشرطة من خلفه وشادي أمامه

واستطاعت فاطمة الوصول الى المكان أخيرا, ورأى تامر أنه لا مفر أمامه فأمسك بالطفلة الفزعة ووضعها على افريز الكوبري وصرخ : ان اقترب أحد مني فسألقي بها

تجمد الجميع في أماكنهم, ولم يستطع شادي تحمل رؤية طفلته على تلك الحالة ولا سماع صراخها الفزع, فهتف بتامر : لا.. لا تفعل

تقدم منه ببطء وهو يهتف بتوسل : تامر, لا تفعل.. كنا دوما أصدقاء, أنسيت؟!!

أنا مستعد أن أنسى كل شيء, سأنسى ما فعلته بي وبطفلتي وبزوجتي

سأسامحك على كل ما فعلته, فقط أنزلها.. أرجوك, ما ذنبها!! انها طفلة صغيرة

فلتنتقم مني أنا

هتف تامر بغل : لا تتقدم, سأنفذ تهديدي ان تقدمت خطوة واحدة

لكن شادي تقدم أكثر وازدادت لهجته توسلا : تامر, أتوسل اليك ألا تؤذيها, سأمنحك أى شيء تريده, سأترك لك شركة الكمبيوتر, فقط لا تؤذيها

كانت فاطمة تنظر الى المشهد بأكمله متجمدة من الرعب وتأملت وجه تامر طويلا, ثم اتجهت الى الضابط الواقف ينتظر محاولات شادي إن كانت ستنجح أم لا, ليتخذ خطة أخرى إن استدعى الأمر

همست له فاطمة : أرجوك, تصرف, سينفذ تهديده, افعل شيئا, أعلم أنه سيؤذيها

نظر اليها الضابط بتفهم واشفاق مقدرا لهفتها وخوفها على صغيرتها, لكنه انتظر ليرى الى أين سيصل شادي الذي كان يتوسل لتامر أن يترك الطفلة

لكن فاطمة أدركت من عيني تامر وتصرفاته أنه جاد في تهديده فعادت تهمس للضابط : عليك أن تتدخل الآن, سيقتلها, أقسم لك أنه سيفعل

قال الضابط : لو كان ينوي قتلها لفعل من البداية, ولكن هناك أمل أن ينجح والدها في اقناعه, فلننتظر قليلا

قالت باصرار : عليك أن تتدخل الآن والا فعلت أنا

ألا تراه؟ انه مجنون تماما, لا يريد سوى الانتقام حتى لو قضى حياته كلها في السجن, أو حتى قتل نفسه

قال الضابط مطمئنا : اهدئي ودعيني أقوم بعملي

ثم أمر أحد جنوده قائلا : أبعدها من هنا

لكن فاطمة دفعت الجندي بيديها وجرت نحو تامر بصورة مباغتة, ولم يشعر بها, فقد كان كل تركيزه مع شادي, ونجحت بالفعل في الامساك بذراع الطفلة

وتحرك الجميع من بعدها

كانت هي الأسرع, وأتى الجميع متأخرين

جرى الضابط والجنود, وكذلك شادي رغم أنه كان أبعدهم عن تامر

لكن..

لم يصل لتامر سوى فاطمة, لم يصل اليه أحد غيرها

كانت مشاعر فاطمة هي الأصدق, لم تكن تتكلم باندفاع عاطفة الأمومة رغم قلقها المميت على طفلتها. بل كانت تتحدث بمنتهى العقل

لقد نظرت في وجه تامر ورأت أن جنونه قد وصل الى مداه, وأنه قد يدفع حياته برضا ثمنا للانتقام من شادي

ولم يصدقها أحد أبدا

كلنا خذلناها

شادي لم يصدقها, والضابط, حتى أنا لم أكن أتخيل أن تامر يمكن أن يصل الى هذا المدى البعيد

الوحيد الذي كان رأيه مشابه لرأى فاطمة هو وليد, هو الذي توقع الشر من تامر وحذرنا من البداية

هتفت ولاء بخوف :ماذا فعل المجنون بالطفلة؟

قال الشيخ بصوت كسير وقلب دامي : لقد وجد تامر نفسه محاطا بالشرطة, وكانت اللحظة الوحيدة التي يستطيع فيها أن ينفذ انتقامه هي هذه اللحظة

لكن فاطمة كانت تقف في طريقه, فلكمها لكمة عنيفة ألقت بها الى الأرض, وقفز بالطفلة من فوق الكوبري قبل أن يصل اليه أحد آخر

كانت صدمة مروعة للجميع جعلت شادي يصرخ فزعا ويلقي بنفسه خلفهما على الفور

وهبت فاطمة واقفة بسرعة وأمسكت بحافة الكوبري وأخذت تصرخ بهستريا وتنادي نور بهلع

أما الضابط المصدوم فقد أمسك باللاسلكي وطلب العون من قوارب الشرطة النهرية لإنقاذ من قفزوا من فوق الكوبري

وانتهى كل شيء..

تجمدت ولاء تماما وجحظت عيناها من الانفعال وقالت بتوتر : ما الذي انتهى بالضبط؟!!

قال الشيخ وقد غلبته دموعه واحمر أنفه من التأثر : الشابين الكبيرين يجيدان السباحة,أما الصغيرة المسكينة فقد أخرجوا جثتها من الماء بعد عدة دقائق

المسكينة لم تتحمل القفزة الهائلة من فوق الكوبري ولا الصدمة التي تلقتها على سطح الماء فغاصت ولم تستطع النجاة

لا زالت ولاء متجمدة من هول الخبر المؤلم, لكن دموعها سالت بغزارة, وبعد دقيقة كاملة قالت ببطء: و. وماذا فعلت فاطمة؟

قال بألم : وقفت على الشاطئ تنتظر مركب الشرطة النهرية بجوار سيارة الاسعاف التي تم استدعاؤها

ورأت شادي مقبلا عليها وهو يحتضن طفلته وأثر الصدمة المؤلمة على وجهه, فما كان منها الا أن تنتحب بعنف وتحوقل وتسترجع وتشكو الى الله

حاول طبيب الاسعاف أخذ الصغيرة من أبيها المصدوم, لكنه هرب منه ومن الجميع, وانطلق يجري حاملا طفلته حتى وصل الى سيارته وعاد على الفور الى البيت

دخل على حاملا جثة الطفلة, حاولت أن أتحدث اليه لأفهم ما الذي جرى لنور لكنه لم يرد على وأغلق الباب على نفسه ومعه جثة نور

وعادت فاطمة محطمة الى البيت واتخذت لها ركنا في الصالة تبكي وتسترجع ولا تعي ما حولها

وعجزت عن استخراج أية كلمة منها

واستدعيت ابني وزوجته بالهاتف وكذلك وليد وأهل فاطمة وأتت رشا مع أمها

وحاول وليد التحدث الى شادي واقناعه أن يفتح الباب وهو لا يرد

ثم حاول ابني مرات ومرات, ثم حاولت أمه, وكررت أنا المحاولة كثيرا وهو لا يستجيب لأى منا

لم يكن باستطاعتي أن أطلب من فاطمة أن تتحدث اليه, فقد كانت صدمتها تفوق الجميع

لقد فقدت أغلى ما لديها

لم يكن باستطاعة أى منا التحدث اليها في تلك اللحظات العصيبة وقد ألقت برأسها على كتف أمها وهي تبكي وتنتحب بألم

لا أخفي عليك أنني لم أكن خائفا عليها, كنت موقن بأن قوتها الايمانية وطاقة روحها المتدينة ستمنحها القوة للوقوف على أقدامها من جديد

لكن خوفي الحقيقي كان على شادي, فلم يكن لديه نفس قوتها, ولم تكن لديه أية ثقافة دينية ولا قوة تنبع من نبع صافي يستلهم منه اليقين والصبر على البلاء

وكلما مر الوقت وهو لا يفتح الباب ولا يرد, يهيء لي شيطاني أنه آذى نفسه

واستمر هذا الوضع الى منتصف الليل, وأخيرا فتح شادي الباب بعد أن تحدث اليه وليد طويلا, ودخل وليد الغرفة ليجد شادي قد عاد يفترش الأرض وظهره للجدار ويداه تطبقان على الطفلة المتوفاة وعيناه ذاهلتان عن كل شيء

أخذ وليد يتحدث اليه كثيرا وشادي لا يرد, بل لا ينظر اليه,وحاول أن يأخذ منه الطفلة فلم يستطع

وبدأنا جميعا محاولات مضنية لإنتزاع الطفلة من بين ذراعيه لكننا لم ننجح, كان صامتا كالموتى, ذاهلا كالمجانين

عجزنا جميعا عن أخذ الطفلة لنجهزها للدفن, وتفتت قلوب كل الموجودين على مشهد ذلك الأب المكلوم ونور حياته ينطفئ أمام عينيه

ما من كلمات تعبر عن الأسى والحزن الذي انتاب الجميع في تلك الساعات القاسية

خرجنا الى الصالة وبقي والده جالسا على الأرض بصمت نادم

والجميع يجهش بالبكاء, حتى رشا ذات القلب الحجري, أخذت تبكي أخاها وابنته, ثم بدأنا نناقش كيفية حل تلك المعضلة؟ وكيف سنأخذ منه الطفلة لندفنها؟ حتى أننا اقترحنا أن نعطيه حقنة منومة ليهدأ ويترك الطفلة

لكن وليد قرر أن يحاول معه محاولة أخيرة

جلس بجواره وقال وهو يبكي : شادي ..أخي, صديقي, لا يمكن أن تفعل هذا بنفسك وبطفلتك!!أرجوك أعطها لنا, علينا أن ندفنها, لقد قارب الصبح على البلوج

قال والد فاطمة : يا ولدي كن مؤمنا صابرا محتسبا, سيعوضك الله خيرا منها

كان شادي يبدو كتمثال أصم ارتسم الحزن في كل ملامحه, أما والده فقد كان صورة مجسدة للندم

قالت أمه وهي تبكي بشدة : ولدي الحبيب, أعطهم الطفلة فلن تستفيد شيئا من جلوسك هكذا

كان الوقت يمر والطفلة يجب أن تجهز لتدفن في الصباح فقلت له بشدة وأنا احاول قدر جهدي أن أكون حازما معه لكن الله يعلم كم يتمزق قلبي لأجله : ما هذا الذي تفعله يا ولد؟ هيا, قف على قدميك وأرني كيف تكون الرجولة

انتابتني حالة من الغضب الشديد وأنا أراه هكذا ضعيفا, مهزوما, محطما,فنزلت أمامه على ركبتي وصرخت في وجهه وأنا أمسك بكتفيه وأهزه عله يفيق :أجننت!! أعطنا الصغيرة لندفنها, أتريد أن تعترض على قضاء الله؟ !! أفق لنفسك قبل أن تهلك

لقد ماتت الطفلة ولن تعود

أخذت أجذب الطفلة منه فازداد تمسكا بها ولم يفتح ذراعيه أبدا

صرخت فيه : أعطني الطفلة يا مجنون علينا أن ندفتها فقد ماتت, ماتت

تحرك وأخذ يهز رأسه نفيا بقوة ونطق أخيرا بصوت كسير : لا, لا, لا

ظل يرددها وأنا أجذب الطفلة منه وهو يزداد تمسكا بها حتى توقفنا على صوت قوي : دعه يا جدي

لو كان أى انسان آخر أمرني أن أتركه ما تركته حتى يفيق, لكن الكلمة صدرت من الانسانة الوحيدة التي لا أستطيع أن أقول لها لا

التفت لأجد فاطمة واقفة في مدخل الغرفة ونقابها على وجهها كما هو منذ أمس مبللا من كثرة بكائها

ابتعد وليد الى الصالة وتراجعنا جميعا لتقترب هي وحدها منه وتنحني لتجلس أمامه مباشرة, وعرفت من عينيه الزائغتين أنه يدرك ما حوله ويعرف أن فاطمة أمامه لكنه عاجز عن رفع عينه اليها

كشفت نقابها ليبدو من تحته وجهها الحزين المبلل بالدموع, ومسحت دموعها بكفيها وابتلعت ريقها وفالت بثبات شديد : شادي.. شادي انظر الى

أخيرا استطاع أن يرفع عيناه وينظر في عينيها

قالت بحنو : شادي, أعطني ابنتي

ظهر على وجهه الألم العنيف ووقفنا جميعا صامتين مترقبين

وأكملت هي بصوت باكي : شادي, أعطني ابنتي, لقد دللتها كثيرا, سيفسدها تدليلك

سالت دموعه بصمت وهو ينظر اليها, فقالت وهي تمد يدها وتمسك بجثة الطفلة : أريد أن أحممها وأبدل ملابسها, انها لم تأكل شيئا منذ الصباح

كان جسده يرتجف بشدة ودموعه تهطل وتبلل ملابسه وشعر الصغيرة ويداه ترتخيان مما جعل فاطمة تبكي بشدة لكنها تحاول التماسك قدر ما تستطيع وهي تجذب الطفلة نحوها ليفتح ذراعيه أخيرا ويتركها تأخذها وهي تقول في صوت يفتت القلوب : البنت الطيبة تطيع أمها.. أليس كذلك؟

ارتمى حفيدي في حضن أبيه يبكي وينتحب كطفل صغير

وحملت فاطمة طفلتها ونظرت طويلا في وجهها وأخذت تقبلها قبلات كثيرة وتنتحب بعنف مما جعلنا نبكي جميعا

بعد قليل هدأت فاطمة وأخذت تنظر في وجوهنا جميعا ثم اتجهت مباشرة الى وأعطتني الطفلة وهي تقول برجاء : جدي, أريد أن أسألك شيئا, أرجوك, اعتني بها جيدا وأتمم لها كل ما يلزم فأنا أثق بك ثقة كبيرة

قلت ودموعي تتفجر : لا, لا يا ابنتي, لن أستطيع

قالت : أرجوك يا جدي, أنا أعتمد عليك في هذه المهمة العصيبة

لا أنا ولا هو نستطيع ذلك

أعلم أنك ستعتني بها جيدا, كما فعلت سابقا.. أتذكر؟

احتضنت الطفلة بقوة وأخذت أنتحب بعنف

فتلك الصغيرة التي تلقيتها في أول يوم لها في الحياة بوصية من أمها

أودعها في آخر يوم لها في الحياة وأيضا بوصية من أمها

انتحبت ولاء بشدة وسالت دموعها غزيرة والشيخ يحكي وينتحب

هتفت ولاء وهي تبكي : لا يمكن أن تكون نهاية القصة على هذا النحوأخبرتك من قبل أنني أريد أن أنهيها عند الجزء السعيد

قال بعد أن هدأت دموعه : هكذا الحياة, يوم سعيد ويوم مؤلم

ولا نملك سوى الحمد في النعم والصبر عند البلاء

فالت بأسى : ولكن , يجب أن يبقى هناك أمل

ألم يعد شادي الى فاطمة؟

قال بحزن : لكم تمنيت ذلك, لكنه لم يحدث, فشادي دخل الى مصحة نفسية بعد أن أصابه انهيار عصبي شديد, فقد حمل نفسه المسئولية كاملة عن كل المصائب التي حدثت ولا زال تحت العلاج حتى الآن

أما فاطمة فبمجرد انتهاء شهور عدتها عادت الى بيت أبيها, ولا زلت أحرص على زيارتها وزيارة أهلها, وأتمسك بأن يظل الود متصلا بيني وبينهم

وفي آخر زيارة طلبت مني أن أحضر لها بعض المتعلقات التي نسيتها في شقة شادي

فذهبت الى الشقة لأحضر لها ما طلبت, وهناك, هاجمتني الذكريات بعنف

انها نفس الدار التي عشت فيها أجمل أيام عمري

وها هي قد خلت من ساكنيها وأصبحت خرابا

وأخذت أبكي على الأطلال كما يقولون

وأشد ما كان يؤلمني أن صاحبة البيت لن تعود الى بيتها

ومن كثرة الهم والغم فاجأتني الأزمة الصحية التي كادت أن تودي بحياتي لولا أن نقلني الجيران الى أقرب مستشفى على الفور

هل تتخيلين أن كل تلك الكوارث التي مرت بي ولم أسقط, حتى عندما قمت بدفن الغالية نور وهو أقسى ما مر على في حياتي.. لم أسقط

قالت بتأثر : عندما نكون وسط الدائرة لا نشعر بها تدور من حولنا, ولكن بعد أن نخرج منها نرى أبعادها كاملة

وأنت يا سيدي كنت ملتهيا في دوامة المصائب المتوالية, تدور معها ولا تشعر بها, ولكن عندما خرجت منها بدأت تسترجعها واحدة واحدة لتكتمل كلها أمامك في مكان الذكريات الذي شهد كل الأفراح والأحزان لتتجمع كلها أمامك وتعجز عن تحملها

ولكن..

ألا يمكن أن تعود فاطمة اليه؟ أظنه بحاجة اليها الآن أكثر من أي وقت مضى

خرجت من فمه ضحكة قصيرة تمتلئ بالمرارة وهو يقول: وهل رأيت يوما طائر يعود برجليه الى القفص!!

لقد فردت فاطمة جناحيها وطارت عاليا, أعلى مما كنا نتصور جميعا

لم تضع دقيقة واحدة من عمرها فبعد انتهاء العدة بيوم واحد نزلت الى عملها مباشرة, واستعادت كل ما فاتها والأكثر من هذا شاركت في ورشة كبيرة لعمل النظارات

فاطمة تسعى كل جهدها لتصبح سيدة أعمال, واضح أنها تعلمت الدرس جيدا ولن تدع المال يهزمها من جديد

كما التحقت فاطمة بالجامعة في كلية التجارة ,

والآن عادت للعمل في الجمعية الخيرية التى كانت تدرّس فيها سابقا, ولكنها عادت في منصب آخر, لقد اختارها مدير الجمعية لتكون مديرة لدار الأيتام بالجمعية لثقته الشديدة بها

قاطعته ولاء : ولكن, كيف تجد الوقت الكافي لكل هذا؟!!

قال : مع فاطمة لا تسألي عن الوقت, فهي لا تضيع دقيقة واحدة من عمرها فيما لا يفيد

هل تصدقين أنها أثناء فترة زواجها من شادي أتمت حفظ القرآن الكريم!تستطيع فاطمة التغلب على أية عقبة في طريقها تؤخرها عن أهدافها

حتى لحظات الهزيمة والانكسار, بإمكانها أن تحولها الى نجاح في مجال ما

قالت ولاء : ولكن, ألا تفكر بالعودة الى شادي؟

قال : سألتها مرة بصورة مباشرة عندما رأيت اصرارها الشديد على عدم العودة اليه رغم الحاح والديها ودفعهما لها لتكرر التجربة,

أتكرهين شادي بعد كل ما حدث؟

سالت دموعها وهي تقول : لا يمكنني أن أكرهه, ان لشادي منزلة كبيرة في نفسي, لا أنسى له أنه أنقذني وأنقذ أهلى من أزمة مالية كبيرة, لقد كان كريما معي للغاية, منحني أشياء كثيرة

لقد منحني أغلى ما في الوجود, وهو شعوري بالأمومة

لولاه ما كنت تذوقت ذلك الاحساس العظيم

ما كنت لأشعر بآلام الصغار وحاجاتهم, تجربتي مع نور علمتني كيف أكون أما

والآن كلما أحرقني الشوق اليها أضم أطفالي في الجمعية فأجد الصبر والسلوان في قلوبهم الصغيرة

لقد من الله على بأكثر من مئة بنت

أما غاليتي نور فهي لا تفارق أحلامي, أحلم بها كل يوم وهي تنتظرني على باب الجنة كما أرجو من ربي

تلك هي فاطمة نجحت في اجتياز الأزمة بجدارة وحولتها الى دافع قوى للنجاح

هناك نوع من البشر لا يمكن حبسه في بيت,أو أن يكون تحت ظل رجل

فالحياة تحتاجه بشدة ليخرج اليها ويصلح فيها

خرجت ولاء من غرفة عم محمد ولازالت مشاعرها متأججة من تلك القصة التي سمعتها منه

جلست خلف مكتب الاستقبال شاردة تسيل دموعها من وقت لآخر والقلم يدور بين أصابعها يأبى أن يكتب حرفا

حمدت الله أنه لم يتبقى الكثير على أذان الفجر ففي هذا الوقت تكون المستشفى هادئة للغاية مما شجعها أن تترك العنان لدموعها لتتخفف من الضغط النفسى الشديد الذي تركته القصة في مشاعرها

أخذت تستعيد الرواية في عقلها جزءا جزءا, ثم أمسكت بالقلم باصرار لتكملها وتضيف رواية جديدة الى رواياتها العديدة في الأجندة الزرقاء, وتوقع في آخرها بلقبها الأدبي (ذات الرداء الأبيض)

تمت بحمد الله وفضله

dr/fatma2010

06-03-2011, 12:41 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كاتبتي المفضلة التي هي جديرة بحق أن تلقب بالكاتبة الرائعة الاستاذة/ سامية أحمد

أعضاء منتدانا نور إسلامنا الجميل..

تحية طيبة وبعد...

لقد انتهيت من قراءتي لرواية فاطمة ..

هي حقا رواية جميلة جدا .. ولكن أحزنني كثيرا هذه النهاية الحزينة رغم أنها نهاية طبيعية ومنطقية للغاية وأعتقد أنها التطور الطبيعي للموقف ..

ولكن .. لماذا تقف الكاميرا عند هذا المشهد..

أقصد لماذا لا يكون للقصة بقية ؟؟!!

لقد فكرت كثيرا في هذا ..

لا أنكر أني كغيري من القراء يبحثون دائما عن النهاية السعيدة .. ولكنهم في نفس الوقت يريدون أن تكون منطقية ..

لذلك فقد حاولت بقدر استطاعتي أن أكمل هذه الرواية لتكون نهايتها سعيدة وذلك في اطار قدراتي المحدودة للغاية التي لايمكن بحال من الأحوال أن تقارن بقدرات الاستاذة الكبيرة / سامية أحمد..

اعتذر للاستاذة / سامية عن فعلي هذا قبل استئذانها.. ولكني كتبت ذلك في فترة توقف المنتدى عن العمل..

أرجو منكم جميعا أعضاء منتدانا نور اسلامنا أن تقرأوا هذه الفصول وأن يكون نقدكم لها نقدا بناءا ..

وألا تقارنوا لحظة بين أسلوبي وأسلوب الكاتبة الأصلية للرواية لأني تلميذة صغيرة جدا جدا وهي المعلمة والاستاذة الكبيرة ماشاء الله ..

أعتذر مرة أخرى ..

وهاهي الفصول وعليكم النقد..

لقد تغيرت حياة رشا بعدما حدث لأخيها جراء وفاة ابنته الوحيدة ..

لقد اضطرت لإدارة شركته بعدما أصبحت الشركة بلا مدير ..

خاصة وأن الشركة كانت قد تحسنت حالتها كثيرا

بعد فض الشراكة بينه وبين تامر..

أما عن علاقتها بوليد فقد ظهرت عليها ملامح التغيير

وبدأ يكسو البيت جو الدفء العائلي

خصوصا بعدما علما أنهما سيصبحان أبوين بعد ثمانية أشهر ..

وأصبح منصبها في الشركة يفرض عليها أن تكون أكثر اتزانا وتعقلا وهدوءا ..

وكانت تحرص على زيارة أخيها في المشفى باستمرار

وتحضر له كل مايطلبه منها الطبيب المختص بعلاجه

لعلها تستطيع أن تكفر عما حدث في الأيام الماضية..

ولكن.. لم يكن بإمكانها إحضار شئ واحد فقط

كان هو الأصعب بين طلبات الطبيب..

لقد كان لسان شادي لا يكف عن النداء منذ دخوله المصحة عن اسم واحد فقط وهو..

نــــــــــــــور ..

لقد عجزت رشا بكل الطرق أن تقنعه بأن نور قد ذهبت لربها وأنه سيلتقى بها في الجنة ..

أما عن والده ووالدته فقد اصابهما الحزن الشديد لما ألم بابنهما بعد الحادث

وأحسا بأنهما سببا رأيسيا في كل ما حدث

وكانا هما الآخرين يزورانه في المصحة باستمرار

إلا أن عودتهما لبعض أصبح شئ لا يتطرق إلى ذهنهما..

وذات صباح عندما أخذت الشمس وضعها في أفق السماء

وأنارت الدنيا بضوؤها الذي ملأ الكون حنانا ودفئا ..

طلب الطبيب من شادي أن يخرج من حجرته

ويجلس في حديقة المشفى لقد كانت حديقة رااائعة

واليوم أحد أيام الربيع الجميل والشمس ساطعة

والطيور تغرد فوق الشجر..

واخيرا وافق شادي على طلب الطبيب بعد إلحاح شديد ..

وعندما خرج من المبنى وهم بوضع قدمه على حافة الدرج لينزل إلى الحديقة

اخترق شعاع النور عيناه فرفع ذراعه ووضعه على عينيه

وأدرك أنه لم يخرج من حجرته منذ مدة طويلة ..

فعلا لقد مضى أربعة أشهر على وفاة نـور ودخوله المشفى ..

لقد ذكره هذا الشعاع بيوم كان أجمل أيام عمره ...

لقد ذكره بيوم مولد نـور..

فتنهد بأسى ونزل الدرج واتجه إلى أحد المقاعد المثبتة في أرض الحديقة

وجلس عليه ببطئ وأخذ يتأمل ما حوله ..

وفجاة وجد من يضع يديه الناعمتين على عينيه

ويضحك ضحكة عالية وتقول أنا مين ؟؟!!

يا إلهي لقد كان هذا المشهد يتكرر كثيرا في حديقة منزله عندما كان صغيرا

فقد كانت تختبئ رشا منه وعندما يتعب من كثرة البحث عنها دون جدوى

يجلس على أحد كراسي الحديقة وينتظر أن تمل هي من الاختباء فتخرج ..

ويحدث ما يتوقعه ..

تمل رشا من الانتظار فتخرج من المخبأ وتأتي من خلف ظهره وتضع يديها على عينيه وتقول من أنا ؟؟!!

فيسرع لسانه بالرد دون أخذ رأيه في التفكير : رشا !!

أين اختبئتي يا شقية لقد أتعبتيني كثيرا في البحث عنك ؟؟!

ثم يجري ورائها في الحديقة وتعلو أصوات ضحكاتهما البريئة ..

- يا إلهي لقد طال انتظاري كل هذا ولم تعرف من أنا ؟!!

جاء هذا الصوت من خلفه ينبهه أنه تطرق في التفكير كثيرا إلى أيام رااائعة ليتها تعود بما كانت تحمله من براءة ..

فقالت : هل سأنتظر كثيرا ؟ من أنا ؟!

فوجد لسانه يفعل ما كان يفعله من زمن.. لقد تكلم شادي ونطق اسما آخر غير نـور ..

بعدما انقطع عن الكلام نهائيا ولم يعد ينطق بكلمة غير اسمها فقط ..

لقد قال لسانه : رشا!!

عندما سمعت رشا اسمها لم تستطع أن تتمالك نفسها من الفرح..

لقد نجحت في أول مرحلة من مراحل علاج شادي..

لقد شعر بالواقع وبدأ عقله وذاكرته في العمل

لقد ابتسم شادي ابتسامة ضئيلة تلقائية ولكن سرعان ما عادت تعابير وجهه إلى الجمود مرة أخرى ..

عملت يداها هي أيضا بتلقائية فسحبتها من على عيني شادي

وجاءت من خلفه وقالت وهي تنظر إليه بجدية وحماس وعلى شفتيها ابتسامة النصر:

شادي..

استمع إلي جيدا ..

منذ مجيئك إلى هنا وأنا أعتني بك جيدا وألبي كل طلبات الطبيب ما عدا طلب واحد عجزت عنه ..

ولكن أنا اليوم أتيت لأخبرك بأني قادرة على تنفيذه..

رفع شادي عينيه إليها وأخذ يحدق فيها وينتظر ماستقوله ..

ولكن .. سرعان ما هبطت عيناه إلى الأرض مرة ثانية ..

- هل من الممكن لنور أن تعود ؟؟!!

هذا ما كان يفكر فيه ويردده داخل نفسه ..

قطع صوتها هذا الصمت الذي ساد لبرهة : نعم .. صحيح ما تفكر فيه ..

لن أستطيع أن أعيد لك نور ابنتك مرة ثانية..

ولكن .. يمكنني أن يكون عندي نور أخرى ..

اقتربت منه وأدرات بأصابعها الحانية وجهه إليها وقالت :

أنا لتوي قادمة من عند طبيب النساء الذي أتابع عنده منذ أن حملت وقد أخبرني اني حامل في بنت فقررت فورا أني سأسميها : نـــور..

من أجلك أنت ياشادي .. يا أخي ..

يا أخي ..

لقد خرقت كلماتها صمام قلبه ..

لقد أضاءت الدنيا من حوله ..

لأول مرة يشعر شادي بأن قلبه بدأ ينبض وأن الحرارة تسري في وجهه من جديد ..

رفع رأسه ونظر إليها نظرة حب وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ..

فأكملت قائلة : أنت أول شخص أخبره بهذا النبأ السعيد ..

لقد نسيت حتى أن أتصل بوليد أو ماما لأخبرهما..

أنت يا أخي أول من جئت ببالي ..

شادي ..

أرجوك ساعدني لتخرج من هنا ..

هل يمكن لنور ابنتي ان تأتي إلى الدنيا لترى خالها هنا ..

في هذا المكان.. وبهذه الحالة ..

أرجوك نور بحاجة إلى خالها ليضمها بحبه وحنانه الكبير ..

انصرفت رشا بعد هذه الكلمات ..

ولا تدري أن هذا الخبر سيغير حياة أخيها رأسا على عقب ..

لقد استعاد شادي كثيرا من حيويته ..

أصبح يأكل بصورة منتظمة واستجاب سريعا لدورة العلاج في المصحة ..

لقد تبقى أياما قليلة وسيصبح خالا لأغلى ابنة في الوجود ... نــــور ..

أذن الطبيب لشادي في الخروج من المصحة على أن يهتم بصحته جيدا وأن يأتي للطبيب في المواعيد المحددة بانتظام للمتابعة..

بدأ شادي في النزول مع رشا إلى الشركة للتعرفه بآخر التطورات لأنها ستضطر إلى تركها لمدة طويلة لأنها تريد عمل الاستعدادات لأن مولودتها الأولى على وشك الحضور ..

استعاد شادي نشاطه سريعا وبدأ في استلام مكانه في الشركة من جديد ....

جاء اليوم المحدد لولادة رشا وكان شادي ينتظر خلف حجرة العمليات بإحساس يمتزج بالخوف والفرح معا ..

أما وليد فهو لم يكف عن الحركة ذهابا وإيابا بفارغ الصبر ..

حتى فتحت الممرضة باب الحجرة وهي تمسك بيدها بطانية رائعة يظهر منها وجها منيرا صغيرا يستحق فهلا أن يسمي .. نــور..

وقالت : ماشاء الله طفلة رائعة الجمال مثل أمها ...

نعم لقد كانت رشا وشادي هما الاثنين على قدر كبير من الجمال الساحر الذي جذب كثير من الفتيان والفتيات ورائهم ..

حمل وليد ابنته بفرح بالغ ثم أعطاها إلى شادي فحملها بيدين مرتعشتين فقبلها بين عينيها ودموعه تتسلل بهدوء على خديه ..

اتجه شادي إلي وهو يحملها بين ذراعيه ..

وقال : انظر يا جدي أليست تشبه نــور ..

فقلت له وأنا أمسك دموعي : نعم يا بني أليست ابنة خالها ..

الحمد لله لقد عوضنا خير ..

تغيرت حياة شادي بالكلية ..

فقد أصرعلى بقائي معه في شقته الجديدة التي استبدلها بالأولى حتى ينسى كل ما جرى فيها من أحداث ..

فهو لا يريد أن يتذكر شئ من الماضي الأليم..

هذا ما أوصاه الطبيب به..

وبالفعل لقد بقيت معه في شقته حتى لا أشعره بالوحدة عند عودته من العمل ..

واستعطت بفضل الله أن آخذه معي إلى المسجد ليصلي فيه ويدعو الله عز وجل ..

لقد تبدل شادي تماما .. لم أكن أصدق أن حدثا جللا في حياة شخص ما

قد يقلبها رأسا على عقب كما كان يحدث في الأفلام ..

حتى حدث ذلك لشادي ..

لقد انحصرت اهتماماته بين عمله و بين ابنة أخته نـــــور ..

التي اعتاد أن يذهب إليها يوميا بعد عمله ..

وهو في غاية السعادة وهو يراها تكبر سريعا .. إنها جميلة حقا ..

وعندما يعود إلى البيت فيجدني في انتظاره فيقص علي كل ما حدث في يومه

وأنا استمع إليه بإنصات...

أعترف حقا بأنه حفيدي الذي أحبه من كل قلبي .. مهما حدث ..

ولكن ليله ليس لي ولا لأحد من الناس إنه فقط لربه ..

نعم .. لقد كان يقضي ساعات الليل في البكاء والدعاء والصلاة والاستغفار وقراءة القرآن ..

لقد انتظم في حضور حلقات العلم وحفظ القرآن في المسجد ..

حتى أنا حفظ القرآن في فترة قصيرة ..

لقد أصبح شادي إنسانا آخر لا صلة له بما مضى من عمره ...

وكأن خروجه من المصحة كخروج إنسان غيره ولد من جديد ..

- يا إلهي لقد مرت العوام سريعا ..

لقد مرت سنتان كاملتان على ميلادك ياحبيبتي كل عام وأنت بخير ..

انظري ماذا أحضرت لكي في عيد ميلادك يا حبيبة خالو ..

لقد أحضرت لكي أحلى سلسلة ذهبية فيها حرفك (n ) نـور أجمل اسم سمعته أذناي ونطقه لساني ..

نـور عيني ونـور حياتي ..

ابتسمت الطفلة ابتسامة فرح كبيرة ..

وألقت نفسها بين ذراعي خالها واحتضنها بشدة ...

- نـــــــــور ... نــــــــــور ..

احضري يا حبيبتي لنطفئ الشمع لقد حضر الجميع .. هكذا نادت رشا ..

ذهب الجميع واطفئوا الشمع .. والفرحة تغمرهم جميعا..

ابتسمت ولاء وتنفست بعمق و قالت : الحمد لله ..

لم أكن أصدق أن هذه العائلة ستبتسم من جديد ..

قال العم محمد : يا بنتي هكذه الدنيا يوم سعيد يوم حزين ..

ودوام الحال من المحال ..

لكن القصة لم تنتهي بعد ..

انتظري لأكمل ..

قالت: أخشى أن يتغير مجرى الأمور مرة ثانية ..

استمعي وستعرفي ما الذي حدث ..

- ممممم .. تكلم يا عم محمد فأنا متشوقة كثيرا ..